الجمعة، 3 أغسطس 2012

التنمية في ظل استشراء مظاهر الفساد المالي أي معنى؟ علي محمد شرطاني

التنمية في ظل استشراء مظاهر الفساد المالي
أي معنى؟

لا حديث عن حركة تنموية ناجحة بدون برنامج تنموي واضح وجاد يقوم أولا وأساسا على:
ـ رأسمال وطني تتوفر له كل شروط النماء والتطور والنجاح في إطار منظومة قانونية تحميه،بعيدا عن الإستغلال والرشوة والمنافسة غير الشريفة، وبعيدا عن مخاطر السوق الموازية، وعن الضرائب الثقيلة التي تثقل كاهله وتعيق نماءه وتعرقل تطوره، وفي إطار إكرام الإنسان لأخيه الإنسان، وإعطاء الأجير أجره قبل أن يجف عرقه، وتمكينه من حقوقه الكاملة حتى يكون أكثر إنتاجا وأكثر عزيمة وحرصا، وحتى يتخلى عن الإهمال، وينصرف عن اللا مبالاة، ويتجنب الإتلاف، وينتهي عن السرقة، وينسى التواكل. لأن رصيد الرأسمال الوطني هو الإنسان ا لعامل المنتج، ورأسمال العامل الوطني المنتج هو الرأسمال الوطني، فلا غنى للواحد عن الآخر لمن أراد المعادلة الكاملة لتوفير أكثر ما يمكن من ضمانات النجاح.
فللحركة التنموية الناجحة شروطها الأساسية التي لابد منها والتي هي في الحقيقة من شأن أهل الإختصاص والذكر الذين حين لا يتحركون يجد متطفل مثلي نفسه مضطرا إلى القول فيه بما لا يفي بالغرض في الموضوع ، والتي منها على سبيل الذكر لا الحصر:
ـ الحرية: فلا تنمية بدون حرية. وقد رأى العالم كله كيف أن أمبراطورية كاملة قد انهارت بفعل طبيعتها الدكتاتورية والقهرية المصادرة لإنسانية الإنسان، في وقت مازالت تمتلك فيه الكثير من أسباب القوة الأخرى. وبدون تحرير المبادرة للمواطن كي ينصرف إلى ساحات الإبتكار والإبداع في ميادين كل مناشط التنمية الإقتصادية والمالية، في إطار ثقافة تقديم الواجبات عن الحقوق، وبعيدا عن ثقافة الرأسمالية المتوحشة التي لا اهتمام فيها إلا بالحقوق، ولا تكاد تعترف بشيء من الواجبات إلا ما يفتك منها افتكاكا.
فالإنسان الحر هوا لذي يحسن الكر والفر ،والتنمية كر باتجاه الفعل الإقتصادي في ميادين الصناعة والتجارة والزراعة والخدمات المنتجة المختلفة لتحقيق أكثر ما يمكن من الربح المشروع، وإنتاج أكثر ما يمكن من البضاعة بأكثر ما يمكن من الجودة، في أقل ما يمكن من الوقت وبأكثر ما يمكن من العمالة أيضا. لأن صاحب رأس المال الوطني، بقدر ما هو مطالب بالمحافظة على ذلك الرأسمال وبقائه وإنمائه، بقدر ما هو مطالب أيضا باستيعاب أكثر ما يمكن من اليد العاملة الوطنية المختلفة. وهي فر باتجاه المحافظة على رأس المال بعيدا عن الخسارة والإفلاس، على الأقل في حال عدم القدرة على إنمائه، للمراجعة والبحث عن أسباب ذلك
ـ الأمن: أي الأمن المحقق للإستقرار التلقائي الهادئ والطبيعي، وليس ذلك المفروض بقوة السلطة التنفيذية من أصحاب النفوذ والمصالح، أو الخوف من مصادرة الأرزاق والممتلكات، وإثقال الكاهل بالضرائب، بما يوقع المنتج أوالناشط الإقتصادي في التهرب الضريبي وتهريب الأموال واعلان الإفلاس المغشوش وتجميد الرساميل وإخراجها من الدورة الإقتصادية وهو كاره أحيانا، لينسحب ذلك سلبا بالطبع على حركة التنمية، ووضع البلاد والعباد في صعوبات اقتصادية ومالية قد يكون الأجنبي هو المستفيد الوحيد في النهاية منها .
ـ الديمقراطية السياسية: ويكون ذلك في إطار فسح المجال لكل أبناء الشعب للمساهمة في بناء البلاد وتنميتها على كل الأصعدة وفي كل المستويات، من خلال التنظيمات السياسية الحرة المختلفة المناهج والمشارب والبرامج، والجمعيات المستقلة. وفسح المجال لحرية التعبير والإعلام والنشر والتوزيع والتداول السلمي على السلطة، ليكون التنافس من أجل تنمية حقيقية عن طريق البرامج و الإحتكام الى الشعب بكل حرية وشفافية ونزاهة وتواضع ونكران للذات لصالح الوطن والشعب .
هذا التنافس من أجل الصالح العام هو الذي ينهي النهب والفساد وسوء التصرف في المال العام. وينهي المحسوبية والرشوة والتحيل والفساد الإداري واستغلال النفوذ وكل هذه الأمراض التي لا حد لها على الأقل.
ـ استقلالية القضاء: بما يعني أن يكون القضاء آخذ موقعه بالبلاد كسلطة قضائية مستقلة كما ينص على ذلك دستور البلاد لا مجرد سلك قضائي كما يتردد على لسان الرسميين في السلطة التنفيذية وفي خضوع كامل لها توظفه كيف تشاء.
ذلك أنه لا عدل بدون استقلال القضاء ولا تنمية في ظل الجور والظلم و الإستبداد والفساد ولا يستقيم القول بتنمية سياسية ولا اجتماعية ولا ثقافية ولا اقتصادية بدون استقلال القضاء لتحقيق العدل بين الناس لأن القضاء المستقل وحده هو الكفيل بتحقيق المساواة لا بين المحكومين وحدهم ولكن بين الحاكم والمحكوم وبذلك فقط يتم القضاء على جل إن لم يكن على كل الآفات المعيقة لحركة وبرامج التنمية كالرشوة والمحسوبية والفساد المالي والإداري واستغلال النفوذ. و إذا كان استقلال القضاء ركن من أركان النظام الديمقراطي فانه لا ديمقراطية بدون سلطة قضائية مستقلة ولا تنمية حقيقية كذلك بدون ديمقراطية ونظام قضائي مستقل .
ـ المحافظة على القطاع العام: ذلك أن تنمية حقيقية لا يمكن أن تتحقق في ظل مغادرة الدولة نهائيا للحركة الإقتصادية وعدم الإشراف على ادارة مشروع التنمية،و وضع كل القطاعات الإقتصادية والمالية وقطاع الخدمات الهامة بين يدي الخواص والرأسمال الخاص الأجنبي خاصة، والذي فيه ما يشبه التفريط في السيادة على الأوطان.
فلابد أن تنصرف الدولة ولو عن بعض شروط المؤسسات المالية الدولية. و أن تعمل على المحافظة على كل القطاعات الإستراتيجية والحيوية لتظل ملكا لها، لأن ملكيتها لها ليس لها من معنى غير ملكية الشعب لها.
أما التفويت فلا يعدو إلا أن يكون تسليم ملك الشعب من خلال الدولة للأثرياء من أصحاب الرأسمال الوطني ـ وهو الأمر الأقل خطورة في الموضوع ـ أومن أصحاب رأس المال الأجنبي الذين يستطيعوا أن يغادروا في أي لحظة شاءوا و مهما كانت الضوابط والإلتزامات والقوانين والإتفاقيات. لاسيما وأنهم هم الذين لم يدخلوا بلد كبلدنا إلا بشروطهم ، وهم الذين يستطيعوا أن يغادروا في أي لحظة شاءوا وكلما أرادوا أن يسقطوا البلاد كأي بلد آخر في أزمة اقتصادية وسياسية، مثلما فعلوا في نمور اقتصاد دول جنوب شرق آسيا من قبل. أوكلما حلت بها ظروف استثنائية تضطرهم الى المغادرة الى حيث الإستقرار والربح السهل والأكثر وفرة
وبقدر ما تكون البيئة السياسية والثقافية والإجتماعية من شروط نجاح التنمية الإقتصادية، فان البيئة الطبيعية ونظافة المحيط، هي كذلك من أوكد هذه الشروط ، بما للتربة والماء والهواء من قيمة ومن تأثير على نجاح خطط التنمية وبرامج تطوير الإقتصاد في أي بلد من بلدان العالم، وبما للتلوث من خطر على البيئة وعلى الإنتاج والإنسان، وعلى كل ما بالأرض برا وبحرا وجوا من حيوان وجماد ونبات. فالكل في تونس يعلم اليوم أن من أكثر الأمراض استفحالا في ولاية قفصة مثلا هو مرض السرطان جراء ما يتزود به فيهاالمواطنمن سموم ينفثها المعمل الكيمياوي بالمظيلة يوميا، وعلى امتداد مساحات كبيرة في مدة أكثر من عشرين عاما. هذا المعمل الذي ينتج الموت للإنسان والحيوان والتربة والنبات، قد تم تحديد موقعه بعناية فائقة، بحيث يجب أن تلحق أضراره كل المناطق المحيطة به والقريبة منه. فقد كانت الجهات المعنية والمسؤولة حريصة على أن يتوسط المنطقة الفاصلة بين كل من معتمدية القطار ومعتمدية القصر المتصلة عمرانيا بوسط مدينة قفصة، وليكون أقرب فقط لمركز معتمدية المظيلة، لتكون تلك خطة عادلة يكون كل أبناء هذه الجهات والمناطق قد تقاسموا بالسوية هذه الأضرار،لا بأن ينقص ما يلحق هذه تلك، ولكن ليلحق الكل نفس الضرر وبنفس القدر. والكل يعلم اليوم أن واحتي كل من قفصة والقطار آخذة كل واحدة منها طريقها وبخطى حثيثة الى الزوال بفعل ما أصبح يصيبهما وباستمرار من سموم التلوث في التربة وفي الماء وفي الهواء
ـ ثم انه لا تنمية بدون تعدد مصادر الإنتاج الصناعي والتجاري والزراعي: وتكامل هذه المصادر والقطاعات في ما بينها.
فلا تنمية حقيقية بدون إزالة مصادر التلوث، وبدون توفير مصادر المياه وإحياء الأراضي، وبدون تكامل القطاعات الحيوية الإستراتيجية./
فلكم ظلت ولاية قفصة مثلا معولا فيها على قطاع مناجم الفسفاط ، بدون أن تتم معاضدته بأي قطاع زراعي وتربية للماشية في بيئتها الطبيعية، ومن ثمة أي نشاط صناعي وتجاري حيوي آخرفحتى بعض المعالم التاريخية التي يعول عليها في القطاع السياحي، لم تتم العناية بها بما يجعلها أكثر استقطابا للزوار والسياح. فقد ظل محافظا على الإحاطة بالجفاف لهذه المناطق المنتجة للفسفاط إلى أن اختفت فيها الكثير من الحيوانات البرية والطيور النادرة بالهجرة أو بالإنقراض، وبعض الحيوانات الأهلية بالإستغناء عنها وتهميش العناية بها رغم مناسبة البيئة لها، ورغم عدم كثرة كلفتها، ورغم صلاحيتها لتزويد السوق باللحوم وبعض ما توفره على مربييها على الأقل من ألبان، كالإبل التي نشأ توجه جديد في السنوات الأخيرة لإعادة الإعتبار لها وإرسال قطعانها مرة أخرى مثلما كانت عليه من قبل وقبل عقود من الزمن .
فالتنمية: وطنية أولا، ثم عناية وجدية وحزم وصدق في التعامل مع قضاياها وقطاعاتها ومجالاتها، والعمل باجتهاد ومسؤولية ومثابرة على استكمال شروط نجاحها بدءا بالإنسان وانتهاء بالبيئة برا وبحرا وجوا، وبأغطيتها الخمسة المعروفة المكونة من الغطاء المائي، والهوائي، والنباتي، والصخري، والحيواني .
ـ فقد كان القطاع الزراعي بولاية قفصة مثلا، قابلا للتطور ووفرة الإنتاج و توفير عامل الجودة أيضا. إلا أن مسالك توزيع المنتوج ومصارف الإيداع وضيق مساحات الترويج أعاقته، وكانت من العقبات الكأداء في طريقه. إضافة الى ارتفاع الكلفة من خلال ارتفاع أسعار قطع الغيار والبذور الحية التي زادها التعديل الجيني وعدم قدرة الفلاح على التعامل الإيجابي معها خطورة وتعقيداـ بعد أن تم التفريط في بذورنا الحية الطبيعية ـ إضافة الى ما يمكن أن يترتب عنها من أمراض ومخاطر مازالت محل اختلاف نفيا وإثباتا بين الخبراء والمعنيين بهذا الموضوع ـ والإرتفاع المستمر للوقود والأسمدة، والمكوس المسلطة على المنتوجات الزراعية النازلة بالأسواق الأسبوعية خاصة، تلك التي تم التفويت فيها من قبل البلديات للخواص، الذين رأيت بأم عيني أن أعوانهم يتعاملون مع المنتجين وكأنهم شركاء معهم في منتوجهم. وغيرها من العمليات والضروريات اللازمة لهذا القطاع مما جعله يتراجع الى أدنى حد له. وأخذ الفلاحون في الأرياف يبحثون عن التخلص من زراعتهم التي أصبحت بذلك غير مربحة بما فيه الكفاية وقد أصبح منهم من ليس محافظا على مكانه إلا اضطرارا ، ويبحثون عن مناشط تجارية أخرى أكثر ربحا وأوفر حظوظا في النجاح فيها، مما يزيد حركة النزوح سرعة، ويزيد الفئات المهمشة حول المدن كثافة أضف الى ذلك نقص الإمكانيات المادية التي عادة ما تكون في شكل قروض غالبا ما يجد الفلاح نفسه مضطرا لإنفاق الجانب الكبير منها على عياله، وهو الفقير المدقع الفقر، ويفلح بالباقي ما يستطيع فلحه في أرضه على أي نحو كان تقسيط الجهات المانحة لها له والتي لا يستطيع في النهاية لها إرجاعا. وهو الذي يستثمر ذلك الباقي من الأقساط في زراعة الخضر التي غالبا ما يبيعها للمستهلك مباشرة، أمام منافسة ووفرة في الإنتاج في عرض يفوق الطلب بكثير أحيانا، إضافة الى ضعف المقدرة الشرائية للمستهلك، فيكون مردودها بذلك أقل مما يجب أن يتوفر له من الربح، مما يغطي مصاريفه، وما ينفق منه على معاشه، وما يستطيع أن يسدد به منه الديون المتخلدة بالذمة في مواعيدها أو حتى في غير مواعيدها .
تلك هي الصورة التي عليها واقع الكثير من المناطق الريفية أو مناطق الريف كلها في إطار حركة التنمية الريفية خاصة، في بلادنا سواء في ميدان الزراعة أو تربية الماشية أوالصناعات التقليدية، على خلفية تنمية تلك المناطق، وتعزيز حركة الإقتصاد الوطني، وتثبيت أهاليها وأصحابها فيها، في محاولة لمنع أو الحد على الأقل من النزوح، فان المنح والقروض الموجهة لهذه المناطق، والمسندة لطالبيها من أصحاب هذه الجهات الريفية في مختلف مستوياتها، والى مختلف الجهات الفقيرة أصلا، عادة ما يتم صرفها في غير ما منحت لصرفها فيه، لتكون النتيجة أن لا يقع العثور في النهاية على الأموال والعينات المسندة للجهات الممنوحة، ولا على المشاريع المطلوب إقامتها لإحداث التنمية الجهوية والريفية، ولا تعاد الإعتمادات المالية أوالعينية الى الجهات المانحة، ولا تبرأ ذمة المدان المقترض من الدين، ليظل في مواجهة العجز المستمر لسدادها، ولتذهب بذلك الأموال الى غير رجعة. ولعل ملاحقة هؤلاء بالعقوبة البدنية يكون واردا، من يدري ؟
وليظل الفقر والفاقة والبطالة والنزوح أسياد الموقف في تلك الأوساط والربوع دون أن يعني ذلك عدم وجود بعض حالات النجاح والتوفيق.
فلا بد والحال هذه من البحث عن حلول صحيحة وأكثر جدية، وان بمزيد الإنفاق على ذلك، وفي إطار حياة سياسية حرة وديمقراطية وعادلة، تحفظ الأموال، وتحدث التنمية المطلوبة، وتتقدم خطوات في حل مشاكل البطالة والفقر، وتفرض الإستقرار، وتنهي النزوح
ولعل بعض الحلول الممكنة حين لا يوجد أفضل منها وأقوم، وان كان بما يكلف المجموعة الوطنية المزيد من النفقات، ولكن لا بأس بذلك، إذا كان ذلك مما يمكن أن يكون من الممكن أن نتدارك به السلبيات والنقائص، بل والخسائر التي سبقت منا الإشارة إليها سالفا. وهو أن تتدخل الجهات المانحة أو المقرضة لإنجاح برامج التنمية عموما، والتنمية الريفية خصوصا، بصفة خاصة لتشغيل الأطراف والأفراد الممنوحين أو المقترضين في أراضيهم أو مشاريعهم بأجور محترمة تقع إضافتها الى مجموع أقساط القروض والمنح الواقع توجيهها الى مستحقيها لمدة تكون ـ من خلال مراقبتهم في ذلك ـ كافية لأن تعطي تلك المشاريع من الإيراد ما يصبح به المستحق قادرا على تغطية نفقاته الضرورية اليومية، وتحويل باقي إيراد فائض الإنتاج بعد المصاريف اللازمة الى الجهات المقرضة بحسب الصيغ القانونية المتفق عليها، لإستخلاص تلك القروض. وذلك من الحلول التي تخرجهم من دائرة الإضطرارللتصرف في ما تمت الموافقة لهم عليه من قيم مالية، وصرفها في ما كانوا يجدون أنفسهم مضطرين لصرفها فيه، من مآرب وأغراض فردية وجماعية تقتضيها ضرورة العيش والحياة، خاصة عندما يتعلق الأمر بجعل تلك الأموال في مشاريع طويل أمد جني ثمارها وإعطاء ايرادها، وغير سريعة الإنتاج كالبقول والأشجار المثمرة .
ولعل ذلك يكون مناسبا وكافيا وضامنا لنجاح بعض برامج التنمية في بعض الجهات، ولسداد الديون، ولصون المال العام، ولإنهاء بعض نسب البطالة، ولتحقيق تثبيت أكثر ما يمكن من الناس في بيئتهم ومحيطهم، ولقطع الطريق أكثر ما يمكن أمام النزوح والزحف على المدن. /
أما التنمية الصناعية والتجارية وفي قطاع الخدمات فقد أصبحت ـ في ظل سياسة التفويت في القطاع العام وانسجاما مع التوجهات الجديدة للرأسمالية المتوحشة في سياق الحركة الإستعمارية الحديثة في إطار نظام العولمة الذي تشرف عليه الأمراطورية الأمريكية، وتعمل على فرضه بقوة السلاح والعقوبات الإقتصادية ،وغير ذلك من الأساليب والضغوطات المختلفة، وانسجاما كذلك مع سياسة واملاءات وشروط المؤسسات المالية الدولية المدانة شعوبنا لها، والمعادة جدولة ديوننا لديها، ووضع اقتصاد البلاد وبرامج التنمية بين يدي الرأسمال الخاص، وتوجه الدولة التي يجب أن تصبح بعد ذلك دولة أصحاب رؤوس الأموال نحو الإكتفاء بجمع الضرائب سواء على المستهلك العادي أو على هذا الرأسمال الخاص ـ مقتصرة على تنمية الرأسمال الخاص وأخذ الضرائب .
هذه الضرائب التي غالبا ما تكون مرتفعة، مما يجعل المواطن العادي وبصفته مستهلكا وأجيرا أو موظفا الأكثر تضررا. لأنها تضاف الى الأسعار الملزم بدفعها للسوق المزودة له بالسلع الإستهلاكية، ويتم خصم تلك المسلطة على إيراده الشهري مباشرة من راتبه أو أجره، ثم يأتي بعد ذلك دور صاحب رأس المال ـ الذي وان كان لا يختلف في التزامه بدفع الضرائب المجرات على السلع الإستهلاكية عن الموظف والأجير بصفته مستهلكاـ فان الأمر يكون مختلفا فيما يتعلق بالدفع الضريبي باعتباره منتجا ومؤجرا هذه المرة، و لأن ارتفاع الضرائب يترتب عنه حتما لدى الجشع الرأسمالي تزوير حقيقة الدخل وتفشي ظاهرة الرشوة والتهرب الضريبي بما ينقص أكثر ما يمكن من القيم المادية الواجبة الدفع، مما يمكن أن يكون سببا في ضعف إيرادات الخزينة العامة، وذلك ما قد يضطر السلطة التشريعية فالتنفيذية أحياناـ وتفاديا لإعلان البعض الإفلاس، وحرصا من الدولة على المحافظة على استمرار هذه القطاعات في الوجودـ إذا كانت هناك رغبة في ذلك طبعا، وإذا كان تقدير المصلحة الوطنية يتجه نحو ذلك، وإذا كانت هناك جدية في التعامل مع هذه القضايا الحيوية بروح وطنية عالية ـ لتوفير أكثر ما يمكن من حظوظ الدفع الضريبي ،وللمحافظة على استيعاب مؤسسات هذه القطاعات المنتجة أكثر ما يمكن من اليد العاملة المختلفة ـ أن تقدم لأصحابها من التسهيلات ومن التشريعات ما يخفف من تلك المخاوف، وتتحقق به تلك الأهداف .
أن هذه اليد العاملة هي التي ـ من موقع المضطرـ توفر على الأعراف فائضا كبيرا من الوقت زائدا عن الوقت القانوني وبدون مقابل، وهم الذين ليس أمامهم ـ في إطار إتباع سياسة الخوصصة والتفويت في القطاع العام، و في غياب نظام ديمقراطي تعددي حر مستقل وشفاف يمارس فيه الشعب صاحب السيادة عن طريق مؤسساته ومكونات مجتمعه المدني والسياسي الرقابة والمحاسبة، ويمكن فيه لحقوق الإنسان بكل مسؤولية وهو الضامن لها ـ إلا أن يرضوا بذلك ويقبلوا به تفاديا للطرد، ومقابل العمل على مزيد استيفاء شروط الإستمرار في الشغل، وبكامل شروط الأعراف . وغالبا ما يكون العمال في مثل هذه القطاعات، وفي إطار هذه السياسة الإقتصادية المفروضة، وفي غياب كل شروط وتشريعات نظام السوق الضامنة ولو للحدود الدنيا من حقوق العمال، في بلد لا يعرف فيه الكائن البشري الحي عموما صفة للمواطنة ـ بدون ترسيم، وفي أعداد غفيرة منهم محرومين من كل الضمانات، و حتى من بعض الحقوق التي تكفلها لهم بعض القوانين المنظمة للحياة المهنية، في التغطية الإجتماعية وغيرها. لتكون النتيجة أن الخاسر الأكبر في سياسة هذا النظام الجائر الوافد علينا من حيث تولد المصائب و الشرور، ومن حيث لا يفد علينا منه إلا ما قل وندر من الخير، هو العامل. وليظل ـ وهو العنصر الأنشط في عملية الإنتاج وفي حركة الإقتصاد ـ هو الأضعف. وهو الذي عليه في النهاية القسط الأكبر حتى من الدفع الضريبي العائد الى الخزينة العامة. وهو الذي يعود منه ذلك للأعراف كذلك، ومن ثمة للرأسمال الخاص في حال عدم الترسيم وفي حال غياب حتى بطاقة خلاص له في أحيان وحالات كثيرة. وهو الذي لاحظ له في القطاع العام الذي أصبح مزودا لساحات البطالة بالآلاف من المسرحين من الشغل. والذي ليس أمامه إلا الغرق في وحل البطالة أو الإستغلال الفاحش، سواء من طرف سلطة الإشراف السياسي بدفع الضرائب و الآداءات والمكوس، أو من طرف الأعراف وأصحاب رؤوس الأموال المحليين منهم والأجانب، الذين وضع اقتصاد البلاد بين أيديهم .
فهو الذي كمستهلك يدفع ضريبة القيمة المضافة المرتفعة جدا، والمسلطة على جل إن لم يكن كل السلع والخدمات الإستهلاكية الضرورية، وغيرها من الضرائب الأخرى الكثيرة المختلفة الثقل، كتلك المسلطة عليه على استهلاك الماء والكهرباء والهاتف والعتبة وحق الجولان في بنية أساسية وشبكة طرقات ومسالك توزيع مهترئة تفتقر لأكثر مواصفات وشروط السلامة، في بلاد مقبلة على تنفيذ اتفاقيات شراكة مع دول الإتحاد الأروبي ابتداء من سنة 2007، مقابل مضاعفة هذه الضرائب والأداءات كل عام،
من غير أن يرى بعدها أثرا يذكر على تلك البنية الأساسية. فالطرقات ـ وفي جانب كبير منهاـ هي هي. وهي التي في جانب منها مازالت تلك التي مدها المستعمرون الفرنسيون لبلادنا فيها لنقل أكثر ما يمكن ـ في إطار حركة النهب الإستعماري لثرواتنا ولعقود من الزمن ـ منها الى حيث ينتفع بها من ليس له حق في الإنتفاع بها. والى حيث تصنع الأسلحة التي يقتلون بها أبناء شعبنا، وكذلك الجسور والموانئ والمطارات ـ عدى بعض الإصلاحات والإضافات القليلة التي لا تفي الى الآن بالحد الضروري لتسهيل تنقل المسافرين ونقل البضاعة، قياسا دائما لما كان يجب أن يكون عليه الوضع في إطار الزمن، وقياسا للإعتمادات المالية التي من المفروض انه يتم رصد ها لها، والتي من المفروض أن يكون دائما لمستعمليها القسط الأكبر منها ./
فكل هذه العوامل الواقعية التي نعيشها معرقلة في الحقيقة لبرامج التنمية، وليست عوامل إنجاح ودفع وتحسين لها، رغم المجهودات التي تبدو مبذولة باتجاه انجاحها . ولكن الفساد المالي والإداري، وإسناد المسؤوليات على أساس الولاء الحزبي، وليس على أساس الكفاءة والحرفية والصدق والإخلاص والقدرة على الإبداع ،هو الذي يأتي على رأس أسباب فشل برامج التنمية في مختلف قطاعات الإنتاج في بلادنا.
ومما يزيد برامج التنمية ضعفا تلك الأرصدة المالية المجمدة بالبنوك التي يعمل أصحابها على تجنب المغامرة، بروح لا وطنية، وبعيدا عن المسؤولية، وبانتهازية وأنانية فائقة، في إدخالها في الدورة الإقتصادية مباشرة، في توق الى اكتفاء بالربح ألربوي المحرم السهل الذي تدره عليهم كل يوم أو كل شهر أوكل سنة. أو باستثمارها في قطاعات غير منتجة وغير مفيدة للإقتصاد الوطني ( كقطاع البناء لغرض الإيجار مثلا وغيره من القطاعات…).
هذه الأموال التي كان يمكن أن يوجد من التشريعات بعيدا عن الموروث التشريعي الرأسمالي الإستعماري الضامن للملكية الفردية والمقدس لها ما يجيز للدولة أن تتدخل لتفرض ـ إذا لزم الأمرـ على أصحابها إلحاقها بدورة اقتصاد البلاد على غير النحو السلبي الموجودة به، وإدراجها في برامج التنمية في مشاريع وقطاعات منتجة تعود بالنفع على البلاد والعباد، وفق دراسات علمية تتوفر لها بها كل أسباب وشروط النجاح. وأن تصادر منهم إذا لزم الأمر فوائدها وأرباحها وإيراداتها للصالح العام، أواعطائهم حق التمتع ببعضها مع الإحتفاض لهم بحقهم في الأصل و ضمانه لهم وفق صيغ قانونية محددة. لأن اكتفاء الدولة بجمع الضرائب والجباية والآداءات والمكوس بعد وضع الإقتصاد بين يدي الرأسمال الوطني والأجنبي ،وعدم تدخلها في ما زاد على ذلك، يكتسي مخاطر كبيرة يمكن أن تكون هي المتضررة فيها بالدرجة الأولى، ومن ورائها في النهاية المجموعة الوطنية كلها، في صورة امتناع أصحاب هذه القطاعات وغيرهم ، وفق صيغ قانونية أوغير قانونية، عن دفع الضرائب والآداءات والجباية. أو هجرة هذه الرساميل الى مناطق وجهات أكثر استقرارا وأوفر ربحا، ويلحق الضرر بذلك الوطن والشعب كله.
إن سياسة نظام اقتصاد السوق عموما، لا يمكن أن يتحقق بها في أوطاننا ما يتوهم البعض إمكان تحققه في العالم الغربي الذي كانت الدولة فيه من إنتاج الطبقة الرأسمالية صاحبة الرأسمال الخاص والمالكة للقطاع الخاص والذي كان سابقا لنا في ذلك بقرون من الزمن. والذي أقام قواعد حياته الإجتماعية وأوضاعه الإقتصادية على ذلك الأساس منذ البداية، بعيدا عن كل منافسة اقتصادية أو حضارية أقوى منه،أو لها عليه إشراف أوتأثير مباشر أو غير مباشر الى حد الوصاية عليه، مثلما هو عليه الحال عندنا. وبذلك لا يمكن أن يتحقق لنا من خلاله برنامج تنموي حقيقي وناجح في ظل استفحال أزمة ثقة تسود المجتمع المحلي الداخلي والدولي كله. وفي ظل أزمة ثقة تحكم الحاكم والمحكوم. وتفشي عقلية الرغبة في الربح السهل، على قاعدة الغاية تبرر الوسيلة، واستيلاء ظاهرة النهم والجشع على الأنفس، واستشراء ثقافة الطمع والخوف بين الناس.
فلا تنمية حقيقية بدون حرية حقيقية وأمن واستقرار حقيقيين وبدون قطاع عام في ظل نظام ديمقراطي مستكملا لكل شروطه في التعددية الحزبية وحرية الإعلام والصحافة والتعبير واستقلال القضاء والتداول السلمي على السلطة وصيانة وضمان حقوق الإنسان.
بقلم : علي محمد شرطاني
قفصة  – تونس

