الخميس، 4 أكتوبر 2012

السلفيون بعد التفكيك – فهمي هويدي

السلفيون بعد التفكيك – فهمي هويدي
منذ ظهر نجمهم في سماء السياسة أصبح السلفيون عنوانا شبه ثابت في وسائل الإعلام المختلفة، خصوصا في مصر ودول المغرب العربي،
وحين دبت الخلافات بين بعض قياداتهم في مصر تنافست كل الصحف في متابعة تفاصيلها بشكل مبالغ فيه، وكأن البلد ضربه زلزال سياسي من الدرجة العالية، يوشك أن يقلب الخرائط ويفتت الساحة السياسية.
ولم يقف الأمر عند حد رصد التفاصيل وتحري أسباب الصراع واستنطاق أطرافه، وإنما تجاوزه إلى إبراز آراء رموز السلفية في مختلف أمور الدين والدنيا.
حتى طالعتنا صحيفة «الشروق» أمس الأول (الاثنين الأول من أكتوبر) بتقريرين،
أحدهما أبرز على الصفحة الأولى وتضمن متابعة التجاذب الحاصل بين قيادات حزب النور، وكان عنوانه:
النور ينتحر على أعتاب لجنة الأحزاب،
والثاني على صفحة كاملة بالداخل، وكان خلاصة حوار مع إحدى الشخصيات السلفية نقلت عناوين عنه قوله:
قبول الإسلاميين بآليات الديمقراطية معصية
ــ وــ الديمقراطية مضادة للإسلام ومن يكتم ذلك يأثم.
وفي اليوم ذاته نشرت صحيفة «المصري اليوم» على الصفحة الأولى كلاما منسوبا لأحد الدعاة السلفيين قال فيه إن الليبراليين والعلمانيين كفار ويجب إقامة حد الرِدّة عليهم (!)
بقية الصحف المصرية تابعت وقائع التجاذبات الحاصلة بين السلفيين المختلفين، في الوقت الذي تناقلت فيه وكالات الأنباء أخبار مواجهات السلفيين مع أجهزة الأمن في تونس، وتحذيرات الشيخ راشد الغنوشي مؤسس حركة النهضة من خطورة هذه المجموعات على السلم الأهلي في البلاد.
من يطالع أمثال تلك التقارير اليومية يخيل إليه أننا بصدد قوة سلفية كبرى تنافس أخبارها ما تنشره الصحف عن الدول العظمى،
وربما تصور البعض أن المجتمعات العربية صارت مهددة بالزحف السلفي،
وأن أفكار الآحاد التي تبرزها الصحف ترسم صورة منفرة وكئيبة للمستقبل، الأمر الذي يبرر الحيرة والقلق.
ليس عندي دفاع لا عن تجاذبات السلفيين ولا عن غريب أفكارهم، لكني أزعم أن الإعلام يبالغ في تقديم حجمهم، كما يخلط الأوراق في الحديث عنهم، ولا يخلو الأمر من تسليط الأضواء القوية على سلبياتهم واصطياد ما هو شاذ من آرائهم، حتى إذا كانت تلك الآراء لأحد الناس الذين لا يمثلون إلا أنفسهم وليس لديهم دراية بالدين أو الدنيا. وما سبق ذكره من نماذج تلك الآراء.
إزاء ذلك فإن تحرير الصورة وتفكيكها يبدو ضروريا لفهم ما يجري في تلك الساحة. فالناظر إلى المشهد عن قرب يدرك أن السلفيين ليسوا شيئا واحدا.
إذ رغم أن العنوان يجمع بينهما إلا أنهم يتوزعون على ثلاث مدارس متباينة على الأقل.
فهناك السلفية الدعوية التي خرجت أساسا من المملكة العربية السعودية. وتبنت أفكار الشيح محمد بن عبد الوهاب المستقاة من فتاوى ابن تيمية وغيره من أئمة مذهب أحمد بن حنبل،
وهذه المدرسة الدعوية تتحرك خارج السياسة، وقد تدعمها، لكنها لا تنخرط فيها أو تمارسها.
هناك أيضا السلفية الجهادية التي تكفر المجتمع وترفع السلاح لتغييره.
وهذه لها حضورها في دول المغرب العربي وصلاتها قائمة مع تنظيم القاعدة، على الصعيد الفكري على الأقل.
ولا وجود لتلك المدرسة في مصر في الوقت الراهن، وإن دلت بعض القرائن على أن لعناصرها وجودا في شبه جزيرة سيناء،
وهناك من يرى بأن أعمال العنف والأنشطة الإرهابية التي مورست في مصر خلال الثمانينيات خرجت من عباءة السلفية التكفيرية والجهادية.
المجموعة التي تسلط عليها الأضواء في مصر الآن تمثل مدرسة ثالثة يصح أن نطلق عليها السلفية السياسية، وهي التي تضم مجموعة من النشطاء الذين اختاروا الدخول في المجال العام والانخراط في العمل السياسي،
وهم فريقان أحدهما اختار الصيغة الحزبية التي تبلورت في صورتي حزب النور وحزب الأصالة،
والفريق الثاني انحاز إلى فكرة مرجعية الأشخاص وليس الصيغة الحزبية. بمعنى أنهم لم يشكلوا حزبا له قيادة مؤسسية ولكنهم التفوا حول أشخاص توسموا فيهم المرجعية الفقهية والقيادة الفكرية.
تيار السلفية السياسية جديد في مصر رغم أنه ظهر في الكويت منذ عقدين من الزمان تقريبا. وله حضوره الدائم في البرلمان هناك.
 ولم يعد سرا أن الأجهزة الأمنية في مصر حاولت في السابق أن تستخدم بعض السلفيين سواء لاختراق الإخوان أو لسحب البساط من تحت أقدامهم.
والضجيج الذي يسلط عليه الإعلام أضواءه اليومية ينحصر في إطار مجموعة السلفية السياسية التي هي حديثة العهد بالمشاركة في العمل السياسي،
 بالتالي فهي لم تكتسب خبرات أو تقاليد الانخراط في اللعبة، ولذلك حرص بعضهم على اكتساب تلك الخبرات من خلال التعلم وتلقي المحاضرات من ذوي الاختصاص والخبرة،
ومما أخذ على رئيس حزب النور مثلا الدكتور عماد عبد الغفور أنه لم يكن قادرا على استيعاب فكرة العمل المؤسسي، وظل يدير الحزب بمفهوم مرجعية الشيخ الفرد الأمر الذي أثار حفيظة غيره من قياديي الحزب.
ولعلي لا أكون مخطئا إذا قلت إن الخلاف الدائر في أوساط حزب النور ليس حول الأفكار، لكن له أسبابه التنظيمية التي عادة ما تحدث في إطار أي مجموعة سياسية.
بالتالي فقد سرى عليهم ما حدث من قبل مع الإخوان والوفديين والشيوعيين والناصريين، ولم يحدث ذات الضجيج الذي تثيره وسائل الإعلام هذه الأيام بحسن نية أو بسوئها.
إن إخواننا هؤلاء حديثو عهد باللعبة السياسية، وبعضهم يتعلمون ويتطورون ويحتاجون إلى وقت أطول لإنضاج أفكارهم واكتساب خبراتهم، لكن الإعلام لا يرحم.
...........................