السبت، 7 يناير 2012

في توازنات "الرعب الإعلامي" وشروطها

 
مقال في جريدة الحصاد عدد
17
وصفة لابد منها:
في توازنات "الرعب الإعلامي" وشروطها
د.سالم لبيض

سيقول البعض ما بال الرجل يتحدث عن الرعب وتوازناته وكأن الأمر يتعلق بحرب وسائلها غير تقليدية والحال أن المسألة في منتهى النعومة. ولكن الواقع غير ذلك تماما لأن حيوية الإعلام من حيوية المجتمع نفسه ولأن بعض القوى السياسية المتنفّذة تمارس الرعب الإعلامي بكل ما في الكلمة من معنى ، ولأن السياسة هي لعبة المصالح بامتياز ومن لا يمتلك منبرا إعلاميا لا يستطيع ممارسة السياسة في يوم الناس هذا، ومن لم يدرك تلك الحقيقة فلا باع له ولا ذراع في عالم السياسة حتى وإن توهم غير ذلك، ولأن بقاء أي طرف أو تيار سياسي أصبح مرهونا بحضوره وفعله الإعلامي بدرجة أولى وثانية وثالثة.. حتى أن الإعلام خلق كيانات وشخصيات سياسية لم تكن موجودة وطمس فعل أخرى رغم عراقتها ونضاليتها ومصداقيتها ووطنيتها.

لقد كان الرعب الإعلامي متأتيا من احتكار الدولة للمشهد الإعلامي في تونس وخاصة المرئي والمسموع منه منذ وراثتها للإدارة الاستعمارية، فهي الوسيلة الأكثر نجاعة في نشر أيديولوجيا الحزب المهيمن على الحياة السياسية وهو الحزب الدستوري الحاكم. ولقد تجلى ذلك الرعب في مناسبات عدة انحاز فيها الإعلام جملة أو بالأغلبية الساحقة إلى جانب القوى الحاكمة على حساب المجتمع وقواه الحية لاسيما حركاته الاجتماعية والاحتجاجية التي فجرت انتفاضات عدة عرفتها تونس إبان مراحل عديدة من تاريخها المعاصر ووُصفت بالتمرد والفوضى والخروج عن القانون. وقد تبدّى ذلك الرعب بأكثر وضوح إبان ثورة 17 ديسمبر وخلال التعامل الإعلامي معها إلى حدود سقوط حكومة بن علي يوم 25 فيفري 2011 على وقع اعتصام القصبة الثاني. ولم تتوان كافة وسائل الإعلام المرئية والمسموعة بدون استثناء على استعمال المصطلحات النابية التي وضعها الحاكم السابق والتي هندس لها في واقع الأمر الخبير الوزير الذي لا يشق له غبار في المؤسسة الإعلامية الذي كان يتحكم في المشهد الإعلامي برمته منذ عقود. 

استعمل الجهاز الإعلامي كلمات من قبل الملثمين والمجرمين والقتلة والإرهابيين والمعني بكل أولئك شباب الثورة وشهدائها وجرحاها، ولقد كان ذلك ينسحب على التلفزيونات والإذاعات وبعض المواقع الالكترونية وبعض الصحف العامة والخاصة.
قلة من الإعلاميين واجهوا ذلك الرعب الإعلامي المنظم الذي أنخرط فيه وزراء "تقدميون جدا" و"إعلاميون نزهاء جدا"، وقلة هم الذين تحدثوا عن نزاهة الإعلام وإيطيقاه واستقلاليته ومسؤوليته أمام المجتمع كما هو حال مطالبهم اليوم، وقلة هم الذين دافعوا عن المسؤولية الأخلاقية والإنسانية للإعلام لما كان الناس يموتون بدم بارد في مختلف دواخل البلاد، وبدل ذلك فقد كانت بعض الوسائل الإعلامية تبرر القتل المنظم لكل من جاء في مرمى القتلة طفلا كان أو شيخا امرأة أو رجلا. وفي خضم ذلك نشر مسؤول إحدى المجلات "المستقلة" المعروفة – وهو يملأ الدنيا اليوم باسم الثورة ويخطب علينا صباحا ومساء ويوم الأحد- تحقيقا عن بلدية حلق الوادي خدمة لسيدها الذي يقبع في السجن الآن بسبب فساده وجرائمه، وأدان صراحة احتجاجات أبناء سيدي بوزيد المطالبة بالشغل بوصفه استحقاقا لا أكثر.