http://www.blogger.com/post-edit.g?blogID=1925505757714215230&postID=8093270639922765474

طه عبد الرحمن في «روح الدين» وحماية الدين من»الإسلام السياسي» في أزمنة التغيير

طه عبد الرحمن في «روح الدين» وحماية الدين من»الإسلام السياسي» في أزمنة التغيير
السبت ٢١ يوليو ٢٠١٢
 
كنتُ مُوقناً منذ قرأت كتاب طه عبد الرحمن:» سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية» قبل أكثر من عشر سنوات، أنّ الأستاذ سيكتب كتاباً في فلسفة الدين؛ وبخاصةٍ أنه أَنْهى «سؤال الأخلاق» بورقاتٍ عنونَ لها بفلسفة الدين. وكُتُب الأستاذ عبد الرحمن كتب حياةٍ ومُعاناةٍ وتحقُّقٍ و»تزكية» بحسب تعبيره، ولذلك فإنها تتأخر في الصناعة، وتتأخَّر في الصدور. لكنها عندما تصدر فإنها لا تترك مقالاً لقائلٍ فيما هي بسبيل بحثه واكتناهه. ولأنها كتب رياضةٍ وتزكية؛ فإنّ القارئ الفاهم لا يبحث فيها عن المعارف الحديثة المعروضة- رغم أنها جمّةٌ ومبسوطةٌ-، بل يكونُ التامُّلُ في العمق الجديد/ القديم والأصيل لهذه التجربة الغنية والهائلة على مدى العقود الأربعة الماضية.
مشكلة طه عبد الرحمن وإشكاليته كانت وما تزال مع ثقافة التدهُّر التي تسودُ العالم منذ آمادٍ وآماد، وهو يرمُزُ إليها بالعلمانية، ويصفها بالضيق والمحدودية والقصور؛ وتقابُلها عنده أخلاق الثقة التي ينشرها الدين، وهو يسمّيها الائتمانية، أو أنه عالَمُ الأمن والأمان القائم على التواصُل بين قطبي الغيب والشهادة في الوجود الكوني والإنساني.

يبدأ الأستاذ طه عبد الرحمن كتابه الجديد: روح الدين(2012) ببابٍ في الوجود الإنساني المزدوج بين عالمي الروح والمرئي. فالإنسان كائنٌ مُتَعَدٍ ومشترك في الأصل والفطرة. وبذلك فإنه يختلف في خطته لهذا الكتاب عن خطته لكتاب الأخلاق، والذي كان قد بدأه ببحثٍ في تأصُّل الأخلاق على الدين. بيد أنّ هذا الاختلاف المنهجيَّ ما يلبث أن يتضاءل عندما يصير إلى قراءة «العمل الديني وممـارسة التشهيد» بمعنى الشهـادة بالأُلوهية والشهادة بالوحـدانية، والعهد بالتعبُّد (= أَلَسْتُ بربكم). فالتكامُلُ – وليس الأزدواج-هو أساسُ هذا الأمر الوجودي الإنساني، وهنا يتجلَّى ذاك اللقاء الكبير مع الأخلاق في سَعة الائتمانية. والذي أعنيه بهذه المسألة القيمية والأخلاقية، أنّ الأستاذ – وبعكس كتبه الأُخرى التي تتميز بالتورُّع والتجريد – سُرعان ما يدخل في موضوع» العمل السياسي» وكيفيات ممارسة التغييب،( أو لم يكتب أرسطو السياسيات بعد الأخلاق؟). والتغييب هو استبعاد العامل الروحي والتزكوي لصالح حُبّ التسيُّد(= التسلُّط) وشهواته. وهذه هي علة قصور العلمانية ومقتلها. فالعلمانية تعتبر التدين وضعاً يتعلق بدواخل الأفراد، فتُدخل العمل الديني في الدائرة الخاصة، وتترك الدائرة العامة مجالاً للعمل السياسي. ويؤدي ذلك بوعيٍ أو بدون وعي إلى أمرين يفترضان مستحيلين: التسيُّد أو التربُّب باعتبار التفرُّد، ونفي التدبير عن الدين، والتعبُّد عن السياسة. والحقُّ كما يراه الأستاذ عبد الرحمن أنّ هناك تداخُلاً بين الدين والسياسة، باعتبار أنّ الدين نهجٌ أخلاقيٌّ تزكويٌّ يشكّل وازعاً في التدبير الدنيوي والسياسي يُخرجُ من أَوهام التسيُّد، كما أنّ السياسة أو تدبير الشأن العامّ، إنما تُصبح إنسانية وحسْبيةً في الوقت نفسه إن تواصل في نطاقها الروحي مع المرئي والمادي والعامّ. ومن هنا يأتي اعتراض الأستاذ على الشعارات السائدة بين الإسلاميين اليوم من مثل الإسلام دينٌ ودولة، والإسلامُ دينٌ ودنيا، والدولة الإسلامية دولةٌ مدنية. فالدين نهجٌ روحي وأخلاقي أو أفقٌ في رؤية العالم وتدبيره، وليس فرضاً من خارج على الدولة وإدارة الشأن العام. وبهذا المعنى لا يصحُّ افتراضُ التمايُز بين الدين والدنيا لأنّ هذا ليس هو الموضوع، كأنّ الدين هو الروحي، والدنيا هي المادّة. وبهذا المعنى أيضاً لا يصح اعتبار الدولة الإسلامية مدنية أو حتّى دينية. فهذه جميعاً مقولاتٌ المقصودُ بها أن تكونَ ردَّة فعلٍ على تحديدات العلمانية وتسلُّطاتها وانفصالياتها. في حين تسير حياة المسلم بسلاسةٍ وتواصُلٍ بين الخاصّ والعام، والروحي والمادي، وتكونُ أخلاق التورُّع والتزكية حائلةً دون التسيُّد ودون اعتبار الدين قانوناً يُفرضُ من الخارج. وللأستاذ في هذا المجال الرحْب اجتهاداتٌ مُختلفةٌ بشأن مصطلحي الحكم والأمر والحاكمية والآمرية، يخالف فيها مصطلحات الإسلاميين وأفهامهم، ومصطلحات خصومهم وأفهامهم.

وإذا كان الأستاذ قد نقد رؤية الحاكمية أو نظريتها لدى الإسلاميين السُنّة باعتبارها ردّة فعلٍ متشنجة على العلمانيين، واعتبار الدين قانوناً مفروضاً من خارج(= نوموقراطية؟)؛ فإنه ينقد أيضاً وبقوة مبدأ تفقيه السياسة أو رؤية ولاية الفقيه. فالمشكلة في نظره ليس أنه لا يجوز أن تسود قيم الدين وأحكامه في الدولة والمجتمع؛ بل في أنّ» الفقيه الصناعي» (ولهذا التعبير عنده فذلكة طويلة) يستمد شرعيته في «الولاية العامة» باعتباره نائباً عن الإمام، وفي أنه يحصر مهمته في «تطبيق» أحكام الشريعة باعتبارها قانوناً هو المختصُّ دون غيره بتطبيقه. وهكذا فإنّ نزعة التسيُّد أو التربُّب أو التسلُّط تسودُ لدى إسلاميي أهل السنة والشيعة في الأزمنة المعاصرة، فلا يختلف الأمر كثيراً عن نزوع التسيُّد والتحكُّم لدى علمانيي الدول القومية والوطنية.

يحاكم طه عبد الرحمن العلمانيين والإسلاميين إذن معاً إلى مفهومه الصوفي أو التزكوي أو الأخلاقي للدين. يقول للعلمانيين إنّ الإنسان كائنٌ دينيٌّ أو أخلاقيٌّ، يتلاقى فيه الروحي والمادي. ولأنّ العلماني يريد اجتثاث الدوافع والوشائع الدينية والأخلاقية من المجال العام؛ فإنه يدهّر المجتمع والدولة، ويدفع باتّجاه سيطرة نزعة التسيُّد والسلطوية التي لا تستقيم معها الحياة الإنسانية الخاصة والعامة. ويقول للإسلاميين المعاصرين سنةً وشيعةً إنّ الدين- بخلاف ما يقوله العلمانيون – له وظائف تدبيرية، لكنها تستند إلى دوافع أخلاقية وتزكوية، بينما هم يحوّلون الدين إلى قانون يستخدمونه (باسم الله أو الإمام أو الشريعة) للاستيلاء على الدولة والمجتمع. وهو يخوضُ طويلاً في التفرقة بين»الفقيه الحي»، والفقيه الصناعي»، وفي التاريخ والحاضر. والفقيه الصناعي هذا هو الذي حوَّل الدين إلى رسومٍ وقوانين وأوامر للتنفيذ بعيداً عن أخلاق التصفية والتزكية. وبذلك فإنّ نقده( وهو هنا وللمرة الأولى يتعاطى مع السياسة المباشرة أو إدارة الشأن العام) هو نقدٌ منهجيٌّ وأخلاقيٌّ يشبه في منحاه القديم نقد الغزالي للفقه والكلام في الأزمنة الكلاسيكية. أمّا في الأزمنة الحديثة فإنّ نقده هذا يشبه نقد التأويليين لعقلانيات وماديات القرنين التاسع عشر والعشرين.
لقد أذهلتْني مقاربة الأستاذ طه عبد الرحمن النقدية والتي مضت إلى أبعادٍ ما بلغها أحدٌ من قبل. ولا أُريدُ في هذه العجالة مناقشة مفهومه للدين، ولا العالم المصطلحي الذي بناه بصبرٍ ودأَب ( لأنه لا مشاحّة في الإصطلاح)؛ بل لديَّ مسألتان أرى أنهما بالغتا الأهمية. تتصل الأُولى بمفهوم الولاية عنده،وتتصل الثانية بمفهومه للسياسة وعلائق السياسة بالتعبُّد والاحتساب. لقد وقع المتكلمون والفقهاء المسلمون في مزالق كثيرة، لكنهم في كلِّ الأحوال- وبخلاف المتصوفة- ما زلُّوا في فهم الولاية والولاية العامة. فالمتكلم كسر إلى الأبد نزعة التسيُّد بمقولة التنزيه. والفقيه تنكَّر لكلّ ولايةٍ سلطويةٍ بالقول إنه معنيٌّ فقط بتنزيل الأحكام على الوقائع استناداً للكتاب والسنة والإجماع. أمّا كبار العارفين من الصوفية، ومن «ختم الأولياء» للحكيم الترمذي، وخلع النعلين لابن قسي، وإلى «التدبيرات الإلهية للمملكة الإنسانية» لابن عربي؛ فإنّ الولاية عندهم لا تقلُّ هُولاً عن ولاية الإمامة المعصومة عند غُلاة الشيعة. وهي في الفناء والبقاء تسيدية وخلودية في الله وعلى الأرض. وليس صحيحاً أنّ التشيُّع الصفويَّ( وحتى العلوي عند شريعتي) رفض التصوف والصوفية؛ بل إنّ الولاية التكوينية المليئة بالاسرار ظلّت مستند أهل العرفان من السُّهروردي والشيرازي وميرداماد وإلى الخميني.
ولنصل إلى السياسة والسلطة. لا شكَّ أنّ منظومة القيم القرآنية تتضمن جوانب تدبيرية. إنما الاختلافات هنا هي اختلافاتٌ مجاليةٌ إذا صحَّ التعبير. فالدين قائمٌ على دخلنة القيم لدى الأفراد. والمجتمع يحتضن الدين والشريعة في الشؤون التعبدية والحسْبية والتدبيرية. وقد استشهد الأُستاذ طه عبد الرحمن بمختصر» الرعاية لحقوق الله» الذي وضعه عز الدين ابن عبد السلام لكتاب المحاسبي(- 243هـ). والمحاسبي يقول إنّ العقل غريزة. والناس يتساوون فيها. وإذا كان العقل الفردي له سلطةٌ تدبيريةٌ على الأفراد؛ فإنّ» عقل الجماعة» أو العقل الجمعي له سلطةٌ تدبيريةٌ في نطاق الجماعة. وهكذا تكون السلطةُ، سلطةُ «العقل عن الله»- بحسب المحاسبي- شائعةٌ في الجماعة، وتكون الجماعةُ هي مصدرها في تدبير شأنها المصلحي والعام، وليس في الشأن العبادي المستند إلى الوحي المباشر. إنّ الصلاةَ تنهى عن الفحشاء والمنكر بما تؤدّي إليه أو تدفع باتجاهه لدى الفرد، أما الشأن السياسيُّ العامُّ فهو حقٌّ بحتٌ للجماعة، لأنه شأنٌ مصلحيٌّ مُدْرَكٌ من سائر الناس بعقولهم، وهم يمارسون حقَّهم في إدارته، ولديهم الوازع الديني والأخلاقي والحسْبي. فالجوانب التدبيرية أو العامة أو السياسية في الدين هي بهذا المعنى، أي أنها إمكانيةٌ وأفقٌ واختيار،، وليس أنّ الإسلام/ الدين يملك نظريةً أو مذهباً محدَّداً في ممارسة السلطة أو التدبير كما يقول الإسلاميون الذين يريدون السيطرة على الناس بحجة تطبيق الشريعة. وهذا الأمر هو الذي جادل فيه إمامُ الحرمين الجويني(-478هـ) الماوردي( -450هـ). المارودي قال في» الأحكام السلطانية» إنّ الإمامة واجبةٌ بالعقل والنقل. والجويني قال له: بل هي واجبةٌ بالإجماع دون غيره، لأنّ السلطة التدبيرية هي حقُّ الجماعة. ثم أضاف: إنّ موضوع الإمامة هو موضوعٌ مصلحيٌّ وليس موضوعاً تعبدياً، ولذا لا شأن للمتكلمين به، بل هو شأن الفقهاء! وقد ذكر الأستاذ طه عبد الرحمن في حاشيةٍ في «روح الدين» إنّ رؤيته في «الولاية» والأخلاق التزكوية لا تختلف على نحوٍ ما عن نظرية محمد مهدي شمس الدين في»ولاية الأمة على نفسها». وأنا أرى أنّ رؤية محمد مهدي شمس الدين هي أصلٌ في هذه المسألة، أي أنّ الأمة هي صاحبة السلطة أو مصدرها، وبدون توسُّطٍ من أيِّ شيئٍ أو شأنٍ آخَر. وما دامت كذلك وهي الملتزمة بالوحدانية والعهد والشريعة، فلا يمكن أن تكون تسيدية أو تسلطية. فيا أيها الأستاذ الكبير: لو أنّ محمد مرسي أو الغنوشي أو بنكيران أو البشير..الخ قالوا لنا إنهم آتون للتدبير بمقتضى الأخلاق التزكوية التي أورثهم إياها التريُّض بقيم الإسلام، فهل يكون علينا القول بولايتهم؟! لا سلطة ولا تدبير في الشأن العامّ إلاّ لجماعة المسلمين. أمّا الدين وشريعته وأعرافه المستقرة فهي أمانةٌ لدى المجتمع نفسِه، والشريعةُ مطبَّقةٌ بحذافيرها من خلال دخلنة المجتمع لتعبدياتها وحسبياتها، ولا نحتاج – نحن أمة محمد- إلى هذا أو ذاك ليفرض علينا تطبيقها!

لا خطر على الدين من العلمانية والعلمانيين وسائر المتدهّرين الآن. وإنما الخطر من هذا التسييس للدين، والذي صارت له أحزابٌ اخترعت نظريات طويلة وعريضة طوال العقود الماضية، وكسبت جمهوراً عريضاً من طريق المعارضة لأنظمة التسيُّد الخالدة . وها هي تبرز في أزمنة الثورات، وتكسب أصوات الجمهور، وتُمعنُ في استخدام الدين بشعاراتٍ مُوهمة وشعبوية. فالذين عندها أيديولوجيا والمرشد قائمٌ على هذه الأيديولوجيا. وهذا خَطَر يتهدد الدين ووحدة المجتمعات بأشدّ الأخطار.

كتاب طه عبد الرحمن في فلسفة الدين كتابٌ عظيم. ويكون علينا العمل بجدّ على صَون أدياننا في أزمنة التغيير. ونحن واثقون بضمان الله عز وجلّ ورسوله صلوات الله وسلامه عليه أنّ السبيل الحقَّ هو سبيل المؤمنين، وأنّ أمتنا لن تجتمع على ضلالةٍ لا في الدين ولا في الدنيا!

رضوان السيد
http://alhayat.com/Details/420033

الاثنين، 30 يوليو 2012

ليطمئنّ عقلي - سامي براهم

هذا المقال نشر  في جريدة الصباح سنة 2008 عندما نشر الدّكتور محمّد الطالبي كتابه المثير للجدل المعنون بـ ليطمئنّ قلبي و الذي رد فيه على من اعتبرهم انسلاخسلاميين أي خارجين عن الإسلام بتأويلاتهم التي اعتبرها من خارج نسقه ... ننشر المقال لنبحث عن نسق تطور أفكار الرّجل و الخيط الناظم في فكره و عن أصالة اعتقاده في أنّ دينه هو الحريّة ... و ذلك بمناسبة تعيينه مديرا لبيت الحكمة ... 

 ليطمئنّ عقلي 1 من 2
بقلم: الأستاذ سامي براهم (*)

ليس من باب المزايدة على الدّكتور محمّد الطّالبي أن أعنون مقالي في التّعليق على كتابه "ليطمئنّ قلبي" بعنوان "ليطمئنّ عقلي" فلا يخفى على كلينا أنّ فلسفة المعرفة في الثّقافة العربيّة الإسلامية تأسّست على أن لا تعارض بين حقائق العقول وحقائق النّقول فالحقّ لا يضادّ الحقّ ولذلك ألّف المسلمون في درء التّعارض بين العقل والنّقل موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول وما بين الحكمة والشّريعة من اتّصال وتحدّثوا عن موقع القلب في عمليّة التعقّل لترجمة المعرفة العقليّة إلى فيض من الدّفق الشّعوري الدّافع للعمل والمعاملة والسّلوك المفضي إلى النّجاة في الدّنيا الآخرة.

غير أنّ القلب المتقلّب إذا لم يُكبح بلجام من عقل عاقل انزاح عن العدل والإحسان إلى التشهّي وإرضاء نوازع الذّات. ويحضرني في هذا السّياق ذلك الموقف اللافت الذي وقفه علي بن أبي طالب في إحدى المعارك إذ بصق عليه خصمه في المعركة فأعرض عنه وهو على منازلته قادر فسُئل عن ذلك فقال خشيت أن أقتله انتصارا لنفسي، ففي موقف مثل هذا قد تختلط فيه الغرائز ونوازع الذّات وأهواؤها وقناعات العقل والانتماءات فضّل عليّ بن أبي طالب الإعراض عن ردّ الفعل خشية أن تخالطه شبهة هوى من نفس منجرحة تبحث عن إشفاء الغليل والانتصار للذّات عوض الانتصار للمبدأ فلا يكون خالصا لله .

لا إكراه في النّقد

لقد حضرتني الكثير من الأسئلة وأنا أقرأ كتاب الأستاذ الدّكتور محمّد الطّالبي "ليطمئنّ قلبي" تتمحور حول منهج النّقد العلمي للأفكار وذلك ما درسناه طيلة سنوات في قسم الحضارة التاّبع لشعبة اللغة والآداب والحضارة العربيّة بكليّات الآداب بالجامعة التّونسيّة وهو قطعا مخالف لما ورد في كتاب الأستاذ الطّالبي بل مناقض لما درّسه هو نفسه لطلبته وما أشاعه في كتبه ومقالاته ومساهماته في النّدوات من روح التعقّل والضّبط وأخلاق النّقد. لقد جاء هذا الكتاب حسب ما أعلن كاتبه بقصد إرضاء الضّمير والشّهادة بالحقّ على ما عدّه خطّة لتدمير الإسلام من داخله من طرف زمرة وسمهم بالصّفات التّالية: "المتقنّعين بقناع الإسلام، الكافرين به، المنافقين، المداهنين، الكائدين، المتستّرين، الكذّابين، البُهتانيّين، المندسّين، الدسّاسين، الغشّاشين، المخادعين، الماكرين، الوقحين، المخاتلين، المزوّرين، المموّهين، الملبسين، المضلّلين، الغاوين، المغوين، الهمزة، اللمزة، المنسلخين عن الإسلام"! والعبارات وردت جميعها في ثنايا الفصول الأولى من الكتاب في صيغة الفعل أو الاسم مفردا أو جمعا فحقّ على هؤلاء حسب الأستاذ الطّالبي مدلول الآية :

"وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) الأعراف 7.

وقد ورد في تفسير الرّازي "يقال لكلّ من فارق شيئاً بالكلية انسلخ منه. وسواء قولك انسلخ وعرى وتباعد، وهذا يقع على كل كافر لم يؤمن بالأدلة، وأقام على الكفر... وأيضاً فقد ثبت بالأخبار أن هذه الآية إنما نزلت في إنسان كان عالماً بدين الله تعالى، ثم خرج منه إلى الكفر والضلال.

وهذه الآية كما جاء في تفسير الرّازي "من أشد الآيات على أصحاب العلم، وذلك لأنه تعالى بعد أن خص هذا الرجل بآياته وبيّناته، وعلّمه الاسم الأعظم، وخصّه بالدّعوات المستجابة، لمّا اتّبع الهوى انسلخ من الدين وصار في درجة الكلب .. "!

أيّ مورد يريد الأستاذ الطّالبي يا ترى أن يوردنا في فترة عصيبة من هذا الزّمن العربيّ الرديء الذي تتصارع فيه الطّوائف والملل والنّحل والأحزاب والايديولوجيّات تتنازع وتتقاتل على الشّرعيّة لإثبات الذّات عبر نفي الآخر؟

لقد نحت الأستاذ الطّالبي مصطلحا جديدا خاصّا بهذه الطّائفة من النّاس أطلق عليه الانسلاخسلاميين وكأنّ معجم الإقصاء والتّبديع والتّفسيق والتّكفير الذي تعجّ به كتب الجدل الدّيني والمذهبي والكلامي والسّياسي لا يفي بالغرض فنحتاج إلى تضخيمه بمصطلح أشدّ تعبيرا عن المفاصلة والمباينة بين أفراد المجتمع الواحد.

والطّريف أنّه علّل هذا الاختيار برفضه لمصطلح "مرتدّ" لأنّه يرفض أصلا حكم الردّة غير القرآني ويؤمن بحريّة المعتقد ويعتبر أنّ الانسلاخ من الإسلام حقّ من حقوق الإنسان بل هو يحترم المنسلخ عن الإسلام ويدافع عن حقّه في الانسلاخ عنه إذ ليس الإيمان بالإكراه ولا يجب أن نُرغم المنسلخ على التستّر والتّظاهر بالإيمان خوفا من حكم الردّة، لأنّ انسلاخه ممارسة لحريّته التي وهبها الله وهي حريّة التّعبير عن هذا الاختيار الانسلاخسلامي وحسب الأستاذ الطّالبي يجب أن تكون كاملة ومطلقة حتّى لا تبقى ذريعة للتّقنّع!

ولكنّ الأستاذ الطّالبي يرى أنّ النّفاق ليس حقّا من حقوق الإنسان لذلك آلى على نفسه كشف أباطيل هؤلاء المنسلخين المنافقين وخطّتهم المسيهوديّة المبيّتة لتدمير الاسلام من الدّاخل. وهو على قناعة راسخة أنّه " ليس طبعا الحقّ لأيّ إنسان أن يُدْخِلَ في الإسلام أو يُخْرِجَ منه من يشاء ليس له الحقّ في الحكم بإسلام هذا وتكفير ذاك، فالله بمفرده له الحقّ في أن يقول من المسلم. وحيث أنّ هذا الحقّ حقّ الله فنحن قد أوردنا قوله وقوله القول الفصل لا معقّب عليه"! وهو على قناعة راسخة أنّه لم يكفّر أحدا بل لا يتعدّى الأمر تطبيق أمر الله وإنفاذ إرادته في من لا يتوافق قولهم وسلوكهم مع المستفاد من قوله. وينسى الأستاذ الطّالبي في غمرة حماسه في الدّفاع عن قول الله أنّه يعرض ما فهمه هو من ذلك القول الذي لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن يكون مطابقا بشكل كليّ مطلق للمقصود الإلاهي الذي يبقى تحصيله عمليّة اجتهاديّة متواصلة. يذكّرني هذا التمشّي الحجاجي الذي يبدو في ظاهره منطقيّا بما وقع في إحدى النّدوات التي حضرتها حيث كان المحاضر يدافع عن حريّة المعتقد والضّمير والحقّ في وضع كلّ الثّوابت والمسلّمات موضع النّقد والتّساؤل والشكّ وإن أدّى ذلك إلى نقضها فقال له أحد الحاضرين بكلّ تلقائيّة وثقة أنت تطالب بالحقّ في الكفر فلا تصادر حقّنا في التّكفير! وكأنّه يصدر عن نفس المنطق الحجاجي للدّكتور الطّالبي الذي يعتقد أنّ الشاكّ أو المشكّك في الثّوابت ليس له أن يتمسّك بالانتماء إلى رابطة العقيدة الإسلاميّة بل هو أمام خيارين لا ثالث لهما: فإمّا أن يعلن كفره وخروجه عن الإسلام صراحة فتندرج أفكاره ضمن حريّة المعتقد وعدم الإكراه في الدّين واحترام المخالف، أو يصرّ على البقاء تحت راية الإسلام وتسويق آرائه تحت مسمّى الاجتهاد والتّجديد فتصدق فيه صفة المنافق والانسلاخسلامي واستحقّ من الأستاذ الطّالبي وكلّ مسلم غيور على الإسلام التّشهير والفضح والكشف عن النّوايا السيّئة وذلك بالنّسبة إليه فرض عين على كلّ مسلم قادر يستطيعه. ولا يكتفي الدّكتور الطّالب بذلك بل يصرّح في سابقة خطيرة أنّ " من رفض الشّهادة صراحة وعلانية باللسان بدعوى الاحتشام ... أو بدعوى أنّ الأمر بينه وبين ربّه لا يهمّ غيره وليس لغيره أن يسأله هل هو مسلم أم لا وأنّ ذلك من باب التجسّس والتدخّل في شؤون الغير والوقاحة فليس بمسلم " ممّا يستدعي حقّ كلّ فرد من المجتمع أو هيئة أو سلطة في التّفتّيش عن عقائد النّاس ومطالبتهم بالنّطق العلني الصّريح للشّهادتين ليتأكّد إسلامه وتنتفي عنه شبهة الكفر... عجبا للأستاذ الطّالبي كيف يتبنّى حريّة المعتقد باعتبارها مسؤوليّة فرديّة بين العبد وخالقه ثمّ سرعان ما يتراجع عنها كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثا.

بهذا المنطق المتهافت يريد الأستاذ الطّالبي أن يؤسّس معرفة علميّة نقديّة عن المختلف ويؤسّس لإسلام الحداثة والحريّة والمسؤوليّة والتّنوير والعالميّة ؟

ليس ما أوردناه من تحفّظ على منهج الأستاذ الطّالبي في مقاربة أدبيّات ما اصطلح على تسميته بالإسلاميّات التّطبيقيّة أو الإسلامولوجيا دفاعا عن هذه الأدبيّات أو تبنّ لأطروحاتها بالكليّة إذ نشترك معه في ملاحظة ما تنطوي عليه من ثغرات ومواطن ضعف وتهافت رغم ما أضافته من أبعاد جديدة لدراسة الظّاهرة الدّينيّة ولا سيما التّاريخ الإسلامي وعلومه ومعارفه وذلك بتوظيف مفهوم التّاريخيّة في ضوء جدليّة الفكر والواقع، ولكنّا نتمسّك إلى أقصى الحدود بمنهج النّقد الموضوعي القائم على آليّات تحليل الخطاب وتفكيك بناه الدّاخليّة وتمثّل مسلكه الحجاجيّ دون الخروج عن ضوابط الأخلاق العلميّة.

(*) باحث في الجامعة التونسية

(المصدر: جريدة "الصباح" (يومية – تونس) الصادرة يوم 9 مارس 2008)



ليطمئــن عقلـي (2 من 2)


بقلم الأستاذ: سامي براهم (*)

تنشر «الصباح» اليوم الجزء الثاني والأخير من مقال الأستاذ سامي براهم بعنوان ليطمئن عقلي.

× الدّاعيــــة والعالــــم

نحن نقدّر غيرة الأستاذ الطّالبي على الدّين ورغبته الملحّة في الدّفاع عن قيمه ومضامينه وحقائقه التي بدا له أنّ الانسلاخسلاميين أرادوا التّشويش عليها وتشويه صفائها، ومن باب إحسان النيّة في صدق طويّته لن نسلّط على مقاربته نفس المنهج الذي توخّاه مع خصومه من خلال البحث عن مقاصدهم الثّاوية في ضمائرهم والكشف عمّا في نفوسهم من أمراض أخلاقيّة ونوازع شرّيرة وعلاقات مشبوهة كانت دافعا وراء ما حوته كتبهم من أفكار، ولكنّنا مع كلّ ذلك نعتقد أنّ ترجمة شعور الغيرة على أيّ معتقد خاصّة إذا كان دينيّا على مستوى الخطاب تختلف باختلاف الموقع والوظيفة والوعي، فخطاب الدّاعية مثلا يهدف إلى التّرغيب عبر دفع المؤمنين إلى الأوامر والطّاعات، والتّرهيب عبر تحذير المؤمنين من النّواهي والمعاصي، ويمكن له في هذا السّياق أن يحذّر المؤمنين ممّا يعدّه خطرا على معتقدهم من كتابات أو أفكار وايديولوجيّات وفلسفات. ويختلف هذا الخطاب الدّعوي باختلاف وعي الدّعاة ومعرفتهم الدّينيّة، أمّا الدّعاة العامّة المقتصرين على الثّقافة النّقليّة التي غالبا ما تكون مذهبيّة شفويّة فينزعون عادة إلى خطاب طهرانيّ حدّيّ قائم على المفاصلة المانويّة والمباينة التّقويّة بين الخير والشرّ والايمان والكفر والطّاعة والمعصية فيكون خطابهم مشحونا بالأحكام الوثوقيّة المطلقة عل العباد والتّهديد والوعيد والفتاوى المسقطة والجنوح إلى الحكم الأقصى في مواجهة المخالف بنسبه إلى الكفر أو النّفاق أو الردّة أو البدعة والفسق في أهون الأحوال. أمّا الدّاعية المتشبّع بقيم التّنوير والتحرّر من الجمود على المنقولات فينزع إلى التّذكير عبر تحريك ملكة التّفكير وتجنّب الأحكام الحديّة خاصّة تلك المتعلّقة بما في ضمائر النّاس.

وقد أورد أبو حامد الغزالي في فيصل التّفرقة بين الإسلام والزّندقة ما نصّه:

 فإذا رأيت الفقيه الذي بضاعته مجرّد الفقه يخوض في التّكفير والتّضليل فاعرض عنه ولا تشغل به قلبك ولسانك فإنّ التحدّي بالعلوم غريزة في الطّبع لا يصبر عنه الجهّال ولأجله كثر الخلاف بين النّاس ... فالتوقّف في التّكفير أولى والمبادرة إلى التّكفير إنّما يغلب على طباع من يغلب عليهم الجهل".

هذا حال الدّعاة أمّا العلماء الباحثون المشتغلون بالمعرفة ونقد الأفكار فمجال اهتمامهم مختلف بشكل كليّ فلا تعنيهم نوايا أصحاب الأفكار التي يتناولونها بالنّقد والتّحليل ولا ينبشون في ضمائرهم إنّما قصارى ما يطلب منهم العلم تحليل الأفكار بكلّ تجرّد وبيان ما تنطوي عليه من صواب أو خطا من تماسك أو تهافت.  نعم يمكن لعالم النّفس أو المحلّل النفّساني أن يُخضع نصوصا ما إلى منهج التّحليل النّفسي ولكن ذلك بغاية الفهم والتّفسير لا الاتّهام والتّشهير وتبقى المقاربة النّفسيّة مجرّد مدخل جزئيّ قاصر عن الإحاطة بظاهرة التّفكير وإنتاج المعرفة، ويبقى للفلسفات والنّظريّات والمقاربات النّقديّة الكبرى - إذا ما تجنّبنا التّفسير التّآمري - أصالتها الذّاتيّة النّابعة من منطقها الدّاخلي القائم على ترتيب الأفكار والحجاج والخطاب بعيدة عن أن تكون انعكاسا آليّا لنوازع الذّات والمصالح .

وحتّى لا يكون كلامنا من باب المزايدة والتّسفيه لمقاربة الأستاذ الطّالبي الذّي نكنّ له الكثير من الاحترام والمودّة وندين له بالكثير من المقاربات التّجديديّة التّنويريّة في صلب التّفكير الإسلامي المعاصر نريد أن نحيله على محاولة جادّة في مناقشة نفس الأدبيّات التي تعهّدها بالردّ ونقصد بذلك ندوة الدورة السّادسة عشر لمجمع الفقه العالمي التي عقدت بدبي في دولة الإمارات العربيّة المتّحـدة بتـاريخ 9 - 14 / 4 / 2005 تحت عنوان: القراءات الجديدة للقرآن وللنّصوص الدّينيّة وذلك تحت إشراف الأمين العامّ لمجمع الفقه الإسلامي فضيلة الدّكتور محمّد الحبيب بلخوجة وقد شارك فيها عدة تونسيين بينهم الأستاذ محمّد الهادي أبو الأجفان، بمداخلة عنوانها " القراءة الجديدة لنصوص الوحي ومناقشة مقولاتها"، بالإضافة إلى ثلّة من الباحثين والعلماء من مختلف أقطار العالم الإسلامي. والملاحظ أنّ جميع هذه البحوث والمداخلات لم تنزع إلى تكفير أصحاب هذه القراءات أو وسمهم بصفة المنسلخين عن الإسلام الخالعين لربقته من أعناقهم بل اجتهدت بكلّ عناية في تفكيك آليّات هذا الخطاب ونقده وكشف ما انطوى عليه من ثغرات. وحسبنا دليلا على ذلك ما أورده الدّكتور أبو الأجفان سليل الجامعة الزّيتونيّة في مشروع اللائحة الذي اقترحه في ختام النّدوة، فرغم تنصيصه على ما في هذه القراءات من أخطار على الثّقافة الإسلاميّة فقد أورد من جملة توصياتها ضرورة توسيع الحوار مع أصحابها واتّخاذ وسائل مناسبة مثل عقد النّدوات والمناقشات لإرشاد ذوي القراءات الجديدة إلى التعمّق في دراسة علوم الشّريعة وتكثيف الرّدود العلميّة الجادّة وتشجيع المختصّين على قراءة كتبهم وأخيرا تكوين خليّة عمل تابعة لمجمع الفقه تؤسّس مكتبة لمؤلّفات هذه القراءات والرّدود عليها... تمهيدا لكتابة الرّدود والبحوث الجادّة.

* الانتماء إلى الملّة أو المواطنة

لعلّ أخطر ما في مقاربة الأستاذ الطّالبي حسب تقديرنا هو نكوصها عن قيمة المواطنة التي نشط خطاب النّهضة العربيّة منذ الطّهطاوي في ترسيخها في الفكر العربي واجتهد المفكّرون الإسلاميّون المعاصرون في تأصيلها باعتبارها رابطة بديلة عن الانتماء الملّي. بينما يصرّح الأستاذ الطّالبي أنّ "كلّ من يرفض أن يوجّه وجهه نحو القبلة ليس من أمّتنا وليس له أن يملي علينا كيف نضطلع بالحداثة وكيف نمارسها وكيف نتعامل معها" فالأمّة حسب فهمه هي أمّة المؤمنين المشهود لهم بصدق الإيمان والمقيمين للفرائض، هؤلاء وحدهم لهم الحقّ في الاضطلاع بدور النّهوض والتّحديث. وفي مقابل ذلك فإنّ " الذي لا يصلّي وينكر الصّلاة ولا نشاهده في صفوفنا على الصّراط المستقيم ليس منّا ولسنا منه وفرض عين على كلّ مسلم أن يؤكّد ذلك بوضوح... وكلّ من لا يسلك الصّراط المستقيم على النّحو الذي أمر به الله فقد انسلخ عن الإسلام بمحض إرادته " وانسلخ تبعا لذلك عن انتمائه إلى الأمّة، وبذلك يعود بنا الأستاذ الطّالبي إلى جدل حسبناه ولّى وانتهى - على الأقلّ في السّاحة الثّقافيّة والسّياسيّة التّونسيّة - حيث المواطنة فيه بدعة غربيّة لأنّها تساوي بين المؤمنين والملحدين والمختلفين دينيّا ومذهبيّا وسياسيّا وفكريّا في الحقوق والواجبات دون تمييز أو تفاضل أو محسوبيّة، شركاء جميعهم في البحث عن سبل نهضة الوطن ورسم السّياسات الكفيلة بنقله إلى الأمم المتقدّمة. لقد أصبحت المواطنة اليوم ولنعلنها بكلّ وضوح فرض عين سياسي وثقافي وديني بما تضمنه من حريّة المعتقد وحقّ الاختلاف والغيريّة والعيش سويّا ودخول جميع المتباينين في عقد ولاء اجتماعي سياسي لا يمنح فيه الانتماء الدّيني أو المذهبي أو الثّقافي أو السّياسي أو الجهوي أو العرقي... أيّ شكل من أشكال الامتياز أو التّفاضل في هيئة الانتظام الاجتماعي والقوانين المنظّمة له والوظائف الاجتماعيّة والسّياسيّة فذلك لا يتمّ بمقتضى ما يختاره أفراد المجتمع من عقائد وأفكار إذ الكلّ متساوون بحسب امتثالهم لما اتّفقت المجموعة على أنّه مصلحة عامّة. ويبقى للحراك الثّقافي والاجتماعي والسّياسي وما يحدثه من تدافع متكافئ وتنافس سلميّ نظيف دور إحداث التّراكم المعرفي وفرز الأطروحات المتماسكة وترشيحها عبر الإرادة الشّعبيّة للقيام بأدوار متقدّمة على غيرها من الأطروحات. ولكن أهمّ ما يوفّره هذا الحراك في ظلّ قيمة المواطنة هو التّواصل بين الفرقاء وما يؤدّي إليه من تجاوز التّباغض والتّدابر وسوء الفهم والاحتراب الدّاخلي، ثمّ تبادل الخبرات وما يؤدّي إليه ذلك من توسيع دائرة النّظر والاختيار والتّثاقف والنّقد الذّاتي والمراجعات. لا قيمة للثّقافة حسب تقديرنا إذا كانت سببا في تسميم الحياة الثّقافيّة والاجتماعيّة ولم تساهم في تحقيق السّلم والتكافل والتّواصل بين أفراد المجتمع وإن كانوا مختلفين.

× سياسة المكيالين ولاهوت قتل الحوار

" أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى" (سورة النجم الآية 21 ـ 22)

لم تقتصر مقاربة الأستاذ الطّالبي - القائمة على المفاصلة والمباينة - على الدّاخل الثّقافي فحسب بل تجاوزته إلى أصحاب الدّيانات الأخرى السّماويّة على وجه الخصوص في ردّ على المستشرقين وعلى البابا بونوا 16. والعجب من الأستاذ أنّه يحلّ لنفسه ما يحرّمه على الآخرين إذ أعاد صياغة كلّ الأفكار التي دحضها عن الإسلام لينسبها إلى الدّيانة المخالفة ورموزها. فكلّ ما نفاه عن نبيّ الإسلام من تهم كالها له المستشرقون نسبه إلى عيسى الذي جاء - حسب ما فهمه الأستاذ الطّالبي من آيات الإنجيل - ليضرم النّار في الأرض ويعمل فيها السّيف ويكره النّاس على الدّخول في الملكوت. أمّا بولس الرّسول فقد نال الحظّ الأوفر من المقاربة التّحليليّة النّفسيّة التي خصّصها لفهم ظاهرة الوحي النبوّة. والعجيب أنّه بذل قصارى جهده المعرفي في دحض هذه المقاربة النّفسيّة عندما تعلّقت بنبيّ الإسلام وما نسب إليه من صفات الهلوسة والتّخمير وفي مقابل ذلك بذل نفس قصارى الجهد لإلصاقها ببولس، فهو شخصيّة فصاميّة أصيب بضربة شمس قويّة أفقدته بصره فانهارت قواه الرّوحيّة والجسديّة ثمّ انخرط في حالة من الهلوسة، وجعلته بنيته النّفسيّة الفصاميّة يشعر بصدق المشاعر الدّينيّة غير العقلانيّة التي انتابته. ثمّ يكيل لبولس كلّ الصّفات البغيضة من قبح المظهر وقصر القامة وتقوّس السّاقين والعقد النّفسيّة والغمش الهستيري والجنون الدّينيّ والصّرع والمسّ من الجان والوسواس والكبرياء والغرور والعُجب وحبّ الظّهور والوقاحة.

ثمّ يفسّر الأستاذ بكلّ ثقة ما يعدّه المسيحيّون وحيا ضربا من الهلوسة التّخاطريّة فقد سمع بولس صوت ضميره الباطنيّ ويتساءل بكلّ عقلانيّة " من منّا لم يسمع قطّ في حياته صوتا من دون أن يرى شخصا؟... وليس من النّادر أن يسبق النّوم سماع أصوات ورؤية وصور... كلّ شيء بدأ بضربة شمس ومنها انطلق"

بهذه المضامين يؤثّث الأستاذ الطّالبي عنوان فصله لاهوت الحوار ونستغرب كيف يكون هذا اللاهوت مفضيا للحوار وقد انتهج خطاب السبّ والقذف لشخصيّة يقدّسها الطّرف المعنيّ بالمحاورة ونستغرب أكثر بأيّ منطق يسوّغ لنفسه إلصاق نفس التّهم التي ينفيها عن نبيّ الإسلام بشخصيّة دينيّة اعتباريّة في مقام بولس الرّسول عند المسيحيين؟؟؟ هو منطق لا يقوم حسب تقديرنا على العدل والانصاف المنهجي فضلا عن أنّه لا يؤسّس أخلاقا للحوار بين الأديان. لقد تراجع الأستاذ الطّالبي عن كلّ المضامين التّنويريّة التي أثّث بها ندوات الحوار بين الأديان ونشر بعضها في مجلّة لأفهم COMPRENDRE    أو إيسلاموكريستيانا التي كنّا نتلقّفها بكلّ شغف لنتطلّع إلى خطاب إسلاميّ جديد يؤمن بالمغايرة والتّعايش بين الأديان في كنف الاحترام المتبادل وتعميق التّجربة الرّوحيّة بالانفتاح في ما بينها.

ما الذي يفسّر كلّ هذه المفارقات في كتاب الأستاذ الطّالبي؟ هل هو الغضب من كتابات من أسماهم بالانسلاخسلاميين وتصريحات البابا بونوا 16 المثيرة للجدل عن الإسلام؟

لقد تساءل الأستاذ الطّالبي بكلّ حرقة الغيور على الدّين في سياق تعليقه على أحد آراء من عدّهم من الانسلاخسلاميين " كيف لا نعتبر قوله وقاحة في حقّنا ؟ كيف لا يثيرنا ولا يغضبنا قوله ؟ فهل كان ما دوّنه أستاذنا في كتابه "ليطمئنّ قلبي" استجابة لسورة الغضب التي انتابته فاختلّت موازين المنهج النقدي العلمي الذي طالما حرص هو وبقيّة الأساتذة الذين تتلمذوا عليه أن يدرّبونا عليه ؟ أليس مدلول الآية " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ " الأعراف (8) حاسما في الدّعوة إلى ضرورة انتهاج العدل مع الخصم وعدم مقابلة شنآنه بالمثل ؟ أليس إنتاج المعرفة ضربا من الشّهادة التي تستدعي من المفكّر أن يكون شاهدا بالقسط مخضعا كلّ هواجسه الفكريّة وخطراته المعرفيّة إلى ميزان العدل القائم على الضّبط والرّبط المنهجيّين والتنزّه عن الحميّة والنّزعة الانتصاريّة والدّفاعيّة وتنسيب الحقائق وموافقة صريح المعقول لصحيح المنقول؟

 لقد انتهج الأستاذ الطّالبي مسلكا خاصّا ليُطَمْئِنَ قلبه قائم على الخلط بين المعتقد الدّيني والعلم، بين الإيمان الدّينيّ ومنهج النّقد الموضوعي، أمّا ما نفهمه من سياق تجربة النبيّ إبراهيم من الشكّ إلى اليقين - وقد نسب له القرآن قوله " بَلَى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي " فهو: لا يَطْمَئِنُّ قلبي حتّى يطمئنَّ عَقلِي.

(*) باحث في الجامعة التّونسيّة

(المصدر: جريدة "الصباح" (يومية – تونس) الصادرة يوم 11 مارس 2008)
 _____________________
بمناسبة تعيين الدّكتور محمد الطالبي مديرا لبيت الحكمة ننشر هذا المقال لنثير السّؤال حول حقيقة اعتقاده أنّ الإسلام هو دين الحريّة ...

أصبح الأستاذ الطالبي رمزا للحرية و العقلانية و الحكمة و نسي الناس كتابه ليطمئن قلبي الذي كفر فيه الأستاذ عبد المجيد الشرفي و مجموعة من أساتذة و أستاذات الجامعة ... هذا الكتاب الذي كان ردة فكرية و أخلاقية و منهجية بأتم معنى الكلمة حيث اخترع مصطلحا اقصائيا عزز به معجم التكفير و التفسيق و التبديع و هو الانسلاخسلاميين ليدعم مصادرة الأفكار و الحق في المعتقد و حرية النقد و التاويل ... بل ذهب فيه إلى حدّ التعبير عن موقف حدي عقائدي من المختلف الديني من خلال قراءة دينيّة مذهبية للمسيحية لا تختلف عن ثقافة الملل و النحل في المدونة الوسيطة ... عجبا للنخبة كيف تنسى ... يبدو أنّ هجومه على احد رموز التيار الاسلامي التونسي شفعت له لدى لدى إكليروس الحداثة في تونس فكافأته على ذلك دون أن يقدم نقدا ذاتيا على نزعته التكفيرية التي اثرت في كثير من شباب الجامعة من ذوي الحماس الدينيالعاطفي.

الأحد، 29 يوليو 2012

(سورية ) الحرب الدعائيّة الكونيّة الكُبرى  أسعد أبو خليل

الحرب الدعائيّة الكونيّة الكُبرى


أسعد أبو خليل

ما جرى حول التريمسة كان مثالاً أخيراً. صيحات وصراخ في الإعلام الحريري والسعودي والقطري والغربي (وهو غزير في دفق دموع التماسيح) عن مجزرة مروّعة في التريمسة: موقع غربي يقول إنّ هناك أكثر من نحو مئة ضحيّة، فيردّ موقع عربي بالقول إنّ هناك أكثر من مئتيْن، أما موقع الأمير سلمان، «الشرق الأوسط» ـــ وهو واحدة من أكثر وسائل الإعلام بذاءة وسوقيّة وابتذالاً ـــــ فيقول إنّ هناك أكثر من 300 من الضحايا المدنيّين. كان الحديث عن نساء وأطفال، وبالطبع عن ضرورة تدخّل الناتو، وحديث عن الفصل السابع (على طريقة الصهاينة في حرب تموّز ــــ عندما تسمعون عن «الفصل السابع» تعلمون انّ إسرائيل هي في الخلف (أو المقدّمة) لأنّ أميركا لا تدعم «الفصل السابع» إلا إذا كان في مصلحة العدوّ. أقلام الليبراليّين لم تنتظر: دبّجوا مقالات مرهفة في الحساسيّة في الصحف اللبنانيّة وفي الفايسبوك عن النساء والأطفال في التريمسة.
وكنت أتلقّى منذ اليوم الأوّل استفسارات غاضبة من مؤيّدي المعارضة السوريّة في الخارج تستنكر عدم تعليقي على المجزرة الأخيرة. وكنت أردّ بأن التريّث واجب لأن كلا الطرفيْن في الموضوع السوري يكذب: لكن كذب المعارضة له ترديد دولي، وذلك لأنّ الإعلام الغربي يضخ كل ما يتلقّى، ومن دون سؤال، ما يرده من دكاكين إعلام معارضة الخارج في عدد من الدول العربيّة والغربيّة التي تتلقّى تمويلاً جزيلاً من عدد من الدول النفطيّة والغربيّة).

هيلاري كلينتون صرّحت بأنّ الدلائل حول المجزرة في التريمسة هي «دلائل قاطعة»، وطالبت بمزيد من العقوبات (هل لا تزال العقوبات سارية على أنيسة الأسد؟ ولماذا لا تطاول العقوبات الأوروبيّة شخص والدة أحمدي نجاد؟). نشرة «بي.بي.سي» نشرت قبل أيّام عدداً من التقارير عن أخبار مجزرة جديدة أسوأ من مجزرة حولا، وأنّ العالم ينتظر ردّ فعل. الكلّ أدلى بدلوه. إعلام «الجزيرة» و«العربيّة» كالعادة خلط بين صور قديمة وصور جديدة ليزيد من التحريض (لا نفهم مضمون الخطة التحريضيّة في إعلام قطر والسعوديّة؟ هل هم يظنّون أنّ المشاهد في قيادة الـ«ناتو» سيتأثّر بما يُشاهد ويتحرّك فوراً عطفاً على الشعب السوري العزيز على قلب كل حكومات الغرب. وقد سأل الصحافي العريق، تشارلز غلاس _ وقد قضى في ربوعنا سنوات مراسلاً ثم مخطوفاً _ عن سبب هذا الحب المفاجئ من الغرب للشعب السوري؟ سأل عن سبب عدم ظهور بوادر عن هذا الحب في السنين والعقود الطويلة؟).
لكن بعد يوم واحد من هذه الحملة الإعلاميّة العالميّة تغيّرت اللهجة كليّاً في الإعلام الغربي (إعلام السعوديّة وقطر لا يحتاج إلى أن يعدّل لأنّه يعتمد _ وخصوصاً في حالة «الجزيرة» بعد اندلاع الانتفاضات العربيّة _ على فرضيّة صحيحة: أنّ لا صدقيّة لديه كي يحافظ عليها). فجأة، نشرة أخبار «بي.بي.سي» غيّرت اللهجة واستضافت مراسلها في بيروت، جيم ميور، الذي نفى مزاعم المعارضة عن مجزرة التريمسة _ وزعم ميور هذا غير مؤكّد _ وقال إنّ رواية النظام السوري هي الرواية الأصحّ عمّا حدث في التريمسة. الـ«نيويورك تايمز» التي لم تصدّق أي رواية للنظام السوري منذ بدء الأحداث في سوريا، فجأة صدّقت رواية النظام السوري ودعمتها. ماذا حدث؟ وماذا سيحدث، ولماذا؟

في المقابل، يعيش إعلام ما يُسمّى «الممانعة» (لا تستقيم الممانعة بالموافقة على خطة السلام العربيّة التي وافق عليها النظام السوري) حالة من الهذيان. ضيوف من كل حدب وصوب يتحدّثون عن مؤامرة تجمع خيوطها بين الماسونيّة والصهيونيّة (وهناك من يزيد المثليّة) في حلقة جهنّميّة لا دلائل لها. والمؤامرات حقيقيّة طبعاً إلا أنّ تحليل المؤامرات وتفنيدها في إعلام «الممانعة» يفتقران إما إلى العقل أو الدلائل أو الاثنيْن معاً. وإعلام الممانعة مُصاب _ مثله مثل إعلام لبنان _ بالرجل الأبيض _ فتراه يبحث سعياً وراء أي رجل أبيض _ ولو كان معتوهاً _ لتأكيد ترّهات وخزعبلات تحاول أن تحوّل أولاد درعا إلى مجرّد أدوات عند هنري كيسينجر. وإعلام الممانعة يفنّد أكاذيب إعلام آل سعود وآل ثاني، وإعلام آل سعود وآل ثاني يفنّد أكاذيب إعلام الممانعة وليس هناك من يفنّد أكاذيب الطرفيْن (ومنظمة «سكايز» جزء لا يتجزأ من إعلام آل الحريري والسعوديّة، وقد قرّرت بشجاعة استثناء دول الخليج من تقاريرها، حفاظاً على التمويل).

يمكن القول من دون مبالغة إنّنا نشهد أكبر حرب دعائيّة في هذا العصر الحديث: هي أكبر من الحملة الدعائيّة التي سبقت حرب العراق في 2003. هناك إصرار على قمع أي صوت معارض. كل وسائل الإعلام الغربيّة (حتى تلك التي كانت لأمد قريب أكثر صدقيّة وأكثر تشكيكاً في نوايا الحكومات الغربيّة، مثل الـ«غارديان») تشترك في نقل رواية واحدة لا ثالثة لها في الموضوع السوري. كلّ من يطالب بالحرص على الصدقيّة والمهنيّة الصحافيّة يصبح تلقائيّاً شبّيحاً ابن شبيح (أو شبّيحة). عادة، عندما تنخرط الحكومات الغربيّة في مشروع سياسي أو عسكري محموم في منطقتنا، تطلع أصوات مُعترضة هنا وهناك، وخصوصاً في أوروبا، لأنّ الليبراليّة الأميركيّة جبانة وتخشى ان تظهر بمظهر المُشكك في جدوى استعمال القوّة. لم نسمع تشكيكاً إلا من قبل باتريك كوبرن في الـ«إندبندنت» البريطانيّة (أما روبرت فيسك، فهو مشغول على موائد وليد جنبلاط، يردّد ما صدر عن مكتب الحريري الإعلامي، والرجل فقد صدقيّته منذ سنوات). وقد نشرت الـ«غارديان» أخيراً تحقيقاً طويلاً عن صلات المعارضة السوريّة الخارجيّة بالحكومات الغربيّة، كما أنّها وثّقت تمويل الحكومة الأميركيّة لبعض إعلام المعارضة. في 2002، عندما كانت الولايات المتحدة تحضّر للحرب في العراق، ساد جوّ مشابه هنا في أميركا. كنتَ لو عبّرت عن تشكيك في صدق المزاعم الرسميّة الأميركيّة، ولو عبّرت عن وجهة نظر لا تتطابق مع وجهة النظر الأميركيّة، تتلقّى اتهامات بتأييد طغيان نظام صدّام وحتى بتأييد «القاعدة» (هناك جمهور مُحافظ عريض هنا في أميركا لا يرى فارقاً بين صدّام وإيران والقاعدة وحزب الله فيدمج بينهم). واجهتُ مرّة وزير الخارجيّة الأميركي الأسبق، جيمس بيكر، بعد محاضرة له وطالبتُ بمحاكمته كمجرم حرب، فاتهمني أمام الجمهور بأنّني داعم لصدّام. وبصورة مُشابهة، يسود في الإعلام العربي والغربي على حدّ سواء جو ضاغط وموبوء وينتشر على فايسبوك: لو شّكك واحد في أي من مزاعم إصدارات دكاكين المعارضة السوريّة الخارجيّة لتعرّض لاتهام أوتوماتيكي بـ«التشبيح» _ مرّة واحدة رماني بها بعض حركة 14 السوريّة.

ماذا يعني هذا؟ أنّ رواية النظام السوري (أو الإخوان) هي الحقيقيّة؟ قطعاً، لا. على العكس. نحن نعيش في صراع يمتّ بصلة صغيرة إلى سوريا: نعيش في أتون صراع إقليمي _ عالمي حول سوريا. وهذا الصراع هو أكبر بكثير من ذلك الذي دار حولها (وكتب عنه باتريك سيل) أثناء الحرب الباردة. نحن نتعرّض لكم هائل من الأكاذيب والخدع والتزوير. ليس كل ما يُنشر يُصدّق.

والنظام السوري له أيضاً باع في الكذب على الناس. كان السوريّون يتندّرون في ظلّ البعث بأنّ إعلام النظام لا يُصدّق إلا في أخبار الطقس وأسعار البندورة، وهناك من كان يدعو إلى التشكيك حتى في تلك الأخبار. وإذا لم يقم النظام بارتكاب مجزرة ضد مدنيّين في التريمسة فقد ارتكب في غيرها، لكن النظام يكذب بالتأكيد عندما يصرّ على أنّه لم يقتل مدنيّاً واحداً، وأنّ كل ضحاياه من الإرهابيّين. لم يقدّم النظام رواية صحيحة واحدة حول أحداث مؤكّدة سقط فيها مدنيّون ومدنيّات. وشاشة «الدنيا» وشاشة النظام السوريّ تمعن في إهانة ذكاء المُشاهد والمُشاهدة: ترفض ان يكون هناك معارض سوري واحد بريء من تهم العمالة والخيانة والارتزاق (ويلجأ جماعة معارضة الخارج إلى أساليب النظام نفسها في رمي التهم). والفبركة واختراع الأخبار سمة لإعلام الطرفيْن ايضاً: النظام السوري اخترع مقابلة مزعومة مع هنري كيسنجر فيها مديح لشخص حافظ الأسد (من الطريف لا بل من الاستدلال أنّ النظام يلجأ إلى شرعيّة أخلاقيّة من كيسينجر) وفيها اعتراف من قبله _ وهو في التسعين من عمره _ بإدارته للانتفاضات العربيّة. كما أنّ إعلام النظام روّج لمقابلات مُختلقة مع فنانين وفنانات (آخرها مع وردة الجزائريّة قبل موتها _ على ما أعتقد) يشيدون فيها ببشّار الأسد.
لقد أفصح ممدوح عدوان عن كذب النظام السوري في حديث نقله أخيراً صبحي الحديدي: «الأنظمة السياسية كذابة، لذلك لا يصدّقها (المواطن). لا يصدّق بياناً عن معركة، بخصوص عدد الشهداء، ولا يصدّق حتى درجات الحرارة القصوى والصغرى! الإعلام كمعبّر عن السلطة يكذب أيضاً. أنا أشتغل في إعلام أخجل منه لأنّه يكذب بهذا المقدار. يكذب بدرجة الحرارة. يكذب بإخفاء الكوليرا، هل هناك احد يخفي الكوليرا؟ يكذب بالتستير على اللصوص، وعلى التجار والمرتشين وشركائهم، ويشكك في وفيكم حين كنتم تقولون إن الفساد قائم... لماذا يكذب النظام؟ ولماذا يكذب الحزب؟ ولماذا تكذب فئة ما؟ الكذب ينطلق من الخوف، الخوف من الآخرين. والسلطات التي تكذب، هي سلطات تخاف الشعب، وتخاف أن يراها على حقيقتها».

ليس هناك مصدر واحد يمكن الركون إليه. الأحداث تتسارع والمؤامرة الكونيّة جاريّة (وهي ليست متعلّقة ببشّار على ما يريدنا جماعة النظام ان نصدّق). إنّ الحملة الدعائيّة الكُبرى هي جزء من حرب نفسيّة تخوضها أميركا (بتمويل عربي لأنّ نفط العرب وغازه سُخّرا منذ الحرب العالميّة الثانيّة لتمويل كل حروب أميركا القذرة، وبعض حروب إسرائيل ايضاً). والحرب النفسيّة هي الطاغية في كل وسائل الإعلام: الإعلام الغربي والعربي لم ينفكّ على مدى سنوات إدارة بوش وإدارة أوباما يهوّل بحرب حتميّة إسرائيليّة أو (و) أميركيّة. الكاتب الأميركي فرانكلين لامب (وهو مُفضّل في إعلام حزب الله _ يا للمفارقة) كان يعد بها بين شهر وآخر في سنوات بوش. الحرب النفسيّة تكون إما للتحضير للحرب، أو للتعويض عن عدم إمكان خوض الحرب: وهي الأخيرة في الحالة الأميركيّة على الأقل. يقلّل العرب من أهميّة حرب تمّوز: لم تعد إسرائيل تستسهل الضربات والغارات الدوريّة _ لا تزال تفعل ذلك في غزة، لكنّها حتّى هناك تتهيّب الحرب الأكبر.

ثمة سمات واضحة في الحرب الإعلاميّة الكونيّة الدائرة:
أولاً، هناك تطابق كامل بين وسائل إعلام قطر والسعوديّة ووسائل الإعلام الغربيّة. عناوين «القدس العربي» و«الشرق الأوسط» هي هي، وأحياناً تكون مُترجمة عن عناوين في الصحافة الغربيّة. توماس فريدمان يُنشر بالعربي، وصفحات الترجمة عن العبريّة باتت اجتراراً غير بريء للحرب النفسيّة التي يتقيّأها العدوّ.
ثانياً، ليست وسائل الإعلام المحليّة سيّدة نفسها. إنها تنفّذ أوامر أكبر منها بكثير. الأمير مقرن وحمد بن جاسم يُقرران مسار الإعلام العربي، لكنهما لا يفعلان ذلك من تلقائهما. ينسى بعض العرب دور المكتب الإعلامي الأميركي في دبيّ ودوره «التنسيقي» في الإعلام العربي.
ثالثاً، هناك احتقار تام للجمهور في إعلام الممانعة وفي إعلام المواجهة الصهيونيّة المُقابلة. الكذب والاختلاق والاختراع والتزييف والتلفيق والرياء صفات متلازمة لهذا الإعلام.
رابعاً، ليست المبدئيّة أو الانسجام الأخلاقي مهمّة عند أطراف النزاع. إعلام «المنار» _ وهي محطة تبشّر بالفضيلة _ ينشر تقريراً عن عائلة طلاس يتضمّن تعييراً أخلاقياً مبتذلاً ليس عن فراس طلاس وإنما عن شقيقته. وإعلام آل سعود يتناول آل الأسد مثلما تتناول صحافة الـ«تابلويد» هنا حياة المشاهير. طلاس كان حليفاً لحزب الله مثلما كان آل الأسد حلفاء للنظام السعودي لعقود طويلة.
خامساً، إنّ التقارب بين تغطية الإعلام الغربي والإعلام العربي يجب ان يزيل أوهاماً لا تزال عالقة في أذهان الجمهور العربي عن رصانة الإعلام الغربي الذي أثبت منذ 11 أيلول بالتأكيد انّه يستطيع ان يبزّ صحيفة «تشرين» في الولاء للحكومة، لكن في العالم العربي هناك من لا يزال يشير إلى بربارة والترز على أنّها «صحافيّة». وكل مراسل غربي يمرّ في بلادنا يُتعامل معه على أنّه رسول للمهنيّة والشطارة والمعرفة.
سادساً، لا مكان للإعلام الثالث في هذه المعركة: إنّه مرفوض من الطرفين ومن الجمهور أحياناً. إنّ أي ميل عن صراط صحافة هذا الخندق أو ذاك يعرّض الوسيلة الإعلاميّة لشتّى أنواع الاتهامات. الوسيلة الإعلاميّة _ أو حتى صفحات فايسبوك _ تنتمي بالقوّة إلى الفريق المعادي إذا توجّهت بالنقد إلى ذلك الطرف.
سابعاً، تكبر الأوهام حول الإعلام الجديد. هناك نوع من الترويج لوسائل الاتصال الاجتماعي على انّها البديل الحرّ. هي ليست كذلك أبداً، وخصوصاً في الشأنين اللبناني والسوري. تجد أفراداً في هذا الفريق أو ذاك يردّدون الشعارات المُعلّبة والمستوردة ذاتها من مركز القرار. الفرديّة هي الاستثناء وهي غير مُحبّذة لأنّ السير في القافلة مطلوب، وخصوصاً طائفيّاً.
ثامناً، لا تضمن المليارات التأثير المنشود في قولبة الرأي العام العربي. تنفق أميركا _ ومعها تابعاتها قطر والسعوديّة والإمارات _ كل هذه الأموال من أجل تغيير أهواء الرأي العام العربي، والنتيجة ضعيفة للغاية. رغم إصرار الجامعة العربيّة _ الواجهة العالميّة لمجلس تعاون النفط والغاز الخليجي _ على تمثيل الرأي العام العربي في حفلة عدوان الـ «ناتو» على ليبيا فإنّ استطلاع مؤسّسة «غالوب» يظهر أنّ أكثريّة الرأي العام العربي كانت معارضة للتدخّل هناك (طبعاً، أظهر الاستطلاع انّ في لبنان 29% ممن أيّد ضرب الـ«ناتو»، لكن هذا الفريق من اللبنانيّين كان مُسانداً للعدوان الإسرائيلي في تمّوز).
تاسعاً، نجحت وسائل الإعلام السعوديّة في ضخ الفتنة المذهبيّة. هذا السلاح كان ماضياً عند آل سعود، وقد دعمت إسرائيل وأميركا هذا التوجّه من أجل ضرب البيئة الداعمة للمقاومة في الوطن العربي. إن المُكابر وحده ينكر هذا النجاح السعودي الهائل (والمُدمّر).
عاشراً، فشل إعلام إيران وفريق ما يُسمّى «الممانعة» في الردّ أو في محاربة ضخ الفتنة السعوديّة. قد يعود سبب الفشل إلى الحقيقة الديموغرافيّة أو السمات الطائفيّة لأطرافه أو إلى ضعف الإعلام العلماني في الردّ على الإعلام الطائفي والمذهبي.
حادي عشر، ليس صحيحاً ان قدرة الأنظمة على التأثير هي قدرة تتقلّص بوجود وسائل إعلام حديثة. في العالم العربي، لا تزال نسبة استعمال وسائط التواصل الاجتماعي تتفاوت بين بلد وآخر (الأعلى في السعوديّة) لكنها لا تصل إلى ربع الناس أو عشرهم أحياناً. إن التلفاز هو الوسيلة الأبرز والمصدر الأبرز لتلقّي الأخبار وهو _ بنسبة 90% _ يخضع لسيطرة آل سعود وآل ثاني وشركائهما في الـ«بزنس».
ثاني عشر، إن الإعلام الغربي المُوجّه للشرق الأوسط والإعلام العربي (السعودي والقطري والحريري) لا يحترم أي فارق بين شركات الدعاية التجاريّة والإعلام. وبناءً عليه فإن شركات الإعلان (مثل «ساتشي وساتشي») تحوز عقود الترويج لاحتلال أميركا للعراق باللغة العربيّة ثم تحضّر وتروّج لـ «ثورة (حرّاس) الأرز»، ثم تخوض انتخابات 14 آذار، قبل ان تتلقّف الملف السوري.
ثالث عشر، يُخدع من يظن ان الشرائط على «يوتيوب» أو تلك الشرائط المُصوّرة عبر الهاتف هي أعمال فرديّة لا تخضع لتوجيه مركزي... حكومي، خارجي أو داخلي. إن توزيع الهواتف والكاميرات بات عنصراً من عناصر أساليب التأثير الأميركيّة، وقد استعانت به أميركا في «الثورة الخضراء» في إيران قبل أن تنقله إلى سوريا، باعتراف أطراف أميركيّين وسوريّين مُعارضين خارجيّين، (لكن هذا لا ينفي حقيقة القتل والتدمير والعنف من قبل النظام السوري).
رابع عشر، ينطبق على إعلام الأنظمة العربيّة _ كلّها وعلى النظام الإيراني _ المقولة القديمة: إن عقوبة الكاذب أنّه لا يُصدّق حتى عندما ينطق بالحقيقة.
خامس عشر، ليس صحيحاً أن التكنولوجيا تسهم في دمقرطة وسائل الإعلام. إن نشر جريدة في القرن العشرين كان أسهل (ماليّاً وعمليّاً) على المواطن العادي (إلا في لبنان والدول العربيّة حيث تخضع عقيدة «الامتياز» التي تخضع بدورها لسيطرة رأس المال الكبير والموافقة الحكوميّة) من فتح محطة فضائيّة في القرن الحادي والعشرين. إن وسائل الإعلام تزداد غرقاً في أحضان حكومات النفط والغاز في العالم العربي، وفي أيدي أصحاب المليارات (الذين نهبوا مالهم من خلال عقود فورة الاتصالات في التسعينيات وما بعدها).
سادس عشر، إن الإفراط في الصور والفيديو ومشاهد الحروب التي خاضتها أميركا وتلفزتها عبر العالم أحدث نوعاً من الخمول لدى المشاهد. هذا ما عناه الفيلسوف الفرنسي، جان بودرييار، في عنوان مجموعة مقالاته «حرب الخليج لم تحدث قط».
سابع عشر، تسهم الدعاية السياسيّة في ترسيخ وهم المساواة بين الأفراد حول العالم: أن الكل يستخدم وسائل الاتصال الاجتماعي ذاتها ويشاهد شاشات التلفزة نفسها، بينما هناك فارق بين المُتلقِّي والمُلَقِّن.
ثامن عشر، تصلح نظريّة المؤامرة لتفسير التناغم بين إعلام الغرب الاستعماري وإعلام النفط والغاز. «نيويورك تايمز» لم تقصد أن تفصح عن الكثير في 2003 عندما نشرت خبراً عن عمل الحكومة الأميركيّة على التنسيق مع «وسائل الإعلام العربي» في لندن لتوحيد الرسائل والمغازي والقيم السياسيّة في حروب أميركا. كيف لا تصلح نظريّة المؤامرة الصهيونيّة في تفسير ما يجري: مراسلة لجريدة عربيّة في واشنطن (وهي لبنانيّة) بدأت عملها الصحافي في المركز البحثي التابع للوبي الصهيوني (مؤسّسة واشنطن لسياسات الشرق الأدنى _ المؤسّسة التي دعت وليد جنبلاط ليكون خطيبها الأساسي في سنوات التخلّي عن التخلّي). كيف لا تصلح نظريّة المؤامرة عندما يكون رئيس جمعيّة بريطانيّة صحافيّة تعمل للدفاع عن إسرائيل في الصحافة البريطانيّة كاتب عمود (وباسم عربي) في «الشرق الأوسط». و«الخبير الأساسي» في المركز المذكور في الموضوع السوري، أندرو تابلر (الذي يعلم عن سوريا بقدر ما يعلم سعد الحريري عن لبنان)، كان يعمل مستشاراً لأسماء الأسد.
ليس من مهرب. نحن ضحايا. نتعرّض لقصف فضائي من كل حدب وصوب. القدرة على المقاومة صعبة: يجعلونك تتحسس عقلك وذاكرتك، لكن المشهد السائد غير حقيقي. كيف تستقيم حقائقهم أمام ناظرينا؟ هل ينطق حمد بن جاسم باسم العرب؟

http://www.al-akhbar.com/node/98290
* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا (موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)