الاثنين، 26 ديسمبر 2011

نسمة : زواج المتعة بين رأس المال الإعلامي والأيديولوجيا القديمة

نسمة : زواج المتعة بين رأس المال الإعلامي والأيديولوجيا القديمة
د.سالم لبيض
مقال منشور في جريدة الحصاد الاسبوعي العدد

لست أعلم هل انتصرت الأيديولوجيا على رأس المال هذه المرة ، فوقعت الإمبراطورية الإعلامية الناشئة في الخطيئة وسقطت في أول اختبار حقيقي، ولست اعلم هل أن زواج المتعة بين مؤسسات قروي الإعلانية ومؤسسة بن عمار السينمائية الذي أفرز تلك القناة المعروفة بنسمة التي وجدت نفسها تصنع الرأي العام بعد الثورة، يمكن أن يصمد بعد أن إهتز العرش وظهر علينا مدير القناة مضطربا مهتزا مصفرّ الوجه ولسان حاله يريد أن يقول لنا "غلطوني" ويقدم اعتذاراته على الهواء لتلك الحشود من الشباب المنتفض. ولست أعلم هل أن ملاك النصيب الأكبر من القناة التونسيين والأجانب يمكن أن يسمحوا بإنفاق أموالهم على لعبة أيديولوجية قديمة ثبت عقمها في منشئها الأصلي، وضعت القناة في مواجهة الجمهور الواسع من التونسيين وبقية المسلمين في أصقاع الدنيا تلبية لفنتازمات حداثية لا تحمل من الحداثة إلا اسمها. لكني أعلم أن الفلم الإيراني – الفرنسي الكرتوني المدبلج بالعامية التونسية في ورشة نسمة قد أعدت له سيناريوهات كثيرة كان سيطال بعضها قنوات أخرى احترز أولي الأمر فيها على بثه، وفضاءات عامة منها ما هو تربوي لتلقين النشء وتعويده على أن لا مقدس في حياتنا فالله يمكن أن يستوي كائنا عاديا نخاطبه ويخاطبنا ونمازحه ويمازحنا ونصيح في وجهه فيهرب من أمامنا وقد يصل الأمر إلى أن نصارعه مصارعة حرة فنهزمه وتنتهي الأسطورة إلى غير رجعة. إن الرسالة الموجهة من خلال تشخيص الذات الإلهية هي القول للناشئة بان الله والأديان هي مجرد أساطير قد عفّ عنها الزمن وأن لا فرق في حياتنا بين المقدس والمدنس فالكل اختلقه الإنسان وهذا هو جوهر الأيديولوجيا القديمة التي ينتصر لها الفلم.
ولكن لا مكان للصدفة في عالم المال والإعلام والسياسة اليوم، فكل شيء يدرسه خبراء محنكون يعلمون ما يفعلون، لذلك جاءت النسخة التونسية من الفلم رديئة جدا تجد الأسر المحترمة حرجا في مشاهدتها جماعيا. أو لنقل هي الدبلجة التونسية الركيكة التي اختيرت بدقة هي التي أفرغت الفلم من المضامين التي احتواها وهي مضامين أيديولوجية بامتياز، فقد احتوى ألفاظا سوقية ومكنة اصطلاحية من نوع "يا قواد" و"العاهرة" و"الكلبة" و"..." ومصطلحات أخرى كثيرة وإيحاءات جنسية وبذاءة لسانية وسقوط أخلاقي لا أظن أن النسخة الفرنسية المنقول نصها إلى الدارجة التونسية قد احتوتها كلها ناهيك عن النص الأصلي المستمد من الثقافة الإيرانية. ولكن الفلم لا يشيطن المصير الذي انتهت إليه الثورة الإيرانية فقط وإنما يضعها في موضع المساءلة التاريخية بسبب تحكم رجال الدين فيها، تحكما يقوم عن طريق جهاز عسكري قمعي ينتهك حرمات الرجال والنساء لمجرد أنهم مختلفون أو لنقل لمجرد أنهم شيوعيون، وهنا مربط الفرس فنسمة القناة الليبرالية الممولة من كبار رجال المال والإعلام في تونس وخارجها تختار لنفسها أو يتم الاختيار لها للترويج للنموذج الشيوعي على أنه الجنة الموعودة وأن الديمقراطية والحرية لا وجود لها خارج تلك النمطية المجحفة ليضعنا الفلم في ثنائية قديمة مدمرة ليس للمرء أن يختار خارجها وهي أن يكون شيوعيا وهو بذلك حداثيا وديمقراطيا -والفلم يصوره بأنه ينتج الخمر ويحتسيها في مجالس سرية-، أو أن يكون متدينا وهو بذلك رجعي معاد للحداثة، فتنبني المعادلة برمتها على تلك الثنائية المقيتة، وتتشكل أحداث الفلم منتصرة للنموذج الشيوعي الحداثي على حساب النموذج الديني التيوقراطي الرجعي ويصبح الشيوعي هو المناضل الوحيد ضد الدكتاتورية في دولة مثل إيران متعددة المذاهب والإثنيات والقوميات والأيديولوجيات ومنها من كان له نصيب كبير في النضال ضد نظام آيات الله وتقديم التضحيات الكبرى مثل العرب الأحوازيين والأكراد الذين لا يشار لهم بكلمة واحدة، ويتم الترويج لذلك الاتجاه بمعزل كامل عمّا انتهت إليه بعض الأنظمة الشيوعية من فشل ذريع في قضيتا الحرية والديمقراطة ولسنا في حاجة إلى تقديم الأمثلة على ذلك وآسترجاع "الأيام الستالينية المجيدة !!!"، فقد بات الأمر معلوما اليوم للعارفين بالتاريخ ولغير العارفين به.
لكن الفلم احتوى رسائل أخرى كثيرة لا تخلو من مفارقة، من ذلك الحنين إلى نظام الشاه الذي أسقطته الثورة الإيرانية بوصفه نظاما حداثيا وهنا نجد أنفسنا أمام معادلة شبيهة بالثورة التونسية حيث يحن الكثير من "مثقفينا الحداثيين" إلى نظامي بورقيبة وبن علي على أنهما كرّسا الحداثة خاصة وأن القاسم المشترك بين نظام الشاه والنظام التونسي بحقبتيه متوفر في مستويات كثيرة منها العمالة للقوى الخارجة والاستبداد السياسي والفساد بأصنافه. ومن هذه الرسائل أيضا الترويج للنموذج الفرنسي عن طريق الدراسة في المدرسة الفرنسية واستهداف السامية بسبب سقوط صاروخ على بيت يهودي في طهران وكأنه المستهدف، وهي رسائل كسب ود تجاه الغرب الذي صورّه الفلم جنان الله الموعودة مصدر القيم الكبرى التي يحلم بها رفاقنا المضطهدون في إيران.
الفلم يدوم ساعة ونصف ويحتوي قضايا كثيرة تستحق النقاش والمجادلة، ولكن من حسن حظ نسمة أن الجمهور الواسع لم يشاهده وإنما سمع عليه فقط وإلا لا كان رد فعلهم أكبر بكثير. فقد جمع الفلم أعداء لنسمة من شرائح اجتماعية قلّ ما تلتقي، جمّع ضدها المحامون والطلبة والأساتذة والتجار وكل ذلك قد يكون عاديا ولكن غير العادي الذي فاجأ الجميع هو انحياز الجمهور الواسع من الكوارجية وتهديدهم نسمة بالمنع والاعتداء إن هي قامت بتغطية مباريات كرة القدم، حتى أن بعض رؤساء النوادي من الرأسماليين التقليديين قد انحازوا ضدها. انحاز ضد نسمة جمهور واسع من الشباب غير الملتحين ومن النساء غير المحجبات على الرغم من الترويج إلى أنها معركة ضد السلفية. وخلاصة كل ذلك هو أن نسمة اختارت أوهم أيديولوجيوها هم الذين اختاروا لها معركتها لتكون ضد السلفية وما شابهها، لكن الرمية أصابت مجتمعا بكامله أصابته في معتقداته والمعتقدات كما هو معلوم في تاريخ البشرية جمعاء مقدسة ولا تمس وقد نشبت لأجلها حروب كثيرة ومات في سبيلها أناس كثر حتى تلازمت التضحية والشهادة بالدين والمعتقد. فأي مصاب جلل أصيبت به القناة بسبب ما اقترفت أيادي أيدلوجيوها ومهندسو برامجها لاسيما الحوارية والنقاشية منها. لقد قرأنا في كتب الأيديولوجيا العتيقة أن رأس المال لا وطن له ولا صديق فكيف يتحول زواج المتعة بين رأس المال الإعلامي والأيديلوجيا القديمة إلى زواج دائم؟ والإجابة نجدها في الايدولوجيا القديمة نفسها وهي أن خيانة طبقية وقعت في مكان ما أدت إلى مثل هذا الزواج لم تكتشف بعد!!!


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق