الخميس، 4 أكتوبر 2012

السلفيون بعد التفكيك – فهمي هويدي

السلفيون بعد التفكيك – فهمي هويدي
منذ ظهر نجمهم في سماء السياسة أصبح السلفيون عنوانا شبه ثابت في وسائل الإعلام المختلفة، خصوصا في مصر ودول المغرب العربي،
وحين دبت الخلافات بين بعض قياداتهم في مصر تنافست كل الصحف في متابعة تفاصيلها بشكل مبالغ فيه، وكأن البلد ضربه زلزال سياسي من الدرجة العالية، يوشك أن يقلب الخرائط ويفتت الساحة السياسية.
ولم يقف الأمر عند حد رصد التفاصيل وتحري أسباب الصراع واستنطاق أطرافه، وإنما تجاوزه إلى إبراز آراء رموز السلفية في مختلف أمور الدين والدنيا.
حتى طالعتنا صحيفة «الشروق» أمس الأول (الاثنين الأول من أكتوبر) بتقريرين،
أحدهما أبرز على الصفحة الأولى وتضمن متابعة التجاذب الحاصل بين قيادات حزب النور، وكان عنوانه:
النور ينتحر على أعتاب لجنة الأحزاب،
والثاني على صفحة كاملة بالداخل، وكان خلاصة حوار مع إحدى الشخصيات السلفية نقلت عناوين عنه قوله:
قبول الإسلاميين بآليات الديمقراطية معصية
ــ وــ الديمقراطية مضادة للإسلام ومن يكتم ذلك يأثم.
وفي اليوم ذاته نشرت صحيفة «المصري اليوم» على الصفحة الأولى كلاما منسوبا لأحد الدعاة السلفيين قال فيه إن الليبراليين والعلمانيين كفار ويجب إقامة حد الرِدّة عليهم (!)
بقية الصحف المصرية تابعت وقائع التجاذبات الحاصلة بين السلفيين المختلفين، في الوقت الذي تناقلت فيه وكالات الأنباء أخبار مواجهات السلفيين مع أجهزة الأمن في تونس، وتحذيرات الشيخ راشد الغنوشي مؤسس حركة النهضة من خطورة هذه المجموعات على السلم الأهلي في البلاد.
من يطالع أمثال تلك التقارير اليومية يخيل إليه أننا بصدد قوة سلفية كبرى تنافس أخبارها ما تنشره الصحف عن الدول العظمى،
وربما تصور البعض أن المجتمعات العربية صارت مهددة بالزحف السلفي،
وأن أفكار الآحاد التي تبرزها الصحف ترسم صورة منفرة وكئيبة للمستقبل، الأمر الذي يبرر الحيرة والقلق.
ليس عندي دفاع لا عن تجاذبات السلفيين ولا عن غريب أفكارهم، لكني أزعم أن الإعلام يبالغ في تقديم حجمهم، كما يخلط الأوراق في الحديث عنهم، ولا يخلو الأمر من تسليط الأضواء القوية على سلبياتهم واصطياد ما هو شاذ من آرائهم، حتى إذا كانت تلك الآراء لأحد الناس الذين لا يمثلون إلا أنفسهم وليس لديهم دراية بالدين أو الدنيا. وما سبق ذكره من نماذج تلك الآراء.
إزاء ذلك فإن تحرير الصورة وتفكيكها يبدو ضروريا لفهم ما يجري في تلك الساحة. فالناظر إلى المشهد عن قرب يدرك أن السلفيين ليسوا شيئا واحدا.
إذ رغم أن العنوان يجمع بينهما إلا أنهم يتوزعون على ثلاث مدارس متباينة على الأقل.
فهناك السلفية الدعوية التي خرجت أساسا من المملكة العربية السعودية. وتبنت أفكار الشيح محمد بن عبد الوهاب المستقاة من فتاوى ابن تيمية وغيره من أئمة مذهب أحمد بن حنبل،
وهذه المدرسة الدعوية تتحرك خارج السياسة، وقد تدعمها، لكنها لا تنخرط فيها أو تمارسها.
هناك أيضا السلفية الجهادية التي تكفر المجتمع وترفع السلاح لتغييره.
وهذه لها حضورها في دول المغرب العربي وصلاتها قائمة مع تنظيم القاعدة، على الصعيد الفكري على الأقل.
ولا وجود لتلك المدرسة في مصر في الوقت الراهن، وإن دلت بعض القرائن على أن لعناصرها وجودا في شبه جزيرة سيناء،
وهناك من يرى بأن أعمال العنف والأنشطة الإرهابية التي مورست في مصر خلال الثمانينيات خرجت من عباءة السلفية التكفيرية والجهادية.
المجموعة التي تسلط عليها الأضواء في مصر الآن تمثل مدرسة ثالثة يصح أن نطلق عليها السلفية السياسية، وهي التي تضم مجموعة من النشطاء الذين اختاروا الدخول في المجال العام والانخراط في العمل السياسي،
وهم فريقان أحدهما اختار الصيغة الحزبية التي تبلورت في صورتي حزب النور وحزب الأصالة،
والفريق الثاني انحاز إلى فكرة مرجعية الأشخاص وليس الصيغة الحزبية. بمعنى أنهم لم يشكلوا حزبا له قيادة مؤسسية ولكنهم التفوا حول أشخاص توسموا فيهم المرجعية الفقهية والقيادة الفكرية.
تيار السلفية السياسية جديد في مصر رغم أنه ظهر في الكويت منذ عقدين من الزمان تقريبا. وله حضوره الدائم في البرلمان هناك.
 ولم يعد سرا أن الأجهزة الأمنية في مصر حاولت في السابق أن تستخدم بعض السلفيين سواء لاختراق الإخوان أو لسحب البساط من تحت أقدامهم.
والضجيج الذي يسلط عليه الإعلام أضواءه اليومية ينحصر في إطار مجموعة السلفية السياسية التي هي حديثة العهد بالمشاركة في العمل السياسي،
 بالتالي فهي لم تكتسب خبرات أو تقاليد الانخراط في اللعبة، ولذلك حرص بعضهم على اكتساب تلك الخبرات من خلال التعلم وتلقي المحاضرات من ذوي الاختصاص والخبرة،
ومما أخذ على رئيس حزب النور مثلا الدكتور عماد عبد الغفور أنه لم يكن قادرا على استيعاب فكرة العمل المؤسسي، وظل يدير الحزب بمفهوم مرجعية الشيخ الفرد الأمر الذي أثار حفيظة غيره من قياديي الحزب.
ولعلي لا أكون مخطئا إذا قلت إن الخلاف الدائر في أوساط حزب النور ليس حول الأفكار، لكن له أسبابه التنظيمية التي عادة ما تحدث في إطار أي مجموعة سياسية.
بالتالي فقد سرى عليهم ما حدث من قبل مع الإخوان والوفديين والشيوعيين والناصريين، ولم يحدث ذات الضجيج الذي تثيره وسائل الإعلام هذه الأيام بحسن نية أو بسوئها.
إن إخواننا هؤلاء حديثو عهد باللعبة السياسية، وبعضهم يتعلمون ويتطورون ويحتاجون إلى وقت أطول لإنضاج أفكارهم واكتساب خبراتهم، لكن الإعلام لا يرحم.
...........................

السبت، 29 سبتمبر 2012

المنصف ونّاس: الشخصيّة التونسيّة بحاجة إلى مراجعة جذريّة
قال انها غير ملائمة للقرن الواحد والعشرين!

 يعتبر كتاب الدّكتور المنصف ونّاس ' الشخصيّة التونسيّة، محاولة في فهم الشخصيّة العربيّة ' الصّادر سنة 2011 عن الدّار المتوسطيّة للنّشر، من الكتابات العلميّة القليلة التّي تناولت بالدّرس الشخصيّة التونسيّة القاعديّة.
وهيّ دراسة حاول صاحبها المختصّ في علم الاجتماع الثّقافي والسيّاسي والأستاذ بالجامعة التونسيّة تسليط الأضواء على الخصائص المميّزة لهذه الشخصيّة وجملة السلبيّات المتعلّقة بالتّنشئة الإجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة والرّواسب التاريخيّة التّي جعلت من هذه الشخصيّة غير قادرة بكلّ مكوّناتها أن تتكيّف مع متطلّبات القرن الذّي نعيشه اليوم، ممّا يستدعي ضرورة إعادة بناء هذه الشخصيّة بالتّركيز على أدوارها ومراتبها داخل الأسرة والشّارع والبيئة والمدرسة والحزب والجمعيّة والإعلام، وبإيجاد الحوافز الكفيلة بجعلها شخصيّة منتجة ومحافظة على قيّمها ومكتسباتها غير مدّخرة لأيّ جهد في القيّام بواجباتها .
وبتصفّحنا لسيرة الدّكتور المنصف ونّاس الأستاذ والباحث والمدرّس بالجامعة التونسيّة الذّي تتلمذت على يديه أجيال متعاقبة من علماء الاجتماع الشبّان، نلمس دون عناء سعيه من خلال بحوثه للاهتمام بسوسيولوجيا الدّولة والمجتمع المدني والنّخبة الثقافيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، وقد ألّف في هذا المجال العديد من الكتب والمقالات باللّغتين العربيّة والفرنسيّة لعلّ أهمّها :
ـ الدّولة والمسألة الثقافيّة في تونس، بيروت 1988
ـ الدّولة والمسألة الثقافيّة في المغرب العربي، تونس 1996
ـ الخطاب العربي، تونس 1992
ـ المقاولون الجدد في ليبيا (1988ـ 2009) المغرب الأقصى 2010
وحول موضوع الشخصيّة التونسيّة مدار اهتمام هذا الكتاب كان لنا هذا اللّقاء معه:
* كيف تقدّمون كتابكم لقرّاء 'القدس العربي'؟
*أعتبر بأنّ هذا الكتاب هوّ محاولة في فهم الشخصيّة القاعديّة التونسيّة .فاللاّفت للانتباه من الناحيّة العلميّة أنّ هذه الشخصيّة لم تدرس تقريبا البتّة دراسة علميّة على الرّغم من أهميّة هذا المشروع وعلى الرّغم من أهميّة انجازه لنفهم محطّات تشكّل هذه الشخصيّة البارزة مثلما فعل ذلك حامد عمّار في مصر وعليّ الوردي في العراق.
* هناك تصدير في الفصل الأوّل لمقولة مأخوذة من كتاب الأمير 'لمكيافيلي' تقول كالتّالي: 'المجتمع الفاسد هوّ الذّي لا يستطيع فيه الأفراد ممارسة حريّاتهم' :فما مدى انطباق هذه المقولة على المجتمع التونسي الذّي يتجاوز عمره 50 سنة من الإستقلال؟
*لقد أثّر الاستبداد والقمع اللّذان عرفتهما تونس على امتداد 56 سنة، أثّرا في بنيّة الشخصيّة القاعديّة التونسيّة وعمّقا ما فيها من انطواء على الذّات وعدم قدرة على المواجهة وعدم رغبة في الفعل وهذا أمر يجب الانتباه إليه . ولهذا ساعدت عقود الاستقلال على تشكّل شخصيّة مفرطة في الواقعيّة ومهادنة وغير حريصة على المواجهة بدليل أنّ مقاومة الاستبداد والقمع كانت مقاومة محدودة وضئيلة قيّاسا بمجتمعات أخرى، أنا أعتقد بأنّ القرون الخمسة الأخيرة من تاريخ تونس ساعدت مساعدة كبيرة على تشكّل الشخصيّة التونسيّة وعلى ابراز ملامحها الرئيسيّة، فهيّ شخصيّة لا تحبّذ كثيرا المواجهة وتلتفّ على الظّواهر وتفضّل أن تحتسب الأمور بكيفيّة تضمن لها المكاسب وتجنّبها الخسائر. وهيّ صفة على درجة من العقلانيّة ولكنّها تفضي بطول الوقت إلى بروز شخصيّة واقعيّة ومهادنة ومتقبّلة للأمور.
* اشتغلتم في هذا الكتاب على الشخصيّة القاعديّة التونسيّة، فما هيّ ملامحها وحدود التّعويل عليها في مجابهة التحديّات ؟
*مثل ما أسلفت القول، فهذه الشخصيّة تتّسم بالمرونة والقدرة على الإندماج وبالقدرة على الانصهار السّريع والتّجاوب مع الوضعيّات المختلفة ولكنّ هذه الإيجابيّات تترافق في الآن نفسه مع نقائص عديدة . فهذا الحرص على الاندماج يترافق مع واقعيّة قصوى وتغليب المصلحة الذاتيّة على المصلحة الجماعيّة واعطاء الأولويّة للمكسب الشّخصي على مكاسب أخرى . وهذا يؤدّي بالضّرورة إلى التّنازل وإلى سرعة القبول للآخر ومهادنة الحاكم وتجنّب مواجهته . ولديّ فرضيّة أشتغل عليها منذ سنوات وهيّ أنّ مثل هذه الشخصيّة لا يمكن إلاّ أن تشجّع المهادنة والقبول السّريع بالواقع وتجنّب مجابهته على الرّغم ممّا فيه من عيوب ونقائص وسلبيّات . وأمّا الفرضيّة الثانيّة فتتمثّل في أنّ هذه الشخصيّة على ما فيها من نقائص لا يمكن التّعويل عليها من أجل مجابهة تحديّات القرن 21 . فلا بدّ من اعادة بنائها بناء جديدا وتطويرها بما يتلاءم مع مقتضيات هذا القرن.
*لاحظنا خاصّة في الفصل الأوّل تركيزكم على التّاريخ في تحليل مراحل تشكّل الشخصيّة القاعديّة التونسيّة، فهل أنّ المراحل التاريخيّة التّي ذكرتموها قد أسهمت في تشكّل الشخصيّة القاعديّة التونسيّة ؟
لا شكّ في ذلك أنّ التّاريخ التّونسي القديم والحديث والمعاصر قد أدّى دورا مهمّا في تشكيل مضامين الشخصيّة التونسيّة . يكفي أن ننظر في العهود الباياتيّة (نسبة لعهود البايات في المملكة التونسيّة)حتّى نتأكّد حجم التّدمير الذّي أصاب الشخصيّة التونسيّة وما رافق ذلك من اذلال واهانة للإنسان التونسي حتّى نتأكّد من أنّ جذور الشخصيّة التونسيّة هيّ جذور ضاربة في التّاريخ.
* ذكرتم أنّ الشخصيّة التونسيّة هيّ شخصيّة متوتّرة على عكس الشخصيّة المصريّة الفهلويّة، فهل هيّ كذلك؟
* من شأن التّدمير المنظّم الذّي تعرّضت له الشخصيّة القاعديّة التونسيّة ابّان عهد البايات وابّان مرحلة الإستقلال من شأنه أن يدمّر هذه الشخصيّة وأن يذلّها بشكل أساسيّ وأن يمنع قدرتها على التّأثير الإيجابي وعلى الفعل التّغييري، نعم لقد ساعد الاستقلال على تحقيق مكاسب مهمّة ولكنّه في الآن نفسه أنتج نتائج سلبيّة عديدة من بينها اذلال الإنسان التونسي وتدمير شخصيّته.
* هل فعلا الشخصيّة التونسيّة شخصيّة غير منتجة أم أنّ هناك عوامل سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة وثقافيّة قد حالت دون ذلك؟
*هناك عديد الدّراسات النفسيّة والتاريخيّة التّي تؤكّد أنّ هذه الشخصيّة غير منتجة أو هيّ تحديدا قليلة الإنتاج . فمثل هذا الاستنتاج نلمسه في عديد مواقع الانتاج ولكن خاصّة في الجامعة حيث نلاحظ عدم اقبال الأجيال على الجهد والمطالعة ومواكبة الإنتاج الفكري في مجال العلوم الإنسانيّة وعدم الرّغبة في الاستزادة من المعرفة . وهذا أمر محيّر ولافت للانتباه ويجدر بنا أن نحلّله لنفهم أسبابه.
* لمسنا في هذا الكتاب تركيزكم على جملة من السلبيّات بلغت حدّ إعطاء نظرة سوداويّة على الواقع الأكاديمي في تونس، فهل بعرضكم هذا تعطون إشارة واضحة لقارئ هذا الكتاب بأنّ الفساد في تونس المعاصرة بلغ حدّا من الصّعب إصلاحه ؟
*لا شكّ لدينا أنّ الجامعة التونسيّة تعيش معضلات حقيقيّة وتواجه صعوبات متعدّدة ونفذ إليها الفساد حتّى وإن بقي محدودا وقليل الأهميّة ولكن تتوجّب الإشارة إلى أنّ الجامعة التونسيّة تعيش فقرا في الإنتاج العلمي وفقرا في مستوى العلاقات الإنسانيّة الأمر الذّي يدعو إلى ضرورة مراجعة هذا الواقع.
*ذكرتم في هذا الأثر أنّ الشخصيّة التونسيّة شخصيّة تسربيّة بمعنى أنّها غير حافظة للأسرار فهل هناك تفسير نفسيّ سوسيولوجي لهذه الصّفة غير السويّة ؟
* ما تزال العلاقات الإنسانيّة في بلدنا علاقات قبليّة وعروشيّة وجهويّة ونفعويّة وذاتيّة ولهذا لا يمكن للفرد أن يحفظ الأسرار وهوّ يفشيها من باب الأخذ في الاعتبار هذه العوامل والمتغيّرات الاجتماعيّة والثقافيّة، كما يجب أن نشير إلى أنّ الشّعور السّائد لدى التونسيّين بأنّ الأمور غير مشروعة ولهذا يجوز أن نفعل كلّ ما نريد فعله، فعندما تختفي مشروعيّة الأمور، تفقد الأسرار قيمتها وأن يتمّ ابلاغها للمعنيّين بالأمر في دقائق وهذه مشكلة فعليّة حينما تكون الشخصيّة القاعديّة غير حريصة على صيّانة الأسرار والحفاظ عليها.
*هل تعتقد معي أنّ الشخصيّة التونسيّة بالمواصفات التّي ذكرتها وخاصّة في الجزء الثّاني غير قادرة على بناء المواطنة الحقّة ؟
*لا أدري ولكن يبدو لي أنّ هناك حاجّة ماسّة إلى إعادة بناء الشخصيّة التونسيّة وإلى التّركيز على مضامين جديدة وعلى ثقافة جديدة وعلى قيّم جديدة، فلا بدّ من تغيير مضمونها الكامل حتّى تتلاءم مع مقتضيات هذا القرن الذّي نعيشه.
*ما هيّ السّبل الكفيلة التّى تقطع مع الزبونيّة؟
*تقتضي القطيعة مع الزبونيّة احترام القوانين والحرص على تنفيذها بغضّ النّظر عن كلّ الظّروف والمعطيات وخاصّة التّركيز على شرط الاقتدار والحرص على اعطائه صفة الأولويّة.
* ألا ترى معي أنّ الثّورات العربيّة هيّ إيذان بعصر جديد يمكن تسميّته بعصر الجماهير التّي تريد فرض ارادتها؟
*ما يحصل الآن هوّ تغيير نوعيّ في المنطقة العربيّة ويؤشّر إلى مرحلة جديدة من التّغيير النوعيّ والاستثنائي ولكن، لديّ احساس بأنّ الغرب بدأ يلتفّ على هذه الثّورات وبدأ يعمل بجديّة على تسخيرها لفائدة أغراضه واستراتيجيّاته فما يجب أن نتّفق عليه أنّ الغرب لن يترك هذه الثّورات تذهب بعيدا في تحقيق أهدافها فهوّ سيعمل للحدّ من نتائجها والإبقاء عليها تدور في فلكه من خلال المديونيّة وإغراق الشّعوب في الدّيون الخارجيّة فمن المعلوم أنّ من يتحكّم في التنميّة يتحكّم في استقلاليّة القرار السيّاسي، إنّ هذه الخشية ليست وهميّة وإنّما هيّ فعليّة وجديّة.
*أفهم من كلامكم أنّكم مع وضع برنامج لبناء الشخصيّة التونسيّة من جديد وفقا لقيّم جديدة ؟
*كنت واضحا في الكتاب في التّأكيد على أنّ هذه الشخصيّة القاعديّة بكلّ نقائصها لا يمكن أن تكون ملائمة للقرن 21 وإنّما هيّ بحاجة إلى مراجعة جذريّة من حيث مضامينها وأنماطها التنشئويّة داخل الأسرة والإعلام والبيئة والشّارع والمدرسة والحزب والجمعيّة ...
وإذا كنّا نريد فعلا أن ننجح في هذا القرن عليّنا أن نعمل على إعادة بناء هذه الشخصيّة لتكون شخصيّة مقدّسة للعمل والجهد وحريصة على الإنتاج وعلى حماية حقوقها ومكتسباتها والقيّام بواجباتها .

حاوره: عبدالرّحمان المرساني

الثلاثاء، 25 سبتمبر 2012

الثقافة الحوارية

الثقافة الحوارية
في ثقافتنا العربية الإسلامية، في عصورها المشرقة، سنة حميدة كان الحرص على مراعاتها من قبل الكتاب حرصا أكيدا واعتبارها الأساس السليم في كل حوار مثمر بين الخصوم. تقضي تلك السنة بالبدء في كل مناظرة أو احتجاج بإيراد رأي الخصم كاملا دون تحريف فيه أو انتقاص منه. ونستحسن، في هذا الصدد، أن نذكر الرأي الذي يصدر به أبو الحسن الأشعري كتابه الأشهر «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين». ومن المعلوم أن شيخ الأشعرية الأول كان يقصد بكتابه المذكور التأريخ للآراء والمذاهب، على اختلافها، مع الانتصار للمذهب الذي يصدر عنه. يقول: «لا بد لمن أراد معرفة الديانات والتمييز بينها من معرفة المذاهب والمقالات. ورأيت الناس، في حكاية ما يحكون من ذكر المقالات ويصنفون في النحل والديانات من بين مقصر فيما يحكيه وغالط فيما يذكره من قول مخالفيه وبين متعمد للكذب في الحكاية إرادة التشنيع على من يخالفه». وحكم الأشعري على من يسلك من المؤلفين سلوكا مماثلا حكم صارم: «ليس هذا سبيل الربانيين ولا سبيل الفطناء المميزين». صاحب السلوك المماثل يجمع إذن بين جريرة الابتعاد عن طريق الشرع والتنكب عن درب العقلاء. نذكر كذلك، على سبيل التذكير بالتقاليد الفكرية الراقية في تراثنا العربي الإسلامي، أن علماء الكلام كانوا يلتزمون في مؤلفاتهم بمنهج لا يكادون يحيدون عنه، إلا في أحوال نادرة. والمنهج المشار إليه هو عرض رأي الخصم المعارض قبل مهاجمته وهم يشترطون في ذلك الدقة والوضوح وذلك ما كان يعرف بـ«آداب المناظرة». ولو أننا تمعنا برهة وجيزة في دلالة «المناظرة» لتبين لنا أنها تحمل معنى «النظير» و«المناظر» معا. فالخصم مناظر لأنه نظير، أي كفء تصح محاورته. تقتضي آداب المناظرة وهي ما يصح نعته، في لغتنا المعاصرة، بقواعد الحوار الإيجابي ومقتضيات النزاهة الفكرية عدم إخراج المتكلم الخصم من دائرة علماء الكلام. يقول أحد كبار المتكلمين في ذلك: «الخصم، وإن خطأناه، لا نخرجه من علماء الكلام». كما أن التقاليد المرعية كانت تحمل المتكلمين، وهم في وطيس المعركة المذهبية، على التمييز بين الحكم بالخطأ على ما يقوله الخصم والحكم على الخصم بالكفر. من ثم، القاعدة الواضحة التي يشرعها الشهرستاني: «التكفير حكم شرعي، والتصويب حكم عقلي».
الحق أننا أمام درجة عالية من التجرد ومن التشبث بالشروط التي يكتسب بها الكلام الجدية ويكون أقرب ما يكون من الموضوعية العسيرة المنال. يجوز لنا، حين النظر في الكيفيات التي كان الفكر العربي الإسلامي في عصره الذهبي يؤرخ بها للفرق والملل المخالفة ويعرض لآرائها، أننا أمام ثقافة الحوار والتفاهم. نقول، دون إجحاف، إن ثقافتنا العربية الإسلامية في المرحلة التي نشير إليها تمثل «الثقافة الحوارية» في أبهى صورها من حيث إن هذه الأخيرة تعني، في جملة ما تعنيه، الاعتراف بالاختلاف في الآراء والنحل والمذاهب واقعا قائما لا سبيل إلى التغاضي عنه. وهي تعني، ثانيا، الإقرار بحق المخالف أن يكون كذلك. وهي، ثالثا وأخيرا، تتشوف إلى سبل التواصل والتفاهم بواسطة الحوار. إننا، إذ نذكر هذه الخصائص، فنحن نتحدث عن الثقافات الرفيعة ونعلم على سمات الحضارات العظيمة وهذه الأخيرة ليست كذلك إلا لأنها تكون دوما في موضع الإقبال على الغير، لا في حال النفور منه، وحضارتنا العربية الإسلامية كانت في أوجها كذلك، فكانت حواضرها الكبرى ترجمة لذلك. ذلك ما كان عليه الحال في بغداد، زمن المأمون وبيت الحكمة في الأزمنة الموالية التي شهدت ظهور النجوم الزاهرة في تراثنا العربي الإسلامي: في اللغة والنحو والبلاغة وعلم الكلام والمنطق والفلسفة، فضلا عن فنون المعمار والأدب الشعبي في أصنافه المتنوعة. وكذلك كان الشأن في القاهرة وقرطبة والقيروان وفاس وفي أشبيلية وغرناطة والرندة وسواها من الربوع الأندلسية. غير أن الأحوال انقلبت إلى نقيض ذلك كله في العهود الموسومة بعصر الانحطاط. لقد كانت سفولا وانحطاطا وكان ذلك بفعل عوامل شتى أبرزها الانطواء على الذات والركون إلى التقليد بدل التطلع إلى الإبداع والقناعة من المعرفة بالمصنفات الرديئة التي تحصر العلم في التلخيصات الخالية من الطلاوة وفي تعليقات وحواشٍ أشبه ما تكون بالمعميات التي تنفر من الطلب وتحمل على الانغلاق والتعصب وكيل التهم الرخيصة بالابتعاد عن سبيل الرشاد لكل مخالف في الرأي وإن لم يكن مخالفا في الاعتقاد.
نحن اليوم، في ظل شيوع فكر «التكفير» أمام شرعية التساؤل: أين نحن من زمان «الثقافة الحوارية» كما فهمها ومارسها أجدادنا؟ هل نحن نمتلك القدرة، فعلا لا ادعاء، على التمييز في حوارنا الديني، متى وجد، بين «الحكم الشرعي» من جانب و«الحكم العقلي» من جانب آخر؟ هل يأنس أغلبنا من نفسه القدرة على التفرقة، في إطلاق الأحكام، بين «التخطئة» وبين «التكفير»؟ لا بل إني أذهب أبعد من ذلك فأقول: هل الثقافة العربية الإسلامية تمت اليوم بصلة إلى الثقافة الحوارية؟ أخشى أن يكون الجواب سلبا، لا بدافع تشاؤم بغيض، بل بدلالة ما يشي به واقع الحال. لا نزال نستمرئ الثنائيات المطلقة فيما نصدره من أحكام. فكما كنا، بالأمس القريب، نصنف الناس في «قطري» يكره الوحدة العربية و«قومي عربي» لا يتردد في استرخاص النفيس من أجل تحقيقها وكنا، أو كان البعض منا، يرى في الليبرالية خصما للشعوب ويرى في التعددية السياسية خدعة إمبريالية، فإن الكثير منا اليوم يجنح إلى الأخذ بالثنائية التي تقضي بتقسيم العالم الفسيح إلى فسطاطين: فسطاط الكفر من جانب، وفسطاط الإيمان من جانب آخر.

الأحد، 23 سبتمبر 2012

محاولة فلسفية 7: ما هي نقاط الضعف المشتركة بين الإسلاميين غير الحداثيين و الشيوعيين الأرتدوكسيين؟ نقل مواطن العالم د. محمد كشكار

كنت جالسا صباح يوم الخميس 22 سبتمير 2011 في مقهى النات بحمام الشط الغربية، أقرأ كتاب "الإسلام شريكا" للمستشرق الألماني - المعجب بالإسلام و المنصف للمسلمين - فريتس شتيبات، ترجمة د. عبد الغفار مكاوي. عندما وصلت إلى الصفحة الأخيرة فرحا مسرورا بما أسميه أنا إنجاز عظيم، و هو إنهاء قراءة كتاب، هلّ عليّ و قطع وحدتي، أستاذ فلسفة قدير متقاعد، خريج مدرسة الفلسفة غير المعربة، من مرتادي المقهى صباحًا مساءً و يوم الأحد. طلب قهوة و قارورة ماء بارد، شربت معه ماءً و تعلمت منه درسا فلسفيا مهما، سوف أحاول نقله إليكم متحليا بموضوعية نسبية قد يختلط و يتفاعل داخلها النقل الأمين مع الإنتاج الذاتي دون فصل ميكانيكي بينهما، و ذلك غصبا عني لأنني فوجئت بالدرس و لم أكن أحمل جهاز تسجيل صوتي

قال محدثي المحترم و كنا نتجاذب الحديث حول "الثورة" التونسية ككل المستقيلين الجالسين - غصبا عنهم - على الربوة، الناقدين للوضع الماضي و الراهن و المستقبلي، غير المتعاطفين و غير المنتمين لأي حزب و لأي جمعية - في هذه الأيام "الثورية" العصيبة - المتفرغين من الشغل و خاليي الأدمغة من الأيديولوجيات السائدة كالإسلاموية غير الحداثية و الشيوعية الأرتدوكسية (الماركسية و اللينينية و الماوية)، جلساء المقاهي المثقفون المجانين الذين لا يلعبون البتة لعبة الورق و لا لعبة الحجر "الديمينو"، الذين لا يملؤون أوقات فراغهم بالنميمة إلا ما خف وزنه و غلا ثمنه و التي ينبثق منها و ينساب - دون شعور - حديثا قد يرتقي إلى مصاف الإنتاج الأدبي و الفني. قال و العهدة أساسا على الراوي وقليل منها على الناقل

1. النقطة الأولى: الاثنان لم يشاركا في ثورة 14 جانفي 2011، كأحزاب منظمة و محرّكة للجماهير و الاثنان شاركا كأفراد و ذوات معزولة عن منظماتهما
لم يشارك أعضاء الأحزاب الإسلامية و لا الشيوعية في مظاهرات و اعتصامات ثورة 14 جانفي 2011 كأحزاب منظمة بل شاركوا فيها كأفراد مستقلين مثلهم مثل المستقلين و النقابيين القاعديين

الثورة التونسية هي الثورة الوحيدة في تاريخ الثورات في العالم التي لم تستول على مؤسسات الدولة الأمنية و العسكرية و الاقتصادية و الثقافية و الإعلامية و الدينية و لم تستلم مقاليد السلطة السياسية من برلمان و حكومة و ولاة و معتمدين و رؤساء بلديات. اُستنسِخت "تجربتنا" التونسية في مصر لأن المهندس واحد

2. النقطة الثانية: الاثنان رفضا الدخول في الحكومة الانتقالية و لم يستلما السلطة و بقيا على هامشها
ترفّع المناضلون - الثوريون الشرعيون المعارضون لنظام بورقيبة و نظام بن علي - الإسلاميون و الشيوعيون و الوَطَدِيون و الحَوَدِيون و العَوَدِيون و المثقفون و الفنانون و المستقلون و النقابيون و النساء الديمقراطيات، و أحجموا عن الدخول في الحكومة الانتقالية الأولى و الثانية. تركوا الجمل بما حمل رغم علمهم بما يحمل من كنوز السلطة. لا بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك و سَبّوا و شتموا و وصفوا بالخيانة أحزاب المعارضة العلنية - حركة التجديد و الحزب الديمقراطي التقدمي - جراء اشتراكها في حكومة الغنوشي. و النتيجة، بقي رموز النظام القديم بوجهيه، البورقيبي و البنعلي، يحكمون و يشرّعون و يعقدون الصفقات و الاتفاقيات الدولية، و واصل معارضو "بن علي" معارضة السبسي و القافلة تسير

بعد الثورة، أصبح الإسلاميون و الشيوعيون يتخاصمون و يتقاذفون التهم حول خلافات فقهية في مسائل فارغة كتعدد الزوجات و المساواة في الإرث بعدما كانوا متحدين ضد الاستبداد البنعلي في اتفاقية 18 أكتوبر 2005. هل التونسيون المتوسطون و الفقراء، و هم أغلبية الشعب، قادرون - حتى و لو حلّل لهم - على الزواج بثانية أو ثالثة؟ و هل تقسيم الإرث المادي المخجل الهزيل لدى الأغلبية الساحقة من العائلات التونسية بين الذكر و الأنثى، يمثل مشكلا هاما في تونس؟ كان يجب بنا التفكير في المسائل الهامة ذات الأولوية كالتشغيل و التصنيع و التعليم و الصحة و الكرامة للمرأة و الرجل و الطفل و الفقير و الضعيف و المعاق و السائل و رعاية أبناء شهداء الثورة و عائلتاهم و المصابين في المظاهرات و السعي لرفع المظالم و استرجاع الحقوق و محاسبة القتلة و الفاسدين الهاربين من العدالة و تطهير القضاء و إعادة تأهيل رجال الشرطة و الحرس و المطالبة بحق استتباب الأمن في كامل تراب الجمهورية التونسية دون اللجوء إلى العنف المجاني و دون استعمال وسائل التعذيب للحصول على معلومات أمنية من المتهمين

طُرِدَ العام الماضي بعض مديري المعاهد التجمعيين الفاسدين إثر حركة احتجاجية ثورية و فَرضت القاعدة الأستاذية مدراء بالانتخاب. باركت وزارة التربية هذا الفعل الثوري، لا بل كافئت بعض المديرين المنصبين الجدد سنة 2010-2011 بتنفيلهم بخمس نقاط في مناظرة انتداب المديرين في صيف 2010-2011. ما رأيكم لو عُمِّمت هذه التجربة الثورية العام الماضي على كل المعاهد (دون انتظار الاتفاقية الفوقية الصيفية للنقابة و الوزارة) و كل المندوبيات الجهوية و كل الإدارات العمومية و كل مراكز الأمن و انتخبوا على رأس كل إدارة عمومية مسؤولا من القاعدة و على رأس كل معتمدية معتمدا ثوريا و على رأس كل ولاية واليا ثوريا، لانتهت السلطة المحلية و الجهوية في يد الشعب و لَبَقي السبسي يشغل منصبا شرفيا كشيخ مدينة تونس و هكذا تتحقق الديمقراطية في أبهى حللها و هو التغيير من تحت إلى فوق بإرادة ثورية شعبية

3. النقطة الثالثة: الاثنان طالبا بمجلس تأسيسي و أصرّا على كتابة دستور جديد
طالب اعتصام القصبة 2 - المنظم من قبل الأحزاب الإسلامية و الاشتراكية المعارضة و السرية في عهد بن علي - بمجلس تأسيسي و دستور جديد. أما عن الدستور، فهو عقد أخلاقي ضمني بين الفرقاء السياسيين و غير ممضى من قبلهم. أثبتت لنا التجربة النازية و العربية و البورقيبية و البنعلية أن رئيس الدولة المتغطرس قادر على تحوير دستور البلاد الجيد و تعديله على مقاسه كما يشاء و بمباركة برلمان ببغاء أو استفتاء شعبي مزيف. أعتى الديمقراطيات في العالم و أقدمها، بريطانيا العظمى، لا تملك دستورا مكتوبا كاملا مجمدا بل تملك أفضل منه، فقه قانوني مرن و متطور ناتج عن تجارب و قرارات محاكم حسب الوضعيات المعقدة، يستشف منه الحاكم و القاضي أحكامه و يثريه بتجربته الخاصة و يترك للأجيال القادمة حرية الاجتهاد و الاستنباط و الخلق و الإبداع و لا يورّثها أحكاما جاهزة متكلسة تعطل نهوضها و مسيرتها نحو التجديد و التقدم و الرقي الحضاري. أكثر الدول الديمقراطية تقدما، علميا و تكنولوجيا و حضاريا، اليابان، كَتب دستورها بالكامل المحتل الأمريكي دون استفتاء و لا مجلس تأسيسي، لم يمنعها هذا الدستور المكتوب من قبل المحتل من التقدم في كنف الحرية و الديمقراطية و التعددية و لم يعقها عن تحقيق نهضتها العلمية و الحضارية و الوصول إلى أرقى درجات الرقي و العيش الرغد الكريم. كُتب دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة الحالي - المستوحى من نموذج الحكم البريطاني - في 4 أكتوبر 1958. رجلان فذان وضعا أفكارهما فيه و تركا بصماتهما عليه، هما "ميشال دوبري" و "شارل ديقول" دون مجلس تأسيسي (المجلس التأسيسي الوحيد الأول و الأخير في تاريخ فرنسا، اُنتُخِب بعد الثورة الفرنسية سنة 1789) و لكن بعد استفتاء أُجري في 28 سبتمبر 1958 و فاز الدستور الجديد بأغلبية 79،25 بالمائة

يبدو لي أن الدستور يهتم بمسألتين اثنتين لا غير و هما تنظيم السلطة السياسية و إقامة دواليب الدولة الوطنية الحديثة و الإشارة إلى الخطوط الاقتصادية العامة و لا يتدخل بعمق في الاختيارات الثقافية و التربوية و التعليمية و الدينية للمواطنين. يبدو لي أن الإسلاميين غير الحداثيين (قال أنه لا يعرف تفريعاتهم بدقة و يذكر من بينهم - على سبيل الذكر لا الحصر - الجماعة الإسلامية و الإخوان المسلمين و الأزهريين بمصر و الترابي بالسودان و حزب الله بلبنان و القاعدة في العالم الإسلامي و جبهة الإنقاذ بالجزائر و حزب التحرير و الاتجاه الإسلامي في ثمانينات القرن الماضي بتونس) و الشيوعيين الأرتدوكسيين (النصوصيون الحَرْفيون الماركسيون و اللينينيون و الستالينيون و الماويون)، الاثنان لا يملكان تراثا غنيا في هذا المضمار - كتابة الدساتير - و ليس لهما كتابات دقيقة في شؤون تسيير الدولة عكس المنظرين الليبراليين الغربيين و الفلاسفة اليونانيين القدامى الذين ألفوا آلاف الكتب و المجلدات في الحكم الديمقراطي و في نظريات تأسيس و تنظيم الدول و كتابة دساتيرها، سبقت مؤلفاتهم مؤلفات المسلمين بـألف عام و سبقت مؤلفات الشيوعيين بثلاثة آلاف سنة إلا نيف

نشأت الدولة العربية الإسلامية في القرن السادس ميلادي على أيدي الرسول محمد صلى الله عليه و سلم و توسعت و تطورت في عهد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم و توقف الاجتهاد في مفهوم الدولة العربية الإسلامية عند الفاروق عمر. لقلة تجربتهم في الحكم و لانعدام فقه القانون عندهم، تشبّه ملوك الأمويين بالحكام البيزنطيين و حكم ملوك العباسيين باستعمال بيروقراطية فارسية و مسيحية حتى ولَّى ملكهم و تحكّم فيهم الفرس و خانوهم و سلموهم لقمة سائغة للمحتلين المغول المسلمين و جاء بعدهم حكم العثمانيين ثم اندثرت خلافتهم و سقطت الإمبراطورية الإسلامية العثمانية سنة 1924 على يد الزعيم العَلماني التركي كمال أتاتورك و لم تُمارس الديمقراطية و لا الشورى الموسعة يوما واحدا في تاريخ المسلمين على مدى 14 قرن. أشهر من كتب في الدولة و نظام الحكم من العرب القدامى هما الفارابي و ابن خلدون

أبدع ماركس في نقد الرأسمالية و فضح بجلاء أساليبها في الاستغلال و الربح السهل على حساب عرق العمال و ألّف في الاقتصاد السياسي كتُبا علمية قيّمة، لكنه أهمل تنظيم الدولة عن قصد - حسب رأي غير مختص - لأنه نظّر و تنبأ بأفول هذه الأخيرة و زوالها عندما يصبح الإنسان سيد نفسه و تنقرض السلطة في آخر مراحل الشيوعية الانتقالية نحو الشيوعية الدائمة، عندها يتحرر الفرد من كل قيود الاستبداد و الاستعباد و يصنع مصيره بنفسه كما يشاء هو لا كما تشاء الدولة أو السلطة. لم يعترف ماركس في حياته بالديمقراطية النسبية الغربية، لا بل عاداها باعتبارها الواجهة السياسية للرأسمالية الاقتصادية و عوضها بديكتاتورية البروليتاريا و سيطرتها بالقوة و القمع على باقي الطبقات إلى حين تنقرض الطبقات نفسها

4. النقطة الرابعة: الاثنان يؤمنان بفكر شمولي
الاثنان، الإسلاميون غير الحداثيين و الشيوعيون الأرتدوكسيون، يتمتعون بميزة عجيبة و غريبة و مستحيلة في الوقت نفسه، تتمثل في القدرة على الإجابة على كل الأسئلة الاقتصادية و الثقافية و الفكرية و الوجودية و الفلسفية و حتى مسائل العلاقات الخاصة بين الجنسين. و يملكون بديلا جاهزا لكل صغيرة و كبيرة في الحياة و ما يصنعونه، هو بالضبط تعريف التفكير الشمولي ضيق الأفق الذي ينفي عن الإنسان القدرة و العزم على تغيير حياته و مصيره بنفسه. لا يؤمن الاثنان بدور النقد الخالص المكمّل للتطبيق الفعلي و ينعتون مفهوم "النقد دون بديل" بالهدام لأنه لا يقدم بدائل جاهزة و وصفات سحرية للمشاكل الحياتية المعقدة و لا يؤمنان بأن الفرد أو المجموعة يصنع أو تصنع بدائلها بنفسها و لا تأخذها جاهزة و الجاهز يُترك و يوضع على الرفوف و في الخزانات كـ"جهاز" الفتاة المرتبة عند الزواج التقليدي و لا يؤمنان أيضا بإعادة إحياء المفاهيم الجديدة التالية و تفعيلها في الواقع المعيش مثل
مفهوم الصدفة Le hasard
أو مفهوم انبثاق الحلول من تفاعل العوامل المتداخلة و المتشابكة
L’émergence des solutions à partir de l’interaction de plusieurs facteurs
أو نظرية التعقيدLa théorie de la complexité
يؤمن الإسلاميون غير الحداثيين بالمكتوب في صيغته الحرفية و يؤمن الاشتراكيون الأرتدوكسيين بالحتمية التاريخية و الاثنان لا يتركان مجالا للشك و الصدفة و التعقيد و الانبثاق غير مضمون النتائج مسبقا

5. النقطة الخامسة: الاثنان لا يؤمنان بالديمقراطية - على الأقل في مرجعياتهما - حتى و لو ناديا بها في ممارساتهما
تختلف الديمقراطية عن الشورى (الشورى بمفهومها الضيق المتكلس في الحكم الإسلامي غير المتأقلم مع العصر الحديث). تتمثل الشورى - حسب الإسلاميين غير الحداثيين - في استشارة أهل الحل و العقد من علماء الإسلام و أهل الرأي و أعيان القوم و عقلائه. مارسها الرسول صلى الله عليه و سلم في حياته على أكمل وجه و طبقها أروع تطبيق و هو المعصوم من الخطأ في تبليغ الوحي الإلهي. واصل تطبيقها الخليفة الأول، أبو بكر الصديق رضي الله عنه و اجتهد في تطويرها عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما أوصى بالشورى الضيقة في اختيار خَلفِه عثمان بن عفان رضي الله عنه و ماتت الشورى النخبوية على الطريقة الإسلامية مع موت عمر. توسعت الشورى مع الإسلاميين المعاصرين العصريين الحداثيين و تعصّرت و تأقلمت و تطورت فشملت الشعب بأكمله مثل ما هو الحال في الديمقراطيات الغربية الحديثة و في بعض البلدان الإسلامية الديمقراطية القليلة جدا كماليزيا و تركيا و إيران و أندونيسيا و الباكستان. لكن الديمقراطية ليست فقط تحكيم الأغلبية في الانتخابات و إنما يضاف إلى هذا الإجراء الديمقراطي الضروري، قانون احترام أفراد الأقليات في الدولة و اعتبارهم مواطنين متساوين في الحقوق و الواجبات مع أفراد الأغلبية من الشعب مهما كان دين الأقليات أو عرقهم أو لونهم أو مذهبهم أو طائفتهم. لا يجب أن يُعتبر أفراد الأقليات أهل ذمة أو يُعاملوا معاملة عنصرية أو حتى متميزة و يحق لهم كباقي المواطنين ترشيح أنفسهم لقيادة البلاد في أعلى المناصب الإدارية و القضائية و السياسية و الأمنية و العسكرية و الخارجية

تختلف الديمقراطية اختلافا جذريا مع ما تطرحه النظرية الماركسية من ديكتاتورية البروليتاريا و سيطرة الحزب الشيوعي الأوحد و هيمنة الأيديولوجية الماركسية "العلمية" المعصومة

6. النقطة السادسة: الاثنان يستعينان في حملتهما الانتخابية بتكتيك الخطاب المزدوج
يعتمد الاثنان في حملتهما الانتخابية على مراوغات الخطاب المزدوج (يبدو لي، و هذا رأي شخصي لا يلزم أحدا غيري، أن الخطاب المزدوج غير المبرمج داخل الحزب يُعدّ ظاهرة صحية و ليست مرضية كما يعتقد الكثيرون من غير المتحزبين لأن ازدواجية الخطاب تدل على تحرر أعضاء الحزب من عقلية القطيع. كل عضو يحتفظ و يتمسك برأيه و يدافع عن وجهة نظره في المسائل الخلافية الجزئية و الفرعية و ليس مجبرا على الطاعة العمياء في كل شيء و الاختلاف الجزئي في الرأي بين الأعضاء لا يفسد للحزب خطوطه العامة في برنامجه الانتخابي). تسوّق الشيوعية الأرتدوكسية خطابا ديمقراطيا و أنا لا أشك في النوايا الحسنة و الطيبة و الصادقة للشيوعيين الأرتدوكسيين التونسيين و لي بينهم أصدقاء مناضلون محترمون كثر لكنني أرى تناقضا بين كتابات ستالين النظرية الماركسية و بين ممارساته و تطبيقات نظامه الديكتاتوري الدموي القمعي الظالم ضد "أعداء الثورة" و ضد العمال و الفلاحين أنفسهم الذين قامت الثورة البلشفية الاشتراكية من أجلهم و باسمهم و نظريا لصالحهم. تسوّق الإسلاموية غير الحداثية أيضا خطابا ديمقراطيا و أنا لا أشك في النوايا الحسنة للأفراد الإسلاميين حتى غير الحداثيين منهم لكن في السياسة لا تكفي النوايا بل يجب أن تسندها الأفعال المحسوسة. في حلقاتهم المضيقة، يشحن الإسلاميون غير الحداثيين تابعيهم بخطاب تكفيري لليساريين و العَلمانيين بجميع فصائلهم الحزبية و مستقلّيهم الملحدين أو المؤمنين و في المقابل يبثون للاستهلاك الخارجي خطابا علنيا ديمقراطيا تحرريا على طريقة الوزير الأول التركي الحالي "أردوقان

7. خلاصة القول
فشلت الأنظمة الإسلاموية الشمولية غير الحداثية و سقطت الأنظمة الشيوعية الديكتاتورية و ولّى عهد الأيديولوجيات الدوغمائية المتكلسة ذات المرجعية الدينية الثابثة و الطاغية على الحياة السياسية و تكلست و تحنطت الأيديولوجيات ذات المرجعية الماركسية أو اللينينية أو الستالينية أو الماوية

حققت الأنظمة الشيوعية (الاتحاد السوفياتي و الصين و كوبا و دول أوروبا الشرقية و فيتنام و كوريا الشمالية) نجاحا نسبيا على مستوى البُنى التحتية للمجتمع من صناعة و فلاحة و تكنولوجيا و ضمنت نسبيا الشغل و التعليم و السكن و الصحة للجميع لكنها فشلت فشلا ذريعا على مستوى الديمقراطية و التداول على السلطة و الانتخابات النزيهة و الشفافة و الحريات الفردية و الإبداع الأدبي و العلمي و الفني. حققت هذه الأنظمة عدالة نسبية على حساب الديمقراطية و التداول على السلطة و الحرية الفردية

حققت الأنظمة الرأسمالية الغربية (بريطانيا و أمريكا و فرنسا و ألمانيا و غيرها) قفزة علمية و تكنولوجية و فتحت الباب واسعا أمام الحريات الفردية و الإبداع الفني و الديمقراطية و التداول على السلطة و الإعلام الحر و القضاء المستقل لكن بقي كل هذا النجاح سجينا في بلدانهم و حكرا على جل مواطنيهم الأصليين و صدّروا لنا إرهابهم و غطرستهم و ظلمهم و جربوا فينا أسلحتهم المتطورة و احتلوا جزءا كبيرا من عالمنا الثالث و نهبوا ثرواتنا الطبيعية و سرقوا بذورنا الأصلية و استقطبوا علماءنا و استغلوا أسواقنا و أخذوا أفضل عمّالنا و احتكروا صناعة الأدوية و اللقاح في العالم. حققت هذه الأنظمة الحرية و التقدم العلمي و الوفرة الاقتصادية لجل مواطنيها فقط على حساب العدالة الاجتماعية في بلدانها و على حساب حق الشعوب الضعيفة في التمتع بثرواتها الطبيعية و أفظع ما صنعته البلدان الرأسمالية الغربية هو احتلال بلدان العالم الثالث و تهديد السلم العالمية

حققت الأنظمة الإسلامية الحديثة (تركيا و ماليزيا و أندونيسيا و إيران) نهضة نسبية علمية و تكنولوجية و فتحت نسبيا باب الديمقراطية و الحرية الفردية و الانتخابات النزيهة و التداول على السلطة لكنها حدّت من حرية الإبداع السينمائي و الأدبي و الفني. حققت هذه الأنظمة الحرية شيئا من الحرية و شيئا من العدالة الاجتماعية و شيئا من الديمقراطية

وقتيا و في المرحلة الراهنة، مَثَلي الأعلى يتمثل في الأنظمة السياسية الأقل سوءا بين كل الأنظمة الموجودة حاليا في العالم، ألا و هو نظام الحكم في الدول الأسكندنافية (النورفاج و فنلندا و الدنمارك و السويد). نظام جمع بين مكتسبات الرأسمالية و مكتسبات الاشتراكية و مزج أفضل ما فيهما فانبثق منهما نظام ضامن للعدالة الاجتماعية و الحرية في الوقت نفسه، نظام غير معتدِِ و لا يتدخل في شؤون الدول الأخرى، الغنية منها و الفقيرة، لا يحتكر و لا يحتل، نظام يفكر في مصلحة أجياله القادمة و يحافظ على التوازن الطبيعي العالمي

8. اقتراح - أراه وجيها - أنصح به الاثنين المعنيين
لو آمن الإسلاميون غير الحداثيين و الشيوعيون الأرتدوكسيون بالديمقراطية، لأسسا أحزابا إسلامية ديمقراطية و أحزابا شيوعية ديمقراطية لكن على شرط تفعيل و إدماج مفهوم الديمقراطية و الشفافية و التداول على السلطة في مرجعية كل واحد منهما و السعي الجاد لتطبيق الديمقراطية بصيغتها الأقل سوءا حاليا، على الأقل كما أراها أنا مطبقة في البلدان الأسكندنافية المذكورة أعلاه

لو أخذ الإسلاميون غير الحداثيين القيم الإسلامية - الثابتة في القرآن الكريم و الموروثة من الرسول صلى الله عليه و سلم و من اجتهادات عمر بن الخطاب رضي الله عنه - و لقحوها مع ما هو ناجح - نافع و مفيد و غير متناقض و لا مسيء لأخلاقنا العربية الإسلامية - في البلدان الأسكندنافية لانبثق من التلقيح الهجين بين سلالة عربية و سلالة أسكندنافية، أفضل نظام سياسي ذو مرجعية إسلامية في العصر الحديث

لو اتعظ الشيوعيون الأرتدوكسيون من تجارب الأنظمة اللينينية و الستالينية و الماوية الفاشلة و أخذوا أجمل ما في الشيوعية من عدالة اجتماعية و فكر أممي و مساواة دون تمييز ديني أو عرقي أو طائفي أو لوني أو مذهبي أو جهوي و كيّفوها مع تجارب الدول الأسكندنافية (يتعلم التلميذ الفنلندي مجانا و يفطر مجانا و يتنقل مجانا و يأخذ أدواته المدرسية مجانا و يتمتع بمنحة دراسية في التعليم العالي مجانا)، لانبثق منهما أفضل نظام سياسي ذو مرجعية شيوعية إنسانية (و ليست بروليتارية) في العصر الحديث

إمضاء م. ك.
الذهن غير المتقلّب غير حرّ
لا أحد مُجبر على التماهي مع مجتمعه. لكن إذا ما قرّر أن يفعل، في أي ظرف كان، فعليه إذن أن يتكلم بلسانه (المجتمع)، أن ينطق بمنطقه، أن يخضع لقانونه. عبد الله العروي

يطلب الداعية السياسي أو الفكري من قرائه أن يصدقوه و يثقوا في خطابه أما أنا - اقتداء بالمنهج العلمي - أرجو من قرائي الشك في كل ما أطرح من إشكاليات و أنتظر منهم النقد المفيد

لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة و البراهين بل أدعوكم بكل تواضع إلى تجريب وجهة نظر أخرى و على كل مقال سيء نرد بمقال جيد، لا بالعنف اللفظي أو المادي
الكاتب منعزل إذا لم يكن له قارئ ناقد

عزيزي القارئ, عزيزتي القارئة، أنا لست داعية، لا فكري و لا سياسي, أنا مواطن عادي مثلك، أعرض عليك وجهة نظري المتواضعة و المختلفة عن السائد, إن تبنيتها, أكون سعيدا جدا, و إن نقدتها, أكون أسعد لأنك ستثريها بإضافة ما عجزت أنا عن إدراكه, و إن عارضتها فيشرّفني أن يصبح لفكرتي معارضين

البديل يُصنع بيني و بينك، لا يُهدى و لا يُستورد و لا ينزل من السماء (قال تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) و واهم أو ديكتاتور من يتصور أنه يملكه جاهزا

تاريخ أول نشر على النات
حمام الشط في 23 سبتمبر 2011

الثلاثاء، 18 سبتمبر 2012

حديث في الهوية

v               
حديث في الهوية ـ 1 ـ
تفاديتُ دوما الخوض في مسألة الهوية، لأمور كثيرة، أولها أنني لن أبلغ الضفة الاخرى مهما توغّلت في المعنى، و مهما أجدتُ التوغل، و ثانيها أنها تستلزم نمط كتابة مرهق أيما ارهاق، لا يتحمله الوقت النادر الذي يتاح لي. و ثالثها أنني لا أحبّ للقارئ أن يزج بقولي في معترك المطاحنات السياسية الحاصلة في البلاد، فيتعبرها انتصارا لجهة ما. 

لكن أعتقد اليوم أن الحاجة ملحّة لمعرفة من نحن، لما أراه من لخبطة تاريخية و حضارية في أحاديثنا و أفكارنا. و أيضا تمهيدا لما قد أكتب لاحقا في خصوص مشاكلنا مع التاريخ و هو من أوثق مشاكلنا و أكثرها اثارة للصداع...

و كان لكتاب أمين معلوف "الهويات القاتلة" أثر كبير في قراري الخوض في الأمر، لسببين : الاول أن أغلب من عرفتهم قد قرأوا الكتاب، أساؤوا قراءته أو لعلهم تعمدوا الاساءة في قراءته، فأخذوا بعضه و تركوا البعض الآخر. و لكنني سأحسن الظن، و أحاول تبيين ما نقص من قراءتهم بما أوتيت من مودّة. أما الثاني، فلأن الكتاب و قد اجتهد صاحبه في تنظيم أركانه و فصوله، قد سهّل لي مهمة الخوض في المسألة، و تشكيل حديث على شيء من التناسق، من فوضى الافكار المتناثرة في اركان خلاياي الرمادية.

لا يعني هذا أنني سأكتفي بتلخيص قول أمين معلوف في هذه الاسطر المعدودات و امضي هانئ البال، فلئن أعجبني اجتهاد الرجل و حسن قوله و دقّة عباراته، فإنني لا ازال أؤاخذ عليه مناقضته لنفسه بين قسميْ الكتاب. و لعلّ ذلك ما أحدث المغالطة التي تبناها أكثر من قرأوا الكتاب، فكأنهم قرأوا جزءه الأول دون الثاني.

و لكي لا يكون الكلام ضاربا في التجرّد، أذكّر أن الكتاب تحدّث عن شكلين من الهويّة، هوية الفرد، و هوية الجماعة. فبيّن من خلال الهوية الفردية، خصوصيات الهوية، فهي ليست قالبا، و القالب كما تعلمون، هو ما يشكل أجساما متماهية تمام التماهي، فهل الهوية كذلك؟ طبعا يسهل دحض الامر بمجرد تطلع المرء إلى أول شخص آخر يصادفه.
و الهوية أيضا ليست أحادية الخليّة، بل هي مركّبة شديدة التركيب و التعقيد، إلى حدّ يصعب تكراره و هو ما يجعل قولبتها مستحيلة. فكل امرئ متفرّد بذاته من خلال الروافد التي شكلت هويّته : عائلته، زمن ولادته، الناس الذين عرفهم، الكتب التي لم يقرأها، الحوادث التي عاشها أو عايشها، الحب الذي آلمه، الدين الذي دان به، الربّ الذي عبده، اللغة التي شتم بها، الفيلم الذي اعجبه، التاريخ الذي لم يعرفه، العظماء الذين تأثر بهم، العادات التي أنكرها، و حتى الفريق الذي تعصب له... كلها روافد تشكّل هوية المرء، و تختصرها الدولة في رسم تسلسليّ على بطاقة بلاستيكية صغيرة. اما نحن فنختصرها كل حسب أفكاره إلى "تونسيّ" أو "عربيّ" أو "مسلم" أو "انسان"... و هذا الاختصار هو لبّ حديث أمين معلوف كله و منتهاه كما سأبيّن لاحقا.. 

و فضلا عن القولبة، فللهوية سمة الحركية (الديناميكية)، فهويّة المرء حين ولادته تختلف حتما عن هويته حين وفاته. و لا يمكن لشخص أن يظل نفسه و لو عزلوه سنين طوال، لأن الهوية تنمو و تتحوّل كما الجسد تماما، او تباعا للدقة.

من أنا؟ انا اذا خليط تشكل قبل ولادتي فورثته، و خليط تشكل بعد ولادتي فعشته. أنا اسمي الذي لم يسمّ به غيري و الذي ينتهي عند أول البشر. و اسمي لو عرفته لاختزل أمورا كثيرة في هذا الموقف، ففيه مفردات من الجزيرة العربية، و أخرى من تركيا، و أخرى بربرية، و ربما بونية، و ربما عثرت في رحلتي على اسم مسيحيّ او اثنين، حتى اذا بلغتُ الاسماء اللوبية، أو القبصية، تلفتت في ذعر باحثا في ظلمة التاريخ عن بقيّة الطريق، فخبتُ، فعدتُ إلى حيث أنا و قد عرفتُ أن ما بلغني من هويّتي هو بعضها لا غير.

على أنّ الهويّة لا تشكّلها الثقافات فحسب، بل هي تؤثر عليها تأثيرا مباشرا و قويا، و تحدد سبل تشكلها و نموّها، لكنها قطعا لا تشكلها بمفردها. إن الهوية اكثر تعقيدا و خصوصية من الثقافة. فالثقافة جماعية بالاساس، لكنّ الهوية يمكن أن تكون فردية. و لعل من السليم القول إنّ الثقافة هي الهوية الجماعية. لكنني لن أتعمق في هذا المعنى لأن الصداع بدأ يكتنفني، و لأنني لم أرد بهذا القول إلا التمهيد للخوض في الهوية الجماعية، و هو بمثابة الخوض في الجحيم برأيي.

و لأنّ هوية المجتمع هي "هوية" بالاساس، فهي تحافظ على ذات خصائص هوية الفرد و ميزاته مع اختلاف بسيط في المصطلحات، فالتجربة عند الفرد، تصبح عند الجماعة تاريخا، و اللغة عند الجماعة لا يلتزم بها الفرد تماما، و انما لكل فرد لغة خاصة يختلف بها و يتميز بها عن اقرانه من الجماعة نفسها، (و هكذا، يتعرّف الناس بيسر و سهولة على الشخص الذي أعنيه حينما أقول "بحيث.. انما.. " و انثر النصوص القرآنية و النوادر في كل ركن من حديثي..*)، و تصبح آراء الجماعة و أفكارها، دينا، كما يمكن تسمية خيارات المرء في حياته (كطريقة الاكل و الشرب و اللباس و غيرها) عند الجماعة عادات و تقاليد.
فالهوية الجماعية تشكلها اللغة، و التاريخ و الدين و العادات و التقاليد. أو هذا ما درج علماء الاجتماع على اعتماده. لكن لا يجب أن ننسى ابدا، ان الهوية الجماعية ليست قالبا، و لا هي احادية الخلية، و لا هي ثابتة. و هو ما يقع فيه معظم الناس في توصيفهم لهوية مجتمع ما.

هكذا، ينظر اليوم بعض التونسيين إلى بعض الاصول العرقية التي تعرّفهم دون غيرها، فيقول إننا أمازيغ و لسنا عربا. و بنفس المنطق أيضا، يختصر المتديّن هويته في "الاسلام" فكلنا مسلمون، و هذا كافٍ عنده. بينما يحاول آخرون التخلص من هذا الصداع بالحديث عن "الهوية التونسية". من المحقّ و من المفتري؟ أين المشكلة وسط هذه الفوضى الفكرية تحديدا؟ أعتقد أنه من الافضل الاجابة عن كل ذلك في المقال التالي. 



v                حديث في الهوية ـ 2 ـ
هذا ليس تدوينة مفردة، انما تكملة للحديث السابق بخصوص الهوية. و هو حديث ـ على قصره ـ لا يلخّص، و الاسلم أن تبذل أصابعك شيئا من الجهد و تنزل الى التدوينة السابقة، و كن واثقا أنها لن تأخذ منك وقتا أكثر من زمن استهلاك سيجارة...


و التدوينة السابقة توقفت عند الاسئلة التي طرحها التونسيون، كما المصريون و غيرهما من الدول العربية، بخصوص الهوية. و لعلّ مسألة الهوية من نوادر المسائل التي يكون فيها السؤال أسهل من الاجابة. فلكل اجابة واثقة و معتدّة بذاتها، أسئلة تقصمها، و تفتت غرورها. كأن يقول أحدهم (التونسيين) "نحن عرب."، فماذا عن الاتراك الذين يملأون المدن العتيقة؟ و ماذا عن الذين وجد آباؤهم في هذه البلاد من قبل أن يأتيَ العرب أصلا إلى هنا؟ أنطردهم جميعا من حاء "نحن" و نحصر المعنى في شراييننا؟ ثم من "العرب" أصلا؟ بنو هلال؟ بنو رياح؟ لو خضنا في مسألة الأعراق لتراءت لنا حقيقتان بديهيتان قد تفزعان كل قوميّ متعصّب : هل كان الرسول صلى الله عليه و سلم عربيا؟ هو من قريش طبعا، لكنّ نسبه ينتهي عند إبراهيم عليه السلام، فمن أي القبائل العربية كان إبراهيم؟ و لو أن من نسله جاء بنو إسرائيل، فهم عربٌ أيضا. و حينما نوغل في هذا المعنى يَعرض السؤال الثاني : فماذا كان أوّل العرب؟ و ماذا كان أول البشر؟ أليس العرق واحدا؟
هنا يمتدّ لسان أحدهم بالاجابة : انما نعني الثقافة العربية. فهل الثقافة العربية كافية لتعريفنا؟ و ماهي الثقافة العربية؟ هل هي المعلقات السبع، و كرم حاتم الطائي، و وفاء السموأل، و حكمة قسّ بن ساعدة، و حرب داحس و الغبراء، و أصنام قريش، و اسماء الابل التي لا تنتهي؟ فماذا عن اسقفية الاسكندرية؟ و ماذا عن خبز "الطابونة"، و الكسكسي المغاربي؟ و ماذا عن الطربوش التركي، و الحلوى الحلبيّة، و موسيقى الراي الجزائرية، و ما تبقى في بغداد من الرقوق الآشورية الثمينة؟ حتى في قلب شبه الجزيرة العربية، مالعربيّ في معمار الرياض و جدّة اليوم؟ حتى معمار المدينة المنوّرة بل المسجد النبويّ نفسه، ستجد خبراء يدلونك عن تفاصيله ذات الاصول الفارسية او البيزنطية.

ما الذي يعنيه كل هذا؟ يعني أن الهوية الجماعية ليست قالبا تماما كما الفرد، و انها ايضا مركبة، خليط من روافد أخرى كثيرة، او ربما للدقة تراكمات لا تنتهي يرسّخها التاريخ يوما بعد يوما، و الا فما الذي يفرّق بين مصريّ و ليبيّ مثلا؟ أليست الاصول اللوبية التي تختلف حتما عن الاصول المصرية الفرعونية؟ و ما الذي يجعل لبنان اقرب شبها للفلسطينيّ من البحرينيّ؟ أليس تاريخ الفينيقيين المجيد الذي جمع بين تلك الربوع قبل ازدهار الثقافة العربية فيها؟

و بهذا المعنى، يمكن هدم كل محاولة لاختصار الهوية الجماعية في دين أو عرق أو لغة أو ثقافة من الثقافات الرافدة (هذه الثقافات الرافدة نفسها خليط من ثقافات مركبة اخرى)، و لن تبقى سوى عبارة وحيدة : نحن تونسيون، نحن جزائريون، نحن عراقيون أو اماراتيون أو سعوديون. 
و هي في الواقع عبارة شديدة الالتصاق بالارض و الزمن، فالغجر بهذا القول لا هوية لهم، و اليهود أيضا (أعني بني اسرائيل طبعا)، كما أن بن دارفور كان بالامس سودانيا، فتحول بجرّة قلم إلى جنوبيّ!
و لو اقتربنا أكثر مما نسميه "هويّة تونسية" فسيحيّرنا الاقتراب، و سيزيد من أسئلتنا، يقال إن لغتنا العربية، و يقال إن لنا لغة بذاتها يمكن أن نسميها "تونسية"، فكيف نقول "أنا" بتونسيتنا؟ على الطريقة العاصمية؟ أم "آني" على الطريقة الساحلية؟ ام "أني" كما يقول أهل قابس؟ أم "نايا" و هو المصطلح المستعمل في اغلب ارياف الشمال؟ ثمّ إننا لو اقتربنا من الحدود الليبية، فسيطالعنا السؤال : مالذي يجعل هذه الاماكن تونسية لا ليبية غير التقسيم الاداري؟ فلهجتهم أقرب إلى الليبيين من تونسيي الشمال، و بالمنطق نفسه، سنجد اهل بنغازي اقرب للمصريين منهم الى الليبيين، أو لعلّه العكس.

هكذا تسقط افكارنا الصماء بخصوص الهوية الجماعية، و هكذا توجّب علينا اعادة تشكيل مفهوم الثقافة (اي الهوية الجماعية) بالبحث مرة اخرى، عن منطلق جديد. لكنّ المنطلق هنا، موجود منذ البدء، و ان اسأنا استخدامه. ألم نقل منذ البداية، إن هوية الجماعة كهوية الفرد في خصائصها؟ لم لا ننطلق من الفرد لنقيس على الجماعة؟ أين أجد فردا أسوقه مثالا؟ 
هل قال أحدكم "انظر الى المرآة"؟

انا لستُ ربع مهندس، أنا مهندسٌ كامل، هل يعني ذلك أنني أتماهى مع بقية المهندسين؟ حتما لا. ففضلا عن كوني مهندسا، فأنا "فرشيشيّ"، و حينما أقول إنني كذلك، فليس رأسي فرشيشيا، و لا يداي، بل انا كاملا، احمل كلي الصفتين. كنت أيضا طالبا بالجامعة. و كان عليّ ان اتعامل بشيء من الاحترام مع استاذة درستني، هي منذ سنتين صديقة لي تقريبا. حينما ينتهي الدرس، تنتهي هويتي كطالب و هويتها كمدرسة، و نعود صديقين.
و هويتي كطالب لا تنتفي و لا هويتي ككاتب أو كرئيس ناد جامعيّ، بل كل منها يتقدم على الاخر باختلاف الحال و الموقف دون ان يذهب أي منها دون رجعة.
و لو قسنا على ذلك، فأعتقد أن نصف مشاكلنا قد انزاحت جانبا، فنحن متوسطيون ان بحثنا عمّا يجمعنا بالايطاليين مثلا، و نحن عرب اذا بحثنا عن ما يميّزنا عنهم. نحن امازيغ ان اردنا التميز عن العرب، و نحن شرق ان اردنا التميّز عن الغرب. نحن تونسيون ان بحثنا ما يجمع بيننا و نحن "منازلية" و "قراوة" و "سواحلية" لو بحثنا في ما يميّزنا..

الثقافة شديدة الديناميكية، و هي و ان كانت واحدة فمتعددة الاوجه، بتعدد الناس الذين يمثلون الجماعة. و من الحمق نكران بعض الوجوه و ان كان وجها شاحبا أو لا يكاد يرى لضعف تأثيره.. خصوصا اذا كان تأثير ذلك "الوجه" ملحوظا في حياتنا. لذلك فمن ينكر وجهه الامازيغيّ من التونسيين، تعصبا لفكر قوميّ مثلا، هو شخص لا ينظر إلى نفسه جيدا في المرآة، و من يرفض وجهه العربيّ، لتعلات ايديولوجية أو ميتافيزيقية ضيقة، لا أظنه يملك مرآة أصلا...

و لأن الأمور لا تحلّ بهذه البساطة، فالاسئلة لا تكفّ عن الهطول، و تزداد ازعاجا كلما ازداد المرء توغّلا.. فالقول الاخير يشي بوجود ما يجمع بين الناس و ما يميّز بينهم، مهما اختلفت احوالهم و مهما بعدت المسافات ما بينهم. و مثال ذلك ما يجمع بين الاسبان و اهل امريكا اللاتينية من اللغة، و ما يجمع بين اليابانيين و الامريكيين من حب كرة القاعدة (البايزبول)، و قد تكون العلاقة أكثر عمقا و اثارة للحيرة، مثلما يشهد بذلك التشابه المريب بين اهرامات الجيزة في مصر و اهرامات الازتيك في المكسيك.. فللتاريخ أيضا خباياه بخصوص حقيقتنا... و لأن الانسان سيجد دوما ما يجمع بينه و بين الآخرين، فلِم يبحث عمّ يميّزه؟ ألم يكن ذلك مهدا لصراع الحضارات؟ أليست الهويات كما يقول معلوف "قاتلة" لتفريقها بين الناس و حملهم على التعصّب؟ ألا تمثل العولمة مخرجا من كل هذا؟ و هل هويتنا او هوياتنا هي سبب تخلفنا و نكبتنا؟




v                حديث في الهوية ـ 3 ـ
هذا ليس تدوينة مفردة، انما تكملة للحديث السابق بخصوص الهوية. و هو حديث ـ على قصره ـ لا يلخّص، و الاسلم أن تبذل أصابعك شيئا من الجهد و تنزل الى التدوينة السابقة، و كن واثقا أنها لن تأخذ منك وقتا أكثر من زمن استهلاك سيجارة...

 كنتُ قد لخصتُ في نهاية حديثي إلى طابع الهوية الجماعية الديناميكيّ، و إلى تعدد أوجهها التي يشعّ أحدها أكثر من الآخرين، و يخفت بريق بعضها حسب الحالة و حسب المكان و الزمان و الوضعية التي يمرّ بها المجتمع.
كما تعظم بعض الوجوه و يكبر سطحها مقارنة ببعض الوجوه الاخرى التي قد لا تكاد تُرى لولا بعض كلمات متسللة إلى اللغة، أو بعض آثار لا تزال صامدة بوجه الزمن.. و كي نقترب أكثر بمثال الشكل المتعدد الاوجه لشكل الهوية، يجب الاشارة أنّ كل وجه من وجوه الهوية، ليس "مسطّحا" تماما و انما هو نفسه يتكوّن من ملايين الوجوه الصغيرة غير المتداخلة بشكل غير مرئيّ حتى يبدو للناظر كأنه وجه واحد. ففي هويتنا مثلا وجه عربيّ، و وجه أمازيغيّ، و وجه اسلاميّ، لعلها أبرز الوجوه و أكبرها مساحة، و بها تتلوّن هويتنا أكبر تلون، لكن لا يمكن نسيان بعض الوجوه الاخرى فقط لأنها صغيرة لا تكاد ترى، كالجرمانية مثلا، او الفندالية، فنحن لا نلحظ في ثقافتنا أي طابع "فنداليّ"، لكن هناك يقين أن هذا الوجه هنا، في مكان ما من انفسنا و عاداتنا... لكنّ الوجه العربيّ أو الاسلاميّ ليسا مسطحين تماما، بمعنى ليسا خالصين، بل إن كلا منهما خليط دقيق من الوجوه المجهرية التي لا تكاد ترى، فوجهنا الاسلاميّ قد لا يخلو من عادات و طقوس ذات أصول يهودية، بل وثنيّة أحيانا، و هذا لعله موضوع آخر، و وجهنا العربي هو خليط من الوجه اليمانيّ، و الشآميّ، و ربما الآشوريّ، و الفينيقيّ، و العبرانيّ...

هذه حقيقة هويتنا، معقدة، مركبة، ضخمة، عسيرة الاستيعاب، حيّة، متحركة، متشكلة بتشكل الاحوال و المجتمعات. فما الذي يجعلنا نرفع لواء وجه دون غيره، و ما الذي يجعلنا نرفض وجها دون آخر و هو فينا؟
أمين معلوف الذي انطلقت من كتابه (الهويات القاتلة) في بداية حديثي، لم يهتم كثيرا بطابع الهوية الجماعية المركب و الديناميكي، و انما تحدث عن ذلك في بداية الكتاب كميزة لهويّة "كل فرد" فينا، و خلص في النهاية إلى استنكار ضرورة الانتماء الى "هوية" (يقصد وجه من وجوه الهوية) ما دون غيرها، و رأى أن ليس على الشخص الافتخار بأن يكون عربيا أو كرديا أو تركيا، فهو لم يختر ذلك، و مهما تكن هويته فسيفخر بها و هو ما يجعل هذا الفخر سخيفا. مع ذلك، قدم في قالب حديثه عن الهوية الجماعية (الثقافة) تفسيرا واضحا لهذه الظاهرة.

يقول بن خَلدون "الاجتماع الإنساني ضروري ويعبر الحكماء عن هذا بقولهم الإنسان مدني بالطبع أي لا بد له من الاجتماع الذي هو المدينة في اصطلاحهم وهو معنى العمران" و لأن كل حاجة اجتماعية (كالتكاثر) تقابلها حاجة نفسية (كالحبّ) تدفع الانسان إلى تحقيق الاولى، فحاجة الانسان إلى الاجتماع، تفرض عليه الحاجة إلى الانتماء، و لا يوجد انسان قادر على التخلص من الحاجة إلى الانتماء. أنت تبحث أن تنتمي إلى أشياء بسيطة جدا، موسيقى الفلامنكو، فريق كرة قدم، جمعية خيرية، كارهو اللون الرماديّ، أحباء الننتاندو، أو كارهو الـiPhone، لذلك، ستفرح كثيرا حينما تقدم الـplaystation لعبتها الجديدة، أو ستضحك كثيرا على النسخة الجديدة من الـwii، ستغني بفخر آخر أهازيج جماهير اليوفي، لأن الفخر ليس المعنيّ بحد ذاته، و انما النشوة التي يحدثها الانتماء.. و يمكن لذلك أن نسوق ذات المعنى على عظيم الامور : الانتماء إلى حزب سياسي، إلى مذهب دينيّ، إلى فلسفة، إلى وطن، إلى عرق، إلى لغة، الخ.. الانتماء فطريّ في الانسان و لا يمكن أن يرفضه عاقل. و لأن التعصب هو اسراف في الانتماء، فلا يمكن الحكم على شيء من خلال الاسراف فيه، فالاسراف في كل شيء سيء و مضرّ، اما لماذا يحدث الاسراف في الانتماء فهذا ما سأعود إليه لاحقا.

لكنّ حاجة الانتماء، تقابلها حاجة أخرى يمارسها الانسان بكل امتياز، ألا و هي الحاجة للتميّز. و الحاجة للتميّز هي حاجة الانسان الفطرية لأن يشعر بذاته الفرد. لأن لا يذوب وسط الجمع الذي ينتمي إليه. لذلك فالانسان في خضم نخوته بالانتماء لجماعة، يبحث أيضا عمّا يميّزه عنهم. و في هذا التواتر بين التميّز و الانتماء، تتكون شخصية الانسان، اما ثائرا مفرطا في ثورته عن جماعته حتى ينعزل، و اما ذائبا تماما وسط القطيع، منسحبا مع التيار ناسيا وجوده الفرد تماما، و اما على شيء من التوازن بين هذا و ذاك.
و لأن الحاجة البشرية إلى الانتماء و التميّز فطرية بالاساس، فالمفرط في ثورته، سيبحث عن الانتماء إلى جماعة أخرى غريبة عما حوله، سيبحث عن تلك الجماعة في عالم آخر، أو تاريخ آخر، أو جنس آخر، أو لغة أخرى... و الذائب في تيار الجماعة، ستمرّ به لحظات كثيرة من الشك و التفكير بذاته الغارقة، فيرهبه البعد، و ترهبه المحاولة، فيعود إلى السطح مرتبكا "مستغفرا" من أحساسيسه... قد اذهب الى اعتبار أن الدول الشيوعية، بالغت في طمس فعل التميّز و تضخيم فعل الانتماء، بينما حاولت الليبرالية قتل الانتماء و التكريس "لأنا و من بعدي الطوفان"، لكنّ هذا سيجرّنا إلى متاهات لا يتحمّلها حديثنا.

ان هذه الطبيعة البشرية المتأرجحة بين التميّز و التماهي، بين التمرد و الانتماء، تجعل من المحال أن يتوحد البشر تحت هوية واحدة، او ثقافة واحدة، مهما كانت متعددة الاوجه مركبة، سيظل دوما هناك اختلاف باختلاف المناخ، و التاريخ، و المعتقد، و طريقة النطق، و غيرها. لكنّ العالم اليوم، مع تطور وسائل التواصل و الاعلام، بدأ يكوّن وسائل تلقي مشتركة، كالتلفاز و الانترنت، و من خلال هذه الوسائل، باتت ثقافة الآخر متاحة لكلّ مجتمع (تقريبا) و كلّ بيت، و لم يعد بعد المسافة حاجزا لتفاعلات ثقافية لا تقل أهمية عن التفاعلات التي تحدث في حالات الغزو، أو التواصل التجاريّ المكثف (و قد كانا أكثر الطرق التي كرّست للتلاقح الثقافي عبر التاريخ).. و لكنّنا حينما نتحدث عن التلاقح فإن هناك دوما مجتمعا سيفرض ثقافته على مجتمع آخر، و لو عبر من الثاني شيء إلى الاول. و هذا بالضبط ما يحدث اليوم. فوسائل التواصل لا تقدم ثقافة المجتمعات بصفة متوازنة، و انما للأقوى الحظُ الأوفرُ، و هذا لعمري أمر طبيعيّ، لكنّ نتائجه ليست طبيعية بالمرة. فالتلاقح الحضاريّ اليوم ليس عموديا فحسب، بل و سريعا إلى درجة تفوق الاستيعاب أحيانا. ما الذي سيحدثُ إذا؟ ستحدثُ ردّة فعل قويّة تجاه ذلك. تبدأ بتضخم نزعة الانتماء إلى أحد وجوه ثقافة المجتمع المتلقي، تضخما كبيرا، قد يصل حد التعصب، و التطرف أيضا.

تقدّم العولمة على أنها ثقافة مشتركة، قيم كونية، و مجمع لثراء التراث البشري و تراكماته، لكنّ الامر أبعد ما يكون عن الصورة المثالية التي تقدم. فلو اعتبرنا بموجب تعريفنا السابق للثقافة أن العولمة هي ثقافة العالم، فهي ككل ثقافة، متعددة الاوجه، و طبعا هناك وجه ما (أو أوجه) ستحتل أغلب المساحة، بينما تكون بعض الوجوه مجهرية تماما. لذلك يستقبل مجتمع ما هذه الثقافة الجامعة، على أنها مألوفة، فهو يرى فيها وجهه بوضوح، بينما لا يجد مجتمع آخر مساهمته فيها، فيعتبرها دخيلة، و في غالب الاحيان مخالفة لثقافته، فيعاديها و يرفضها، خصوصا حينما تلعب عناصر أخرى غير الثقافة دورا في هذا العداء (كالمصالح الاقتصادية).
و لكن هذا التفسير لا يمكن أن ينطبق طبعا على كل حالات التعصب الثقافيّ، لأن الامر معقد و تتداخل فيه امور كثيرة، لكنّه دوما الاحساس بالتهديد هو ذاك الذي يدفع للتعصب. الخوف كان و لا يزال المفتاح. خوف الغجر من الذوبان في الاوطان التي تأويهم، تجعلهم منغلقين على ثقافتهم، خوف اليهود من زوال ثقافتهم جعلتهم أكثر المجتمعات انغلاقا، خوف البريطونيين من ذوبان  ثقافتهم في الثقافة الفرنسية، جعلتهم ينغلقون على انفسهم، كذلك المطالبات بالاستقلال في اسبانيا، أغلبها رفض لاسقاط الثقافة القشتالية اسقاطا عليهم، فلكل منهم لغته و مكوّنات هويته. و مادام لا يرى في القشتالية شيئا من مساهمته هو، فلا يمكن أن يتقبلها.
و لأن عالم اليوم، يجعل من التواصل حتميا، فإن هذا التهديد قائم لكل الثقافات بلا استثناء. فما الحل اذا؟ المساهمة! قواعد اللعبة سهلة : دافع عن ثقافتك، انشر ثقافتك، ستجد انعكاسها في ثقافة العالم، و لن تبدوَ حينئذ هوية العالم غير مألوفة لناظريك، و ستتقبلها على أنها نابعة منك، و من ذاكرتك. حينما تنقذ ثقافتك من الذوبان، فانت تحقق حاجتك من التميز و الانتماء.

و لم الانتماء إلى ثقافة خاسرة؟ لماذا الانتماء إلى وجه مجهري؟ اليس من الطبيعيّ ان تذوب ثقافات و تنشأ ثقافات جديدة؟ لأن الانسان ولد مختلفا عن اخيه الانسان، لأنه لو ذاب وسط ثقافة اخرى، فسيخسر العالم ثقافة كاملة بكل ما فيها من قيم و افكار و فلسفة و رؤى مختلفة للعالم. لقد جُعل الانسان شعوبا لتعارف فيما بينها، و تتواصل و تتبادل الافكار و الرؤى و الفلسفات، و ما يجعل هذا ممكننا هو اختلاف هذه الشعوب. إنه سرّ اختلافنا و اجتماعنا.
لقد خلص أمين معلوف أن جهود الامم في الدفاع عن هوياتها مردها الخوف من الذوبان و التلاشي، لكنه ـ ربما لعدم اقراره بحاجة الانسان الفطرية للانتماء و التميز ـ لم يخلص إلى مشروعية هذا الدفاع. أن تدافع فرنسا على لغتها من الغزو الانكليزي، لا يعني قط ان تحارب اللغة الانكليزية، بل هي تحاول ان تحتويها في قالبها الفرنسيّ، يساعدها في ذلك تقارب اللغتين، و اليوم و ان طرأت كلمات انكليزية كثيرة على اللغة الفرنسية، فإن عدد الكتب المترجمة من الانكليزية الى الفرنسية، و قدرة فرنسا على الانتاج الثقافيّ، تحد كثيرا من ذلك. كما أن تأثير الثقافة الفرنسية على الامريكية حول الكثير من الثقافة الفرنسية إلى الثقافة العالمية المشتركة.
رغم كل ذلك، و رغم حجم التأثير الثقافي الفرنسي على العالم، أجد نفسي جالسا امام عجوزين فرنسيين في أحد ضواحي باريس، اواخر تشرين، بينما الرجل يسأل المرأة : "لكن هذا "الهالوين" ليس من عاداتنا. لماذا علينا الاحتفال به؟"
ان هذا التطلع للمشاركة في الهوية الجماعية، ترنو إليه كل الشعوب و اكثرها تأثيرا في العالم، و لأنني سقت فرنسا مثالا، فلاواصل و لأسق مثال اللجنة الاولمبية العالمية، التي اسسها الفرنسيّ بيار دي كوبرتان، فأصرت فرنسا أن تظل اللجنة معتمدة على الفرنسية كلغة رسمية لها. انها البصمة التي تريد ان تتركها. انه الوجه الذي تريد أن تراه في الهوية العالمية، حتى تتقبله كاملا كأنه منها.

لكنني قبل أن اختم، أعتقد أن عليّ العودة إلى عالمنا الصغير، نحن العرب مثلا، مادمت اسوق الحديث بلغة الضاد، كي أبيّن أننا على اختلافاتنا الكثيرة بفعل المكان و الزمان و الاحداث، فما يجمعنا كثير، لم يزد ما حصل في المنطق مؤخرا الا تأكيده : فبمجرد هبوب رياح الثورة في تونس، تبعتها مصر، فاليمن، فليبيا فسوريا، و عمت الاحتجاجات كامل المنطقة العربية، و ان نجح بعضها في قلب النظام و فشل آخرون، لكن كان ذلك دليلا ان همومنا واحدة و ما يحركنا واحد. بل اننا نعاني الالم ذاته، و ربما دواؤنا سيكون واحدا. فصغتُ هذا الحديث في الهوية، لأبين من نحن، و ما نبغي، أو على الاقل ما ينبغي أن نبغيه. و خلصتُ أن اختلافاتنا طبيعية، و ان اجتماعنا طبيعيّ ايضا، و ان خوفنا شرعيّ، و حقنا في الدفاع عما يجمعنا ليس فيه ما يصمُ، لأن انقاذ العروبة، هو انقاذ لأحد وجوه الهوية العالمية الاكثر ثراء.

إن الهوية قاتلة بقدر ما هي مقتولة، و لا يمكن التخلص من التطرف و التعصب الا بمحاربة الخوف أولا. حينها، لن تقدر الاصوات الجاهلة و الحمقاء أن تؤثر قيد انملة في الشعوب. لأن الفطرة سوية.