السبت، 7 يناير 2012

عدنان المنصر،حوار حول فلسطين وقضايا التطبيع


عدنان المنصر،حوار مع إيلاف حول فلسطين وقضايا التطبيع

إيلاف، أجرى الحوار الصحفي اسماعيل دبارة

شدّد المؤرّخ التونسيّ الدكتور عدنان منصر على أنّ الديانة اليهودية معترف بها في تونس وأنها قديمة الحضور، واعتبر منصر وهو أستاذ محاضر في الجامعة التونسية في معرض تعليقه على الجدل الذي رافق زيارة الآلاف من اليهود إلى معبد جزيرة "جربة" أنّ هناك أقليةدينية تونسية يهودية تشرف على المؤسسات الدينية اليهودية ومن بينها كنيس "الغريبة" وهي التي تنظم عملية الحج سنويًا، مؤكدًا أنّ المشكل يكمن في "قدوم يهود من إسرائيل للقيام بهذه الطقوس على أرض دولة لا تقيم علاقات دبلوماسية بإسرائيل، فالخلط بين الجانب الديني والجانب السياسي هو الذي يعطي للموضوع حساسيته لدى معظم التونسيين".


تونس: قال الدكتور عدنان منصر في حوار مع "إيلاف" من تونس أنه يلمس "توجهًا مرضيًا لدى بعض القطاعات بتحديد كل شيء بالنظر إلى إسرائيل، واعتبرها " ردة فعل غريزية لا تليق بالأكاديميين ولا بالمثقفين". كما تطرّق منصر، الذي ألف عدة كتب من بينها " المقاومة المسلحة في تونس" و" إستراتيجية الهيمنة : الحماية الفرنسية ومؤسسات الدولة التونسية"، إلى مسألة حضور الأكاديميين العرب في المؤتمرات التي يحضرها إسرائيليون وقال إن ذلك الحضور "لم يعد باهتًا ولا سلبيًا" ، وشدّد على أنّ الصهيونية ليست سبب مآسينا وإنما أحد تمظهراتها".


وفي ما يلي نصّ الحوار كاملاً



س : تحوّلت مناسبة إحياء اليهود لمقدساتهم في جزيرة "جربة" في كلّ عام، إلى مناسبة للمزايدات الإعلامية والسياسيّة، وتداخل المفاهيم واستعمالها في غير محلها من قبيل (تسامح / تطبيع) و(يهود/ إسرائيليون)..إلخ
لماذا برأيكم تطرح مسألة التطبيع مع الإسرائيليين في هذه المناسبة اليوم، ولم تطرح منذ سنوات بعيدة ؟ وماهي الحدود بين التسامح الديني والتطبيع ؟


ج : أعتقد أن الخلط بين التسامح والتطبيع نابع في أصله من الخلط بين اليهودية والصهيونية، أي بين النظر للمسألة من زاوية دينية طقوسية وبين النظر إليها من زاوية سياسية وإيديولوجية. بالنسبة لتونس يعاد طرح مسألة التطبيع سنويا تقريبا مع موسم حج اليهود إلى كنيس الغريبة في جزيرة جربة التونسية وفي مناسبات سياسية غير دورية مثل مؤتمر أممي أو دولي يعقد بتونس. من ناحية أولى يمكن النظر إلى المسألة كتعبير عن حالة تحفز شعبي لكل ما من شأنه أن يؤول كاتجاه رسمي نحو التطبيع، ولكن لا أعتقد أنها زاوية النظر الوحيدة الممكنة للموضوع.

هناك على سبيل المثال توظيف للمسألة لإحراج الأوساط الرسمية، وهو أمر لا ينبغي النظر إليه فقط من منطلق التجاذب السياسي الداخلي بين الحكومة وبعض تيارات المعارضة بل أيضًا من منطلق إيمان تلك التيارات بأهمية مواجهة كل سير نحو التطبيع. يجب أن يفهم الجميع أن الديانة اليهودية معترف بها في تونس وأنها قديمة الحضور، وأن هناك أقلية دينية تونسية يهودية تشرف على المؤسسات الدينية اليهودية ومن بينها كنيس الغريبة وهي التي تنظم عملية الحج المذكورة.

المشكل يكمن في قدوم يهود من إسرائيل للقيام بهذه الطقوس على أرض دولة لا تقيم علاقات ديبلوماسية بإسرائيل. هنا يصبح الخلط بين الجانب الديني والجانب السياسي مبررا إلى حد ما وهو الذي يعطي للموضوع حساسيته لدى معظم التونسيين. غير أن للموضوع بعدًا اقتصاديًا واضحًا أيضًا وهو أمر يجب وضعه في الإعتبار، فالسلطات تعتبر هذه المناسبة السنوية مصدرًا مهمًّا للعملة الصعبة السياحية، وربما أرادت إبراز الدلائل على أنها "غير متطرفة" في النظر لموضوع "الحريات الدينية" والأقليات، وتحسين صورتها لدى الدول الأجنبية.

ولا ينفي كل ذلك أن الموضوع يبقى شديد الحساسية في وسط تونسي كان تاريخيًا، وباستمرار، معاديًا للصهيونية التي تجسم اسرائيل كيانها الرسمي، ومتعايشًا مع أقلياته الدينية والعرقية بما فيها الأقلية اليهودية. وينبغي في نظري، ما دمنا نتحدث عن الحريات الدينية أن نسأل: هل تسمح إسرائيل للتونسيين بالحج إلى المسجد الأقصى وهو بالنسبة إلى المسلمين ذو أهمية دينية بالغة، وبالأعداد والدعاية نفسهما؟ لا أعتقد أن الإجابة ستكون بنعم، وهنا فإن القاعدة المعمول بها بين الدول هي التعامل بالمثل.




س : سلاح مقاومة التطبيع بدأ يفقد ألقه وجدواه - بحسب عدد من المتابعين - خصوصًا مع توقيع اتفاقيات السلام بين دول عربيّة وإسرائيل من جهة، ومع انتشار وسائل الاتصال الحديثة وانهيار الحدود والفواصل بين الدول.
كيف تقيّم تجربة أكثر من خمسة عقود من مقاومة التطبيع في العالمين العربي والإسلامي؟



ج : أصبحت مهمة مقاومة التطبيع مهمة شعبية وقومية وإسلامية منذ ثمانينات القرن الماضي، أي منذ عقد اتفاقية كامب ديفيد، وما تلاها من اتفاقيات وتفاهمات رسمية بين الدول العربية وإسرائيل، بطريقة مباشرة وغير مباشرة. لا أعتقد أن هذا التحول قد أضر بموضوع مواجهة الصهيونية وإسرائيل بل إنه يحمل الموضوع من الأفق الرسمي المكبل ومحدود الفاعلية إلى الأفق الشعبي وهو أفق أكثر عمقًا وتحررًا وقابلية للإستمرار.

هل ننتظر من الحكومات أن تواجه اليوم إسرائيل؟


لا أعتقد ذلك، وحتى إن تم فإنه يبقى احتمالاً عديم الفاعلية، ولولا أحداث فلسطين ولبنان التي عطلت عجلة التطبيع الرسمي لكان لإسرائيل سفراء في كل العواصم العربية منذ مدة طويلة. ما يحصل هو تحول مقاومة التطبيع ومعاداة "الصهيونية" إلى هم شعبي، وهو ما يعطي في نظري لهذا التوجه قدرة على الإستمرار زمنيًا أكثر مما يعطيه موقف رسمي ما مهما كانت حدته. الشعوب لا تبيع ولا تشتري، أما الحكومات فإنها تفعل ذلك بصفة مستمرة، بل لعله سلوك مترسخ في طبيعة وجودها.

وهنا فإنني أعتقد أن العمل على ترسيخ هذا التوجه مسؤولية حتمية على كل المهتمين باستمرار هذا النفس زمنيًا وامتداه مجاليًا، وهو كفيل إن حصل، بأن يشكل ضغطا على الأوساط الرسمية وبموازنة الضغوط الأجنبية وربما عكسها تمامًا على المدى المتوسط. قد يكون عالم اليوم أقل حدودًا بين الدول، لكن هناك حدودًا لا تؤثر فيها العولمة وهي الحدود بين القيم التي تصنع وجود الإنسان وتعطيه صفته ككائن متعلق بالعدالة والكرامة، وهذه القيم لا تؤتمن عليها الحكومات مهما كانت وطنيتها.


س : موضوع ما يسمى "التطبيع الأكاديميّ والعلميّ" يثير جدلاً كبيرًا، مقارنة بالجوانب الأخرى للتطبيع، خصوصًا مع وجود خطط إسرائيلية متكاملة لاختراق صفوف الأكاديميين العرب من جهة، وتمسّك العرب بالمقابل بمقولة "الكراسي الشاغرة".
ما رأيكم في هذا السّجال، وهل من الضروريّ معاملة الأكاديميّين والباحثين كرجال سياسة؟ من مؤلفاته


ج : الأكاديميون ليسوا رجال سياسة وإن كانت السياسة هي أحد الأبعاد التي ينبغي أن يأخذوها بالإعتبار في نظرتهم للأشياء. من الجانب الإسرائيلي، لا شك أن هناك رغبة أكيدة في اختراق كل صفوف الممانعة لدى الشعوب العربية والإسلامية، وهو أمر طبيعي من منطلق كيان يشعر باستمرار أن وجوده مهدد على المستوى البعيد. مع ذلك ليست هذه هي الزاوية الوحيدة للنظر للموضوع. تكون إسرائيل سعيدة أكثر بغياب الأكاديميين العرب من المؤتمرات العلمية فهذا يعطي أكاديمييها حرية أكبر في الامتداد داخل الأوساط العلمية الدولية.

عندما ننظر في خارطة المؤتمرات العلمية الدولية منذ عشرين أو ثلاثين عاما، نلاحظ شيئين أساسيين: حضور متزايد للعرب من جهة أولى، ونمو في التعاطف الدولي مع قضاياهم وأولها قضية فلسطين. صحيح أن هناك عملاً طويلاً ينبغي مواصلة القيام به ولكن لنعترف أولا أن الملاحظتين مترابطتان، بل إن الثانية نتيجة للأولى، وهو أمر لا ينكره أي متابع لهذه المناسبات العلمية. هذا التعاطف لا يظهر فقط في المؤتمرات التي تتناول مسائل ذات صلة مباشرة بالموضوع بل في الحوارات الجانبية لمؤتمرات بعيدة في مواضيعها تماما علن المسائل السياسية.

يحتاج العرب إلى إبلاغ وجهة نظرهم تجاه كل المواضيع، وهو أمر لا يتسنى تحقيقه بالغياب، مهما كانت النوايا طيبة، وقضية فلسطين وحقوق شعبها هي إحدى هذه القضايا ولكنها ليست القضية الوحيدة. ما يقلقني شخصيًا هو هذا التوجه المرضي لدى بعض القطاعات بتحديد كل شيء بالنظر إلى إسرائيل، فإذا ذهبت يمينًا ارتمينا شمالاً، واذا اتجهت شمالاً ألقينا بأنفسنا يمينًا. هذه ردة فعل غريزية لا تليق بالأكاديميين ولا بالمثقفين وهم نخبة مجتمعاتنا الذين تناط بهم مهمة ليست أقل أهمية، وهي دفع الجمهور في اتجاه التعامل العقلاني مع قضاياه وتخليصه من الميل المفرط للتعميم والتبسيط.

من زاوية نظري كمؤرخ، أعتقد أن وجود إسرائيل يصبح مضمون الدوام إذا ما نجح في تشكيكنا في وجودنا كأمة ممتدة في التاريخ وإذا ما أصبح همنا الوحيد هو التموقع فقط بالنسبة إلى إسرائيل. عمر هذا الكيان لا يتجاوز العقود الستة، وهي فترة لا تصنع حضارة ولا تعد بالتواصل، خصوصًا إذا كان هذا الوجود مصطنعًا وفي بيئة ستبقى معادية على الدوام.

كعرب وكمسلمين لدينا مهمات أخرى حساسة وذا أهمية بالغة، وهي نشر التعليم وترسيخ الفكر النقدي ومقاومة الجهل والتخلف ودفع الحكومات إلى احترام حقوق شعوبها ونقل هذه الشعوب من وضعية الرعية إلى وضعية المواطنة، عندها يتم ذلك يحصل رشد سياسي عام وتصبح الحكومات معبرة عن الإتجاه الغالب لدى شعوب المواطنين تجاه اسرائيل وغيرها. ينبغي في نظري معالجة هذا الموضوع بصفة متكاملة وليس جزئية، على المستوى البعيد وليس فقط القريب.




س : يُعاب على بعض المُنتقدين لسياسة "الكراسي الشاغرة" أنّ حضورهم في ندوات أو مؤتمرات أو مُلتقيات إلى جانب إسرائيليين ، عادة ما يكون حضورًا باهتًا وسلبيًا كونهم لا يُدينون إسرائيل وسياساتها، ولا يُحرجون مُمثليها في تلك الملتقيات ، وأنهم لم "يقتدوا" برئيس وزراء تركيا أردوغان وحادثته الشهيرة في "دافوس".
ما تعليقكم ؟


ج : هذه النظرة هي أكبر تعبير عن الخلط في النظر إلى المسألة. عندما نتحدث عن مؤتمرات أكاديمية ينبغي أن تكون نظرتنا أكثر شمولية. فعلى سبيل المثال، ما علاقة مؤتمر حول الغطاء النباتي أو طبقة الأوزون أو كيمياء المعادن أو هجرة الدلافين بإسرائيل؟ هذا أمر مثير للإستغراب على أقل تقدير.

هناك مؤتمرات تقترب من الشأن السياسي أو يتاح فيها التعرض إلى أمور سياسية، هنا فإن التعبير عن المواقف العربية يصبح أمرا مطلوبا، دون أن يعني ذلك تحول الأكاديميين إلى "أردوغانات"، ففي الأمر خلط لا ينبع إلا من نظرة شعبوية وديماغوجية مرضية ومن عدم إدراك للكيفية التي تنظم بها هذه المؤتمرات وطريقة سيرها. يأخذ كثير من المنتقدين الأمور بمظاهرها وعذرهم الوحيد هو تحمسهم للقضايا العربية بطريقة تجعلهم غير معنيين بالفهم، لذلك فهم يتخذون موقفًا ثم يبحثون عن المبررات، وفي بحثهم عن المبررات لا يستطيعون بناء خطاب متماسك، ذلك أن همهم الوحيد يصبح المعارضة للمعارضة.

الغريب هو أن قسمًا من هؤلاء يعتبرون أنفسهم أوصياء على الأكاديميين، فيتفضلون عليهم بالنصائح والتوجيهات. كان من الأجدر بهم قبل التوجه بها أن يتخلوا عن منطق الوصاية، فهو منطق خاطئ أصلاً، فليسوا أكثر وطنية وإن حاولوا أن يوحوا بذلك، وليسوا أكثر علمًا وتجربة ممن ينتقدونهم. قد تنطلي الشعبوية والديماغوجيا على قسم من الناس، وقد لا يملك المنتقدون من البضاعة إلا ذلك للأسف، وقد تكون انتقاداتهم في حالات أخرى من الرغبة في تصفية حسابات سياسية رخيصة، لكن اعتقادهم أنه بإمكانهم أن يرهبوا الأكاديميين بذلك هو اعتقاد سخيف.

حضور الأكاديميين العرب في المؤتمرات التي يحضرها اسرائيليون ليس باهتًا، وليس بمثل هذه السلبية، وهناك اعتراف متزايد بالإضافات التي يقدمونها وبالمواقع التي ما فتئوا يحتلونها على المستوى العلمي الدولي، وهو اتجاه مرشح للتصاعد. الصورة ليست بمثل هذه السلبية مطلقًا. نقطة أخرى أود الإشارة إليها، وهي مسألة الحريات الأكاديمية. إذا كانت هذه الحريات غير مضمونة فلا شيء مضمون على الإطلاق. الغريب أنه في وقت فهمت فيه الحكومات، حتى أكثرها ديكتاتورية، أن هذه الحريات أمر يجب التعامل معه، يصعد أوصياء جدد في كل مرة يعلمون الأكاديميين ما يجب عليهم فعله.

رأيي الخاص أن على الأكاديميين أن يواصلوا القيام بما يعتقدون أنه واجبهم، وألا يلقوا أذنًا إلى الإتهامات التي يناقض أصحابها أنفسهم، خصوصًا إذا كان هؤلاء من غير المؤهلين إطلاقًا لتقديم النصائح فضلاًعن أن يكون لاتهاماتهم أي صدى يفخرون به. لينفق هؤلاء وقتهم في أشياء أكثر قيمة، وليفهموا أولاً أن الوقت سلاح، وأن الديماغوجيا العقيمة لا تثمر إلا ترسيخًا للجهل.

س : كل هذا يحيلنا إلى البعد العربيّ في مسار الصراع في فلسطين، فمنذ أكثر من نصف قرن والعرب حكامًا وشعوبًا يعتبرون القضية الفلسطينية قضيتهم الأولى، وعلى الرغم من ذلك فإنّ تدخلهم وفق آليات ومناهج وطرائق متعدّدة، لم يمنع تفوّق الإسرائيليين ولا خسارة المزيد من الأراضي على حساب الاستيطان، ولم يتمكنوا بالمقابل من كسب الدعم الغربيّ والدوليّ لما ينادون به.
برأيكم أين هو الخلل بالضبط، هل هو في تدخّل العرب في حدّ ذاته أم في طريقة هذا التدخّل؟ أم في سقف المطالب والتي تبدو لبعض "البراغماتيين" مستحيلة وغير قابلة للتحقيق مع اختلال موازين القوى على الأرض؟



ج : منذ أكثر من نصف قرن أيضًا تتعامل الحكومات العربية مع قضية فلسطين بأقصى درجات الإنتهازية وتسخرها لخدمة أجندات لا علاقة لها بفلسطين وبحقوق شعبها، منذ أكثر من نصف قرن أيضا وهي تقمع شعوبها باسم فلسطين، وترمي بهم في أحضان السيطرة الأجنبية باسم عقلانية التعامل مع قضية فلسطين. أما الشعوب فهي تعتقد في غالبها أيضا، ومنذ أزيد من نصف قرن، أن قضية فلسطين تبرر تأجيل معاركها من أجل المعرفة والحريات والمواطنة والتعددية.

الخلل في هذه النظرة للأشياء، وهي مسؤولية مشتركة بين الحكومات والشعوب على حد سواء. هناك مقومات صمود نفتقد إليها، وسنظل كذلك طالما كانت نظرتنا تجزيئية للموضوع. نشوء اسرائيل كان نتيجة مخاض تاريخي طويل في أوروبا وكذلك محصلة عمل منظم وواع، من قبل القادة الاسرائيليين، بنجاعة الفكر العقلاني الذي جعل اللائكيين منهم يقودون المتدينيين نحو تحقيق هدف قومي تم الإعداد لنشره في صفوف اليهود بجميع أنحاء العالم بوساطة هياكل شفافة وعن طريق جهد جماعي لا يلغي التعدد في الآراء ويحتكم إلى الكفاءة ويزن نفسه بميزان النتائج الموضوعية.

لا يمكن هزم هذا المشروع بالإنتهازية السياسية من جانب حكومات لا تهتم سوى لأمن أنظمتها واستمرار استبدادها، ولا بالخطابات الديماغوجية العقيمة المتصاعدة كحشرجات جسد متحلل، لا ترقى للأسماع وان ارتقت فإنها لا تستقر فيها طويلاً، فهي كنار القش تنطفئ بسرعة دون أن تضيء أو تدفئ.

هناك عمل يستطيع إنجازه كل واحد منا، وهو اتقان عمله والقيام بواجباته كما تتطلبه منه، المعلم في فصله، والعامل في مصنعه، والمهندس على آلته، والعالم في مخبره...، فالصهيونية ليست سبب مآسينا وإنما أحد تمظهراتها، فمأساتنا أكثر عمقًا.

المسار طويل، لأن كل بناء يستغرق وقتًا، ونحن نبدأ مجددًا من شبه الصفر، فوحده العمل طويل المدى كفيل بتحقيق نتئج دائمة المفعول. بالموازاة مع ذلك ينبغي نشر فكرة ارتباط الحقول والحقوق ببعضها البعض، فالدفاع عن قيم الحرية وترسيخ ثقافة المواطنة ليس أمرًا مستقلاً عن الكفاح الطويل المدى من أجل فلسطين وغير فلسطين، ومن أجلنا نحن جميعًا. بالموازاة مع ذلك أيضًا لا أعتقد أن اختلال موازين القوى يبرر الرضوخ لإرادة الطرف الأقوى بتحالفاته الدولية وبترسانة الأسلحة المتوفرة لديه، هناك حد أدنى من الممانعة لا يجب النزول تحته، في انتظار تغير التوازنات، وهي ستتغير حتمًا، فذلك حكم التاريخ.

السلفيون في إسرائيل – فهمي هويدي

صحيفة الشرق القطريه الخميس 11 صفر 1433 – 5 يناير 2012
السلفيون في إسرائيل – فهمي هويدي
خرجت الطفلة نوعاما مرجولس ابنة الأعوام الثمانية من بيتها متجهة إلى المدرسة، لكن أحدهم وجد أن ثيابها غير محتشمة بما فيه الكفاية، فاعترض طريقها وأنَّبها ثم شتمها وبصق في وجهها، فعادت البنت إلى بيتها باكية ورفضت الذهاب إلى المدرسة.
وقبل ذلك كانت فتاة متدينة اسمها تانيا روزنبلوط قد صعدت في أحد الباصات وجلست في المقاعد الأمامية، فتصدى لها أحدهم وطلب منها أن تنتقل إلى المقاعد الخلفية المخصصة للنساء، لكنها رفضت. واشتبكت مع الرجل الذي أصر على مغادرتها مقعدها، الأمر الذي عرضها للعنف من جانبه،
ووصلت القصتان إلى الصحافة، التي فتحت ملف جماعات «الحرديم» الأمر الذي أثار عاصفة من النقد والاحتجاجات، التي صارت خبرا يوميا للصحف وبرامج التليفزيون ومختلف الأحزاب السياسية.

حدث ذلك في إسرائيل المشغولة منذ أسابيع بالحرديم وممارساتهم. والمصطلح يطلق على المجموعات السلفية هناك. والكلمة معناها في اللغة العبرية «الأتقياء»، وهم يتركزون في مدينة القدس حتى أصبحوا يشكلون ثلث سكانها. ولا يعترفون بأية قوانين تصدرها الدولة، في حين يعتبرون أن تعاليم التوراة بنصوصها الحرفية هي المرجعية الوحيدة التي يعترفون بها، يشجعهم على ذلك أغلب الحاخامات الذين يغذونهم بالأفكار والفتاوى التي يسترشدون بها.

ما حدث للطفلة نوعاما والفتاة تانيا كان جزءا من الحياة اليومية لبلدة بيت شيمش القريبة من القدس، التي يسيطر عليها الحرديم، فيمنعون حركة المواصلات واستخدام التيار الكهربائي يوم السبت، ويفرضون على النساء الخروج بثياب أقرب إلى النقاب، وقد خصصوا لهن المقاعد الخلفية من الباصات، كما يعتبرون أصوات النساء عورة ليس للغريب أن يطلع عليها.

شاهدت على اليوتيوب برنامجا تليفزيونيا بمناسبة ما جرى للطفلة التي توقفت عن الذهاب إلى المدرسة. وقد تم تصوير البرنامج في بلدة شيمش التي تسكن فيها.
وفيه ظهر عناصر الحرديم في الشوارع وعلى النواصي، وقد ارتدوا قبعاتهم وثيابهم السوداء، في حين أطلقوا لحاهم وتدلت الشعرات المجدولة من سوالفهم. وسجل لهم البرنامج ممارساتهم في الشوارع واشتباكاتهم مع معارضيهم.

يوم 9/11 نشرت صحيفة «هاآرتس» تقريرا عن نفوذ الحرديم المتنامي، ذكر أن عشرات المصانع في مستوطنة أخرى (منة شعاريم) جرى فيها الفصل بين الرجال والنساء. وطلب إلى العمال العلمانيين (من غير الحرديم) أن يعتمروا القبعات الدينية،
وتحولت مدرسة بلماح في كرمئيل إلى مدرسة دينية.
من ناحية أخرى، حذر عسكريون سابقون من أخطار انتشار التطرف الديني على الجيش، الذي يعد «بقرة مقدسة» في إسرائيل. وانصب تحذيرهم على احتمال اتساع ظاهرة رفض الأوامر العسكرية بحجج دينية مختلفة.
خصوصا أنه سبق لبعض الجنود أن رفضوا إخلاء بؤر استيطانية عشوائية استنادا إلى دوافع دينية توراتية.
وكانت قد اتسعت في الشهور الأخيرة ظاهرة مقاطعة جنود متدينين لاحتفالات عسكرية، بسبب مشاركة مجندات في الغناء.

هاآرتس نشرت في 11/12 مقالة لجدعون ليفي قال فيها إنه منذ الخريف نشبت في إسرائيل حرب ثقافية، تشتعل على جبهات أوسع وأعمق كثيرا مما يبدو للناظر،
مضيفا أن «مناهج حياتنا توشك أن تتغير من الولادة إلى الموت. ولذلك فقد تصبح هذه المعركة الأكثر مصيرية في تاريخ إسرائيل منذ إعلان الدولة».

من الملاحظات المهمة التي ذكرها أنهم كانوا يدركون أن الهدوء إذا ساد إسرائيل لعدة سنوات فإن ذلك قد يؤدى إلى تفكك المجتمع الإسرائيلي (المليء بالمتناقضات).
لكن أحدا لم يتنبأ أن فرق إسرائيل في طوفان الشياطين على النحو الحاصل الآن. ذلك أن الهجوم على النظام القائم حاصل على جميع الجبهات.
وهو في رأيه «تسونامي سياسي وطوفان ثقافي وزلزال اجتماعي وديني، نحن في أوله فقط.. حيث يكون لنا في النهاية بلد مختلف. «ليس الديمقراطية الغربية المستنيرة التي يدعيها لأنها تستبدل الآن بسرعة مخيفة بدولة دينية جاهلة، وأصولية عنصرية وقومية وظلامية».

منذ ثلاثة عقود والأحزاب السياسية في إسرائيل تستعين بالجماعات الدينية المتطرفة لكي تتمكن من تحقيق الأغلبية التي تسمح لها بتشكيل الحكومة. وهو ما أدى إلى تزايد نفوذ تلك الجماعات، التي أرادت لإسرائيل أن تكون دولة يهودية،
وكانت النتيجة أن انقلب السحر على الساحر، وتحولت يهودية الدولة إلى شبح يخيف الإسرائيليين ويهدد بتقويض الاستثناء الذي ما برحوا يدَّعونه لأنفسهم.
.......................

في توازنات "الرعب الإعلامي" وشروطها

 
مقال في جريدة الحصاد عدد
17
وصفة لابد منها:
في توازنات "الرعب الإعلامي" وشروطها
د.سالم لبيض

سيقول البعض ما بال الرجل يتحدث عن الرعب وتوازناته وكأن الأمر يتعلق بحرب وسائلها غير تقليدية والحال أن المسألة في منتهى النعومة. ولكن الواقع غير ذلك تماما لأن حيوية الإعلام من حيوية المجتمع نفسه ولأن بعض القوى السياسية المتنفّذة تمارس الرعب الإعلامي بكل ما في الكلمة من معنى ، ولأن السياسة هي لعبة المصالح بامتياز ومن لا يمتلك منبرا إعلاميا لا يستطيع ممارسة السياسة في يوم الناس هذا، ومن لم يدرك تلك الحقيقة فلا باع له ولا ذراع في عالم السياسة حتى وإن توهم غير ذلك، ولأن بقاء أي طرف أو تيار سياسي أصبح مرهونا بحضوره وفعله الإعلامي بدرجة أولى وثانية وثالثة.. حتى أن الإعلام خلق كيانات وشخصيات سياسية لم تكن موجودة وطمس فعل أخرى رغم عراقتها ونضاليتها ومصداقيتها ووطنيتها.

لقد كان الرعب الإعلامي متأتيا من احتكار الدولة للمشهد الإعلامي في تونس وخاصة المرئي والمسموع منه منذ وراثتها للإدارة الاستعمارية، فهي الوسيلة الأكثر نجاعة في نشر أيديولوجيا الحزب المهيمن على الحياة السياسية وهو الحزب الدستوري الحاكم. ولقد تجلى ذلك الرعب في مناسبات عدة انحاز فيها الإعلام جملة أو بالأغلبية الساحقة إلى جانب القوى الحاكمة على حساب المجتمع وقواه الحية لاسيما حركاته الاجتماعية والاحتجاجية التي فجرت انتفاضات عدة عرفتها تونس إبان مراحل عديدة من تاريخها المعاصر ووُصفت بالتمرد والفوضى والخروج عن القانون. وقد تبدّى ذلك الرعب بأكثر وضوح إبان ثورة 17 ديسمبر وخلال التعامل الإعلامي معها إلى حدود سقوط حكومة بن علي يوم 25 فيفري 2011 على وقع اعتصام القصبة الثاني. ولم تتوان كافة وسائل الإعلام المرئية والمسموعة بدون استثناء على استعمال المصطلحات النابية التي وضعها الحاكم السابق والتي هندس لها في واقع الأمر الخبير الوزير الذي لا يشق له غبار في المؤسسة الإعلامية الذي كان يتحكم في المشهد الإعلامي برمته منذ عقود. 

استعمل الجهاز الإعلامي كلمات من قبل الملثمين والمجرمين والقتلة والإرهابيين والمعني بكل أولئك شباب الثورة وشهدائها وجرحاها، ولقد كان ذلك ينسحب على التلفزيونات والإذاعات وبعض المواقع الالكترونية وبعض الصحف العامة والخاصة.
قلة من الإعلاميين واجهوا ذلك الرعب الإعلامي المنظم الذي أنخرط فيه وزراء "تقدميون جدا" و"إعلاميون نزهاء جدا"، وقلة هم الذين تحدثوا عن نزاهة الإعلام وإيطيقاه واستقلاليته ومسؤوليته أمام المجتمع كما هو حال مطالبهم اليوم، وقلة هم الذين دافعوا عن المسؤولية الأخلاقية والإنسانية للإعلام لما كان الناس يموتون بدم بارد في مختلف دواخل البلاد، وبدل ذلك فقد كانت بعض الوسائل الإعلامية تبرر القتل المنظم لكل من جاء في مرمى القتلة طفلا كان أو شيخا امرأة أو رجلا. وفي خضم ذلك نشر مسؤول إحدى المجلات "المستقلة" المعروفة – وهو يملأ الدنيا اليوم باسم الثورة ويخطب علينا صباحا ومساء ويوم الأحد- تحقيقا عن بلدية حلق الوادي خدمة لسيدها الذي يقبع في السجن الآن بسبب فساده وجرائمه، وأدان صراحة احتجاجات أبناء سيدي بوزيد المطالبة بالشغل بوصفه استحقاقا لا أكثر.

ومع سقوط بن علي وزمرته الحاكمة لبس الإعلام المرئي والمسموع جبة الثورة بدون سابق اغتسال وعجت المنابر التلفزية والإذاعية بإعلاميين وحقوقيين كانوا يبحثون عن مخرج لأزمة النظام ليلة 13 من شهر جانفي الذائعة السيط، انتقلوا من لون النظام إلى لون الثورة بدون تردد ولا ترمرم ولا ارتباك ولا خجل، مقالاتهم في الجرائد حول عبقرية بن علي وعقلانيته وحداثته وريادته في مجال حقوق الإنسان لا تزال قائمة، وتشبيههم له بخير الدين وبابن خلدون وبنيتشه وبالعقل لا يزال مسجلا، وحديثهم عن امرأة تونس الفاضلة وعن نظافتها وتقواها لا يزال يجول في أروقة الفايس بوك، ونهبهم للمال العام في وكالة الاتصال الخارجي وفي التلفزة الوطنية مقابل تزييفهم للحقائق السياسة والتاريخ لا يزال مدونا.
وفجأة تحولوا وتحولت معهم القنوات والإذاعات وبعض الجرائد، لكنهم تحولوا بمنطق الغنيمة التي مات أصحابها، فمن يشرف على الوضع الإعلامي بعد سقوط بن علي؟ ومن يرث التلفزة الوطنية التي كانت تعود ملكيتها إلى عبد الوهاب عبدالله؟ ومن يرث موزاييك المملوكة من قبل بلحسن الطرابلسي؟ ومن يرث شمس المملوكة لسيرين بن علي؟ ومن يرث زيتونة وصباح صخر الماطري؟ ومن يصل الأول إلى نسمة وإلى حنبعل؟ ومن يستولي على الاذاعة الوطنية وشقيقتها الثقافية وثالثتهما الشبابية في ظل الانهيار الذي طرأ على الأجهزة السياسية القديمة؟ ومن...ومن .. ومن يُمنح رخص إذاعات وقنوات جديدة؟ ومن يتولى الشأن النقابي لتكتمل الصورة متناغمة لا لبس فيها؟

لقد تشكلت وبسرعة لوبيات إعلامية جديدة على خلفية أيديولوجية وسياسية في مشهد إعلامي مغاير قوامه المحاور التالية:

- المحور اليساري الليبرالي ويتكون من القوى اليسارية التي تنازلت عن الأيديولوجيا البروليتارية ودكتاتوريتها وعن الاشتراكية العلمية وقوانينها الحتمية وعن مقولة الصراع الطبقي المحرك الرئيسي للتاريخ، وتحالفت مع الليبراليين والرأسماليين والدستوريين والبورقبيين والفرانكفونيين وقد أطلقوا على أنفسهم جميعا "الحداثيين". هذه القوى مجتمعة قد تتشكل فيما بات يعرف بالكونفدرالية السياسية الناجمة عن الهزيمة الانتخابية، منبرهم الورقي جريدة المغرب اليومية (المستقلة) -ومن ينكر علينا ذلك فعليه أن يتأمل في الجامع بين مؤسس الجريدة ومجلس تحريرها المكلف بالسهر على خطها الاستقلالي ! - وأضيف لها مؤخرا ورقية ثانية هي التونسية بعد أن كانت إلكترونية، مع بعض الصحف الحزبية التقليدية التي لم تتوقف عن الصدور حتى في أوج قوة نظام بن علي. ويسيطر هذا المحور على تلفزيون نسمة بالكامل وعلى كل من راديو موزاييك وشمس وله مواقع نفوذ في إذاعات كثيرة ويبدو أن التلفزة الوطنية قد استقر حالها في نفس المحور بعد الانتخابات حسب ما تعكسه نوعية البرامج الحوارية والشخصيات المستدعاة وطبيعة التغطيات والمنشطون وتوقيت البرامج وتوزيعها مراعاة لبقية القنوات، ويكفي أن نتأمل في الانتقال السلس الذي بموجبه انزاح glisser منشط برنامج حديث الساعة من قناة نسمة إلى التلفزة الوطنية وما صاحب ذلك من تنقل في الخبرات والشخصيات المتماهية معها أيديولوجيا وسياسيا، لندرك تلك الحقيقة ولنقيس عليها والأمثلة كثيرة.

- المحور النهضوي: يبدو أن حركة النهضة تعاني من عدم احتلالها لمواقع متقدمة في الأجهزة الإعلامية العمومية والخاصة على المستوى المحلي بما ينسجم مع حجمها السياسي، ولكنها مع ذلك استطاعت أن تنفذ إلى المشهد الإعلامي بقوة وخاصة التلفزي، وذلك من عدة منافذ، مرتكزة على الأخطاء التي ارتكبها المحور الأول، فقد كان أباطرته يعتقدون أن الدخول في صراع مفتوح مع حركة النهضة ورموزها ودعوتهم إلى السجالات السياسية المتلفزة سيمكنهم من هزمها هزيمة ساحقة على المستوى الإعلامي وسينعكس ذلك لا محالة سياسيا، ولكن العكس هو الذي حصل فقد ظهرت النهضة في المنابر الإعلامية التي يسيطر عليها أو يديرها اليسار الليبرالي وانهزم خصومها في العملية السياسية. لكن مع ذلك هناك استراتيجية نهضوية إعلامية بدأت خارجيا بالتسرب إلى قناة الجزيرة منذ تأسيسها والتي قدمت خدمات جليلة للنهضة والنهضويين توظيفا ودعاية سيكون لها كبير الأثر في المشهد السياسي اللاحق، وكذلك قناة الحوار ذات التوجه الإسلامي الإخواني التي مكنت حركة النهضة من مساحة إعلامية محترمة. وهذه الإستراتيجية بدأت ملامحها محليا تتبلور في مستوى الصحافة الورقية من خلال جريدة الفجر، وبالعمل الدؤوب والكرنفالي في الإعلام الالكتروني عبر الفجرنيوز وغيرها وخاصة في فضاء الفايس بوك حيث يشتغل جيش من الناشطين النهضويين الذين بات لهم كبير الأثر في جمهور الفضاء العام الافتراضي الذي يتسع يوما بعد يوم. وتدعم هذا المحور بوكالة أنباء بناء نيوز القريبة التي أصدرت جريدة الضمير، ولاشك أن قناة نهضوية أو قريبة من النهضة ستكون من ضمن الأولويات للمقارعة الإعلامية وللردع الإعلامي في مستقبل الأيام.

- المحور الثالث : ينتمي إلى هذا المحور كافة القوى المحرومة من الإعلام وذلك بسبب موقف من مؤسسات الدولة والعمل بها خاصة ذات الطابع السياسي زمن بن علي، أو بسبب إقصائها المخطط من الحضور الإعلامي زمن الثورة إلا ما جاء تكرّما من منشطي بعض القنوات والإذاعات والصحف. وتأتي في مقدمة هذا المحور القوى القومية والعروبية مثل حركة الشعب الوحدوية التي وصلت إلى حد إرسال عدل تنفيذ إلى مدير التلفزة الوطنية بسبب إقصائها من الإعلام المرئي العمومي بعد أن تضررت كثيرا في المشهد الانتخابي، وبعض المجموعات اليسارية الراديكالية مثل حزب الشعب الوطني الديمقراطي(حشود) سليل حزب الشعب الثوري . ولم تستطع القوى المشكلة لهذا المحور وغالبيتها من العروبيين -وإن التقت فيما بينها عفويا وبدون سابق تنظيم- وضع إستراتيجية إعلامية تقطع بها حبل الإقصاء الممنهج الممارس ضدها في وسائل الإعلام العمومية والخاصة لتعكس بذلك مستوى فعلها في الشارع السياسي الذي هو أفضل بكثير من أحزاب ناشئة احتلت مكانا في المجلس التأسيسي بفضل الدعاية الإعلامية، لكن الإعلام حرمها من تحقيق هكذا فرصة. ولا يقتصر غياب القوميين والعروبيين على المشهد المرئي والمسموع وإنما يشمل الصحافة المكتوبة حيث لا توجد صحف تنطق باسمهم ظاهرا أو باطنا بعد أن توقفت جريدتا الكرامة وحركة الشعب عن الصدور، إلا إذا استثنينا جريدتي الحصاد الأسبوعي والرسالة اللتين لا تخفيان ميولاتهما العروبية بالرغم من استقلالية خطهما التحريري، وكذلك جريدة عُرابيا التي يُحيل اسمها على شيء من ذلك الانتماء. أما في المستوى الإلكتروني وفضائه العام فلا يزال الفعل العروبي والقومي محدودا جدا ولا يرتقي إلى صنع الحدث ويقتصر في غالبه على الشعارات والخطب لزعماء تاريخيين وبذلك يستجيب للغرور الخاص ولا يخلق من حوله جمهورا واسعا ورأي عام ذي تأثير في العملية السياسية كما هو شأن المحورين السابقين.وهو ما ظهر جليا في نتائج الانتخابات الأخيرة.
بعد هذا التشخيص لابد من الإشارة إلى أن القوانين التي تنظم المشهد الإعلامي السياسي والحزبي خاصة والتي وُضعت على المقاس في زمن بن علي، تتصف بالعتاقة. فالصحف الحزبية وبقطع النظر عن التمويل الذي توفره لها الدولة والذي يصل إلى حد 180 ألف دينار سنويا بالنسبة للصحف الأسبوعية التي كانت تتمتع بذلك الامتياز، لم يعد له معنى بسبب العزوف عن الصحافة الحزبية المتأتي بدوره من تشويه النظام السابق لأحزاب المعارضة ومن تحجيم دورها. وقد تنامى ذلك التهميش بسبب الانفجار الإعلامي الحاصل بعد الثورة مما زاد في نفور الناس من الصحافة المكتوبة المتكاثرة وبسبب هيمنة الإعلام المرئي بدرجة أولى وبدرجة ثانية المسموع منه. ولقد بات ضروريا على الأحزاب السياسية والتيارات الفكرية والشخصيات الوطنية لاسيما المقصية منها من الحضور الإعلامي أن تطرح إعادة النظر في الإعلام السياسي والحزبي بما يحد من الإقصاء والتهميش وبما يعطي الفرص المتساوية أمام جميع القوى التي يتشكل منها المجتمع السياسي والمدني ويضعها على قدر المساواة، وأن ترتب ذلك في أولوياتها المطلبية والنضالية. كما حان الوقت لتطالب تلك القوى المهضومة الحقوق بمراجعة القوانين التي تنظم العملية الإعلامية برمتها فمن الضيم اليوم أن يستمر القانون الذي يقتصر على تمكين الأحزاب من جرائد فقط في حين يمنح الأفراد رخص لإقامة إذاعات وتلفزيونات، فأيهما أكبر تأثيرا وأهمية بالنسبة للمجتمع أهو الفرد أم الحزب الذي قد يعد آلاف أو مئات الآلاف من الأفراد، ومن الضيم أن تبقى قوى محرومة من الإعلام وأخرى تسيطر على المشهد بسبب عدم الاستقلالية واللاّحياد الذي يتميز به المشهد الإعلامي التونسي.
ولا حل لذلك المأزق إلا في تشريع قوانين تسمح بإقامة التلفزيونات والإذاعات للأفراد والأحزاب على حد السواء بدون قيد أو شرط، فإذا تحقق ذلك استفادت شرائح كبيرة من العاطلين سواء كانوا صحفيين أو تقنيين مما سيحد من تفاقم البطالة في هذا القطاع وستُفتح سوق إعلامية حقيقية قوامها المنافسة الحرة يمكن أن تكون في شكل مدينة إعلامية مثلما هو سائد في تركيا أو دبي أو المملكة المتحدة، وستسود على تلك الأرضية فكرة توازنات "الرعب الإعلامي" فلا احتكار ولا عدوان بعد ذلك، ولا شك أن البقاء سيكون للأصلح وليس للأقوى كما هو حال إعلامنا اليوم.

الجمعة، 6 يناير 2012

إلى إعلام آخر، في بلاد أخرى بقلم أ.عدنان المنصر


 هل من جديد تحت شمس السلطة الرابعة؟ قليل من الجديد، وكثير من القديم. لا يفتأ المواطن يكتشف يوما بعد يوم طول المسافة التي يتوجب على الإعلام قطعها حتى يصبح جديرا بكرسيه الرابع. هذا مسار طويل، ولن نجتازه في القريب العاجل مهما كنا متفائلين. يلاحظ المتابع كثرة في عناوين الصحف، وتعددا في البرامج السياسية على الإذاعات والقنوات التلفزية، ويذهب في ظنه للوهلة الأولى أننا نعيش عصر ثورة الاعلام، وأن الثورة، أو ما اصطلحنا على تسميتها كذلك، أمنت جانب هذه السلطة وأن بإمكانها اليوم الالتفات إلى ما هو أهم. ولكن كثيرا من التهيؤات لم تعد تنطلي على أكثر المتفائلين.

في البلدان التي يحترم فيها الإعلاميون مواطنيهم، تكون مهمتهم هي الإعلام أولا، وبعد ذلك بإمكانهم أن يبلغوا المضمون الذي يريدون، وأن يوصلوا الأفكار التي يؤمنون بها. أما في البلدان الأخرى، فإن الخبر يختلق ويلوى عنقه منذ البداية، أو يقع تجاهله تماما، ولا يحضر إلا الاستغلال غير الحرفي له، ككرة في ملعب بدا خاليا من المدافعين وحارس المرمى. يكفي أن ننظر في هذا السياق إلى صحافة يوم الاثنين 2 جانفي، تاريخ بداية زيارة الرئيس منصف المرزوقي إلى ليبيا. لوهلة ظننت أن الزيارة ألغيت، أو أنها زيارة صداقة، أو أنها زيارة علاج خاصة. تصفحت معظم جرائد الصباح، ولم أجد فيها شيئا، أو تقريبا. في نشرة الأخبار المسائية على القناة الأولى بدا لي أن هذه الزيارة لا تستحق أن يهتم بها أحد فعلا، لذلك أخر الحديث عنها إلى المرتبة الثالثة أو الرابعة في أحداث اليوم. نشرة أخبار الثامنة، وترتيبها العجيب الغريب للأحداث، أمر محير فعلا. ولكن لعل في الأمر إبداعا من نوع جديد ما زلنا قاصرين عن إدراك طرافته وعمقه. يحدث أحيانا أن يتأخر وعي المواطنين المتابعين للإعلام عن فهم التقنيات والمنهجيات المستجدة في هذا العالم المتحول بسرعة، عالم الإعلام، فيحتفظ دائما بحسن النية، وينتظر.

نفس الابداع حصل في نشرة أخبار المساء، على نفس القناة، يوم تسلم الحكومة الجديدة مهامها، فكان ذلك الخبر هو الطبق الرئيسي على عدة قنوات، إلا على قناتنا الوطنية الأولى. ربما تكون تلك الحكومة قد تسلمت مهامها في بلد آخر، لتسيير دواليب دولة أخرى. وبما أننا شعب آخر، فإن اهتماماتنا، وأولوياتنا، أخرى ! كان بإمكاننا أن نتفهم ترتيبا مماثلا للأخبار لو تعلق الأمر بقناة خاصة، يديرها باعثها كما يريد ويشتهي، ولكن الأمر يتعلق هنا بقناة عمومية، ينفق عليها من أموالنا جميعا. هذا هو "المرفق العمومي" كما يحلو للبعض أن يسميه اليوم، وهم بالصدفة نفس أولئك الذين جعلوا منه ولعقود طويلة مظلمة، مرفقا خصوصيا للرؤساء وزوجاتهم، وأصهارهم.

في الديكتاتوريات، وكذلك في بعض الديمقراطيات الناشئة، ليس ضروريا أن يكون هناك إشراف مباشر من الحكام والمستبدين بالحكم على الصحفيين. في كثير من الحالات يتحول الصحفي بدوره إلى ديكتاتور صغير، لا يرينا إلا ما يرى، أو يتوهم أنه يرى. المشكل أن ذلك ينطلي عليه أحيانا، فيذهب في ظنه أنه يصوغ الرأي العام من منطلق الحرية، في حين أنه ينحرف به، أو يسعى لينحرف به، من منطلق آخر مختلف تماما هو منطلق رفض الحرية إذا ما تضاربت مع ما يرى، وليته كان يرى !
 
في الأصل، تتمثل مهمة الإعلامي في أن يعلم بالخبر، وحتى لا يتحول إلى بوق للأحداث فحسب، فإنه يحاول أن يستقرئ أبعاد الخبر، وأن يحترم المتلقي، ووعي المتلقي، الذي يتضح في كثير من الأحيان أنه لا يعول على تلك الوسيلة الإعلامية فحسب لتلقي المعلومات، والاطلاع على التحليلات. في كثير من الأحيان، ينسى الصحفي أن يحترم جمهوره، فيفقد مصداقيته، وحينئذ ينهار البيت على كل ساكنيه.

يذهب في ظن الكثيرين، مع ذلك، عندما يرون عشرات العناوين الجديدة تغزو أكشاك الصحف، أن عصر حرية الإعلام قد بدأ فعلا. يستفيق بعد ذلك مباشرة على أن كثيرا من العناوين التي صعقته جرأتها في "كشف" الحقائق ليست في نهاية الأمر إلا محلات مرخص فيها للابتزاز الرخيص. يتعلق الأمر هنا بعناوين أوراق جعل منها أصحابها مصدر رزق غير شرعي عن طريق نشر ملفات يفترض أن تكون تحت نظر القضاء. المشكل أن هؤلاء، وأكثرهم تاريخيا من تجار الذمم وأعوان المخابرات، يعلقون جرأتهم على شماعة الثورة وانطلاق الحريات، وهو ما يسمح لهم بالحصول على أموال كثيرة ممن يقومون بمهاجمتهم من المسؤولين وكبار رجال الأعمال الفاسدين. فساد يحطم آخر ولكنه لا يقضي عليه، طبعا. 

أما البكائيات المتلفزة والمذاعة، فحدث ولا حرج. اختصت بعض القنوات والصحف كثيرة الألوان والأضواء والأموال، والتي تقع تحت إدارة من سامنا طيلة سنوات عديدة كل صنوف التعذيب النفسي وإهانة الذكاء الجمعي، في نوع جديد من الإعلام، تجد فيه كل شيء، عدا الإعلام. المشكل أن هؤلاء، الذين بنوا ثروات طائلة من السخرية من ذكائنا، يعتقدون أن طريقة العمل التي ينتهجونها مثمرة، ولكنهم لم يجرؤوا مرة واحدة على النظر إلى وجوههم في المرآة. يذهب في ظن هؤلاء، وقد جاؤوا إلينا مدججين بالأموال والأدران، أنهم إعلاميون دورهم رفع الغشاوة عن أعيننا، ولو رفعوها عن أعينهم لكان أفضل لهم، ولنا. في حديث لأحد رؤساء التحرير الورقيين مع من ظن أنهم زملاء له، صرح الرجل بأن كل الصحفيين قذرون بدرجة أو بأخرى، وأنهم لعبوا طيلة عهد ابن علي أدورا قذرة ضد ذكاء الناس، وأنه من المفيد عدم فتح هذا الملف لأن الجميع سيخسر من فتحه. أخطأ الرجل مرتين، بالقول أن كل الصحفيين قذرون أولا، وبالقول أنه من المفيد ألا يفتح أحد هذا الملف. أما الخطأ الآخر، فاعتبار نفسه صحفيا، وقد كان باستمرار عون مخابرات لديكتاتورية حمقاء !

الديمقراطية لا تلائم الجميع حتما، لأن من تربى على أيدي الديكتاتورية، لا يمكن أن يكون حرا. الانتخابات ونتائجها المحبطة بالنسبة إليهم هي مربط الفرس، وهم لا يخجلون من التصريح بذلك فيما بينهم. ودوا لو زورت، أو أنها لم تتم. المشكل أنهم كانوا من المساهمين الرئيسيين في نتائجها التي صارت معلومة، وأن تلك النتائج صفعتهم هم بالذات قبل أن تصفع غيرهم. ولأنهم تربوا في أحضان المستبدين واللصوص، فلا خيار لهم غير مواصلة الهرولة في المنحدر.

في المقابل يعتقد البعض أن الحل يكمن في جعل الإعلام حكوميا، وهؤلاء ربما كانوا في مثل العمى الذي أصاب غيرهم. لا معنى في عالم اليوم لإعلام حكومي، بل لإعلام حرفي تسوس العاملين فيه أخلاقيات العمل الصحفي التي يجب أن تضبط، ولن يضبط تلك الأخلاقيات من افتقدها حتما. في الساحة كثير من الصحفيين الشبان الذين يودون أن يفسح لهم مجال، وأن ينالهم من الأضواء ما نال غيرهم دون وجه حق. هؤلاء هم مستقبل الصحافة في بلاد تعيش تحولا نحو الديمقراطية، وليس العجلات المهترئة. الآن بدأت "عربات الأجرة" تلك في التسويق لإبداعات جديدة، ولأنها لا تفهم أن لكل طريق العجلات التي تتلاءم مع طبيعتها، فإنها ستبقى مصرة على عدم إتباع إجراءات السلامة الدنيا، وعلى الاتجاه إلى الخلف عندما يتوجب السير إلى الأمام. أيها "القايد"، رجاء، هل تستطيع حقا إنقاذهم؟!