السبت، 4 فبراير 2012

هل البورقيبيّة حريّة بثورة الكرامة ؟

هل البورقيبيّة حريّة بثورة الكرامة ؟

د. عميرة عليّة الصغيّر – مؤرخ جامعي

( الجزء الأوّل )
بسقوط رأس النظام بتونس يوم 14 جانفي 2011 و تأكّد تطلّع الشعب التونسي إلى نظام يقطع مع ما كان حُكم به من استبداد منذ استقلال البلاد و يضمن له الحرّية و الكرامة و العدالة الاجتماعية، حتى انبرت أصواتٌ تقدّم لنا البورقيبيّة كبديل مُنقذ و حتى تكوّنت أحزاب ترفع راية البورقيبيّة كحل أمثل لتونس الثورة و كأنّ الشعب لم يجرّب حكم بورقيبة لأزيد من ثلاثين سنة ؟ و كأنّ الناس غير واعين انّ المخلوعَ هو الإبن الشرعي لبورقيبة. وإن كنّا نتفهّم أن يوجد في كلّ عصر من يحنّون إلى الماضي و يطمحون إلى إعادة استحضاره كصيغ فعل في الواقع و كتلبية لحاجات نفسيّة تطمئنّ الحائرين برموز تاريخيّة اُسْطِرت و أصبحت أيْقونات للخلاص الفردي و حتى الجماعي فانّنا ، من الوهلة الأولى ، ومن موقعنا كمواطن خبرَ حكمَ بورقيبة وكذلك حُكمَ صنيعته بن علي و كباحث يضع نفسه في صفّ الثورة ، لا نرى في البورقيبيّة لا خلاصا و لا بديلا لبناء وطن الحرية و الكرامة و الديمقراطية و العدالة الذي نحلم به وأن كان يسوّقها عجوز انتهت صلوحيّته العمريّة و السيّاسية يسمّى بآلة تسميم الصدور، أي السبسي . لماذا ؟

لأنّ دولة بورقيبة كانت على طرفي نقيض مع السيادة الشعبيّة و مع الحريّة و مع الأنظمة الحديثة، وإن كان للتجربة البورقيبيّة شروطها التاريخيّة التي ربّما تسوّغ حدوثها وتجد لها الأعذار فانّ البحث على إعادة تطبيقها في تونس الثائرة ليس فقط هو غباء تاريخيّ بل هو جريمة ،مع سابق الإصرار، في حق الشعب و انقلاب على الثورة.

في البدإ و عكس ما يدّعيه حواري بورقيبة و مادحُوه – ماضيا و حاضرا - نؤكّد أن ليس هنالك "بورقيبيّة" ولا فلسفة ولا نظريّة بورقيبيّة كلّما في الأمر انّه كان هناك خطاب سياسي مغلّف بالحداثة و العقلانيّة و شعارات تحيل مرّة لتاريخ الحركة الوطنيّة و مرّة للفلسفة الليبراليّة دون أن يرتقي ذاك الخطاب الى فكر قائم الذات أو نظرية متماسكة .لذا يقوم تفنيدنا لادّعاء صلاحيّة ما أُطلق عليه "بورقيبيّة" على فحص حقيقة حكمه من 1956 حتى 1987 و الذي نراه لم يكن لا حداثيّا و لا ديمقراطيّا و لا عادلا رغم مكتسبات أخرى تحسب له فصّلناها في كتابات سابقة .

إن الصّورة النّاصعة- عند البعض - للنّظام الذي بناه بورقيبة لا تصمد ملامحها الحداثيّة أمام مساءلة الواقع و فحص ممارسة السّلطة في عهده وكذا النظر في مكانة المواطن من حيث حقوقه السّياسية التي ضمنها له الدّستور. ثم إن الثقافة والقيم التي سادت المجتمع في عهده جانبت قيم وثقافة الحداثة المنشودة أو المتعارف عليها. ولنبدأ بالمستوى السّياسي.

1- مقدّمات الاستبداد في الفكر البورقيبي
تقوم الفلسفة اللّيبراليّة، المرجع الفكري للحداثة، على الإقرار بأن المجتمعات ليست متجانسة من حيث المصالح، كأفراد وكفئات وطبقات لذلك فإنّ الأنظمة السّياسية يجب أن تأخذ في الاعتبار هذه الحقيقة السّوسيولوجيّة وتقرّ بالاختلاف والتّصارع وأن تضمن الدولة الشّروط الفعليّة لتحقّقها، كما يتوجّب عليها احترام وتكريس الحرّيات العامة التي هي "التزامات سلبيّة على عاتق الدّولة تتعلّق باحترام الاستقلاليّة الذّاتية، إن كان ذلك في استقلاليّة الجسد واستقلاليّة الاقتصاد أو في استقلاليّة الصّيغ الجماعيّة للنّشاط" . بينما يقوم الفكر البورقيبي (و"فلسفته" ككل) على "الوحدة الوطنيّة" ونفي تضارب المصالح وصراع الطّبقات في المجتمع التّونسي وعلى ضرورة الوحدة الوطنية "الضّامنة لتحقيق الأهداف القوميّة" فالوحدة "حقّقت الاستقلال وهي التي تحقّق أيضا التّنمية والتقدّم". هذه المسلمة الأولى في مرتكزات النّظام سوف تزيّف الصّرح السياسي الذي أعلنه دستور 1959 وتؤدي إلى وصاية الدّولة على المجتمع وتهميش أفراده. المسلّمة الثانية لدى بورقيبة والتي دام التمسّك بها حتى بداية الثمانينات بإقرار نوع من التعدّدية الشكليّة وهي أنّ "الحزب الدّستوري" هو "حزب الأمّة كاملة" يبرّر وحدانيته واحتكاره للحياة السّياسية تارة بأسبقيته وجدارته التّاريخية وتارة بأن لا ضرورة تاريخيّة للتعدّدية بما أنّه لا توجد قوى أخرى يمكن أن تنافسه لأن "الواقع والظّروف الحالية جعلت قيام حزب آخر أمرا غير معقول، إذ لم يوجد تكتل له طريقة أخرى وأهداف أخرى ووسائل أخرى توفي بالصالح العام وتجمع حولها جانبا عظيما أو حتى جانبا متوسّطا من الشعب التونسي" والسّبب الأهم الذي يبرّر به بورقيبة الحزب الواحد هو اعتقاده أن التعدّدية تفتيت لوحدة الأمة وإيذان باندثارها وزوال الدولة. يقول في خطاب له ببنقى(في زيارته لها) في 7 ديسمبر 1965 : "في هذه المرحلة من ثورتنا لقد بدا لنا – كما بدا لكم – أنّ التعدّد الحزبي مولّد الصّراعات بين الإخوة والمزايدات والدّيماغوجية والتّخريب وهو ترف من شأنه أن يمنع تجنيد كامل الشّعب ويضرّ بسياسة التقشّف والدّعوة إلى العمل والانضباط التي بدونها يستحيل علينا تحقيق أهدافنا".

والأهم في فكر بورقيبة والذي ساهم في تكريس الاستبداد والحكم الفردي هو فهمه الخاص لمسألة الديمقراطية . فهو لئن لا يرفضها صراحةً، يضع لها شروطا تؤجل تطبيقها إلى ما لا نهاية. فهو مع ديمقراطية يكون دور الشعب فيها الاقتراع على من يختارهم له الحزب وتزكية قراراته. لماذا ؟ لأن بورقيبة يعتقد راسخا أن الشّروط التاريخية لممارسة مستلزمات الديمقراطية، لم تتوفّر بعد في الشعب التونسي، وأهمّ شرط يضعه هو النّضج السياسي "فالنّظام الديمقراطي لا ينجح إلاّ في الشعوب النّاضجة التي تستطيع تمييز الغث من السّمين" حسب تعبيره . والشعب في تونس في تقدير بورقيبة، لم يبلغ بعد تلك المرتبة وأنّه في رأيه "طامة كبرى في إرخاء العنان لشعب متخلف ذهنيّا ونفسيّا وإطلاق يده في إختيار من يتولى أمره وفي التصرّف كما يشاء" . لأنّ الديمقراطيّة "مثلها كجهاز آلي دقيق لا يحسن أن يعهد به إلاّ لذوي الخبرة والمعرفة وإلاّ انقلب وبالا" فمنع الديمقراطية ليس من الشّائنات في منطلق بورقيبة، بل هو عربون حكمة سياسيّة ومن فضائله على النّاس حتى أنّه يرجو "أن لا يجد النّاس أنفسهم مضطرّين بعد خمسين أو ستين عاما إلى القول "غفر الله للرّئيس بورقيبة فقد أقرّ الديمقراطية ونحن ما نزال بعيدين عنها" .

ويردّ بورقيبة على منتقديه في تقييد الحرّيات وخاصة حريّة التعبير والصّحافة، مبرّرا سياسته دائما بعدم نضج الشعب وعدم اكتمال الوحدة القوميّة وتثبيت الدولة. "يقولون أننا لا نمنح حريّة الكلام أي أنّهم يريدون أن نفتح باب الحريّة على مصراعيه لكي يلجه من لا يستحق الحريّة ولكي يستعملها للهدم ولزرع بذور الحقد والكراهيّة وتشتيت شمل الأمّة وتقويض أسس الدّولة. وما من سبيل لمنح الحريّة الكاملة على نحو ما هو موجود في بريطانيا، إلاّ حين يصل مستوانا إلى مستوى الشعب البريطاني" . لكن كيف ينضج الشّعب التّونسي ويصل مستواه مستوى الشعب البريطاني ؟ بالتّعليم والتثقيف والتّبصير والتّأطير من الحزب، يعتقد بورقيبة . وسوف نرى لاحقا خورَ هذا المنطق وخطورة نتائجه.
هذه القناعات المترسّخة لدى بورقيبة وحتى لدى أغلب النّخبة الحاكمة معه (خاصة في الفترة الأولى من حكمه) أدّت إلى ممارسة للسّلطة هي على طرفي نقيض مع الحداثة.

2- البورقيبيّة في الممارسة :الاستبداد و الحكم الفردي.
دون أن ندخل في التفاصيل حول الاستبداد البورقيبي لأنّ عديد الكتابات الجامعيّة وخاصة من الحقوقيّين وغيرهم، أوفته حظّه سوف نتساءل هنا فحسب عن مدى توافق ممارسة الحكم في العهد البورقيبي مع ما يعتبره أهل الاختصاص تحديثا سياسيّا.

أوّلا إن الإجراءات التطبيقيّة المنظّمة للحريّات التي نصّ عليها دستور 1959، قيّدت ممارسة تلك الحرّيات إذ لم تمنعها من ذلك قانون الجمعيات (7 نوفمبر 1959) الذي وضع عدّة شروط تناقض ما أتى به الفصل 8 من الدستور، بما أنّه يعطي كاتب الدّولة للدّاخلية الحق المطلق في منح تأشيرة الوجود القانوني لأي جمعية مترشّحة وبالتالي أصبح حق وجود الجمعيات يعود إلى الحزب الحاكم بما أنّ الحزب هو الدّولة . كذا حريّة الاجتماع التي يضمنها نفس الفصل من الدستور يعيقها القانون المنظّم للاجتماع (24 جانفي 1969) وحسب هذا القانون فان حريّة الاجتماع والتظاهر والتجمّع حرّة بشرط الإعلان عليها للسّلط التي لا تستطيع منعها قانونيا. لكن الحزب الدستوري والإدارة لن تطبقا هذه الحريّة وعرقلا كل طلب نشاط حتى وإن أوفى كل الشروط القانونيّة حيث تحوّلت ضرورة الإعلان إلى ضرورة التّرخيص، فإن حريّة الإجتماع تبقى محدودة نظرا للتهديد الدّائم بتتبّع المنظّمين بتهمة جنح مختلفة (تشويش الأمن العام، نشر أخبار زائفة، الثلب...). كذلك حريّة النّشر والصّحافة شلّها الفصل 29 من القانون الانتخابي ومرسوم 9 مارس 1956 حول الطّباعة والنّشر والملكية الذي نقّحه قانون 28 أفريل 1975 حيث انقلب شرط إشعار وزارة الدّاخلية بالطبع والتي تمنح وجوبا وصلا في ذلك إلى وصل ترخيص .

ثانيا أن احتكار السّلطة من الحزب الدستوري وتداخله مع جهاز الدّولة منذ الاستقلال، ورسميّا بداية من 1964 ودَوْلَنَة المجتمع وضرب كل الحرّيات التي يضمنها الدّستور أفضى إلى واقع سياسي بعيد كل البعد عن الحداثة وتكريس قيم الجمهوريّة. فباسم الوصاية والتربية والتّوجيه والإرشاد زادت القطيعة بين السّكان والسّياسة كممارسة نشطة وفاعلة ومساهمة في تسيير وتوجيه الحياة العامّة وتحوّل البشر إلى مجرّد ممثّلين صامتين في مسرحيّة تحرّك خيوطها من فوق ومن خارجهم. هل يمكن والحال ذاك نعتهم بالمواطنين والمواطنة تعني أساسا المشاركة الفعلية في اختيار الحاكم ومحاسبته وفي تحديد التوجّهات العامّة للوطن ؟

مقال صادر ب " الحصاد الأسبوعي "

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق