الاثنين، 16 يوليو 2012

مقال دراسي لمحمود جبريل (من صحيفة الشرق الأوسط)

محمود جبريل.. رهان الليبيين
يتطلعون إليه في بناء الدولة وترميم الشروخ وجبر الخواطر
القاهرة: عبد الستار حتيتة
http://aawsat.com/details.asp?section=45&article=686106&issueno=12281

عاد محمود جبريل، أول رئيس لحكومة ليبية أثناء ثورة 17 فبراير (شباط) 2011، بقوة، في الأيام الأخيرة، إلى واجهة الحياة السياسية في البلاد التي تعوم على بحر من الشكوك.
رجع بأناقته وصراحته واسم قبيلته المرتبط أغلبها بالنظام السابق، بعد أن كان قد ترك موقعه الحكومي في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.. عاد جبريل بكاريزما جديدة نضجت ملامحها في لحظة تاريخية من تاريخ ليبيا، مما جعل الأوساط العامة ترشحه رئيسا للحكومة من جديد، وترى أنه قادر على بناء دولة تتسع للجميع، خاصة بعد أن ظهر أن التيار الذي يمثله يمكن أن يحوز نصيب الأسد من أصوات الليبيين في أول انتخابات من نوعها تشهدها البلاد منذ نحو نصف قرن.
حين ترك جبريل موقعه الحكومي، الذي يشغله حاليا عبد الرحيم الكيب، توارى عن الأنظار وعن الحياة السياسية المباشرة لعدة أشهر، حتى ظن البعض أنه هجر الحياة العامة وزهد في أي موقع قيادي في بلاده التي تحاول النهوض من كبواتها المتلاحقة.. إلا أن مقربين منه ظلوا في الفترة الماضية يتحدثون عن أنه سيرجع أقوى مما كان.. وهذا ما حدث.. حمل حقائبه وعاد ليستقر في ليبيا وليؤسس الحزب الوطني الديمقراطي ويخيف منافسيه في صناديق الاقتراع.
لكن يبدو أن مكانته الشخصية وصورته التي كونها عنه الليبيون في وقت الشدة، أي في أيام الحرب ضد قوات النظام السابق.. عززت من مكانته في الانتخابات، إضافة إلى انتماءاته القبلية والجغرافية.. فهو من قبيلة الورفلة، أكبر القبائل المؤيدة للقذافي، والتي كان بعض أبنائها، خاصة في معقلهم بمدينة بني وليد في الوسط الليبي، جنوب سرت، حتى ربيع هذا العام، يرفعون علم القذافي الأخضر ويرددون الأناشيد المدرسية التي كانت شائعة في العهد البائد.
وبسبب انتمائه القبلي لـ«ورفلة» لم تصوت مصراتة لجبريل، وهذا أمر لافت، خاصة أن مصراتة وثوارها يعتبرون أنفسهم أمناء على ثورة «17 فبراير»، بعد ما أبلوه من قتال ضد كتائب القذافي في العديد من المدن الليبية، إضافة إلى معاناتهم الأولى داخل مدينتهم بسبب الحصار والتجويع والقتل في بداية الثورة.
وجبريل الذي يطلق عليه البعض لقب «الورفلي» من مواليد مدينة بنغازي عام 1952 وهي مدينة تعرف عنها طبيعتها الثورية، وذلك، كما يروي البعض، بسبب بعدها عن العاصمة وبسبب دور التعليم فيها وبسبب مثقفيها وشعرائها. وتقول المؤشرات إن الأصوات التي حصل عليها التيار الذي يتزعمه جبريل جاءت غالبيتها من مناطق كان يبدو أن الإسلاميين المتشددين والقبليين المحافظين يهيمنون عليها، مثل سبها في الجنوب، وطبرق ودرنة في إقليم برقة في المنطقة الشرقية، وهي منطقة تضم أيضا مدينة جبريل (بنغازي) التي يشتهر أبناؤها كذلك بالخيال والتمرد والرغبة الدائبة في التغيير.
وتمتلئ أزقة بنغازي وشوارعها الضيقة والواسعة بالشكوك والريبة، ورغبة أهلها في إعادة تقييم الحركات والسكنات. ويمر بالمدينة العابرون إلى أقصى الغرب الليبي وأولئك المتجهون إلى المشرق.. وتبدو وجوه الغرباء فيها، من عرب وأفارقة وآسيويين أكثر مما ينبغي في كثير من الأحيان والظروف. لكن يظل أبناؤها الأصليون، من مختلف القبائل، بمن فيها ورفلة، على ولاء وإخلاص للمدينة حتى لو ابتعدوا عنها سنوات وراء سنوات.
وعلى مر التاريخ بدأت الثورات من إقليم برقة، ومن بنغازي تحديدا، لا من طرابلس. وحتى القذافي انقلب على الملك انطلاقا من بنغازي، كما أن مركز عمليات التمرد المسلح ضد حكم القذافي نفسه بدأ من الساحة الرئيسية في تلك المدينة الواقعة بين البحر المتوسط والصحراء.
يقول أحد أصدقاء جبريل القدامى، إن دراسته المبكرة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بالقاهرة الصاخبة، حين كان طالبا في جامعتها، أثرت على سلوكيات ابن الصحراء والقبيلة وابن المدينة الساحلية المتمردة، وجعلته أكثر قدرة على ضبط مشاعره وردود أفعاله.. «جعلته أكثر قدرة على التعامل مع الحياة العصرية بكل تشابكاتها»، خاصة بعد أن تزوج من زميلته بالجامعة، وهي السيدة سلوى شعراوي جمعة، ابنة وزير الداخلية المصري الأسبق»، مشيرا إلى أن الرجل أدرك المشكلات التي تعرقل التقدم في المجتمعات العربية سريعا، مما دفعه لمواصلة دراسته في الولايات المتحدة الأميركية بعد تخرجه في الكلية بمصر عام 1975.
وبعد نحو ثلاثة أسابيع من اندلاع الثورة الليبية كانت الأوضاع في البلاد شديدة التعقيد.. ثوار يشكلون كتائب عسكرية سريعا على الأرض، ومنشقون من النظام السابق يبحثون عن ملاجئ آمنة في الداخل والخارج، وعملاء للنظام الجريح يندسون وسط المتمردين، ومجلس انتقالي يولد تحت قصف صواريخ القذافي ومدفعيته وكتائبه.. أجواء من الفوضى والاقتتال لا قبل لأحد بها.
في هذه الظروف الصعبة، تولى جبريل في مارس (آذار) من العام الماضي، رئاسة المكتب التنفيذي التابع للمجلس الانتقالي، ليكون أول رئيس لحكومة ليبية لا تعترف بحكم القذافي بعد نحو 42 سنة من تولي العقيد الراحل الحكم. وبسبب خبرته في السياسة وفن التخطيط والإدارة، تحمل جبريل في تلك الأوقات العصيبة أيضا ملف العلاقات الخارجية في مواجهة الآلة الدبلوماسية والاستخباراتية الرهيبة لنظام القذافي. وإضافة إلى إدارة المهمة الصعبة الخاصة بتدخل حلف الناتو لمؤازرة الثورة، تمكن جبريل بمساعدة بعض الأصدقاء الدوليين ومنشقين كبار عن النظام السابق كسفراء ليبيا ومندوبيها بالخارج، من انتزاع الاعتراف الدولي بالمجلس الانتقالي وذراعه التنفيذية (حكومة الثورة).
وطوال صيف العام المنصرم، وإلى أن حل الخريف الماضي بمقتل القذافي، تعرض جبريل لهجوم منظم من بعض أصحاب المصالح الذين رأوا أنه يمكن أن يهيمن على مقاليد الأمور في ليبيا مستقبلا، بسبب علاقاته الداخلية والخارجية، وأسلوبه الذي يستوعب الفرقاء ممن ظهرت المنافسة بينهم لجني ثمار الثورة حتى قبل الانتهاء من «تحرير» بني وليد والقضاء على جيوب كتائب القذافي في الجنوب والجنوب الغربي.
كان نظام القذافي يتهاوي، وفي الوقت نفسه كانت الضغوط تزداد لإبعاد جبريل عن المكتب التنفيذي والحكومة المؤقتة، بحجج كثيرة منها القول بإهماله ملف التحقيق في قضية مقتل عبد الفتاح يونس، رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الذي تم اغتياله على أيدي «ثوار متشددين» وهو يقاتل قوات القذافي على جبهة البريقة، صيف العام الماضي.
ومما تعرض له جبريل من انتقادات أيضا القول بأنه كان كثير السفر إلى خارج البلاد في وقت كانت تحتاج فيه الدولة الجديدة إلى وجوده في الداخل، حيث كان العهد الجديد يولد يوما بعد يوم من تحت النار والجثث والدمار. ووصف البعض حكومته حينذاك بـ«الحكومة الطائرة»، بسبب كثرة الأسفار، وهو أمر يرد عليه أحد المقربين من جبريل بالقول إن أسفاره كانت تهدف في الأساس لدعم الثورة.
لكن استقالة جبريل من موقعه، بعد دحر النظام الديكتاتوري أواخر عام 2011، أشعر الكثير من الليبيين بوجود فراغ يتطلب ظهور رجل مثله. وربما يكون جبريل ورجاله في الداخل الليبي، قد أدركوا هذا الاتجاه وهذا المزاج العام، فسارع بالإعلان عن نيته تأسيس حزب التف حوله كثير من الناشطين الجدد، وأغلبهم لا خبرة له بالعمل السياسي الحزبي بسبب تحريم القذافي الأحزاب طيلة 42 عاما.
يقول طارق القزيري، مدير المركز الليبي للدراسات والأبحاث، في تعليقه لـ«الشرق الأوسط» عن الدور الحكومي المرتقب الذي يمكن أن يقوم به جبريل: «للسيد محمود جبريل ميزة أنه من مواليد الشرق مع أصول من الغرب، حيث ينتمي لقبيلة ورفلة، لكن بعده القبلي ربما لا يدعمه كثيرا؛ فهو من جهة غير مرضي عنه من القبيلة (ورفلة) التي ما زالت تعد معقلا للقذافي، وهي كانت بين آخر المدن التي حررها الثوار، وهو من جهة أخرى سيكون محسوبا عليها مهما كانت الحال، ولعل هذا ما يفسر عدم انتخاب قائمته في مصراتة التي لديها حساسيات تاريخية مع ورفلة».
وهذا لا يعني أن جبريل تغلب عليه النزعة القبلية أو الجهوية، ويقول مقربون منه إنه تخلص من مثل هذه التحيزات التي تربك أي فرصة للعمل العام أو المؤسسي، منذ وقت طويل، وأسهمت دراساته وانشغاله بالعلوم وعمله في العديد من البلدان العربية والأجنبية، في التأثير على نظرته للأمور في بلد لعب نظامه السياسي القديم لأربعة عقود على التمييز القبلي والولائي والمناطقي.

وحصل جبريل على الدكتوراه في التخطيط الاستراتيجي وصناعة القرار عام 1984، من جامعة بتسبيرغ بولاية بنسلفانيا في أميركا، وأصدر في مجال تخصصه عدة كتب، وأشرف على تدريب قيادات بالإدارة العليا في عدة بلدان عربية وأجنبية، وحاول في السنوات الأخيرة من حكم القذافي، تنفيذ مشاريع لتأسيس بنية لدولة ديمقراطية تتعايش مع العصر الجديد، وذلك أثناء ظهور ما سمي قبل خمس سنوات «جيل الإصلاح» بقيادة سيف الإسلام نجل القذافي، إلا أنه أدرك سريعا على ما يبدو عدم وجود رغبة من النظام السابق وقياداته القديمة في التغيير، فانشق على القذافي وانضم للثورة رئيسا للمكتب التنفيذي.
ويضيف القزيري قائلا عن جبريل إنه «على الرغم من أدائه الإعلامي الجيد، فإن محمود جبريل ليس شخصية إعلامية مميزة.. يشهد على ذلك فترة مكتبه التنفيذي. كما أن علاقاته الشعبية غير مميزة أيضا، فقد اتهم إبان الثورة بقيادة الحكومة الطائرة والسفر للخارج وإهمال قضايا محلية ملحة توجت بأزمة اغتيال عبد الفتاح يونس المعروفة».
ويرى بعض المراقبين أن جبريل سيتوجب عليه مواجهة العديد من المشكلات العالقة، وأن هذا سيفرض عليه تشكيل تحالف وطني لوضع أسس الدولة الليبية الجديدة. ويوضح القزيري بقوله: «وبتحقيق جبريل غالبية تضمن له مباشرة - أو عبر تحالف إضافي - تشكيل حكومة وطنية انتقالية، فسيتعين عليه معالجة أزمة الميليشيات التي ستقوده لصدامات ظاهرة أو خفية مع كتائب الثوار التي تتبع شخصيات لا تنظر بعين الرضا لجبريل.. فعبد الحكيم بلحاج، القائد السابق لمجلس طرابلس العسكري، وكذلك أبناء الصلابي في بنغازي.. ولا ننسى كتائب مصراتة (التي).. ستحتاج (من جبريل) لخريطة توازنات معقدة للوصول لتفاهمات معها».
وبتحقيق تيار جبريل الأغلبية التي تؤهله لرئاسة الحكومة، فإن هناك شكوكا في ما إذا كان سيقود الحكومة بنفسه، أم إنه سيكتفي بالعمل من خلف ستار، ويدفع بشخصية أخرى من تياره أو عبر توافق مع التيارات الأخرى، لتكون في الواجهة، وتتحمل ما يمكن أن يحدث من تداعيات في حال اتخاذ قرارات مفصلية مثل تفكيك الميليشيات والقضاء على مظاهر التسلح أو مواجهة طموحات الفيدرالية، وغيرها من مفردات بناء دولة متماسكة. ومثل كثير من المحللين الليبيين، يتساءل القزيري بقوله: «ثمة سؤال مهم؛ وهو: هل سيدفع جبريل بنفسه لقيادة المرحلة أم يقودها من الخلف؟ فخطورة أو إلحاحية القضايا المطروحة ربما تعني أن يظل خارج الصورة في حكومة عمرها الافتراضي عام واحد ولديها مهام انتقالية أبرزها صياغة الدستور، وما يرافقها من استهلاك تفاوضي مضن».
ويتوقع القزيري أيضا أنه سيكون على جبريل «ملاحظة عثرة الإخوان المسلمين في ليبيا الذين دخلوا في صراع حقيقي مع الفيدراليين في الشرق، وكلفهم ذلك خسارة معقلهم ببنغازي، ونظرا لمعارضة جبريل للطرح الفيدرالي، فهو مطالب بمقاربة لا يخرج بها عن موقفه ولا يقطع شعرة معاوية مع الفيدراليين الذين يصمتون على مضض حاليا بعد نكستهم وفشلهم في معارضة الانتخابات ومنع قيامها، ولا شك أن لديهم رصيدا كافيا لإشعال حدة التوتر مجددا في برقة التاريخية».
حين استعان المجلس الانتقالي بجبريل ليكون رئيسا للمكتب التنفيذي (الحكومة) في بداية الثورة، أصر جبريل على التمسك أيضا بشغل وزارة الخارجية.. لكن هذا أمر من المستبعد أن يحدث في حالة توليه موقع الحكومة الجديدة هذه الأيام، كما يقول القزيري، الذي يضيف أيضا أن جبريل «قد يسلط الضوء على استفهامات تتعلق بالصف الثاني من تحالفه، مثل علي الترهوني، وزير المالية والنفط أيام الثورة، وشخصيات أخرى ذات صلة بعالم الأعمال.. هل ستبرز على السطح أم لا؟ وإذا برزت هل ستكون تكلفة ظهورها الإعلامي مقبولة شعبيا، خاصة مع (فوبيا الفساد) غير المتزنة في أعقاب حقبة القذافي».
ويتوقع مدير المركز الليبي للدراسات والأبحاث أن تفرض بداية المرحلة الانتقالية المنتخبة على جبريل «بيان قدراته والنضال ضد ما يقال إنه مبالغة إعلامية في هذه القدرات، حيث يتندر البعض على وصفه بأنه ضمن أفضل 10 مخططين استراتيجيين في العالم، وهو أمر حاول نفيه لكن على استحياء، كما أن علاقته برجالات ذوي علاقة بالنظام السابق، خاصة في مجال التجارة، وعلاقته هو نفسه بمشروع سيف القذافي، ربما ستكون مشاريع قنابل موقوتة في حقبة جبريل المقبلة».
ومع ذلك، تشير بعض التقارير إلى أن قطاعات واسعة من الليبيين تضع كثيرا من الأمل والثقة في جبريل لإعادة بناء اقتصاد ليبيا. وإضافة إلى خبرته الإدارية والتخطيطية النظرية، تمكن جبريل من النجاح عمليا على مستوى مشروعاته الخاصة التي يستمد منها استقلاليته وقوته، أو هذا ما يتحدث عنه الليبيون، سواء من أصدقائه المقربين الذين يعيشون في القاهرة، أو من خلال المناقشات الجارية في المنتديات الليبية.
وفي تقدير عوض عبد الهادي الشاعري، مدير تحرير صحيفة «المختار» الليبية، فإن «السيد محمود جبريل يعتبر رجل المرحلة بدرجة كبيرة». ويضيف الشاعري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» قائلا إن «هناك توافقا كبيرا من الليبيين على هذه الشخصية لأسباب عديدة؛ لعل أهمها ما يتمتع به من خبرة في مجال الاقتصاد والتنمية والتخطيط المستقبلي، وهو ما تحتاجه البلاد فور الانتهاء من المرحلة الحالية».
ويتابع الشاعري قائلا: «كما لا ننسى الصورة التي يحملها له الليبيون خلال فترة ترؤسه المكتب التنفيذي التي وإن شابها بعض القصور والارتجال واتخاذ بعض القرارات بشكل مرتبك، فإن رصانة وهدوء جبريل وتعقله؛ بل حنكته، استطاعت في أغلب الأحيان تخليص البلاد من الابتزاز السياسي أو ارتهان قرارات المكتب التنفيذي لبعض الدول أو الوقوع في أخطاء قد تعرقل مسيرة أي حكومة مقبلة كما وقع في دول أخرى تعرضت لظروف مشابهة للحالة الليبية».

ويتمتع جبريل بكاريزما في أوساط الليبيين، بسبب بعده عن الاستقطابات والصراعات التي ظهرت بعد «تحرير طرابلس» في شهر رمضان الماضي، وجعلت كثيرا من الشخصيات المعروفة مثار شكوك، سواء بالنسبة لقادة الميليشيات أو التيارات الإسلامية المتشددة.. فهو رجل أنيق يتقن ارتداء الملابس الغربية ويضع رابطة عنق ملونة ونظارة طبية شفافة.. والآن يطل على الليبيين مجددا، من خلال شاشات التلفزة وصور المطبوعات، بصفته رجلا لديه حلول عملية، وهو يتحدث بترفع وثقة مثل مشاهير العالم.
ويقول الشاعري: «نحن إذا ما سلطنا بصيصا من الضوء على شخصية الدكتور محمود جبريل، فلن نكون مجانبين للحقيقة إذا ما قلنا إنه يمتلك كاريزما القيادة المرحلية القادرة على العبور بالبلاد من عنق الزجاجة وترتيب البيت السياسي الليبي بأفكاره البعيدة عن سياسة الاستئثار أو إبعاد العناصر الوطنية عن عملية المشاركة في الحياة السياسية كما تسعى بعض الكيانات الأخرى وإن لم تعلن عن ذلك صراحة».
وبينما كان قادة لبعض الميليشيات يتقاتلون في مناطق حول طرابلس والزنتان والمشاشية والكفرة وغيرها.. وبينما كانت تيارات دينية وحزبية تتجاذب وتتبادل الاتهامات، وتنشغل بقضايا مثيرة للقلق، مثل مشروعية «هدم قبور الأولياء»، والزوايا السنوسية (الصوفية)، كان الخطاب السياسي الذي تبناه تيار جبريل يأتي من بعيد، ويعلو، متحدثا عن قضايا جوهرية تتعلق ببناء الدولة والإنسان والاقتصاد، وترميم الشروخ وجبر الخواطر وحل المشكلات التي أثقلت كاهل الليبيين طويلا.
ويوضح الشاعري قائلا: «ربما وقوع بعض التيارات والكيانات السياسية الجديدة في العديد من الأخطاء، جعل الناخب الليبي أكثر حرصا في أن يمنحها الثقة الكافية للنجاح؛ مما عزز الفرصة أمام التحالف الوطني بقيادة جبريل».
ووضع تحالف جبريل ميثاقا ووثيقة لفتت الأنظار في الأوساط العامة جاءت تحت اسم «تحالف القوى الوطنية لإرساء دعائم الدولة المدنية الديمقراطية»، وتوحي بأن ما ورد فيها يمكن أن يكون هو مشروع الدستور الليبي الجديد. ووقعت على الالتزام بالوثيقة قوى وشخصيات متعددة من نسيج المجتمع الليبي، ولا يجوز تعديل الوثيقة أو إلغاؤها إلا بأغلبية ثلثي أعضاء الهيئة العليا للتحالف. وتركز الوثيقة على الوفاء لمبادئ وأهداف ثورة 17 فبراير في الكرامة والحرية والعدالة، وعلى أن ليبيا «جمهورية مدنية ديمقراطية تعددية قوامها السيادة للشعب، والولاية لمن ينتخبهم عبر الاقتراع الحر».

ويضيف مدير تحرير صحيفة «المختار» الليبية: «يبقى أيضا أن نقول إن وصول محمود جبريل لرئاسة الحكومة الليبية المقبلة ربما سيمهد الطريق للوصول إلى مصالحة وطنية شاملة إذا ما وضعنا في الاعتبار جذور الرجل التي تعود إلى قبيلة ورفلة، وهي ما هي عليه من ناحية الموقع والبعدين التاريخي والاجتماعي والمكانة السياسية في ظل تحالفها مع النظام السابق، وهذا في نظري سيشكل حافزا إضافيا لجبريل وحكومته في السعي بجدية لقفل هذا الملف الذي قد يعيق أي بوادر للتنمية والبناء أمام أي حكومة مقبلة».

ولن يتمكن جبريل وحده من العمل في بلد مضطرب يبحث عن الثقة، وسيكون عليه أن يشكل تحالفا أوسع من بين التيارات الأخرى لتشكيل حكومة قادرة على فرض نفسها ونفوذها والسيطرة على جموح بعض الكتائب العسكرية وتطلعات قادة تيارات دينية وطموح مناطق وقبائل في الحكم الكونفيدرالي. ويقول عوض الشاعري إن الأمر يعتمد على الليبيين أنفسهم. ويزيد موضحا بقوله: «هنا يأتي دور الليبيين أنفسهم وقدرتهم على إعادة بناء دولتهم والخروج من هذا النفق باتجاه الضوء، وهي مهمة ليست بالسهلة، لكنها ليست بالمستحيلة في كل الأحوال».

دفاعا عن القيم العلمية د. محمد كشكار

نص المرافعة، دفاعا عن القيم العلمية
السلام عليكم، استجابة لطلبكم - متجها للمنصة - أقدم نفسي: محمد كشكار أستاذ علوم الحياة و الأرض بمعهد برج السدرية، دكتور في علوم التربية و لا أنتمي لأي حزب
         بسم الله الرحمان الرحيم
         سأتدخل في نقطة واحدة تهم اختصاصي الأكاديمي و هو مجال علوم التربية
         عند تصفحي لبرنامج "النهضة" الثري بالتطلّعات المستقبلية الواعدة و المُطَمْئنَة، وجدت ضالتي و مقصدي في الفقرة التالية التي تقول: "تؤمن حركة "النهضة" بضرورة إرساء منظومة قيميّة متكاملة تقوم على تفعيل جملة القيم النابعة من المخزون الثقافي و الحضاري للمجتمع التونسي و هُويته العربية الإسلامية" و ذكرتم - متجها للمنصة - كأمثلة على ذلك قيم العدالة و التكافل و مكافحة الفساد
         ليس عندي ما أضيف لهذه القيم العالمية الإنسانية المتأصّلة في قرآننا و سنّة نبينا، صلى الله عليه و سلّم، و سيرة أصحابه رضي الله عنهم جميعا، سوى أنها قيم سمحة لكن و للأسف الشديد لا نطبقها، بل الأدهى و أمرّ أننا نطبق عكسها منذ وفاة علي بن أبي طالب، كرّم الله وجهه، و لو كنا نطبقها لَمَا كان حالنا اليوم بين الأمم كالذي تعيشون و تسمعون و ترون، حال أمة مستضعفة، مُهانة، مستباحة و محتلّة من قبل أمم، نحن الذين درّسناها العلم و كنا سببا مهما من أسباب نهضتها العلمية الحديثة
         حتى لا أطيل عليكم و أتطفل على غير اختصاصي، أرجع و أذكّر أن القيم الدينية و الاجتماعية تحتاج إلى قيم علمية تسندها و تقوّيها. و العلم، يا سادتي، يا كرام، لمن لا يعرفه، هو ليس موضوعيا عكس ما يعتقد الكثيرون من أهله و من غير أهله. العلم منحاز بطبيعة منتجيه. و من هم منتجوه؟ هم علماء الغرب الاستعماري الرأسمالي المتوحش
         سوف أعطي أمثلة تعاضد رأيي
-         لم يسمح لنا الغرب بتطوير بحث علمي وطني. لماذا لا نبحث علميا في أساليب و أدوات طِبّنا العربي التقليدي و نطوره باستعمال أعشاب محلية رخيصة و غير ضارّة تكون في متناول موظفينا و فقراءنا و تقيهم من الأعراض الجانبية للأدوية الكيميائية المستوردة باهظة الثمن؟
-         سرقوا بذورنا النباتية الأصلية (الزرّيعة) و أجبرونا على شراء بذورهم و أبقارهم غير المتلائمة مع بيئتنا و التي تكلفنا أموالا طائلة و تربطنا باقتصادهم برباط وثيق. هل تصدقوا أن دولة أستراليا طورت بذور نبتة قابسية اسمها "الفصّة" و أصبحت تصدرها إلينا بالعلامة المسجلة  "الفصّة القابسية
-         في الثمانينات، قام مهندس تونسي بتجربة تتمثل في فرز البذور الأجنبية المستوردة بالعملة الصعبة الصالحة للزراعة عام واحد فقط و توصل إلى تحصيل 15 بالمائة منها صالحة للزراعة مرتين. لم يُمكّن هذا المهندس المجتهد من تمويل و كان يكفيه ميزانية شعبة من شعب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم المنحل
-         حاربت شركات صنع الأدوية الاحتكارية العالمية إنتاج دواء للسيدا في دولة جنوب إفريقيا، لا لشيء إلا لأنه بخس الثمن و في متناول فقراء إفريقيا و ربما ينافس تجارتهم و يضرب احتكارهم للعلم و المعرفة و الإنتاج التكنولوجي الحديث
-         يقتلون في المهد، بتواطؤ أنظمتنا العميلة، كل مشروع عالِم ينتج في بلاده الأصلية و سرقوا أدمغتنا بعد تخرجهم من جامعاتنا و نحن في سبات عميق و أمثال هؤلاء كثيرون مثل أحمد زويل و فاروق الباز و محمد الأوسط العياري و اعلموا أن عدد الأطباء الجزائريين في فرنسا قد يفوق عددهم في الجزائر  

أعود الآن إلى مخزوننا الثقافي و الحضاري الملئ بالكنوز المغمورة التي لا يراها إلا من أراد أن يراها  و قد بحّ صوتي و جف قلمي في التذكير بها بكرة و أصيلا، صباحا مساء و يوم الأحد حتى نستغلها في تعليم أبنائنا قيم علمية مفيدة، أورد بعضها على سبيل الذكر لا الحصر
-         "نظرية التربية البنائية الاجتماعية" المعاصرة و الحديثة للعالِمان المتناقضان المتكاملان، الليبرالي "بياجي" و الاشتراكي "فيقوتسكي" و التي تقول أن التلميذ قادر أن يبني معرفته بنفسه بمعية أقرانه و أنداده و تحت إشراف مدرّسه. كنا نطبقها دون أن ندري و نحن أطفالا في قرية جمنة الخمسينات، نلعب و نصنع لعبنا بأنفسنا تحت شجرة نخيل، ظلها وارف و تمرها لذيذ و كانت روضتنا الحرة، بصدق،  قطعة من الجنة. أما اليوم، فقد طغى الربح السهل و تفشت فينا المتاجرة حتى بفلذات أكبادنا و وضعناهم في روضات، لا تبعد كثيرا عن السجون الحقيقية بالنسبة لهم
-         "نظرية الحمام اللغوي" المعاصرة و الحديثة التي تحث على وضع التلميذ في وضعية تعلمية لغوية سليمة حتى و إن كان لا يفقه معانيها. نحن نملك تجربة ثرية في الكتّاب أين نعلّم صغارنا حفظ و تلاوة القرآن الكريم منذ سن مبكرة قد تبدأ من أربع سنوات. في الكتّاب، يتعلم الصغير النطق السليم و يسمع و يحفظ اللغة العربية القرآنية الفصحى الصحيحة في مرحلة الاستيعاب دون فهم و عندما يصل إلى مرحلة عمر الفهم قد يجد في تلافيف مخه أداة لغوية سليمة يوظفها في فهم النصوص العربية. أما اليوم، فطفلنا ضائع في المرحلتين السابقتين، يتلقى في صغره لغة ركيكة مشوشة و في مرحلة الفهم لا تخدمه لأنها لا تصلح للتوظيف
-         "نظرية التنمية المستديمة (أو المستدامة)" المعاصرة و الحديثة التي تحث على المحافظة على التوازن و التنوع البيئي لصالح الأجيال الحاضرة و أجيال المستقبل. كان إنتاجنا الفلاحي في قريتنا جمنة الخمسينات بيولوجيا مائة بالمائة، دون إضافة أسمدة كيميائية و الاكتفاء بالأسمدة العضوية الحيوانية و النباتية و البشرية. تاجر مصدّر تمور ألماني، يشتري تمر "الدقلة" من قريتنا جمنة، يشترط "دقلة" بيولوجية و يعرفها بوجود بعض الدود الحي داخل التمرة و هذا دليل علمي على أنها لم تُعالج بالمبيدات الكيميائية و إلا لماتت الدودة داخلها. و الشمس تعطي للأرض في ساعة، طاقة تساوي ما تستهلكه البشرية في عام
-         "النظام الغذائي المتوسطي" هو نظامنا التقليدي الذي يحث على استهلاك البروتينات النباتية الرخيصة أكثر من البروتينات الحيوانية الغالية. همّشوا نظامنا الغذائي الوطني الصحي و صدّروا لنا علما منحازا و الغريب أننا نحن الذين درسناه و درّسناه لأبنائنا عن جهل و قلة وعي علمي و أنا واحد منهم عندما كنت أؤمن أن العلم موضوعي. درّسونا و درّسنا أن أكل اللحوم مفيد لصحة أبنائنا و علّمونا أن السكر الأبيض التجاري مغذّ أساسي في النمو. كذبوا علينا عن حسن نية أو سوء نية، المهم أننا استوردنا أمراضهم مع نظامهم الغذائي فانتشرت فينا أمراض القلب و الشرايين و أصبح عُشر التونسيين مرضى بالسكري في حين أن في فرنسا 2 بالمائة فقط مرضى بالسكري. مع العلم أنني في طفولتي في الخمسينات بقرية جمنة لم أكن أعرف استهلاك السكر الأبيض التجاري إلا في الشاي فقط و دون مبالغة. لم نكن نأكل، لا شكلاطة و لا ياغورط و لا مرطبات و لا مشروبات غازية لأنها غير موجودة تماما في بلدنا الجميل و الصغير و اعلموا أن السكر الأبيض التجاري هو المادة العضوية الوحيدة المصنعة التي نستطيع أن نستغني عنها تماما و نلغيها نهائيا من نظامنا الغذائي - و هذا ما فعلته أنا - دون أن تتضرر صحتنا بل على العكس سوف تتحسن بقدرة الله لأننا سنحصل على غذاء الجليكوز أو سكر العنب الموجود في سكر الحانوت من أغذية أخرى كثيرة كالخبز و الغلال و بعض البقول و الفواكه الجافة و الخضر الطازجة أو المطبوخة
-         تتشكل تصورات الفرد حول موضوع ما أو مسألة ما من التفاعل الدائم و المستمر بين معارفه و ممارساته الاجتماعية اليومية و قيمه
أنهي تدخلي هذا بصيحة الفزع العلمي التالية: أهملنا بفعل فاعل تدريس القيم العلمية في حصص العلوم بمدارسنا التونسية بدعوى حيادية العلم. كذبة صدقناها و تخلينا بمحض إرادتنا عن دورنا كمربين أساسيين و تركنا تربية أولادنا تنهشها وسائل الإعلام الأجنبية و الخليجية و الوطنية العميلة

في الأخير، أوجه لوم ودّي لمصممي برنامج حركة "النهضة" في الأنترنات حيث جاءت فقرة الصحة في الترتيب 258 من بين 365 فقرة و تلاها التعليم في الفقرة 268
أنا أرى أن التعليم و الصحة يكوّنان معا البناء الأساسي للدولة الحديثة و لا "نهضة" - و افهموها كما تشاؤون – بدون تعليم ديمقراطي عصري مجاني و بدون صحة سليمة. و لنا أسوة في البلدان الإسلامية المتطورة حديثا كماليزيا و تركيا و إيران و البلدان غير الإسلامية ككوريا الجنوبية و سنغفورة و تايوان
أختم بالجملة الحكيمة التي استلفتها من الأنترنات
يبدو أن التعليم بدون قيم - كالعادة - شيطانا ذكيّا
و هل هناك شيطان يتفوق في خطورته على مدرّس أو طبيب أو مهندس، اكتسب علومه لكنه لم يكتسب قيما تساعده على استيعاب تلك العلوم و تطبيقها بحذافيرها؟

إمضاء د. م. ك 
يطلب الداعية السياسي أو الفكري من قرائه أن يصدقوه و يثقوا في خطابه أما أنا - اقتداء بالمنهج العلمي - أرجو من قرائي الشك في كل ما أطرح من إشكاليات و أنتظر منهم النقد المفيد
لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة و البراهين بل أدعوكم بكل تواضع إلى تجريب وجهة نظر أخرى و على كل مقال سيء نرد بمقال جيد، لا بالعنف اللفظي أو المادي

التاريخ
قاعة الأفراح ببلدية حمام الشط في 18 سبتمبر 2011

_____________________________________
مقالات مأخوذة من صفحة الكاتب على الفيسبوك
https://www.facebook.com/notes/mohamed-kochkar/%D9%85%D8%B1%D8%A7%D9%81%D8%B9%D8%A9-%D8%AF%D9%81%D8%A7%D8%B9%D8%A7-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%AE%D8%AA%D9%85%D8%AA-%D8%A8%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%85-%D8%A7%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%B9-%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9-%D8%A8%D8%A8%D9%84%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%AD%D9%85%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B7/10150377174582363

هو قومي ناصري صدّامي و أنا أممي مواطن العالم.

هو قومي ناصري صدّامي و أنا أممي مواطن العالم. هو عروبي إسلامي و أنا عربي مسلم عَلماني. هو متعصب للغة العربية و أنا منفتح على كل اللغات و خاصة الفرنسية لغة دراستي العلمية و ثقافتي العامة، لغة أجيدها نسبيا و الأنقليزية لغة العالم بلا منافس و لسان العلم و الفن و الاقتصاد و الثقافة و الأدب، لغة - للأسف الشديد - لا أتقنها تماما. هو وِحْدَوِي على طريقة عبد الناصر و صدّام و أنا وحدوي على طريقة السوق الأوروبية المشتركة. هو ينتمي إلى حركة الشعب الوحدوية التقدمية و أنا أرفض الانتماء إلى أي حزب مهما كانت مرجعيته. هو تقدمي في كل شيء و أنا تقدمي في بعض الأشياء و رجعي في أكثر الأشياء. هو اشتراكي و أنا بدأت أشك في تفاصيل تطبيق الاشتراكية مع احتفاظي بإيماني العميق بخطوطها الكبرى التي تتمثل في الحرية و العدالة الاجتماعية و المساواة و معاداة الامبريالية الرأسمالية المتوحشة و نبذ الاستغلال و العنصرية الدينية و الطائفية و المذهبية و العرقية و اللونية و الجنسية و الجهوية و القبائلية. هو يحلم بنظام عربي ناصري أو صدّامي و أنا أحلم بنظام "تونسي - أسكندنافي". هو ناشط سياسي حركي من الطراز المناضل الصادق و أنا ناقد واقف فوق الربوة. هو - للأسف - احترف السياسة و أنا لا زلت هاو
تتوفر فيه كل صفات السياسي المجرب المحنك، ابن الميدان، الصادق المخلص الوفي الأمين النزيه، يصلح للدفاع عن حقوق الشعب التونسي بكل أطيافه في المجلس التأسيسي القادم إن شاء الله. أما أنا فلا أصلح إلا للنقد و النقد فقط

محمد كشكارمقالات مأخوذة من صفحة الكاتب على الفيسبوك

قلب بعض المفاهيم السائدة ما علاقة التراتبية بالديمقراطية؟

  1. ما علاقة التراتبية بالديمقراطية؟
  2. La hiérarchie
خضع المجتمع الأوروبي منذ القدم إلى تراتبية اجتماعية حديدية متكونة من طبقة النبلاء و طبقة العبيد و خضع أيضا إلى تراتبية دينية كَنَسِيّة، قمة في النظام و الانضباط، و إلى تراتبية إدارية في الدولة - المدينة الإغريقية اليونانية و في الإمبراطورية الرومانية المشهورة بمؤسساتها و قوانينها المكتوبة الصارمة. كان "لويس الرابع عشر"ن ملك فرنسا في القرن السابع عشر يرفع شعارا معبّرا على تلك الحقبة التاريخية يقول فيه: ملك واحد، دين واحد (يعني الكاثوليكية و ليس البروتستانتية)، قانون واحد. جاءت الديمقراطية إلى أوروبا في القرن التاسع عشر ميلادي فوجدت أرضية مهيأة متكونة من دولة قانون و مؤسسات. الديمقراطية ليست سلطة الشعب كما يتوهم العامة و لا تعني أيضا أن الشعب يحكم نفسه بنفسه بل العكس فمن أسُسِ الديمقراطية أن يسلّم الناخب، يوم الانتخاب، عن اقتناع و طواعية و رضا، حقه في ممارسة السلطة إلى ممثليه نواب الشعب في البرلمان و يفوّضهم حق تقرير مصيره دون الرجوع إليه إلا في حالات الاستفتاء على بعض القضايا الخلافية المهمة و في فترات متباعدة زمنيا. في الديمقراطية و بعد إيداع بطاقة الانتخاب في الصندوق السحري، يتخلى الشعب إذن عن ممارسة الديمقراطية الشعبية المشارِكة (la démocratie participative) و يعتمد نظام الديمقراطية التمثيلية حيث تتكفل الدولة بالشأن العام و الخاص و تحتكر العنف و تسلطه في بعض الأحيان ضد الشعب الذي انتخبها نفسه لكن بالقانون. للمواطن حق النقد و الاعتراض لكن لا يحق له استعمال العنف لقلب النظام و إنما عليه انتظار موعد الانتخابات الموالية حتى يستطيع أن يمارس سلطته ليوم واحد و يعاقب السلطة الحاكمة بعدم التصويت لها ثانية و هذا كل ما يمنحه له القانون من صلاحيات ضيقة و محدودة و في تواريخ متباعدة في الزمن، من أربع سنوات إلى 7 سنوات. لكل هذه الأسباب التاريخية، نجحت الديمقراطية في البلدان الأوروبية

لكن لماذا لم تنجح الديمقراطية في البلدان العربية؟  

لم يخضع المجتمع العربي قبل الإسلام إلى تراتبية اجتماعية إلا في مكة، كان مجتمعا بدويا رعويا حرا فوضويا، خال من الطبقات و المؤسسات، غير مستقر و غير منظم و لا يحكمه قانون مكتوب. جاء الإسلام، فحَكَمَ الخلفاء الراشدون بدون مؤسسات و بدون قوانين مكتوبة فوقعت الفتنة الكبرى بين صحابة الرسول نفسه، بين علي و معاوية. أرسى معاوية بعد انتصاره عَلَى عَلِي مؤسسة المَلَكية (من المَلِك) فاستقر الوضع ثم جاء العباسيون و فعلوا نفس الشيء. دام الاستقرار و الفتوحات و الازدهار ثلاثة أو أربعة قرون ثم انهار النظام بسقوط مؤسسة الإمبراطورية. تأسست بعدها الإمبراطورية العثمانية واستمرت قائمة لما يقرب من 600 سنة، وبالتحديد منذ حوالي  سنة 1299 م حتى  تاريخ تفككها و تأسيس الدولة التركية القطرية الحديثة العَلمانية على يد كمال أتاتورك سنة 1923 م

و على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، تكونت الدويلات العربية حسب التقسيم الاستعماري. حَكَمَ هذه الدويلات حكام دكتاتوريون باسم القومية العنصرية (مصر و سوريا و العراق) أو باسم الاشتراكية المشوهة (الجزائر و ليبيا و اليمن الجنوبي) أو باسم الليبرالية الاقتصادية غير الديمقراطية (تونس) أو باسم الأصولية الإسلامية (السودان و السعودية و الخليج) أو باسم المَلَكية غير الدستورية (المغرب و البحرين و الأردن). عاث حكامنا في الأرض فسادا، أهلكوا الحرث و الزرع، أقاموا انتخابات مزيفة و نصّبوا برلمانات موالية للسلطة التنفيذية و بعثوا مؤسسات صورية مقلدة و صحّروا العقول و البلاد واقعا و مجازا ففشلت الديمقراطية لأنها قدِمت إلى أرض غير مهيأة و لا تعترف بالتراتبية الاجتماعية (لم يمر المجتمع العربي بمرحلة الإقطاع المنتج و المستنير ثقافيا مثل ما حدث في أوروبا و لم يحكمه مستبد عادل مستنير) و لا بالتراتبية الدينية (لا وجود لكنيسة في الإسلام السنّي و الدليل على أن التراتبية الدينية تمهد للاستقرار و الديمقراطية و النهضة، انظر ما فعله المجتمع الشيعي التراتبي دينيا في إيران في ثلاثين سنة من انتخابات نسبيا نزيهة و ما حققه من تقدّم علمي في مجال النووي السلمي و في مجال الفضاء و العلوم التجريبية، حقق ما عجز عن تحقيقه في نفس المدة الزمنية المجتمع المصري أو السعودي السنّي غير التراتبي دينيا  و انظر التنظيم التراتبي الديني المحكم لمسيحي و شيعة لبنان مقارنة بسنّة لبنان المتفرقين و المتناحرين جماعات و ملل) و لا بالتسلسل الإداري (انظر الفوضى التي حصلت بعد الثورة في الإدارة التونسي و ما نتج عنها من إهدار طاقات جيدة باسم الشرعية الثورية و الثورة منهم براء، أُطْرِد عديد المديرين الأكفاء بمجرد أنهم عملوا تحت نظام بن علي و لم يُراعَ لبعضهم حرفيته و مِهَنيته و تفانيه في العمل و السلام

قلب بعض المفاهيم السائدة: اللغة العربية هي السلطة المؤسَّسَة و المؤسِّسَة للحضارة العربية الإسلامية

حديث فلسفي 2، في مقهى النات بحمام الشط: قلب بعض المفاهيم السائدة

 د. محمد كشكار
 
  1.  اللغة العربية هي السلطة المؤسَّسَة و المؤسِّسَة للحضارة العربية الإسلامية
  2. Institution dotée d’un pouvoir fondateur
اللغة العربية، لغة معَقّدة جدا بالمعنى العلمي و الإيجابي لمفهوم التعقيد
La complexité de la langue arabe

-         اللغة العربية قبل الإسلام
اللغة العربية تمثل مؤسسة قائمة الذات قبل ظهور الدين الإسلامي. مؤسسة يدور في فلكها الشعر "الجاهلي" ، و الحِكَم "الجاهلية"، و القيم العربية من كرم و شهامة و مروءة و شجاعة و حسن جوار، و الديانة الروحية الوثنية الصنمية المكّية، و الديانتين التوحيديتين، اليهودية العربية و المسيحية العربية، و الحنفية التوحيدية (قس بن ساعدة و محمد قبل الرسالة و غيرهم كثيرون)، و التجارة، و الحج، و السقاية و الرفادة، و النحت، و الغناء، و الرقص، و نواميس شرب الخمر، و بيوت الدعارة العلنية، و العبودية، و الرعي، و الغزوات و غيرها من شؤون الدنيا و الدين. كانت مكّة تمثل مجتمعا متدينا بالمفهوم الروحي و العميق للتدين حتى و لو كان أهلها يعبدون ظاهريا الأصنام

اللغة العربية مؤسِّسة للحضارة العربية الإسلامية و الدليل أن أكبر معجزة في الإسلام هي معجزة بيانية و هي القرآن الكريم ببيانه و بلاغته و موسيقاه و سلاسته، يغزو القلوب قبل أن تدركه العقول
اللغة العربية لغة موحِّدة للقبائل في كامل الجزيرة العربية من اليمن إلى سوريا و البحرين
بفضلها، لم تكن مرحلة ما قبل الإسلام جاهلية كما يروّج لهذا المفهوم غير العلمي بعض المغرضين الناكرين لدور اللغة العربية في ازدهار تجارة قريش و دين قريش. صمد دين قريش قرونا  في وجه انتشار اليهودية و المسيحية في الجزيرة العربية

-         اللغة العربية بعد الإسلام 
اللغة العربية لغة موحِّدة و جامعة و شاملة عند الناطقين بالعربية أكثر من الدين الإسلامي، فهي وحدها التي تمثل القاسم المشترك الذي وحّد عن رضا و طواعية بين الديانات العربية المختلفة، بين المسلمين و المسيحيين و الصابئة و البهائيين في مصر و السودان و فلسطين و سوريا و لبنان و العراق، و بين القوميات المختلفة الناطقة العربية ، بين العرب و الأكراد و التركمان و البربر في سوريا و العراق و المغرب العربي البربري، و بين المذاهب الإسلامية المتنافسة، بين الشيعة و السنة في العراق و اليمن و بين الخوارج و السنة في المغرب العربي البربري

تُعتبر كل لغة ناقلة لحضارتها و اللغة العربية هي الناقل الأمين للحضارة العربية الإسلامية و الدليل القاطع دينيا أن الله اختارها دون غيرها للحفاظ على القرآن الكريم من التحريف و حمايته من التلف و الانقراض و كانت بالفعل للقرآن لسانا مبينا و حافظة مانعة لا لبس فيها. لذلك على كل من أراد أن يحافظ و يطور حضارته أن يستعمل لغته الأصلية في التعليم و الثقافة و نحن اخترنا أو أُجبِرنا على اختيار (أو الاثنين معا) اللغة الفرنسية، لغة أولى في تعليمنا (تُدرّس كل العلوم و التكنولوجيا من أبسطها إلى أعقدها باللغة الفرنسية، فكيف لا تكون هي اللغة الأولى في تونس؟ حتى و لو كنا نصرّح نفاقا  سياسيا أن اللغة العربية هي اللغة الأولى في تونس). و بعد هذا الاختيار الإجباري، نصيح و نفزع من الغزو الثقافي السلبي (الغزو الثقافي الإيجابي يتمثل في الاستفادة من اللغات الأجنبية دون إهمال اللغة الأم مثل ما تفعل فرنسا و ألمانيا و إيطاليا و تركيا). كيف لا نُحتلّ ثقافيا و نحن نعلم علم اليقين أن اللغة تجلب معها حضارتها و ثقافتها و تقاليدها و غثها و سمينها؟ لا ينفع اللوم بعد حدوث المصيبة لكن يمكن استدراكها و إصلاحها و تجاوزها إن أردنا و شئنا

نأتي إلى إشكالية التعريب: هل تعريب العلوم الدقيقة في الدول العربية يمثل عائقا أم حافزا لتلامذتنا و طلبتنا؟ لنتفق أولا على المبدأ قبل الدخول في التفاصيل و أغتنم الفرصة للإفصاح عن رأيي الشخصي في هذه الإشكالية: من حيث المبدأ، أنا مع تعريب العلوم الدقيقة قلبا و قالبا في الدول العربية، من التعليم الأساسي إلى التعليم العالي. لكنني أقف ضد التعريب المُطبّق الآن في الدول العربية و ذلك للأسباب التقنية التالية
المشكل: يشمل التعريب في تونس المرحلة الأساسية من التعليم فقط، أي المرحلة الابتدائية التي تدوم 6 سنوات و المرحلة الإعدادية التي تدوم 3 سنوات. ثم ينتقل التلميذ إلى المرحلة الثانوية فيجد العلوم الدقيقة غير معرّبة و تُدرّس كالعادة باللغة الفرنسية و في الجامعة تُدرّس كل الاختصاصات العلمية و التكنولوجية الدقيقة بالفرنسية أما في المرحلة الثالثة من التعليم العالي، ماجستير و دكتوراه، فالطالب يدرُس بالفرنسية و يكتب مقالاته العلمية في المجلات المختصة بالأنجليزية

لقد سبق لي و إن درّست علوم الحياة و الأرض بالفرنسية لتلاميذ السنة أولى ثانوي لمدة 15 عاما و عرفت خلالها ما يعانيه التلميذ التونسي و ما يتعرّض له من صعوبات جَمَّة لتعلّم علم دقيق بلغة أجنبية بعد ما تعوّد خلال تسع سنوات على دراسته بالعربية. أسوق لكم مثالا آخر عشته في الجزائر عندما كنت أستاذا متعاونا في الثمانينات من القرن الماضي: كل التعليم العلمي الدقيق الأساسي و الثانوي معرّب أما في الجامعة فهو مُفرنَس. يدرس  التلميذ الجزائري علوم الحياة أو البيولوجيا بالعربية طيلة سنوات الثانوي و يدرس الفرنسية كلغة ثانوية (لا يتمكن من الإلمام بها جيدا كالعربية) ثم ينتقل إلى دراسة الطب بالفرنسية في الجامعة فيجد صعوبة كبيرة في قراءة و فهم المراجع الطبية الوحيدة المتوفرة باللغة الفرنسية فقط مما قد ينجرّ عن هذا الخلل تعثر في الدراسة الجامعية أو انقطاع تام عنها. في الجزائر أيضا، عاشرت زملاء علوم دقيقة من سوريا و مصر و فلسطين، أساتذة لم يدرسوا الفرنسية بتاتا و الغريب أن كل المراجع من الكتب المدرسية الموازية و المجلات العلمية المختصة في بلاد التعريب الجزائر متوفرة في السوق لكن باللغة الفرنسية مما يجعل مهمة الاطلاع عليها مستحيلة من قبل هؤلاء الأساتذة المتعاونين و هذا العائق اللغوي أو الألسني قد يؤثر على أدائهم العلمي في القسم
الحل المقترح: قبل التفكير في تعريب العلوم الدقيقة، يجب إنشاء مؤسسة للترجمة، و قد فعلها جدنا المأمون ( فترة الخلافة بالهجري: 198 -218. فترة الخلافة بالميلادي 813 -833) عندما أمر في عهده بترجمة الكتب العلمية و الفلسفية من اللغات اليونانية والسريانية والكلدانية و الفارسية القديمة إلى العربية و كانت بيت الحكمة ركنا من أركان النهضة العربية في القرون الوسطي العربية الإسلامية المضيئة. علينا الاقتداء بمنهجية هذا السلف الصالح من العلماء المترجمين و فعل الشيء نفسه في القرن الواحد و العشرين دون عقدة نقص حتى ننهض بلغتنا و ننقذها من الانقراض كلغة علمية حية. و مَن لم يَحترِم لغتَه، لا يُحْتَرَمُ


https://www.facebook.com/notes/mohamed-kochkar/%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AB-%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D9%8A-2-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%82%D9%87%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%AA-%D8%A8%D8%AD%D9%85%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B7-%D9%82%D9%84%D8%A8-%D8%A8%D8%B9%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81%D8%A7%D9%87%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%A6%D8%AF%D8%A9-%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%B7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%AF-%D9%85-/10150774009492363

الأحد، 15 يوليو 2012

البروفايل النفسي للقذافي

الشرق الاوسط اللندنية عادل الطريفي

لأكثر من 40 عاما ظل البروفايل النفسي للسيد معمر القذافي يمتلئ بمعلومات بعضها صحيح وبعضها الآخر محض خيالات فانتازية، وتحليلات وتعليقات لا تنتهي لكبار المختصين عن شخصية الرجل، وأطوار التشكل والتمثل التي مر بها خلال العقود الماضية، ويمكن اعتبار «البروفايل النفسي» للقذافي من بين السجلات الأكثر امتلاء إلى جوار أشخاص مثل فيدل كاسترو، وآية الله علي خامنئي.
يشير نيكولاس هاغير إلى أن القذافي كان على علاقة واتصال بالمخابرات الأميركية منذ بداية الثورة الليبية، حينما لاحظ العملاء الأميركيون أن القذافي كان يبدي ميلا نحو انتقاد التدخل السوفياتي في المنطقة العربية، وقد بات واضحا منذ عام 1971 أنه يعمل بشكل موازٍ لما كانت «سي آي إيه» تأمله، وهو بروزه كقائد وطني معادٍ للاتحاد السوفياتي، ولكن سرعان ما تغيرت مواقف القذافي بشكل متناقض؛ حيث أصبحت الولايات المتحدة عدوه الأول .
 لقد كان القذافي يعرف متى يتراجع، وفي أي وقت ينحني للعواصف متى أدرك قربها منه، وكان قادرا، بشكل خطير، على الخداع.
هناك مثال واضح على قدرة القذافي على الركوع والتنازل في اللحظات الحرجة؛ ففي 2003 عقد صفقة مع الأميركيين بعد إسقاط صدام حسين؛ حيث باع أسرار تجارة الأسلحة المحظورة دوليا، وسلم مليارات الدولارات لحل قضايا التعويض على العمليات الإرهابية التي تورط فيها، ولهذا لم يكن بمستغرب أن يعلق مايكل هايدن – الرئيس السابق لـ«سي آي إيه» – مؤخرا بأن القذافي كان شريكا مهما وموثوقا خلال السنوات القليلة الماضية، فيما خص الحرب على الإرهاب.
أمام شخصية القذافي العصية على التفسير، اختلف المراقبون حول النهاية التي يمكن أن يصير إليها الرجل السبعيني بعد قيام الثورة المسلحة ضده. هناك من يرى أنه يمثل شخصية نرجسية تعيش في عالم من الأوهام؛ لذا سيقاتل حتى النفس الأخير، وهناك من يرى أن القذافي لا يعدو أن يكون ديكتاتورا استعراضيا بدد ثروات الليبيين البترولية، وأنه سيسارع إلى الهرب متى أحكم الحصار حوله،.
البروفسور جيرولد بوست، مؤسس مركز تحليل الشخصية والسلوك السياسي في «سي آي إيه»، طرح تفسيرا مهما لشخصية القذافي النفسية وزعماء آخرين؛ حيث كتب، مؤخرا، مؤكدا أن القذافي كان يستعمل أدوية لعلاج الاكتئاب الحاد الذي يعانيه. أما بخصوص حالته النفسية، فيقول بوست: «إن أفضل طريقة لوصف القذافي هي أنه يعاني اضطراب الشخصية الحدية ، أي أنه يتأرجح عادة بين الغضب الشديد وحالة النشوة. أيا ما كانت نهاية القذافي، فإن مرضه النفسي قد أثر، بشكل مباشر، على تاريخ ليبيا المعاصرة،

من الذاكرة : صحيفة دولية من تونس عبداللطيف الفراتي


من الذاكرة : صحيفة دولية من تونس (2/5)

رشحت الدولة اللبنانية الأمين المساعد أسعد الأسعد لمنصب الأمين العام لينافس الأستاذ الشاذلي القليبي، ويا ليتها ما رشحته،، فلقد تلقى وهو الرجل الطيب صفعة ما كان في حاجة لها،  ربما جاء هذا الترشيح  لأن لبنان كانت تشقه أيامها حرب أهلية كاسحة ، ولم يكن بلدا محكوما بحق ، وربما جاء الترشيح بطلب من سوريا التي كانت تحكم حقا في القرار اللبناني ، ولعل الترشيح  جاء أيضا قصد إغاظة بغداد التي كانت  حريصة  على المرشح التونسي الذي تم الإتفاق على مبدإ انتخابه في قمة بغداد  بما يشبه الضمانة العراقية والسعودية ، كان  ذلك هو ثمن نقل الجامعة من مصر إلى تونسي على ما يبدو، وكان يصاحبه وفاق عربي عام على أن يكون الأمين العام تونسي ترشحه الحكومة التونسية، وقد بدا أن الحكومة التونسية قد اتخذت قرارها أيامها وهي برئاسة الهادي نويرة ،على ترشيح الأستاذ الشاذلي القليبي، فيما راجت إشاعات قوية ( ولكن غير واقعية) حول ترشيح المرحوم محمد الفيتوري وكان وقتها وزيرا للخارجية وصديق حميم للوزير الأول، و كان مثل تونس في قمة بغداد التي تقرر فيها نقل الجامعة إلى تونس على خلفية توقيع مصر لاتفاقية كامب ديفيد واعترافها بإسرائيل، كما كانت أيامها  سرت إشاعات ملحة حول رغبة عربية لترشيح المرحوم الباهي الأدغم للمنصب ، وهو الذي تعرف عليه القادة العرب بمناسبة أحداث سبتمبر الأسود في عمان،  و سبتمبر هو الشهر الذي شن فيه الملك حسين حربا مدمرة على منظمة التحرير الفلسطينية، وقد ترأس السيد الباهي الأدغم أيامها الوفد التونسي إلى القمة العربية في القاهرة ثم إنه تولى مهمة المصالحة العربية فسافر إلى الأردن  نيابة عن القادة العرب بقصد وقف إطلاق النار، واشتهر السيد الباهي الأدغم بأنه هو الذي تولى تهريب المرحوم ياسر عرفات في طائرته التي وضعها على ذمته القادة العرب،  وأنقذه من موت محقق ،عندما ألبسه سفساري نسائي  تونسي وأخذه معه  إلى الطائرة، وهو محل تفتيش من السلطات الأردنية جميعها ،بشهادة السيد محمد عمامو، السفير التونسي أيامها في عمان،وأوصله الباهي الأدغم  حتى قمة القاهرة وهي القمة التي تولت المصالحة وانتهت بوفاة الرئيس جمال عبدالناصر في 28 سبتمبر 1970، أما المرشح الثاني الذي مال إليه بعض العرب أيامها علىحد بعض الشاعات  فكان وزير الخارجية التونسية الأسبق محمد المصمودي، ولكن لم يكن لأي منهما أي حظ في ترشيح تونسي رسمي، وكان كل منهما مغضوب عليه في تونس.
وقد أسندت الأمانة العامة وقتها كما رغبت الحكومة التونسية وبوفاق عربي كامل   للإستاذ الشاذلي القليبي فعلا، وكان وزيرا للثقافة والإعلام حائزا على ثقة الرئيس بورقيبة ، خاصة وأنه تولى لفترة ،المهمة الصعبة لرئاسة ديوانه،   محل تقدير عربي ودولي ، كما إنه كان صديقا ودودا  للسيد الهادي نويرة وكان أحد ثلاثة لا يفترقون ، الهادي نويرة والشاذلي القليبي والحبيب شيخ روحه.
وقد أظهر الشاذلي القليبي كفاءة عالية في هذا المنصب، وأدار الشأن العربي بصبر أيوب، واستطاع أن يحقق إجماعا عربيا، وأن يفكك كثيرا من القنابل الموقوتة ، التي كانت تتهدد العمل العربي  المشترك، كما مشكل لبنان وخاصة وقوف سوريا الأسد مع إيران ضد العراق في حرب الثماني سنوات المدمرة.
أو قضية الكومندوس التونسي الذي حركه العقيد القذافي لزعزعة النظام التونسي.
 ___________________________ ___________________________ ___________________________

من الذاكرة : صحيفة دولية من تونس (3/5)


بعد قدوم الجامعة العربية إلى تونس واستقرارها ، حصل مضض  أصاب الإخوة العرب،  وهو ما نقله لي شخصيا في حينه  بعض وزراء الخارجية العرب ، ممن كنت أتردد عليهم،  أو من ممثلي الدول العربية لدى الجامعة. وقد تعرفت على الكثيرين وأصبحوا أصدقاء لي وما زلت أحتفظ لليوم بصداقة بعضهم، ومنهم طارق عزيز وزير الخارجية العراقي السابق، والذي لا  أفهم كيف كان راضيا بالعمل مع صدام حسين ، وهو رجل ذو ثقافة عالية وحس مرهف كان الله في عونه وقد حكم عليه بالإعدام، ولقد قامت الجامعة العربية  في الأحد عشر سنة التي قضتها في تونس، وبقيادة الأستاذ الشاذلي القليبي ، بأدوار كبيرة، لما وفرته مما كان مفقودا في القاهرة، وهو عدم التدخل مطلقا في سيرها  من قبل الحكومات التونسية المتعاقبة، وجاء المضض العربي من أمرين اثنين في نظري:
أولهما أن المقر الذي وضعت فيه الجامعة العربية ، كان بكل المقاييس غير لائق ولا عملي، ولا وجه للمقارنة بينه وبين المقر في القاهرة، وكانت اجتماعات الوزراء تنعقد غالبا في فندق الهيلتون، أو أفريكا ، لافتقار المقر الرسمي لقاعة صالحة كما كان الشأن في القاهرة.
وفي مناسبتين وكنت حاضرا فيهما بمعية أسعد السعد ونهاد الباشا وعبدالوهاب عبدالله، الذي كان آنذاك رئيسا لديوان السيد الشاذلي القليبي في وزارة الثقافة والإعلام، وممثله في لجنة البحث عن مقر للجامعة، اختارت اللجنة مقر البنك المركزي الحالي قبل أن يحتله وقتها البنك، وفندق هميلكار،غير أن السلطات التونسية لم توافق لا على هذا ولا ذاك، وتم الإكتفاء بعمارة مائلة كما كان يقول بعض العاملين في الجامعة العربية، لتكون مقرا غير لائق للبيت العربي، تقع في مونبليزير قبل أن يعمر كما هو حاليا ، والعمارة هي مقر لوزارة التجارة حاليا.
وثانيهما أن تونس  بدت بحيادها المطلق وكأنها غير مهتمة بهذا الجهاز العربي.
بعد قدوم الجامعة  في سنة 1979 جاء الدور ليستقر الفلسطينيون في تونس في خريف 1982.، بعد طردهم من بيروت.
أصبحت تونس عاصمة عالمية ، تكاثر السفراء المستقرون فيها،  فما من دولة إلا وفتحت لها  سفارة ،وبات كل يوم يشهد  قدوم وفود عديدة عربية وعالمية، سواء للجامعة العربية  أو للفلسطينيين وقد اتخذ ياسر عرفات من تونس مقرا لقيادة منظمة التحرير لفلسطينية ، وبتنا قبلة دبلوماسية مشهودة.
في ذلك الوقت كانت الصحافة العربية الصادرة من عدة عواصم دولية  في نفس الوقت أمرا رائجا، فبعد الشرق الأوسط جاءت الحياة ، وجاء القبس العربي والدولي ، الذي اشتغلت فيه  هو الآخر لسنوات وكانت تجربة مختلفة وثرية جدا لطبيعة من خالطتهم فيه من كبار الصحفيين العرب والدوليين،  دائما مع واحد من أقدر الصحفيين العرب والدوليين عبدالكريم أو النصر، الذي كانت له مداخل في مقرات أصحاب القرار في كبريات العواصم العربية والدولية، وجاءت صحيفة العرب التي كان يصدرها وزير سابق من العهد الملكي الليبي تصالح مع القذافي وأصبح على ما يقال بوقا له وللرئيس التونسي السابق.
 ___________________________ ___________________________ ___________________________

من الذاكرة : صحيفة دولية من تونس (4/6)

انتشرت الصحافة العربية التي اتخذت صبغة دولية بصورة كبيرة، وكان في الأثناء قد تم تعييني رئيس تحرير أول لجريدة الصباح. من هنا خامرني التفكير في أن أجعل من جريدة الصباح جريدة عربية دولية على غرار الصحف الدولية الأخرى . وكان لا بد من إعداد داخلي وآخر خارج الحدود. وحتى يكون للصحيفة وزن دولي وكانت الصباح أيامها أوسع الصحف انتشارا في تونس، وفي فرنسا من بين كل الصحف التونسية، كان لا بد من زيادة تركيزها وطنيا ، من هنا شرعنا في إصدار طبعة للجنوب، وبدأنا في الإعداد لطبعة للشمال ، مع إبقاء طبعة تونس والولايات المحيطة.
وكانت الخطوة الثانية هي تعزيز المحتوى، وإعطاء حيوية للمضمون، كان المفروض أن نستوعب 10 من أكبر الأقلام الصحفية في تونس ، وبدأنا في الإنتداب ، لا لمواقع تسيير وإنما ككبار صحفيين للكتابة والمقالات التأليفية، وأقحمنا مثلا صلاح الجورشي الذي فتح مبدئيا صفحة “الإسلام دين حضارة” وليس دين وحضارة ، واستعنا بكتاب من أمثال الدكتور حميدة النيفر والمرحوم مصطفى النيفر، ودخل في صفوفنا أيامها كمال بن يونس وسليم الكراي والهاشمي الحامدي صاحب قناة المستقلة حاليا  وبوبكر الصغير ، وكان مفترضا أن يلتحق بنا الهاشمي الطرودي، كان البرنامج واسعا وطموحا، وأخذنا في الإتصال بكتاب من العواصم العربية والدولية ممن أتيح لي أن أتعرف عليهم مباشرة أو عن طريق كتاباتهم .
وكان أحد الذين اتصلت بهم أيامها في آخر ربيع 1988 فيصل البعطوط ، وقد اشتهر أيامها بالمقابلات الصحفية المستفزة ،التي كان يجريها وهو صحفي جريء مقدام وليس خجولا مل أحوالي.
اتفقنا على كل شيء ، مجال العمل وحجمه ، والمقابل وكان  المرتب أعلى من أي أجر  ولا حتى  مرتبي أنا رئيس التحرير.
واتفقنا على موعد البدء ولكن وفي الساعة الموعودة لم يأت فيصل البعطوط،، بعد ساعة  من الموعد المحدد خاطبته بالتليفون، قال لي إن له حديثا معي يحسن أن يقوله لي مباشرة ، والتقينا في مقهى الكوليزي رافقني وقتها الزميل مصطفى المشاط من تحرير الجريدة ، وكان صديقا حميما لفيصل، ساكنه في فترة من فترات دراستهما  معا في معهد الصحافة .
بدا لي فيصل البعطوط محرجا كل الحرج ، ولكنه اعتذر سريعا وانسحب حتى بدون أن يشرب القهوة التي طلبتها له.
عدت أدراجي وأنا حانق غاضب فأنا من الذين لا يطيقون أن يخلف المرء وعده،،
في مدخل مقر الجريدة كانت تنتظرني مفاجأة أخرى، طلبوا مني أن أتوجه مباشرة إلى المدير، وفي مكتبه تم إعلامي بسحب مشروع الجريدة الدولية ، وقصة الطبع في باريس، وانتداب صحفيين كبار.

 ___________________________ ___________________________ ___________________________

من الذاكرة : صحيفة دولية من تونس (6/6)

 
ستمر الأيام سريعة وستترى على حياتي قصص عدة منها دفعي لمغادرة العمل الصحفي.
في سنة 2003، كنت في قطر، أحضر مؤتمرا حول  الليبرالية والديمقراطية  على ما أذكر، دعا له أمير قطر وشارك فيه جهابذة من اختصاصيي الديمقراطية بكل مكوناتها ، وكان من بين المحاضرين الأستاذ الكبير الشاذلي العياري، الذي ألقى يومها محاضرة ملفتة،، في الليل كنت في بهو الفندق صحبة فيصل البعطوط الذي استقر في الدوحة ، والذي كنت أسعى لانتدابه في الصباح سنة 1988 ، وكنا ننتظر مقابلة صحفية كان من المنتظر أن يجريها امحمد كريشان مع أريال شارون رئيس وزراء إسرائيل  على قناة الجزيرة، وهي مقابلة كانت زوجة امحمد كريشان ترفض أن يتولاها زوجها، وكادت تعصف ببيتهما ، فيما كان يقول لها: أنا مثل جندي ، عندما يدعى إلى معركة لا يستطيع أن يهرب منها لأي سبب ، وقد عين لتلك المقابلة، فما عليه إلا أن يجريها.
وفجأة وفيصل البعطوط وأنا جالسان أمام التلفزيون، جاءت الممانعة من شارون الذي اشترط أن تكون المقابلة وجها لوجه لا بالدوبلاكس، وانسحب تماما، فألقى امحمد كريشان خطبة عصماء، ذكر فيها بالإتفاق الذي جرى بين الجزيرة وأريال شارون وكان ينص على إجراء مقابلة صحفية يتولى فيها الصحفي امحمد كريشان إلقاء أسئلته من الأستوديو في الدوحة ويجيب فيها شارون من الأستوديو في القدس.
مرت المسألة بسلام بالنسبة لمحمد كريشان وعائلته، ولكن دفعت فيصل البعطوط لمصارحتي بما يخفيه وبقي على ضميره كما قال لي:
سألني وكأنه يريد أن يتخلص من عبء ثقيل يحمله منذ سنوات .:
هل تذكر يوم لقائنا في الكوليزي عندما اعتذرت عن الإلتحاق بك في جريدة الصباح، يومها في الصباح الباكر دعيت إلى وزارة الإعلام ، فجأة قيل لي : إنك لن تذهب إلى تلك الجريدة، إنها بتحويلها إلى صحيفة دولية ستتجاوز في وزنها تلك المحلية التي تتسم بها ليصبح لها وزن أكبر، فتتحرر منا. وتصبح خارجة عن نطاقنا.
وهذا غير مسموح، لذلك لن تذهب والمشروع كله سيسقط في الماء.
وفعلا سقط المشروع في الماء في ذلك الصباح نفسه.
فقط بعد 23 سنة أود أن أضيف  ثلاثة عناصر:
أولها : أن بلادنا خسرت فرصة لتفرض إشعاعا دوليا ليس لجريدة الصباح وإنما للدولة التونسية كلها  وكان ذلك في متناول اليد ولم يعد له معنى اليوم في عصر الأقمار الصناعية والإنترنت.
وثانيها : إن مثل هذه الأوامر لا بد أن تكون أتت من أعلى مركز في السلطة وليس من وزارة بذاتها.
وثالثها : ما هو مدى وطنية الذين دفعوا لمنع قيام جريدة دولية في تونس،هذه الدولة الصغيرة التي تميزت دوما بمبادراتها التي كانت أكبر من حجمها، والتي انقرضت بعيد مجيئ نظام لم يكن يريد الخير لهذه البلاد.
ستـأتي الأيام ببراهين عديدة على ذلك.

 

أحمد بنور يروي تفاصيل أحداث الوحدة التونسية الليبية


أحمد بنور رجل سبعيني من مواليد 1937، مناضل سابق في الاتحاد العام لطلبة تونس، متخرج من كلية الحقوق بتونس، درس بالمدرسة الصادقية، شغل سنة 1962 خطة مستشار في العلاقات الخارجية بالحزب الحر الدستوري التونسي وبعد ثلاث سنوات عين مستشارا لوزير الداخلية، دخل سنة 1967 السجن بتهمة عرقلة التجربة التعاضدية، شغل منصب وال بتونس الجنوبية ثم بسوسة سنة 1972.
في 14 جانفي 1974 عين كاتب دولة للدفاع، واستقال في 23 ديسمبر 1977 رفقة ستة وزراء احتجاجا على سياسة الهادي نويرة في مواجهة اتحاد الشغل ما انتهى إلى مجزرة 26 جانفي 1978.
استعان به بورقيبة لتهدئة الأجواء المشحونة بعد أحداث قفصة وعينه في 26 جانفي 1980 مديرا للأمن ثم كاتب دولة للداخلية، بعد حادثة قفصة التي اتفقت فيها كلمة ليبيا والجزائر على زعزعة النظام في تونس عن طريق كومندوس إرهابي، أبعد عن الوزارة سنة 1984 ليحل محله بن علي ويعين سفيرا لتونس بروما حتى أفريل 1986 وبعد إنهاء مهامه خير المنفى عن العودة إلى أرض الوطن.
كتب السيد أحمد بنور يقول :
العقيد معمر القذافي كان رجلا مصابا بجنون العظمة والكبرياء  وبنزواته السياسية التي شكلت عبئا ثقيلا على الدولة والمجتمع التونسيين وقد اكتشفت ملامح هذه “الفوبيا” السياسية منذ زيارته الرسمية الأولى للبلاد سنة 1972 وللتذكير فقد زار العقيد الليبي تونس قبل هذا التاريخ لكنه لم يلتق سيادة الرئيس الحبيب بورقيبة. كنت حينها واليا على تونس الجنوبية وقد تم استدعائي من قبل الحزب الحاكم لحضور خطاب العقيد في قاعة البلماريوم بالعاصمة.
حينها كان القذافي قد زار تونس عن طريق البر وهي سابقة لم تشهد مثيلا لما تحمله من استفزاز لمشاعر التونسيين حيث كان يتوقف ومعاونوه في كل محطة للترويج لثوريته بطريقة فلكلورية.
المهم أن خطابه في الناس في قاعة البلماريوم كان “ثورويا” استفزازيا سنة 1972 ولا أذكر التاريخ بالتحديد حيث حاول حينها العقيد الليبي أن يوهم الناس بأنه المنقذ وموحد الأنظمة العربية المتآكلة متقنا العزف على المشاعر مدعيا في نفس الوقت أن الوحدة العربية هي السبيل السالكة لإيجاد حلول جذرية لعديد المشاكل العالقة بالبلدان العربية والمغاربية بصفة خاصة اقتصاديا واجتماعيا وحتى سياسيا.
بورقيبة يصفع القذافي
الصفعة التي لن ينساها القذافي هي أن بورقيبة الذي ما إن سمع بداية خطابه على موجات الراديو وشاشة التلفزة وهو في قصر قرطاج حتى قدم على وجه السرعة على متن سيارة شرطة للرد عليه. كنت في الصفوف الأمامية حين دخل بورقيبة وأفحم القذافي بخطاب شاهده الجميع على شاشة التلفزة.
وهذه الصفعة تتمثل في أن بورقيبة لقّن العقيد معمر القذافي درسا سياسيا عن الوحدة والتريث والخبرة والحنكة والتحدي والوطنية وأصول السياسة والتخطيط العقلاني الممنهج في حسم الأمور بمنطق العقل لا من منطلق الأهواء والنزعات العاطفية ولقد لاحظت أن كلمات بورقيبة الموزونة أثارت حفيظة العقيد الليبي معمر القذافي وخاصة مرافقه الخاص البشير عضو مجلس قيادة الثورة الذي كان يهمس في أذن القذافي بين الفينة والأخرى حاثا إياه على المغادرة لحفظ ماء الوجه.
أسبوعان بعد خطابي “البلماريوم”
لازلت أذكر الواقعة وكأنني عشتها بالأمس القريب فبعد خطاب القذافي “الهزيل” وخطاب بورقيبة “العقلاني” عاد الرئيس الليبي إلى ليبيا فتلقف خطابه الشعب الليبي بمختلف أطيافه وحساسياته بشغف ولهف بعد أن تم نسخ الآلاف منه في أشرطة “كاسات” أما في تونس وبعد مرور أسبوعين عن واقعة البلماريوم في  اجتماع للولاة حضرته آنذاك وجمعنا فيه السيد الهادي خفشة وزير الدفاع وتساءل من خلاله عن المغزى من زيارة العقيد لتونس برا فلم نجد جميعنا أجوبة لأسئلة وزير الدفاع الحائرة وانفض الاجتماع دون أن نظفر بإجابة مقنعة عن حقيقة الأمر من دعاء القذافي وخزعبلاته وحيله الاستفزازية.
وفي أواخر سنة 1972 تمت تسميتي كوال لمدينة سوسة وفي تلك الفترة كانت المنستير تتبع إداريا سوسة.
الحبيب بورقيبة كان في حقيقة الأمر كثير التردد على المنستير مسقط رأسه وكان يزورها دائما بصفة فجئية ويقضي فيها بعض أيام من عطله الرسمية وبحكم قربي من سيادة الرئيس اكتشفت أنه يحن دائما إلى مسقط رأسه وما زياراته المتكررة لهذه المدينة إلا لأخذ برهة من الوقت بعيدا عن أعباء السياسة ومتاعبها.
كنت حينها وأنا وال على مدينة سوسة التقي سيادته وكان بحق يكن لي احتراما وتقديرا خاصا حيث كان يستدعيني لحضور مآدب عشاء أو غداء وكلما شاء له أن يحادثني وفي هذه الزيارات كان دائما يحدثني عن الدولة والسياسة، عن الوزراء ورجاله المقربين. وكنت قليل الكلام معه ولم أقل يوما كلمة واحدة تسيء أو تنتقد هذا أو حتى ذاك من الشخصيات الوطنية ومن الخلية المركبة لهرم السلطة.
 أذكر أنه، بعد أن سجنني إثر معارضتي الشديدة لتجربة التعاضد التي تراجع عنها في ما بعد وأطلق صراحي بأمر منه، قال لي يوما “سامحني يا بنور لقد أخطأت بحقك” فتوقفت الكلمات في حلقي ولم أشأ أن أرفع عيني في عينيه وليلتها لم يغمض لي جفن من فرط المفاجأة.
كنت قريبا من سيادة الرئيس وفي الحقيقة إعجابه بأفكاري قربني منه أكثر فغرفت من معينه العلمي وزاده الفكري والثقافي والسياسي وصقلت مواهبي وأفكاري وأطروحاتي السياسية لأنه كان في الحقيقة رجلا مثقفا متعلما مناضلا، نعم رحمه الله كان زاهدا في العلم ساعيا إلى النهل المتجدد  من ينابيع العلم والمعرفة وسراديب السياسة المتشابكة خيوطها.
باختصار هو مدرسة سياسية. عفوا وقبل أن أنسى فقد قلت له حين طلب مني الصفح واعتذر لي عن الأربعة أشهر التي قضيتها في السجن : “السجن مدرسة يا سيادة الرئيس وسيادتكم مررتم بهذه التجربة المريرة التي علمتكم الصمود”.
نعم قلت هذه الكلمات بنبرة خافتة وبعد صمت دام لحظات وأذكر حينها أنه لم يقل شيئا غير أنه ابتسم في وجهي ابتسامة رضاء واستحسان.

_____________________________________________________________________
ذكرت لكم في الحلقة الفارطة أني كنت قريبا من سيادة الرئيس بحكم منصبي كوال على مدينة سوسة سنة 1972، وكان كثير التردد على المدينة وخاصة للإقامة في مسقط رأسه المنستير التي كانت تابعة أيامها للولاية.
في السنة الموالية أي سنة 1973 وتحديدا في شهر ديسمبر، زار سيادة الرئيس الحبيب بورقيبة، مدينة المنستير في موكب رسمي احتفالا بمرور 40 سنة على إنشاء الحزب الحر الدستوري الجديد، ولكن في ذلك اليوم ورغم الاحتفالات فقد لاحظت أن الزعيم كان على غير عادته.
يومها رأيته مهموما، خطاه متثاقلة، لكن ذلك لم يخف هيبته، فتناسلت في مخيلتي الأسئلة لكني لم أجرؤ حقيقة على سؤاله عما يشغله ويؤرقه، ولكن سؤالا ظل يرافقني وأنا أرافق سيادته وأهمّ بين الفينة والأخـرى بالإفصاح عنـه لكن….، عجزت عن ذلك، هل أن سيادة الرئيس يعاني من مرض ما لا قدّر الله ؟.
فخامة الرئيس، اخترق أفق انتظاري وقد لاحظ عينيّ لا تفارقه وهو يتنقل بين جموع وحشود الحضور في احتفالات الحزب، وعلى كل حال كنت سأسأله.. لكنه أفصح عمّا يخالج نفسه، فسمعته يتحدث عن لقاء منتظر مع العقيد الليبي في جربة، في الحقيقة لم يقل ذلك لي، لكن أذنيّ التقطت نزرا قليلا عن هذا اللقاء المنتظر وهو يتحدث إلى بعض الشخصيات المرافقة له من كبار الوزراء والمسؤولين في الحزب.
وربما لهذا السبب كان سيادته مؤرقا، تصوّروا أن بورقيبة لا يعلم شيئا عن هذا الاجتماع ؟ نعم، العقيد لم يخبره، فقد كان هكذا، لا يفصح عن شيء، وكأنه يتلذذ بهذه التصرفات “الشاذة”.
أذكر أنه فعل هذا مع الرئيس المصري “السادات”… أظنه السادات، فقد طلب منه أن يزوره في خيمته في ليبيا، ويوم الزيارة صباحا، لفّ رأسه بعصابة ودخل المستشفى بداعي المرض… العقيد كان يتلوّن، تلوّن الحرباء… وفعلها كذلك مع الرئيس الجزائري بومدين، المهم أنه هاتفه لزيارته في ليبيا، وقبل أن تحطّ طائرة الرئيس الجزائري بمطار طرابلس، أرسل العقيد موفدا إلى المطار لاستقبال الرئيس، وبقي هو في الخيمة وأعلم بومدين بالأمر، فرفض الرئيس الجزائري الهبوط بالطائرة إلا إذا استقبله العقيد بنفسه في المطار مهددا إياه بالعدول عن الزيارة والعودة إلى الجزائر.
المهم أن بورقيبة لم يكن يعلم بالأمر بينما كشفت الأحداث فيما بعد أن وزير الخارجية محمود المصمودي كان على علم بهذه “المؤامرة” وربما كان فاعلا فيها.
الخيط الأوّل لـ”المؤامرة”
قلت إن السيد الرئيس الحبيب بورقيبة كان قلقا وقد أنهكه الأرق في اجتماع المنستير في ديسمبر 1973 وبعد تلك الاحتفالات بأسبوع واحد، كنت خائفا جدا على بورقيبة وكنت أشتم رائحة “مؤامرة” و”دسائس” تحاك ضد الزعيم فلم أتردد في زيارة وزير الداخلية آنذاك الطاهر بلخوجة لأطلعه على الأمر وأشكوه حال الرئيس وهذا من منطلق حبي وخوفي على سيادته لا غير وبالمرّة حاولت أن استفسر عن دواعي اجتماع جربة.
وبالفعل قابلت بالخوجة وتحدثت إليه على انفراد وحدثته عن حال الزعيم، صحيح أني لست مختصا في الطب لكن رأيت بورقيبة حينها على غير عادته، وقد أخبرني سيادته بنفسه على هامش احتفالات الحزب بالمنستير أنه لا ينام الليل وقد أعلمت بالخوجة بهذا لكنه قال لي حرفيا “ما تخافش عليه هانا ماشين معاه”.
جرّة قلم جنت على البلاد
إن التدخل السافر والمستمر للعقيد الليبي المعروف بنزواته السياسية في الشؤون الداخلية للبلاد التونسية والضغط عليها وكذلك محاولة فرض سياسة الأمر الواقع اعتمادا على خبثه ودهائه وربما إمكانياته المالية وحتى العسكرية مكنته من حشر أنفه في أمور لا تهمه في شيء.
وبالفعل لم ييأس القذافي وتمكن بطرق مختلفة من اللقاء بالرئيس بورقيبة في جربة وذلك سنة 1974.
في الحقيقة لم أسافر مع الزعيم إلى جربة لكن كنت متأكدا من أن القذافي سيفعل أمرا ما مريبا ومن بين الشخصيات التي أتذكرها وزير الداخلية الطاهر بالخوجة والبقية لا أتذكر الأسماء الآن ولكن بورقيبة كان محاطا بمجموعة من رجال الدولة.
وفي جربة وبعد سويعات من المباحثات انفرد العقيد القذافي بسيادة الرئيس الحبيب بورقيبة ونفذ خطته الجهنمية.
أذكر أن هذا اللقاء الثنائي كان سريا، حيث وقّع الزعيم وثيقة الوحدة التي أعدّها القذافي ووقعها كلّ من الرئيسين في 12 ديسمبر 1974، هذه الوثيقة تنص على وحدة اندماجية بين ليبيا وتونس في إطار دولة واحدة تسمى بـ “الاتحاد العربي الإسلامي” الذي مهّد له العقيد عبر محاولات مختلفة ومنها خطابه في “البالماريوم” الذي كان بمثابة الحرب النفسية تمهيدا لهذه الوحدة الوهمية، التمويهية.
وفي 12 ديسمبر تلى محمود المصمودي وزير الخارجية تقرير اتفاقية الوحدة وبث مباشرة على موجات الراديو، بعد العودة من جربة طبعا.
هذه الاتفاقية أثارت حفيظتي فذهبت مباشرة إلى الطاهر بالخوجة العائد لتوه من جربة وقدمت له استقالتي.
استغرب الأمر وحاول إثنائي عن صنيعي لكني أجبته أني كنت واليا في إطار الجمهورية التونسية أما والحال أنكم طمستم البلاد هكذا بجرة قلم، طمستم تاريخا وحضارة وثقافة وشعبا… لا لا.. لن أوافق وسأتخلى عن منصبي، وانصرفت متسائلا : “ماذا فعل بورقيبة وكيف انطلت عليه حيل المتآمر معمر القذافي ؟”.
بعد 48 ساعة من توقيع مذكرة “المؤامرة”
الإعلان عن قيام هذه الوحدة لم يدم أكثر من 48 ساعة بين البلدين وذلك نتيجة تراجع تونس من جانب واحد عن الاتفاق.
الزعيم بورقيبة بدأ يتراجع عن هذه الوحدة وهو في الطائرة في طريق العودة إلى قرطاج.
حينها كانت وسيلة بورقيبة في الكويت فتحادثت معه ولامته عن هذا الأمر أما الوزير الأول الهادي نويرة فكان في إيران فعاد لتوه ما إن علم بالخبر، عاد يوم 13 ديسمبر 1974 لمعالجة الموضوع مع بورقيبة.
وبالفعل نتيجة جملة من الضغوطات الداخلية والإقليمية تمكنت البلاد من تلافي وحدة كارثية.
لكن تراجع الحكومة التونسية من جانب واحد عن الاتفاق أصاب العقيد بصدمة كبيرة وتولّدت عنها ردود فعل مزاجية سأكشفها لكم في الحلقة القادمة إن شاء الله.

لعل أبرز الإشكاليات التي طرحت على وزارة الدفاع وأثقلت كاهل البلاد برمتها هو ذلك التشويش الذي ما انفكّ العقيد الليبي يمارسه في محاولات استفزازية متتالية وذلك إبان إعلان الوحدة والتراجع عنها فيما بعد سنة 1974.
فقد دخلت البلاد التونسية حينئذ مرحلة استنفار وشهدت تعزيزات أمنية مكثفة في محاولة للتصدي لأي طارئ قد يحصل من قبل العقيد أو الموالين له سواء كان ذلك داخل أو خارج التراب التونسي.
مشكلة الجرف القاري
استنفار عسكري ولوجيستي لم يثن القذافي عن إرسال أسطول عسكري أرسى بمحاذاة الجرف القاري البحري بين تونس وليبيا وبالتحديد في المياه الدولية.
وقد كنا نعتقد أن هذا الجرف القاري يمثل متنفسا لتونس لكن القذافي أرسى بأسطول حربي بمحاذاة هذا الجرف في محاولته لاستفزاز السلطات التونسية وحثها على الدخول في مواجهات عسكرية مفتعلة تدفع باتجاه الأمر الواقع، وكان يدّعي أنه بصدد البحث عن البترول، وقتها في أواخر 1974 أو سنة 1975 أرسلنا بدورنا أسطولا عسكريا مضادا تأهبا لما قد يحصل لا قدّر الله.
الأسطولان كانا على أبواب الصدام لولا تعقل الجانب التونسي مقابل ذلك دخلنا في مفاوضات مع عدة أطراف إقليمية ودولية دامت 5 أشهر كاملة وكنا نتجنب أي صدام لتفادي المواجهات مع الجارة ليبيا.
مهنّي مقابل النايلي… !
أذكر أن محاولات العقيد الاستفزازية لم تقف عند هذا الحدّ بل إن القذافي أمعن في تطاوله على النظام التونسي لأن من طبيعته أنه يكن الأحقاد والدسائس لتونس ونظامها وشعبها برمّته.
إن هذه النفسية المريضة للعقيد… أجل… نفسية مريضة وشخصية مركبة من الأحقاد والأوهام والدسائس دفعت به إلى محاولة ضرب النظام التونسي في الصميم من خلال محاولته اغتيال الهادي نويرة الوزير الأول في حكومة الرئيس بورقيبة الذي كان رجل سياسة بحق وسأذكر لكم أنه قال يوما : “إننا مجموعة يدفعها ترابط مصالحها إلى التعاون والأخوة بعد أن فرّق بينها الجهل والتعسف وأهم ما تقوم به هذه الدولة هو ربط الصلة بين أفراد الأمة وجعلها جسدا واحدا حتى تصبح بناء مرصوصا يشد بعضه بعضا ويستطيع الصمود أمام الأعاصير وتقلبات الدهر”.
وبالفعل فهذه المرحلة أي منتصف السبعينات شهدت عدة تقلبات ونوائب داخلية وخارجية.
المهم أن العقيد معمر القذافي بلغ قمة الحقد وحاول ضرب الهيكل العام للدولة واغتيال الهادي نويرة الذي اعتبره المدبّر الأول لإلغاء مذكرة الوحدة من جانب واحد.
القذافي إذن جنّد مجموعة من مخابراته عرفت بمجموعة “النايلي” هذه المجموعة المخابراتية “الإرهابية” كانت مدربة تدريبا عاليا ولها قدرة فائقة على التخفي وتلاشي السقوط في المساءلة أو في الشبهات لكن فطنة أمننا الوطني حالت دون تنفيذ هذه المؤامرة الدنيئة التي دبّر لها العقيد.
فقد رصد الأمن التونسي هذه المجموعة من خلال تحركاتها المشبوهة فطوّقها بعدما تمكنت من اختراق التراب التونسي، قادمة من ليبيا وقد دججت بالسلاح.
وبعد كرّ وفرّ تمكّن الجيش والأمن الوطنيين من القبض على “النايلي” ومجموعته الإرهابية الترهيبية، التخريبية وتم إذن تفكيك هذه الوحدة المسلحة التي اعترف رئيسها “النايلي” فيما بعد في تسجيل بثه الراديو والتلفزة التونسية أن القذافي خطّط لاغتيال الهادي نويرة الوزير الأول وقد أمر هذه المجموعة المخابراتية بتنفيذ هذا المخطط الانتقامي.
رجل الأعمال التونسي رؤوف مهني كبش فداء ؟
هذه المجموعة المخابراتية عمقت أزمة البلاد وجاءت على بقية صفاء العلاقة مع الجارة ليبيا لتفرز وضعا مشوبا بالخوف والحذر من الجانبين. ومن سوء حظ رجل الأعمال التونسي رؤوف مهني الذي لا تزال مؤسساته المختصة في البناء شاهدة على نجاحه في عالم البناء والأشغال العمومية إلى اليوم أنه كان متواجدا في تلك الفترة في ليبيا.
القذافي اختطفه وبقي مصيره مجهولا للمساومة به.
الحكومة التونسية لم تشأ أن تسكت عن الأمر ودخلت في مفاوضات مع حكومة القذافي بشأن إطلاق سراح الرهينة التونسية في ليبيا رؤوف مهني مقابل قائد المجموعة الإرهابية النايلي وقد نجح العقيد في هذه الصفقة، وبالفعل أفرجت السلطات التونسية المختصة على النايلي أواخر 1976 مقابل تسليم مهني وإعادته إلى أرض الوطن.
وإثر ذلك تمت إحالة ملف الجرف القاري إلى محكمة العدل الدولية ومع بداية 1977 تأزمت الأمور ورشحت لبروز نذر أزمة في وقت كانت تفتت فيه الخلية المجتمعية الوطنية نتيجة صراعات داخلية كان اتحاد الشغل طرفا فيها إضافة إلى محاولات القذافي لعب أوراق جديدة في الأدوار السياسية الوطنية وهذا ما سأكتبه لكم في الحلقة القادمة إن شاء الله.