ومع سقوط بن علي وزمرته الحاكمة لبس الإعلام المرئي والمسموع جبة الثورة بدون سابق اغتسال وعجت المنابر التلفزية والإذاعية بإعلاميين وحقوقيين كانوا يبحثون عن مخرج لأزمة النظام ليلة 13 من شهر جانفي الذائعة السيط، انتقلوا من لون النظام إلى لون الثورة بدون تردد ولا ترمرم ولا ارتباك ولا خجل، مقالاتهم في الجرائد حول عبقرية بن علي وعقلانيته وحداثته وريادته في مجال حقوق الإنسان لا تزال قائمة، وتشبيههم له بخير الدين وبابن خلدون وبنيتشه وبالعقل لا يزال مسجلا، وحديثهم عن امرأة تونس الفاضلة وعن نظافتها وتقواها لا يزال يجول في أروقة الفايس بوك، ونهبهم للمال العام في وكالة الاتصال الخارجي وفي التلفزة الوطنية مقابل تزييفهم للحقائق السياسة والتاريخ لا يزال مدونا.
وفجأة تحولوا وتحولت معهم القنوات والإذاعات وبعض الجرائد، لكنهم تحولوا بمنطق الغنيمة التي مات أصحابها، فمن يشرف على الوضع الإعلامي بعد سقوط بن علي؟ ومن يرث التلفزة الوطنية التي كانت تعود ملكيتها إلى عبد الوهاب عبدالله؟ ومن يرث موزاييك المملوكة من قبل بلحسن الطرابلسي؟ ومن يرث شمس المملوكة لسيرين بن علي؟ ومن يرث زيتونة وصباح صخر الماطري؟ ومن يصل الأول إلى نسمة وإلى حنبعل؟ ومن يستولي على الاذاعة الوطنية وشقيقتها الثقافية وثالثتهما الشبابية في ظل الانهيار الذي طرأ على الأجهزة السياسية القديمة؟ ومن...ومن .. ومن يُمنح رخص إذاعات وقنوات جديدة؟ ومن يتولى الشأن النقابي لتكتمل الصورة متناغمة لا لبس فيها؟

لقد تشكلت وبسرعة لوبيات إعلامية جديدة على خلفية أيديولوجية وسياسية في مشهد إعلامي مغاير قوامه المحاور التالية:

- المحور اليساري الليبرالي ويتكون من القوى اليسارية التي تنازلت عن الأيديولوجيا البروليتارية ودكتاتوريتها وعن الاشتراكية العلمية وقوانينها الحتمية وعن مقولة الصراع الطبقي المحرك الرئيسي للتاريخ، وتحالفت مع الليبراليين والرأسماليين والدستوريين والبورقبيين والفرانكفونيين وقد أطلقوا على أنفسهم جميعا "الحداثيين". هذه القوى مجتمعة قد تتشكل فيما بات يعرف بالكونفدرالية السياسية الناجمة عن الهزيمة الانتخابية، منبرهم الورقي جريدة المغرب اليومية (المستقلة) -ومن ينكر علينا ذلك فعليه أن يتأمل في الجامع بين مؤسس الجريدة ومجلس تحريرها المكلف بالسهر على خطها الاستقلالي ! - وأضيف لها مؤخرا ورقية ثانية هي التونسية بعد أن كانت إلكترونية، مع بعض الصحف الحزبية التقليدية التي لم تتوقف عن الصدور حتى في أوج قوة نظام بن علي. ويسيطر هذا المحور على تلفزيون نسمة بالكامل وعلى كل من راديو موزاييك وشمس وله مواقع نفوذ في إذاعات كثيرة ويبدو أن التلفزة الوطنية قد استقر حالها في نفس المحور بعد الانتخابات حسب ما تعكسه نوعية البرامج الحوارية والشخصيات المستدعاة وطبيعة التغطيات والمنشطون وتوقيت البرامج وتوزيعها مراعاة لبقية القنوات، ويكفي أن نتأمل في الانتقال السلس الذي بموجبه انزاح glisser منشط برنامج حديث الساعة من قناة نسمة إلى التلفزة الوطنية وما صاحب ذلك من تنقل في الخبرات والشخصيات المتماهية معها أيديولوجيا وسياسيا، لندرك تلك الحقيقة ولنقيس عليها والأمثلة كثيرة.

- المحور النهضوي: يبدو أن حركة النهضة تعاني من عدم احتلالها لمواقع متقدمة في الأجهزة الإعلامية العمومية والخاصة على المستوى المحلي بما ينسجم مع حجمها السياسي، ولكنها مع ذلك استطاعت أن تنفذ إلى المشهد الإعلامي بقوة وخاصة التلفزي، وذلك من عدة منافذ، مرتكزة على الأخطاء التي ارتكبها المحور الأول، فقد كان أباطرته يعتقدون أن الدخول في صراع مفتوح مع حركة النهضة ورموزها ودعوتهم إلى السجالات السياسية المتلفزة سيمكنهم من هزمها هزيمة ساحقة على المستوى الإعلامي وسينعكس ذلك لا محالة سياسيا، ولكن العكس هو الذي حصل فقد ظهرت النهضة في المنابر الإعلامية التي يسيطر عليها أو يديرها اليسار الليبرالي وانهزم خصومها في العملية السياسية. لكن مع ذلك هناك استراتيجية نهضوية إعلامية بدأت خارجيا بالتسرب إلى قناة الجزيرة منذ تأسيسها والتي قدمت خدمات جليلة للنهضة والنهضويين توظيفا ودعاية سيكون لها كبير الأثر في المشهد السياسي اللاحق، وكذلك قناة الحوار ذات التوجه الإسلامي الإخواني التي مكنت حركة النهضة من مساحة إعلامية محترمة. وهذه الإستراتيجية بدأت ملامحها محليا تتبلور في مستوى الصحافة الورقية من خلال جريدة الفجر، وبالعمل الدؤوب والكرنفالي في الإعلام الالكتروني عبر الفجرنيوز وغيرها وخاصة في فضاء الفايس بوك حيث يشتغل جيش من الناشطين النهضويين الذين بات لهم كبير الأثر في جمهور الفضاء العام الافتراضي الذي يتسع يوما بعد يوم. وتدعم هذا المحور بوكالة أنباء بناء نيوز القريبة التي أصدرت جريدة الضمير، ولاشك أن قناة نهضوية أو قريبة من النهضة ستكون من ضمن الأولويات للمقارعة الإعلامية وللردع الإعلامي في مستقبل الأيام.

- المحور الثالث : ينتمي إلى هذا المحور كافة القوى المحرومة من الإعلام وذلك بسبب موقف من مؤسسات الدولة والعمل بها خاصة ذات الطابع السياسي زمن بن علي، أو بسبب إقصائها المخطط من الحضور الإعلامي زمن الثورة إلا ما جاء تكرّما من منشطي بعض القنوات والإذاعات والصحف. وتأتي في مقدمة هذا المحور القوى القومية والعروبية مثل حركة الشعب الوحدوية التي وصلت إلى حد إرسال عدل تنفيذ إلى مدير التلفزة الوطنية بسبب إقصائها من الإعلام المرئي العمومي بعد أن تضررت كثيرا في المشهد الانتخابي، وبعض المجموعات اليسارية الراديكالية مثل حزب الشعب الوطني الديمقراطي(حشود) سليل حزب الشعب الثوري . ولم تستطع القوى المشكلة لهذا المحور وغالبيتها من العروبيين -وإن التقت فيما بينها عفويا وبدون سابق تنظيم- وضع إستراتيجية إعلامية تقطع بها حبل الإقصاء الممنهج الممارس ضدها في وسائل الإعلام العمومية والخاصة لتعكس بذلك مستوى فعلها في الشارع السياسي الذي هو أفضل بكثير من أحزاب ناشئة احتلت مكانا في المجلس التأسيسي بفضل الدعاية الإعلامية، لكن الإعلام حرمها من تحقيق هكذا فرصة. ولا يقتصر غياب القوميين والعروبيين على المشهد المرئي والمسموع وإنما يشمل الصحافة المكتوبة حيث لا توجد صحف تنطق باسمهم ظاهرا أو باطنا بعد أن توقفت جريدتا الكرامة وحركة الشعب عن الصدور، إلا إذا استثنينا جريدتي الحصاد الأسبوعي والرسالة اللتين لا تخفيان ميولاتهما العروبية بالرغم من استقلالية خطهما التحريري، وكذلك جريدة عُرابيا التي يُحيل اسمها على شيء من ذلك الانتماء. أما في المستوى الإلكتروني وفضائه العام فلا يزال الفعل العروبي والقومي محدودا جدا ولا يرتقي إلى صنع الحدث ويقتصر في غالبه على الشعارات والخطب لزعماء تاريخيين وبذلك يستجيب للغرور الخاص ولا يخلق من حوله جمهورا واسعا ورأي عام ذي تأثير في العملية السياسية كما هو شأن المحورين السابقين.وهو ما ظهر جليا في نتائج الانتخابات الأخيرة.
بعد هذا التشخيص لابد من الإشارة إلى أن القوانين التي تنظم المشهد الإعلامي السياسي والحزبي خاصة والتي وُضعت على المقاس في زمن بن علي، تتصف بالعتاقة. فالصحف الحزبية وبقطع النظر عن التمويل الذي توفره لها الدولة والذي يصل إلى حد 180 ألف دينار سنويا بالنسبة للصحف الأسبوعية التي كانت تتمتع بذلك الامتياز، لم يعد له معنى بسبب العزوف عن الصحافة الحزبية المتأتي بدوره من تشويه النظام السابق لأحزاب المعارضة ومن تحجيم دورها. وقد تنامى ذلك التهميش بسبب الانفجار الإعلامي الحاصل بعد الثورة مما زاد في نفور الناس من الصحافة المكتوبة المتكاثرة وبسبب هيمنة الإعلام المرئي بدرجة أولى وبدرجة ثانية المسموع منه. ولقد بات ضروريا على الأحزاب السياسية والتيارات الفكرية والشخصيات الوطنية لاسيما المقصية منها من الحضور الإعلامي أن تطرح إعادة النظر في الإعلام السياسي والحزبي بما يحد من الإقصاء والتهميش وبما يعطي الفرص المتساوية أمام جميع القوى التي يتشكل منها المجتمع السياسي والمدني ويضعها على قدر المساواة، وأن ترتب ذلك في أولوياتها المطلبية والنضالية. كما حان الوقت لتطالب تلك القوى المهضومة الحقوق بمراجعة القوانين التي تنظم العملية الإعلامية برمتها فمن الضيم اليوم أن يستمر القانون الذي يقتصر على تمكين الأحزاب من جرائد فقط في حين يمنح الأفراد رخص لإقامة إذاعات وتلفزيونات، فأيهما أكبر تأثيرا وأهمية بالنسبة للمجتمع أهو الفرد أم الحزب الذي قد يعد آلاف أو مئات الآلاف من الأفراد، ومن الضيم أن تبقى قوى محرومة من الإعلام وأخرى تسيطر على المشهد بسبب عدم الاستقلالية واللاّحياد الذي يتميز به المشهد الإعلامي التونسي.
ولا حل لذلك المأزق إلا في تشريع قوانين تسمح بإقامة التلفزيونات والإذاعات للأفراد والأحزاب على حد السواء بدون قيد أو شرط، فإذا تحقق ذلك استفادت شرائح كبيرة من العاطلين سواء كانوا صحفيين أو تقنيين مما سيحد من تفاقم البطالة في هذا القطاع وستُفتح سوق إعلامية حقيقية قوامها المنافسة الحرة يمكن أن تكون في شكل مدينة إعلامية مثلما هو سائد في تركيا أو دبي أو المملكة المتحدة، وستسود على تلك الأرضية فكرة توازنات "الرعب الإعلامي" فلا احتكار ولا عدوان بعد ذلك، ولا شك أن البقاء سيكون للأصلح وليس للأقوى كما هو حال إعلامنا اليوم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق