الاثنين، 20 أغسطس 2012

تهنئة لمؤسسة راند!

 تهنئة لمؤسسة راند!

حمزة المزيني

٢٠١٢/١/١٩


يتذكر القارئ الكريم الضجة العارمة التي كانت تثيرها التقارير الدورية التي تصدرها مؤسسة «راند» البحثية اليمينية الأمريكية، ذات الصلة بوزارة الدفاع وتيار «المحافظين الجدد».
فقد كانت تلك التقارير من أهم الأدوات الاتهامية التي استخدمها تيار «الإسلام السياسي» والوعاظ و»الدعاة»، في المملكة خاصة، في معركتهم «الوهمية» مع مواطنيهم الذين كانوا يدعون إلى الإصلاح السياسي والثقافي والاجتماعي والتعليمي. فكانوا يتخذون ما تهذي به تلك التقارير عن «الخطر» الذي تدعي أن «الإسلاميين» يمثلونه على الولايات المتحدة، والتوصيات التي تقدمها للإدارة الأمريكية لمقاومة هذا الخطر، دليلاً على تبني الإدارة الأمريكية للتيارات الأخرى وبرهاناً على تجنيدها لها في صفها ضد «الإسلاميين».
وكان ذلك اعتماداً على توصياتها التي تدعو الإدارة الأمريكية «اليمينية» إلى دعم بعض الجماعات والتيارات العربية والإسلامية التي تزعم أنها أقل عداءً للسياسات الأمريكية في مواجهة الجماعات والتيارات «الأكثر تشدداً». ومن تلك التيارات التي ينبغي دعمها، كما يرى معدو التقارير، «العلمانيون» و»الليبراليون»، و»المسلمون التقليديون»، و»الصوفيون».

وكنت كتبت مقالاً بعنوان «الثرثرة الراندية» (الوطن،2/ 4/ 1428) عن تقرير المؤسسة الذي أصدرته في 2007 بعنوان «بناء شبكات من المسلمين المعتدلين في العالم الإسلامي»، أشرت فيه إلى زعم «راند» أن «الصراع الحالي في العالم الإسلامي في الأساس «حرب أفكار» تدور بين التيارات المتطرفة من جهة والتيارات الليبرالية والعلمانية والتيارات الإسلامية المعتدلة من جهة أخرى.
وأشرت إلى أن من أمضى الأسلحة التي يوصي بها التقرير تجنيدُ التيارات المحلية «غير الراديكالية» لتدخل في «شراكة» مع الولايات الأمريكية. وأن هذا «التحالف» مفيد لهذه التيارات لأنه سينقذها من مخاطر المتطرفين، ويسهم في بناء مجتمعاتهم على أسس ديمقراطية حديثة، تتمتع بصداقة راعية الديمقراطية في العالم.
ووصفتُ تلك التقارير بالتفاهة والثرثرة، خاصة أنها يمكن أن تُستخدم لتشويه المثقفين، ومنهم المثقفون السعوديون، وكأنها ستتحقق فعلاً.

وكان مفاجئاً أن يشير ذلك التقرير نفسه إلى أن بعض التيارات «الإسلامية» المعتدلة كالإخوان المسلمين يمكن أن يكونوا «شركاء» لأمريكا كذلك.
وقد تجاوز الأمر تلك الإشارة العجلى لـ»الإخوان المسلمين»، ليصير الحديث عنها علنياً، من خلال توكيد الباحثين الأمريكيين «اليمينيين» المتنامي، في السنوات الأربع الماضية، عن (اعتدال) «الجماعات الإسلامية» عموماً، و»الجماعة» خصوصاً. فقد بدأ أولئك الباحثون يركزون على أهليتها لتكون «شريكاً» للولايات المتحدة ضد «المتطرفين الإسلاميين»، وربما الليبراليين!

ومن أولئك الباحثين جوشوا مورافشيك، الباحث بمعهد أمريكان إنتربرايز (وهو من أكثرهم تطرفاً) وتشارلز بي. سزروم، الباحث المساعد بالمعهد نفسه، اللذان كتبا دراسة بعنوان «محاولة للبحث عن الإسلاميين المعتدلين» نُشرت في عدد فبراير 2008 لمجلة «كومنتري» الأمريكية (اليهودية المتطرفة)، (ونشر ترجمتها «موقع إيلاف»، 15/ 12/ 2008) أكدا فيها «أن هناك تنوعاً في جماعات الإسلام السياسي، التي تتباين ما بين من يؤمن بالعنف مثل القاعدة، ومن يتحاشاه، ومن تخلي عنه بعد أن اعتنقه».

ويستشهد الباحثان ببعض الباحثين المصريين مثل سعد الدين إبراهيم وعمرو حمزاوي على «أن الإسلاميين الذين لا يؤمنون بالعنف يمكن أن يتواجدوا بين المعتدلين الأصليين. وهؤلاء في أغلب الأحيان هم قوة المعارضة الأقوى في دولهم. وغالباً ما يعتنقون الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهم الأكثر قدرة علي الفوز في انتخابات حرة. لذا فإنهم من الناحية النظرية يبدون كحلفاء معقولين لأمريكا».
ويصف إبراهيم «الإسلاميين عموماً بأنهم أكثر العناصر ديمقراطية بالمنطقة». ويرى حمزاوي «أن الإسلاميين هم الحركات الجماهيرية في القرن الحادي والعشرين، ويشير إلى تشديد حركة الإخوان المسلمين في بياناتها على «احترام التعدد الحزبي، والانتخابات الحرة، وتداول السلطة « بالإضافة إلى «مساواة كاملة في الحقوق والواجبات» لأقباط مصر والمرأة».
ومن الباحثين الأمريكيين الآخرين الذين انخرطوا في الدعاية للإخوان المسلمين في دوائر البحث الأمريكية (القناة المثلى للتواصل مع الإدارة الأمريكية) «جوشوا ستاشر، المتخصص في الشؤون المصرية في جامعة سيراكيوس. فيشير إلى أن الإخوان ملتزمون بالسلم المدني، وبالرغم من أنها جماعة محافظة اجتماعية فإنها أيضاً براجماتية من الناحية السياسية، تؤمن بالتطور المؤسساتي».
ويشير ليكن وستيفن بروك، من مركز نيكسون، في دراسة نشرتها مجلة «شؤون خارجية» في عددها عن شهري مارس ــ إبريل 2007م، تحت عنوان «الإخوان المسلمون المعتدلون» إلى «أن إسلاميي مصر لن يُسرِّعوا فقط الدمقرطة لكن أيضاً سيخدمون أهداف السياسة الأمريكية الأخرى. وقد جاءت هذه الدراسة بناء على تقرير عُرض في حلقة نقاشية في وزارة الخارجية، أشار إلى مصلحة رسمية «أمريكية» جديدة بالانفتاح على الإخوان المسلمين».
ولم يقتصر الأمر على الباحثين الأكاديميين في تلك المراكز البحثية المشبوهة، بل صار «تبييض» صفحة الجماعات الإسلامية، ومن أخصها الإخوان المسلمون، موضوعاً أثيراً خلال السنة الماضية عند كبار كتّاب صفحات الرأي في الصحف الأمريكية القومية الكبرى. ومن أبرز هؤلاء توماس فريدمان المعروف بميوله الإسرائيلية، في صحيفة نيويورك تايمز.

والسؤال الآن: أيمكن الظن بأن فوز الأحزاب «الإسلامية» في الانتخابات الأخيرة نتيجة لـ»المخططات!» التي تضعها مؤسسة راند وغيرها من مراكز الأبحاث الأمريكية المشابهة؟!
أيمكن أن نعد التصريحات «المعتدلة»، التي أدلى بها بعض زعماء الأحزاب الإسلامية الفائزة، عن القضايا الاجتماعية والدينية والعلاقات مع إسرائيل – بشكل أخص، تطمينات لتلك المراكز، خاصة أنها قيلت في مراكز بحثية أمريكية يمينية متعاطفة مع إسرائيل؟!
أيمكن أن نعد اتصالات زعماء تلك الأحزاب بالإدارة الأمريكية والإدارات الغربية الأخرى، والاحتفاء بالزوّار الأمريكيين الكبار وغيرهم، أدلة على نجاح «التدجين» الذي عملت عليه الإدارات الأمريكية طويلاً، تنفيذاً لتوصيات مؤسسة راند وأشباهها؟!
أيمكن أن نعد، الآن، زعماء تلك الأحزاب من «زوّار السفارات»، بل من زوّار دول تلك السفارات، لتقديم «التطمينات!»، شخصياً، دليلاً على صداقتها «التاريخية» للغرب، وللولايات المتحدة خاصة؟!
أيمكن أخيراً أن نهنئ مؤسسة راند على نجاح تخطيطها، ونتراجع عن وصفنا لها بـ»الثرثرة»!
أنا لا أؤمن بنظريات المؤامرة؛ لكن ذلك كله يدعو إلى التأمل في أقدار الله!

http://www.alsharq.net.sa/2012/01/19/91845

دراسة أميركية: بناء شبكات من المسلمين المعتدلين في العالم الإسلامي

Print Article
دراسة أميركية: الإسلام المعتدل هو الحل الوحيد
تقرير واشنطن GMT 5:30:00 2008 السبت 15 مارس


واشنطن:
تنامي اهتمام الأميركيين بعد أحداث 11سبتمبر 2001 بالإسلام عموما، ً وبما يُسمي بـ "الإسلام السياسي" علي وجه الخصوص. ولذا بدأت العديد من مركز الأبحاث والرأي الأميركية في دراسة الحركات والجماعات الإسلامية بمختلف أنواعها وتوجهاتها. كما بدأ الحديث عن كيفية التعامل الأميركي مع هذه الحركات خاصة وأن بعضها يلعب دوراً مهماً علي الساحة السياسية في بلادها بالنظر إلي تمتعها بقدر من الشعبية.


في هذا الصدد كتب جوشوا مورافشيك الباحث بمعهد أمريكان إنتربرايز وشارلز بي. سزروم الباحث المساعد بالمعهد نفسه، دراسة تحت عنوان "محاولة للبحث عن الإسلاميين المعتدلين" نُشرت في مجلة كومنتري الأميركية عدد فبراير 2008. ولم تكن تلك الدراسة الأولي التى تسعي لإيجاد تيار إسلامي معتدل ولكن تعدد الدراسة، فقد أصدرت مؤسسة "راند" ـ على سبيل المثال ـ دراسة شاملة حول " بناء شبكات من المسلمين المعتدلين في العالم الإسلامي". تناولها التقرير بالعرض على حلقتين.

ما هو الإسلام المعتدل وأين نجده؟
تشير كلمة "معتدل" إلي كمية أو درجة أقل من الشيء. فعلي سبيل المثال فإن اليساري المعتدل، ليس بعيد جداً عن اليسار. فهل "المسلم المعتدل" ليس مسلم تقي ورع ؟. أخذ الأمر علي هذا النحو يعني الإقرار بأن الإسلام يتناقض مع الغرب. وأن القضية هي الكراهية الشديدة. وبذلك يمكن أن نقبل ضمناً أن الإرهاب هو نتيجة طبيعية للولاء التام للعقائد الإسلامية وهو القياس الذي من المفترض أن نرفضه حسبما أشار الكاتبين في صدد دراستهما.

 ويضيفان، إذا كانت معركتنا ضد الإرهاب تقوم علي أن المسلمين يجب أن يصبحوا أقل إيماناً وتقوي، فإن فرص النجاح ستكون ضئيلة وسيئة. ما نريده لا يتعلق بحماس المسلمين لقناعاتهم الدينية وإنما يتركز علي أرضية قبول أو رفض التعددية. 

وفي إطار الإجابة على تساؤل "أين نجد الإسلام المعتدل؟" أشار الكاتبان إلي أربعة أنواع من المسلمين المعتدلين:
المجموعة الأولي:- تشمل المواطنين العاديين في البلدان الإسلامية الذين يمارسون شعائر دينهم دون أن تتمركز السياسة في حياتهم. ولا يشاركون في أعمال العنف، وفي الغالب لا يدعمونها.
المجموعة الثانية:- للمعتدلين تشمل الأنظمة، مثل مصر والأردن، حيث يتضمن "الاعتدال" التحالف مع الغرب.
المجموعة الثالثة:- تضم ليبراليين علمانيين يتعاطفون مع القيم السياسية والثقافية للغرب؛ مثل الروائي المصري الراحل نجيب محفوظ والكاتب العراقي كنعان مكية.
المجموعة الرابعة:- تضم مجموعات متنوعة من الإسلاميين الذين يصفون أنفسهم بأنهم ضد العنف.

ويريان أنه على الرغم من أهمية المجموعتين الأولي والثانية فإنهما لا يلعبان دوراً مهماً في محاربة الإرهاب. وربما يتواجد بين المجموعتين الثالثة والرابعة مصادر قوة جديدة في هذه الحرب حيث يُعتبر الليبراليون العلمانيون المجموعة ذات الصلة الأكبر بالديمقراطية والقيم الغربية. ويضيفان أنه لسوء الحظ، لا تحظي وجهات نظرهم بالولاء، خصوصاً عندما تقف ضد قوة الحركات الإسلامية الصاعدة والمتزايدة بقوة. ويتضح ذلك في مصر وفي السلطة الوطنية الفلسطينية (خسارة فتح في انتخابات 2006 لصالح حماس).

جماعات الإسلام السياسي. تحالف مع أميركا؟
ينطلق الكاتبان في دراستهما من أن هناك تنوعاً في جماعات الإسلام السياسي، والتي تتباين ما بين من يؤمن بالعنف مثل القاعدة، ومن يتحاشاه، ومن تخلي عنه بعد أن اعتنقه. وحسب بعض الليبراليين مثل الدكتور سعد الدين إبراهيم والدكتور عمرو حمزاوي فإن الإسلاميين الذين لا يؤمنون بالعنف يمكن أن يتواجدوا بين المعتدلين الأصليين.وهؤلاء في أغلب الأحيان هم قوة المعارضة الأقوى في دولهم. وغالباً ما يعتنقون الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهم الأكثر قدرة علي الفوز في انتخابات حرة. لذا فإنهم من الناحية النظرية يبدون كحلفاء معقولين لأمريكا.

يُشير إبراهيم إلي إيمانه بإمكانية ظهور الأحزاب الإسلامية الديمقراطية حقاً، التي تقترب من الأحزاب الديمقراطية المسيحية في أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية. وبعد حرب 2006 في لبنان، وُصف الإسلاميين عموماً بأنهم أكثر العناصر ديمقراطية بالمنطقة. مشيراً إلي حزب العدالة والتنمية في تركيا، وبالاسم نفسه في المغرب، الإخوان المسلمين في مصر، حماس في فلسطين، وحتى، حزب الله في لبنان.
أما حمزاوي الباحث بمعهد كارنيجي للسلام الدولي فيقول أن الإسلاميين هم الحركات الجماهيرية في القرن الحادي والعشرين حيث تمكنوا من أن يحولوا الفكر الفلسفي المعقد إلى شعارات بسيطة حلت بسرعة محل الوحدة العربية والاشتراكية. وأشار حمزاوي إلي أداء الإخوان المسلمين في انتخابات 2005 البرلمانية وإلي "مبادرة الإصلاح" التي أصدرتها الجماعة، والتي شددت فيها علي "احترام التعدد الحزبي، الانتخابات الحرة، وتداول السلطة " بالإضافة إلى ( كما جاء علي لسان الناطق باسم الجماعة) "مساواة كاملة في الحقوق والواجبات" لأقباط مصر والمرأة.
بالإضافة إلي إبراهيم وحمزاوي هناك من يتبع نهجهما من المفكرين الأميركيين ومنهم جوشوا ستاشر ، المتخصص في الشئون المصرية في جامعة سيراكيوس. فيشير إلي أن الإخوان ملتزمون بالسلم المدني، وبالرغم من أنها جماعة محافظة اجتماعية فإنها أيضاً برجماتية من الناحية السياسية، تؤمن بالتطور المؤسساتي.
وبنفس هذا المنظور نُشرت دراسة بمجلة شؤون خارجية في عددها عن شهري مارس – ابريل 2007، تحت عنوان "الإخوان المسلمون المعتدلون". وطبقاً لكاتبيها، روبرت إس . ليكن وستيفن بروك، وكلاهما من مركز نيكسون، فإن إسلامي مصر لن يُسرعوا فقط الدمقرطة لكن أيضاً سيخدمون أهداف السياسة الأميركية الأخرى. وقد جاءت هذه الدراسة بناءاً على تقرير عُرض في حلقة نقاشية في وزارة الخارجية أشار إلي مصلحة رسمية "أميركية" جديدة بالانفتاح علي الإخوان المسلمين.

إلي أي مدي يمكن أن تعتنق جماعة مستبعدة من قبل السلطة الديمقراطية؟
في محاولة للإجابة على هذا التساؤل المحوري يقتبس الكاتبان مقولة عبد الرحمن الراشد الكاتب الصحفي السعودي "المشكلة ليست في إعطاء السلطة إلى الإسلاميين، المشكلة [بعدئذ] ستكون استحالة أخذها من أيديهم بالوسائل الديمقراطية.". وهناك سبب قوي لاحترام تحذير الراشد وهو حقيقة أن جماعة الإخوان المسلمين ذاتها ليست ديمقراطية في داخلها. ولا يبدو موقف الجماعة من المرأة والأقباط واضحاً، فالموقف من المرأة يتمثل في أن "الرجال أعلي منزلة من النساء." وبالنسبة إلي الأقليات، رفض الإخوان حكماً صدر في أبريل 2006 يسمح للبهائيين بوضع ديانتهم في بطاقات الهوية. وفي مقابل تظاهرهم بالتمسك بالمبدأ الديموقراطي تؤكد المحاضرات التي يُلقيها بعض قادة الجماعة أن هدفها هو خلق خلافة جديدة في العالم الإسلامي.

وصحيح أن الجماعة لم تتورط في العنف وأدانت بشدة التفجيرات الإرهابية في مصر وبعض الدول العربية الأخرى. لكنها في المقابل استحسنت قتل الإسرائيليين عموماً والأميركيين في العراق علي اعتبار أن ذلك واجب "ديني" ولأن هاتين الدولتين (فلسطين والعراق) تقبعان تحت الاحتلال ولذا فلابد من طرد الاحتلال بأي طريقة ممكنة. ولا تعترف الجماعة بإسرائيل.علاوة علي ذلك تستمر الجماعة في التأكيد علي أهمية الجهاد. الذي هو، “بالطبع، لزوم استخدام القوة متى كانت الوسائل السلمية غير ناجحة."
ويري الكاتبان أن هذا الأمر ينطبق علي الفروع الأخرى للإخوان مثل الفرع السوري الذي وإن بدا الأكثر اعتدالاً لانتقادها مسودة البرنامج الحزبي للإخوان المسلمين في مصر. وفي المقابل تبدو النسخة الفلسطينية حماس. فقد كشفت الحركة عن توجهها الحقيقي تجاه الديمقراطية من خلال عصيانها المسلح في غزة وطموحها السريع والعلني لتكرار السلوك ذاته في الضفة الغربية. وإصرارها علي تدمير إسرائيل واعتبار أرض فلسطين "وقف" إسلامي مخصص للأجيال الإسلامية القادمة حتى يوم الحساب (القيامة). ولا ترغب حماس في التوقف عند رمى اليهود في البحر. فيضيف ميثاقها: " نفس الأمر ينطبق علي أي أرض، فتحها المسلمون بالقوة." بكلمات أخرى، بعد تل أبيب تأتي الأندلس، وضواحي فينا.
وبالإضافة إلي الإخوان ظهرت مجموعات إسلامية أخرى من بينها حزب العدالة والتنمية الذي يُعد المثال النادر لجماعة إسلامية وصلت إلي السلطة من خلال الديمقراطية. وبالرغم من أن أداء الحزب حتى الآن يُقوي من أطروحة أن هناك القليل للخوف من الإسلاميين الذين يصلون إلي السلطة بواسطة الانتخابات فإنه لا ينبغي تجاهل حقيقة أن الحزب ليس حرأ تماماً في توجهاته إذ عليه قيدان أحدهما خارجي حيث تفرض معايير العضوية في الإتحاد الأوربي قيوداً على تطبيق الأسلمة، والآخر داخلي هو الجيش . فهل يُظهر الحزب وجهاً مختلفاً إذا تحرر من هذه القيود؟.

إلي جانب ذلك ومن ضمن العوامل الأخرى التي تجعل من عملية التحالف مع الجماعات الإسلامية أمراً صعباً أن هذه الجماعات تمتلك تاريخاً مؤكداً من الخداع. فهناك التلاعب باللغة بل وبالألفاظ ذاتها. فبينما تعلن هذه الجماعات أنها تدين "الإرهاب" فإنها تصفق لقتل الأطفال الإسرائيليين كنوع من" المقاومة" حسب رؤية الكاتبين.

http://www.elaph.com/Web/WebForm/PrinterFriendlyVersion.aspx?isArchive=False&ArticleId=312582

طارق رمضان يكتب: المعادلة السلفية


 في الوقت الذي نتابع فيه التطورات السياسية في كل من غرب وشمال إفريقيا وكذا في منطقة الشرق الأوسط، لا بد لنا من أخذ "المعادلة السلفية" بعين الاعتبار، والتي لعلها تكون من بين التحديات الدينية والسياسية الأكثر مصيرية في السنوات القادمة. بعد مضيّ عام من انتفاضات الصحوة العربية، أخذت التنظيمات والأحزاب السلفية تلعب دوراً نشيطا بشكل متزايد في كامل منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
ويلاحظ أن المنظمات السلفية السعودية والقطرية نشيطة جداً على المستويين الوطني والدولي. إذ أنها تدعم تنظيمات سلفية أخرى في جميع أنحاء العالم، في دول غرب إفريقيا (كالسنيغال، مالي، النيجر، ونيجريا ..) وكذا في دول شمال إفريقيا (كالمغرب، الجزائر وتونس) كما تدعمها في الشرق الأوسط وآسيا (في مصر، لبنان، أندونيسيا، ماليزيا). ويمتد هذا الدعم ليشمل الدول الأوروبية والأمريكية نفسها. ويبقى دعم هذه المنظمات بالأساس إيديولوجيا وماليا، هدفه نشر خطاب إسلامي من نوع خاص عن طريق كتب، منشورات ومؤتمرات، وعبر بناء مساجد ومؤسسات.

كل التنظيمات السلفية تجمعها مقاربة شديدة الحرفية للنصوص الشرعية، مع إيلاء الأهمية عادة للتمظهرات المرئية للمرجعية الإسلامية في الحياة اليومية (أحكام شرعية وفقهية): السلوكات المباحة وغير المباحة (حلال أو حرام). نظام اللباس، والطقوس وغيرها.
أصبحت المقاربة السلفية النقلية تنتشر في الكثير من الدول (حتى في الغرب نفسه) كما تنتشر في أوساط الشباب لأنها تشجع فهماً للإسلام يُختزل في رؤية الأمور بالأبيض أو الأسود: (حلال ـــــ حرام). على المسلمين، كما يؤكد السلفيون، اعتزال التجمعات المحيطة الفاسدة وتجنب النشاط السياسي.

هذه الرؤية الثنائية للعالم (المسلمون ضد غيرهم، الشر ضد الخير، النقاء الديني المــحفوظ ضد النشاط السياسي المفسد) صاغت مع مر السنين موقفاً فكرياً يتأسس على الانعزالية، واتخاذ وضع دفاعي وإصدار تقييمات حادة (من ينتمي إلى الإسلام في مقابل من هو مبتدع خطير، أو حتى مطرود من الملة).

لم تذهب الغالبية العظمى من السلفيين إلى أبعد من مثل هذه التقييمات الفقهية: هناك أقلية جدُّ صغيرة ( تطورت في شبكات مغلقة ومهمشة) لها نفس الموقف الفكري الثنائي، قامت بتغيير موقفها الدفاعي إلى حركية سياسية عدوانية، وأحياناً عنفية، مانحة لنفسها اسم "السلفية الجهادية".
ليس هناك بشكل واضح أي علاقة إيديولوجية أو تنظيمية ما بين السلفيين النقليِّين والسلفيين الجهاديين، ولكن هؤلاء حملوا في الأوساط السياسية نفس الموقف الفكري الذي نجده منتشراً في صفوف النقليِّين فيما يخص القضايا التي تهم السلوكات (مع إضافة تبرير العنف ضد الأنظمة غير الإسلامية و"الفاسدة").

غير أنه بإمكاننا أن نسجل، في السنوات والشهور الأخيرة، تحولا في النشاط السياسي للسلفيين النقليِّين. فبعد أن كانوا يرفضون خلال عقود المشاركة السياسية رابطين الديمقراطية بالكفر (رفض الإسلام)، أصبحوا الآن ينشطون في السياسة.
شكلت أفغانستان في التسعينيات تجربة حاسمة حيث صار الطالبان (وهم تقليديون عارضوا أيضا في البداية المشاركة السياسية) القوة الرئيسية المقاومة للهيمنة الروسية، مدعومين من قبل النظام السعودي والولايات المتحدة الأمريكية.

واليوم، أصبحنا نُعايِن في كل من مصر وتونس، صعود تنطيمات سلفية نقلية نشيطة بل فعالة، مثلما هو عليه الحال مع الأحزاب السياسية التي تلعب دوراً نقدياً عبر إثارة النقاش وتعديل التوازن السياسي داخل الدول المعنية.

ليس للولايات المتحدة الأمريكية كما ليس للدول الأوروبية مشكل في التفاوض مع هذا النوع من الإسلام السياسي الذي طوره السلفيون النقليُّون، والذي نجده عند الكثير من إمارات النفط الخليجية: هذه الأنظمة تستطيع بكل تأكيد أن تعارض الديمقراطية كما تستطيع أن تعارض التعددية. لكنها رغم ذلك لا تعرقل بأي وجهٍ المصالح الاقتصادية والجيوستراتيجية الغربية في المنطقة أو على المستوى الدولى. بل إنها تعتمد على الدعم الغربي لها حتى تستمر في الوجود: هذه التبعية النافعة تكفي الغرب كي يعلل تحالفا واقعيا- مع الديمقراطية أو بدونها.

تعرف كل من إدارة الحكومة الأمريكية، وكذلك دول أوروبية أخرى، تمام المعرفة أن المنظمات السلفية المتمركزة في المملكة السعودية أو في قطر أو في دول أخرى من الشرق الأوسط، تستثمر الملايين في "الدول المُــحَـــرَّرة" وخصوصاً في تونس وليبيا ومصر. في الآونة الأخيرة (هناك تقرير لمؤسسة راند "RAND" ذكر رقما لافتاً: ثمانون مليون دولار أمريكي تم استثمارها قبل الانتخابات في مصر وحدها).

لماذا يا تُرى تقوم الدول الغربية بتقديم الدعم المباشر وغير المباشر للإيديولوجيات الإسلامية التي يظهر جلياً تعارضها مع إيديولوجياتها؟
بعد قرن تقريبا من الحضور الفعلي في الشرق الأوسط وبالخصوص بعد الحرب العالمية الأولى، فهمت الإدارات الأمريكية المتتالية جـــيّداً،كما فهمت مثيلاتها الأوروبية، كيف يمكنها أن تسيِّر وتستفيد من علاقتها بإمارات النفط الخليجية وكذا بالإيديولوجية السلفية التي تنتجها وتنشرها هذه الأخيرة. وتتحدد مزايا ذلك في ثلاثة أمور:

أولاً: إمارات النفط الخليجية وإيديولوجياتها مهتمة أولا وقبل كل شيء بالسلطة السياسية والمصداقية الدينية. فهي تولي الأهمية، على نحو محافظ وصارم، إلى المظاهر السياسية والتفاصيل الاجتماعية والشرعية، ولكنها تبقى من الناحية الاقتصادية رأسمالية ليبرالية لا تهتم كثيرا بالتقييم الأخلاقي الإسلامي للنظام الإقتصادي العالمي النيوليبرالي. بل إنها تساهم في حقيقة الأمر في تقدمه.

ثانيا: تشجيع الميولات السلفية في قلب المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة يساعد، في آن واحد، على خلق انقسامات داخلها، ومنع التيارات والحركات الإصلاحية القادرة على اتخاذ موقف نقدي تجاه السياسات الغربية (إسلاميين إصلاحيين، يساريين أو حتى بعض الدوائر الصوفية التقليدية) من أن تكتسب المصداقية الدينية المباشرة والطبيعية (وبالتالي أن تحصل على أغلبية معتبرة داخل مجتمعاتها).
بدل أن يدخل الغرب في صراع مباشر (الشىء الذي سيؤدي على العكس، إلى توحيد المسلمين) تكمن الاستراتيجية الأكثر فعالية بالنسبة له في تقسيم المسلمين حول الشرط الديني ذاته: الشيء الذي يعني تحويل التنوع الطبيعي بين المسلمين إلى أداة للتفرقة الفعالة والنافعة.

ثالثا: الانبعاث السلفي يخلق مشاكل وتوترات داخل المرجعية السنية، وكذلك بين المسلمين السنة والشيعة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هؤلاء يُعَدُّون منحرفين من طرف السلفيين النَّقليِّين. الشرخ السني ـــ الشيعي في الشرق الأوسط هو عنصر فعال في المنطقة، وبالخصوص عندما نقوم بتحليل الطريقة التي يعلن بها الغرب وإسرائيل تهديداتهما ضد إيران وطبيعة القمع المتواصل في سورية.
وحتى فيما يخص المقاومة الفلسطينية التي وحدت المسلمين تحت مسمى المقاومة الشرعية على مر السنين، صار الانقسام عميقا. من الآن فصاعدا أصبح الانقسام هو القاعدة في الداخل كما في الخارج، مع العلم بأن الحركية السلفية (التي لا تولي كبير اهتمام للقضية الفلسطينية) تحتد وتيرتها في صفوف المسلمين السنة، وكذا بين المسلمين السنة والشيعة.

يبقى هذا التحالف الاستراتيجي مع السلفيين النَّقليِّين في كل من الحقل الديني والحقل السياسي ضروريا بالنسبة للغرب، لأنه الوسيلة الأكثر فعالية للتحكم في الشرق الأوسط. حماية إمارات النفط الخليجية وحماية إيديولوجياتها الدينية مع تقسيم القوى السياسية القادرة على توحيد الصفوف ( مثلما هو الشأن بالنسبة للتحالفات بين العلمانيين والإسلاميين الإصلاحيين أو بالنسبة لخلق جبهة موحدة ضد السياسة الإسرائيلية) يستدعي تلغيم الدول ذات الأغلبية المسلمة من الداخل.

تواجه دول الشرق الأوسط الجديد، كما هو الحال بالنسبة لدول شمال وغرب إفريقيا، أخطاراً مهولة. ويلعب العامل الديني في ذلك دوراً أساسياً. وإذا كان المسلمون، والعلماء، والقادة الدينيون والسياسيون لا يعملون من أجل مزيد من الاحترام المتبادل والوحدة والتنوع المقبول فمن البديهي أنه لن يكون هناك ربيع عربي أو إفريقى متوج بالنجاح.

إن التدبير السيء والضعف الداخلي للمسلمين، سيتم استغلالهما لحماية إسرائيل من جهة وللتنافس مع الصين والهند من جهة ثانية. لذلك على الدول ذات الأغلبية المسلمة أن تبحث عن وجود لها كمجتمعات مستقلة لا أن تستمر في الاستجابة لأهداف عابثة مبيتة. يتحمل المسلمون مسؤولية تبني هذا الخيار، حتى لا ينتهوا منقسمين باسم الدين نفسه الذي يدعوهم إلى أن يتحدوا.

http://hespress.com/orbites/53765.html

الأربعاء، 15 أغسطس 2012

. تونسيات في المقاومة المسلّحة:متواضعة لكن حاسمة د.عميرة عليّة الصغيّر

‎. تونسيات في المقاومة المسلّحة:متواضعة لكن حاسمة

. تونسيات في المقاومة المسلّحة:متواضعة لكن حاسمة
د.عميرة عليّة الصغيّر

* سنوات الحسم مع الاستعمار :

تعتبر سنوات الخمسين من القرن الماضي سنوات الحسم مع الاستعمار الفرنسي في المغرب العربي إذ اندلعت المقاومة العنيفة والشعبية في تونس منذ بداية 1952 ([1])، وفي المغرب خاصّة منذ عزل السلطان محمد بن يوسف في أوت 1953، وفي الجزائر منذ 1 نوفمبر 1954 ([2]). ونظرا لطبيعة الاستعمار في كل من البلدان الثلاثة والخصوصيات المتعلّقة بكل حركة تحرّر في كل منها إذ كان الطابع العنفي المسلح هو الأساس في الثورة الجزائرية وازدواج العمل السياسي مع المقاومة العنيفة في المغرب وتونس ونظرا كذلك لاختلاف الوزن الديمغرافي والامتداد الجغرافي للبلدان الثلاثة فإن حضور النساء في المقاومة المسلحة كان هو كذلك متباينا من بلد إلى آخر.
في تونس، كانت مساهمة المرأة متواضعة في المقاومة المسلحة في الخمسينات وكذلك قبل ذلك إذا استثنينا اسمين أو ثلاثة شأن مباركة بنت عمر بن عبد الملك وحليمة بنت عمر بن عبودة زوجة عبد الله الغول وقد شاركتا في إحدى معارك انتفاضة المرازيق (1943-1944). إذ في أعمال "الإرهاب الوطني" في المدن (اغتيالات المتعاونين، حرق أو تفجير رموز التواجد الاستعماري، قتل عناصر استعمارية...) أو في غيرها، لم نسجّل مثلا تورّط أي امرأة في عمليات مثل هذه طيلة الخمسينات ولا يعني ذلك أنه لم توجد بعض النساء اللواتي حملن أسلحة أو خبّأن متفجّرات في منازلهنّ ([3]). كذلك الأمر في حركة المقاومة المعروفة بحركة "الفلاّقة"، إن كانت في فصلها الأول (جانفي 1952- ديسمبر 1954) أو في فصلها الثاني (ديسمبر 1955- جويلية 1956)، والتي انخرط فيها بين 1952 و1954 حوالي 3000 مقاوم. وفي فصلها الثاني ما بين 600 و700 مقاوم لم تسجّل أسماء مقاومات صعدن للجبل إلا لثلاث نعود لهنّ لاحقا. منهنّ اثنتان تحصّلتا على "بطاقة أمان" (يسميها المقاومون "بطاقة دولاتور" نسبة إلى المقيم العام الجنرال بواييي دولاتور (Boyer de Latour) وهما حسينيّة رمضان عميّد من عصابة الأزهر الشرايطي وكذلك رفيقتها الجزائرية موساوي مسعودة والمعروفة بمحجوبة منصور تحت نفس القيادة ([4])، والتي استشهدت حاملة السلاح في الثورة الجزائرية بالأوراس ([5]). دون الثلاث هؤلاء، لا تذكر المصادر المتاحة حاليا ولا كذلك كل الذين درسوا المقاومة المسلّحة في تونس في الخمسينات أسماء نسوة أخريات. هل يعني ذلك أن المرأة لم تشارك في هذه المقاومة؟ طبعا لا. لقد شاركت النسوة خاصة اللواتي كنّ في علاقة قرابة مع المقاومين كزوجات أو أخوات أو بنات في دعم المقاومة اللوجستي، بتحويل الأسلحة وخاصة توفير المؤونة واللباس ونقل المعلومات أو الاستخبار، ولنا في الأمثلة التالية نموذجا من مساهمة المرأة التونسية في حركة المقاومة المسلحة:
- خضراء الزيدية صعدت إلى الجبل مع زوجها ([6]).
-مبروكة بنت محمد زوجة المقاوم حسن الغيلوفي: استقبال المقاومين وإيوائهم وحفظ أسرارهم وتعرّضها للتهديد من القوات الاستعمارية ([7]).
-حسينيّة رمضان عميّد: حملت السلاح مع الأزهر الشرايطي، فجّرت جسرا على وادي المالح بين قفصة وزانوش، تحصلت على "بطاقة دولاتور".
-محجوبة الموساوي: مقاومة وصحافية في عصابة الشرايطي، تجمع المعلومات.
-ريم المسّية: من المكناسي زوجة مناضل، مموّلة للمقاومة وتخيط زي المقاومين.
-محبوبة حرم عبد الحفيظ الحاجّي:أبنها المقاوم حسين الحاجّي، من أولاد الحاج سيدي عيش، مموّلة للمقاومة.
-دُولة بنت محمد الصالح عميّد: مخبرة تنقل الأخبار تحت غطاء تاجرة متجوّلة.
-تونس حرم العربي الرّاهم السلاّمي: من أولاد سلاّم، مموّلة "للثورة" مع زوجها، من كاف دربي (معتمدية قفصة الشمالية).
-محبوبة الحاج شكري: زوجة عبد الحفيظ الحاجي من سيدي عيش، مموّلة.
-عسريّة حرم أحمد اليحياوي: من سقي المظيلة، مموّلة وتأوي وتداوي المقاومين.
-الحاجة زهرة نصيب دُولة: من قصر قفصة، امرأة ثرية تموّل بالمال "الثورة".
-الطاوس حرم الأزهر الشرايطي: تدعم زوجها وجرحت في إحدى المعارك مع زوجها.
-محبوبة الفيلي: الملقّبة بالزعيمة من القصرين من جبل السلّوم، مموّلة. ([8])
ويبدو أن هذه القائمة من أسماء المناضلات اللواتي ساهمن في المقاومة المسلحة بالجنوب الغربي تحت قيادة الأزهر الشرايطي، لم تكن الوحيدة، خاصّة وأن عصابات المقاومين كانت تنشط من الجنوب إلى الشمال وخاصة في الجزء الغربي من البلاد وهي كثيرة ويتوجّب استكمال البحث فيها والكشف عن الفاعلين من النساء ضمنها والّلواتي أهملهنّ التاريخ.


([1]) راجع في هذا الموضوع: -عميرة عليّة الصغير، المقاومة الشعبية في تونس في الخمسينات، انتفاضة المدن، الفلاقة، اليوسفية، صفاقس، التسفير الفني، 2004.-عميرة عليّة الصغير وعدنان المنصر، المقاومة المسلحة في تونس (1939-1956)، نشر المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، 2005.

([2]) بالنسبة للمقاومة المسلحة في المغرب الأقصى نشرت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير سلسلة من أعمال الندوات غطّت تقريبا جل أنشطة المقاومة المسلّحة الفدائية وأعمال جيش التحرير، أما بالنسبة للجزائر، فإن قائمة الدراسات التي تناولت حرب التحرير طويلة جدّا. وسوف نحيل على المصدر المعني في حينه.

([3]) انظر مثلا: جماعي، نساء وذاكرة، تونسيات في الحياة العامّة 1920-1960، تونس، مطبعة مدياكوم، 1993، ص 46. تذكر أسماء مناضلات شاركن في أعمال من هذا القبيل شأن أم السعد بن يحي، العربية بنت مختار، خديجة طبال، وزهرة الحسومي.

([4]) حول هذه المقاومات معلوماتنا من البشير الغيلوفي ابن المقاوم حسن الغيلوفي (من بني زيد الحامّة) في لقاء معه في 27 مارس 2006 وخاصة من المقاوم والكاتب الشخصي للأزهر الشرايطي طيلة "حرب التحرير" السيد عبيد بن منصور الشرايطي، وذاك في قفصة في لقاء معه في 8 أفريل 2006.

([5]) ولدت موساوي مسعودة بجيجل بالجزائر سنة 1920 وهاجرت مع عائلتها لتونس لتستقر برادس. وعند اندلاع المقاومة المسلحة التحقت بالمقاومة بمجموعة الأزهر الشرايطي وكان دورها إعلامي، أساسا. باندلاع الحرب التحريرية في الجزائر التحقت بالثورة لتستشهد في الأوراس سنة 1957. أفادتنا بهذه المعلومات أختها المناضلة ليلى موساوي في لقاء جمعنا بها بالجزائر العاصمة في 3 جويلية 2005. انظر كذلك حول المقاومة محجوبة كتاب الطبيب في جيش التحرير الجزائري بتونس محمد التومي:
Dr. Mohamed Toumi, Médecin dans les maquis, Guerre de Libération Nationale 1954-1962, Paris, Sde, pp. 161-162.

([6]) انظر مداخلة عروسية التركي حول هذه المقاومة ضمن أعمال هذه الندوة.

([7]) شهادة ابنها البشير الغيلوفي، نفس المصدر.

([8]) أفادنا بهذه المعلومات كاتب الأزهر الشرايطي المقاوم عبيد بن منصور في لقائنا معه بقفصة في 8/4/2006.


( مقتطف من كتابي : اليوسفيّون و تحرّر المغرب العربي

الجمعة، 3 أغسطس 2012

التنمية في ظل استشراء مظاهر الفساد المالي أي معنى؟ علي محمد شرطاني

التنمية في ظل استشراء مظاهر الفساد المالي
أي معنى؟

لا حديث عن حركة تنموية ناجحة بدون برنامج تنموي واضح وجاد يقوم أولا وأساسا على:
ـ رأسمال وطني تتوفر له كل شروط النماء والتطور والنجاح في إطار منظومة قانونية تحميه،بعيدا عن الإستغلال والرشوة والمنافسة غير الشريفة، وبعيدا عن مخاطر السوق الموازية، وعن الضرائب الثقيلة التي تثقل كاهله وتعيق نماءه وتعرقل تطوره، وفي إطار إكرام الإنسان لأخيه الإنسان، وإعطاء الأجير أجره قبل أن يجف عرقه، وتمكينه من حقوقه الكاملة حتى يكون أكثر إنتاجا وأكثر عزيمة وحرصا، وحتى يتخلى عن الإهمال، وينصرف عن اللا مبالاة، ويتجنب الإتلاف، وينتهي عن السرقة، وينسى التواكل. لأن رصيد الرأسمال الوطني هو الإنسان ا لعامل المنتج، ورأسمال العامل الوطني المنتج هو الرأسمال الوطني، فلا غنى للواحد عن الآخر لمن أراد المعادلة الكاملة لتوفير أكثر ما يمكن من ضمانات النجاح.
فللحركة التنموية الناجحة شروطها الأساسية التي لابد منها والتي هي في الحقيقة من شأن أهل الإختصاص والذكر الذين حين لا يتحركون يجد متطفل مثلي نفسه مضطرا إلى القول فيه بما لا يفي بالغرض في الموضوع ، والتي منها على سبيل الذكر لا الحصر:
ـ الحرية: فلا تنمية بدون حرية. وقد رأى العالم كله كيف أن أمبراطورية كاملة قد انهارت بفعل طبيعتها الدكتاتورية والقهرية المصادرة لإنسانية الإنسان، في وقت مازالت تمتلك فيه الكثير من أسباب القوة الأخرى. وبدون تحرير المبادرة للمواطن كي ينصرف إلى ساحات الإبتكار والإبداع في ميادين كل مناشط التنمية الإقتصادية والمالية، في إطار ثقافة تقديم الواجبات عن الحقوق، وبعيدا عن ثقافة الرأسمالية المتوحشة التي لا اهتمام فيها إلا بالحقوق، ولا تكاد تعترف بشيء من الواجبات إلا ما يفتك منها افتكاكا.
فالإنسان الحر هوا لذي يحسن الكر والفر ،والتنمية كر باتجاه الفعل الإقتصادي في ميادين الصناعة والتجارة والزراعة والخدمات المنتجة المختلفة لتحقيق أكثر ما يمكن من الربح المشروع، وإنتاج أكثر ما يمكن من البضاعة بأكثر ما يمكن من الجودة، في أقل ما يمكن من الوقت وبأكثر ما يمكن من العمالة أيضا. لأن صاحب رأس المال الوطني، بقدر ما هو مطالب بالمحافظة على ذلك الرأسمال وبقائه وإنمائه، بقدر ما هو مطالب أيضا باستيعاب أكثر ما يمكن من اليد العاملة الوطنية المختلفة. وهي فر باتجاه المحافظة على رأس المال بعيدا عن الخسارة والإفلاس، على الأقل في حال عدم القدرة على إنمائه، للمراجعة والبحث عن أسباب ذلك
ـ الأمن: أي الأمن المحقق للإستقرار التلقائي الهادئ والطبيعي، وليس ذلك المفروض بقوة السلطة التنفيذية من أصحاب النفوذ والمصالح، أو الخوف من مصادرة الأرزاق والممتلكات، وإثقال الكاهل بالضرائب، بما يوقع المنتج أوالناشط الإقتصادي في التهرب الضريبي وتهريب الأموال واعلان الإفلاس المغشوش وتجميد الرساميل وإخراجها من الدورة الإقتصادية وهو كاره أحيانا، لينسحب ذلك سلبا بالطبع على حركة التنمية، ووضع البلاد والعباد في صعوبات اقتصادية ومالية قد يكون الأجنبي هو المستفيد الوحيد في النهاية منها .
ـ الديمقراطية السياسية: ويكون ذلك في إطار فسح المجال لكل أبناء الشعب للمساهمة في بناء البلاد وتنميتها على كل الأصعدة وفي كل المستويات، من خلال التنظيمات السياسية الحرة المختلفة المناهج والمشارب والبرامج، والجمعيات المستقلة. وفسح المجال لحرية التعبير والإعلام والنشر والتوزيع والتداول السلمي على السلطة، ليكون التنافس من أجل تنمية حقيقية عن طريق البرامج و الإحتكام الى الشعب بكل حرية وشفافية ونزاهة وتواضع ونكران للذات لصالح الوطن والشعب .
هذا التنافس من أجل الصالح العام هو الذي ينهي النهب والفساد وسوء التصرف في المال العام. وينهي المحسوبية والرشوة والتحيل والفساد الإداري واستغلال النفوذ وكل هذه الأمراض التي لا حد لها على الأقل.
ـ استقلالية القضاء: بما يعني أن يكون القضاء آخذ موقعه بالبلاد كسلطة قضائية مستقلة كما ينص على ذلك دستور البلاد لا مجرد سلك قضائي كما يتردد على لسان الرسميين في السلطة التنفيذية وفي خضوع كامل لها توظفه كيف تشاء.
ذلك أنه لا عدل بدون استقلال القضاء ولا تنمية في ظل الجور والظلم و الإستبداد والفساد ولا يستقيم القول بتنمية سياسية ولا اجتماعية ولا ثقافية ولا اقتصادية بدون استقلال القضاء لتحقيق العدل بين الناس لأن القضاء المستقل وحده هو الكفيل بتحقيق المساواة لا بين المحكومين وحدهم ولكن بين الحاكم والمحكوم وبذلك فقط يتم القضاء على جل إن لم يكن على كل الآفات المعيقة لحركة وبرامج التنمية كالرشوة والمحسوبية والفساد المالي والإداري واستغلال النفوذ. و إذا كان استقلال القضاء ركن من أركان النظام الديمقراطي فانه لا ديمقراطية بدون سلطة قضائية مستقلة ولا تنمية حقيقية كذلك بدون ديمقراطية ونظام قضائي مستقل .
ـ المحافظة على القطاع العام: ذلك أن تنمية حقيقية لا يمكن أن تتحقق في ظل مغادرة الدولة نهائيا للحركة الإقتصادية وعدم الإشراف على ادارة مشروع التنمية،و وضع كل القطاعات الإقتصادية والمالية وقطاع الخدمات الهامة بين يدي الخواص والرأسمال الخاص الأجنبي خاصة، والذي فيه ما يشبه التفريط في السيادة على الأوطان.
فلابد أن تنصرف الدولة ولو عن بعض شروط المؤسسات المالية الدولية. و أن تعمل على المحافظة على كل القطاعات الإستراتيجية والحيوية لتظل ملكا لها، لأن ملكيتها لها ليس لها من معنى غير ملكية الشعب لها.
أما التفويت فلا يعدو إلا أن يكون تسليم ملك الشعب من خلال الدولة للأثرياء من أصحاب الرأسمال الوطني ـ وهو الأمر الأقل خطورة في الموضوع ـ أومن أصحاب رأس المال الأجنبي الذين يستطيعوا أن يغادروا في أي لحظة شاءوا و مهما كانت الضوابط والإلتزامات والقوانين والإتفاقيات. لاسيما وأنهم هم الذين لم يدخلوا بلد كبلدنا إلا بشروطهم ، وهم الذين يستطيعوا أن يغادروا في أي لحظة شاءوا وكلما أرادوا أن يسقطوا البلاد كأي بلد آخر في أزمة اقتصادية وسياسية، مثلما فعلوا في نمور اقتصاد دول جنوب شرق آسيا من قبل. أوكلما حلت بها ظروف استثنائية تضطرهم الى المغادرة الى حيث الإستقرار والربح السهل والأكثر وفرة
وبقدر ما تكون البيئة السياسية والثقافية والإجتماعية من شروط نجاح التنمية الإقتصادية، فان البيئة الطبيعية ونظافة المحيط، هي كذلك من أوكد هذه الشروط ، بما للتربة والماء والهواء من قيمة ومن تأثير على نجاح خطط التنمية وبرامج تطوير الإقتصاد في أي بلد من بلدان العالم، وبما للتلوث من خطر على البيئة وعلى الإنتاج والإنسان، وعلى كل ما بالأرض برا وبحرا وجوا من حيوان وجماد ونبات. فالكل في تونس يعلم اليوم أن من أكثر الأمراض استفحالا في ولاية قفصة مثلا هو مرض السرطان جراء ما يتزود به فيهاالمواطنمن سموم ينفثها المعمل الكيمياوي بالمظيلة يوميا، وعلى امتداد مساحات كبيرة في مدة أكثر من عشرين عاما. هذا المعمل الذي ينتج الموت للإنسان والحيوان والتربة والنبات، قد تم تحديد موقعه بعناية فائقة، بحيث يجب أن تلحق أضراره كل المناطق المحيطة به والقريبة منه. فقد كانت الجهات المعنية والمسؤولة حريصة على أن يتوسط المنطقة الفاصلة بين كل من معتمدية القطار ومعتمدية القصر المتصلة عمرانيا بوسط مدينة قفصة، وليكون أقرب فقط لمركز معتمدية المظيلة، لتكون تلك خطة عادلة يكون كل أبناء هذه الجهات والمناطق قد تقاسموا بالسوية هذه الأضرار،لا بأن ينقص ما يلحق هذه تلك، ولكن ليلحق الكل نفس الضرر وبنفس القدر. والكل يعلم اليوم أن واحتي كل من قفصة والقطار آخذة كل واحدة منها طريقها وبخطى حثيثة الى الزوال بفعل ما أصبح يصيبهما وباستمرار من سموم التلوث في التربة وفي الماء وفي الهواء
ـ ثم انه لا تنمية بدون تعدد مصادر الإنتاج الصناعي والتجاري والزراعي: وتكامل هذه المصادر والقطاعات في ما بينها.
فلا تنمية حقيقية بدون إزالة مصادر التلوث، وبدون توفير مصادر المياه وإحياء الأراضي، وبدون تكامل القطاعات الحيوية الإستراتيجية./
فلكم ظلت ولاية قفصة مثلا معولا فيها على قطاع مناجم الفسفاط ، بدون أن تتم معاضدته بأي قطاع زراعي وتربية للماشية في بيئتها الطبيعية، ومن ثمة أي نشاط صناعي وتجاري حيوي آخرفحتى بعض المعالم التاريخية التي يعول عليها في القطاع السياحي، لم تتم العناية بها بما يجعلها أكثر استقطابا للزوار والسياح. فقد ظل محافظا على الإحاطة بالجفاف لهذه المناطق المنتجة للفسفاط إلى أن اختفت فيها الكثير من الحيوانات البرية والطيور النادرة بالهجرة أو بالإنقراض، وبعض الحيوانات الأهلية بالإستغناء عنها وتهميش العناية بها رغم مناسبة البيئة لها، ورغم عدم كثرة كلفتها، ورغم صلاحيتها لتزويد السوق باللحوم وبعض ما توفره على مربييها على الأقل من ألبان، كالإبل التي نشأ توجه جديد في السنوات الأخيرة لإعادة الإعتبار لها وإرسال قطعانها مرة أخرى مثلما كانت عليه من قبل وقبل عقود من الزمن .
فالتنمية: وطنية أولا، ثم عناية وجدية وحزم وصدق في التعامل مع قضاياها وقطاعاتها ومجالاتها، والعمل باجتهاد ومسؤولية ومثابرة على استكمال شروط نجاحها بدءا بالإنسان وانتهاء بالبيئة برا وبحرا وجوا، وبأغطيتها الخمسة المعروفة المكونة من الغطاء المائي، والهوائي، والنباتي، والصخري، والحيواني .
ـ فقد كان القطاع الزراعي بولاية قفصة مثلا، قابلا للتطور ووفرة الإنتاج و توفير عامل الجودة أيضا. إلا أن مسالك توزيع المنتوج ومصارف الإيداع وضيق مساحات الترويج أعاقته، وكانت من العقبات الكأداء في طريقه. إضافة الى ارتفاع الكلفة من خلال ارتفاع أسعار قطع الغيار والبذور الحية التي زادها التعديل الجيني وعدم قدرة الفلاح على التعامل الإيجابي معها خطورة وتعقيداـ بعد أن تم التفريط في بذورنا الحية الطبيعية ـ إضافة الى ما يمكن أن يترتب عنها من أمراض ومخاطر مازالت محل اختلاف نفيا وإثباتا بين الخبراء والمعنيين بهذا الموضوع ـ والإرتفاع المستمر للوقود والأسمدة، والمكوس المسلطة على المنتوجات الزراعية النازلة بالأسواق الأسبوعية خاصة، تلك التي تم التفويت فيها من قبل البلديات للخواص، الذين رأيت بأم عيني أن أعوانهم يتعاملون مع المنتجين وكأنهم شركاء معهم في منتوجهم. وغيرها من العمليات والضروريات اللازمة لهذا القطاع مما جعله يتراجع الى أدنى حد له. وأخذ الفلاحون في الأرياف يبحثون عن التخلص من زراعتهم التي أصبحت بذلك غير مربحة بما فيه الكفاية وقد أصبح منهم من ليس محافظا على مكانه إلا اضطرارا ، ويبحثون عن مناشط تجارية أخرى أكثر ربحا وأوفر حظوظا في النجاح فيها، مما يزيد حركة النزوح سرعة، ويزيد الفئات المهمشة حول المدن كثافة أضف الى ذلك نقص الإمكانيات المادية التي عادة ما تكون في شكل قروض غالبا ما يجد الفلاح نفسه مضطرا لإنفاق الجانب الكبير منها على عياله، وهو الفقير المدقع الفقر، ويفلح بالباقي ما يستطيع فلحه في أرضه على أي نحو كان تقسيط الجهات المانحة لها له والتي لا يستطيع في النهاية لها إرجاعا. وهو الذي يستثمر ذلك الباقي من الأقساط في زراعة الخضر التي غالبا ما يبيعها للمستهلك مباشرة، أمام منافسة ووفرة في الإنتاج في عرض يفوق الطلب بكثير أحيانا، إضافة الى ضعف المقدرة الشرائية للمستهلك، فيكون مردودها بذلك أقل مما يجب أن يتوفر له من الربح، مما يغطي مصاريفه، وما ينفق منه على معاشه، وما يستطيع أن يسدد به منه الديون المتخلدة بالذمة في مواعيدها أو حتى في غير مواعيدها .
تلك هي الصورة التي عليها واقع الكثير من المناطق الريفية أو مناطق الريف كلها في إطار حركة التنمية الريفية خاصة، في بلادنا سواء في ميدان الزراعة أو تربية الماشية أوالصناعات التقليدية، على خلفية تنمية تلك المناطق، وتعزيز حركة الإقتصاد الوطني، وتثبيت أهاليها وأصحابها فيها، في محاولة لمنع أو الحد على الأقل من النزوح، فان المنح والقروض الموجهة لهذه المناطق، والمسندة لطالبيها من أصحاب هذه الجهات الريفية في مختلف مستوياتها، والى مختلف الجهات الفقيرة أصلا، عادة ما يتم صرفها في غير ما منحت لصرفها فيه، لتكون النتيجة أن لا يقع العثور في النهاية على الأموال والعينات المسندة للجهات الممنوحة، ولا على المشاريع المطلوب إقامتها لإحداث التنمية الجهوية والريفية، ولا تعاد الإعتمادات المالية أوالعينية الى الجهات المانحة، ولا تبرأ ذمة المدان المقترض من الدين، ليظل في مواجهة العجز المستمر لسدادها، ولتذهب بذلك الأموال الى غير رجعة. ولعل ملاحقة هؤلاء بالعقوبة البدنية يكون واردا، من يدري ؟
وليظل الفقر والفاقة والبطالة والنزوح أسياد الموقف في تلك الأوساط والربوع دون أن يعني ذلك عدم وجود بعض حالات النجاح والتوفيق.
فلا بد والحال هذه من البحث عن حلول صحيحة وأكثر جدية، وان بمزيد الإنفاق على ذلك، وفي إطار حياة سياسية حرة وديمقراطية وعادلة، تحفظ الأموال، وتحدث التنمية المطلوبة، وتتقدم خطوات في حل مشاكل البطالة والفقر، وتفرض الإستقرار، وتنهي النزوح
ولعل بعض الحلول الممكنة حين لا يوجد أفضل منها وأقوم، وان كان بما يكلف المجموعة الوطنية المزيد من النفقات، ولكن لا بأس بذلك، إذا كان ذلك مما يمكن أن يكون من الممكن أن نتدارك به السلبيات والنقائص، بل والخسائر التي سبقت منا الإشارة إليها سالفا. وهو أن تتدخل الجهات المانحة أو المقرضة لإنجاح برامج التنمية عموما، والتنمية الريفية خصوصا، بصفة خاصة لتشغيل الأطراف والأفراد الممنوحين أو المقترضين في أراضيهم أو مشاريعهم بأجور محترمة تقع إضافتها الى مجموع أقساط القروض والمنح الواقع توجيهها الى مستحقيها لمدة تكون ـ من خلال مراقبتهم في ذلك ـ كافية لأن تعطي تلك المشاريع من الإيراد ما يصبح به المستحق قادرا على تغطية نفقاته الضرورية اليومية، وتحويل باقي إيراد فائض الإنتاج بعد المصاريف اللازمة الى الجهات المقرضة بحسب الصيغ القانونية المتفق عليها، لإستخلاص تلك القروض. وذلك من الحلول التي تخرجهم من دائرة الإضطرارللتصرف في ما تمت الموافقة لهم عليه من قيم مالية، وصرفها في ما كانوا يجدون أنفسهم مضطرين لصرفها فيه، من مآرب وأغراض فردية وجماعية تقتضيها ضرورة العيش والحياة، خاصة عندما يتعلق الأمر بجعل تلك الأموال في مشاريع طويل أمد جني ثمارها وإعطاء ايرادها، وغير سريعة الإنتاج كالبقول والأشجار المثمرة .
ولعل ذلك يكون مناسبا وكافيا وضامنا لنجاح بعض برامج التنمية في بعض الجهات، ولسداد الديون، ولصون المال العام، ولإنهاء بعض نسب البطالة، ولتحقيق تثبيت أكثر ما يمكن من الناس في بيئتهم ومحيطهم، ولقطع الطريق أكثر ما يمكن أمام النزوح والزحف على المدن. /
أما التنمية الصناعية والتجارية وفي قطاع الخدمات فقد أصبحت ـ في ظل سياسة التفويت في القطاع العام وانسجاما مع التوجهات الجديدة للرأسمالية المتوحشة في سياق الحركة الإستعمارية الحديثة في إطار نظام العولمة الذي تشرف عليه الأمراطورية الأمريكية، وتعمل على فرضه بقوة السلاح والعقوبات الإقتصادية ،وغير ذلك من الأساليب والضغوطات المختلفة، وانسجاما كذلك مع سياسة واملاءات وشروط المؤسسات المالية الدولية المدانة شعوبنا لها، والمعادة جدولة ديوننا لديها، ووضع اقتصاد البلاد وبرامج التنمية بين يدي الرأسمال الخاص، وتوجه الدولة التي يجب أن تصبح بعد ذلك دولة أصحاب رؤوس الأموال نحو الإكتفاء بجمع الضرائب سواء على المستهلك العادي أو على هذا الرأسمال الخاص ـ مقتصرة على تنمية الرأسمال الخاص وأخذ الضرائب .
هذه الضرائب التي غالبا ما تكون مرتفعة، مما يجعل المواطن العادي وبصفته مستهلكا وأجيرا أو موظفا الأكثر تضررا. لأنها تضاف الى الأسعار الملزم بدفعها للسوق المزودة له بالسلع الإستهلاكية، ويتم خصم تلك المسلطة على إيراده الشهري مباشرة من راتبه أو أجره، ثم يأتي بعد ذلك دور صاحب رأس المال ـ الذي وان كان لا يختلف في التزامه بدفع الضرائب المجرات على السلع الإستهلاكية عن الموظف والأجير بصفته مستهلكاـ فان الأمر يكون مختلفا فيما يتعلق بالدفع الضريبي باعتباره منتجا ومؤجرا هذه المرة، و لأن ارتفاع الضرائب يترتب عنه حتما لدى الجشع الرأسمالي تزوير حقيقة الدخل وتفشي ظاهرة الرشوة والتهرب الضريبي بما ينقص أكثر ما يمكن من القيم المادية الواجبة الدفع، مما يمكن أن يكون سببا في ضعف إيرادات الخزينة العامة، وذلك ما قد يضطر السلطة التشريعية فالتنفيذية أحياناـ وتفاديا لإعلان البعض الإفلاس، وحرصا من الدولة على المحافظة على استمرار هذه القطاعات في الوجودـ إذا كانت هناك رغبة في ذلك طبعا، وإذا كان تقدير المصلحة الوطنية يتجه نحو ذلك، وإذا كانت هناك جدية في التعامل مع هذه القضايا الحيوية بروح وطنية عالية ـ لتوفير أكثر ما يمكن من حظوظ الدفع الضريبي ،وللمحافظة على استيعاب مؤسسات هذه القطاعات المنتجة أكثر ما يمكن من اليد العاملة المختلفة ـ أن تقدم لأصحابها من التسهيلات ومن التشريعات ما يخفف من تلك المخاوف، وتتحقق به تلك الأهداف .
أن هذه اليد العاملة هي التي ـ من موقع المضطرـ توفر على الأعراف فائضا كبيرا من الوقت زائدا عن الوقت القانوني وبدون مقابل، وهم الذين ليس أمامهم ـ في إطار إتباع سياسة الخوصصة والتفويت في القطاع العام، و في غياب نظام ديمقراطي تعددي حر مستقل وشفاف يمارس فيه الشعب صاحب السيادة عن طريق مؤسساته ومكونات مجتمعه المدني والسياسي الرقابة والمحاسبة، ويمكن فيه لحقوق الإنسان بكل مسؤولية وهو الضامن لها ـ إلا أن يرضوا بذلك ويقبلوا به تفاديا للطرد، ومقابل العمل على مزيد استيفاء شروط الإستمرار في الشغل، وبكامل شروط الأعراف . وغالبا ما يكون العمال في مثل هذه القطاعات، وفي إطار هذه السياسة الإقتصادية المفروضة، وفي غياب كل شروط وتشريعات نظام السوق الضامنة ولو للحدود الدنيا من حقوق العمال، في بلد لا يعرف فيه الكائن البشري الحي عموما صفة للمواطنة ـ بدون ترسيم، وفي أعداد غفيرة منهم محرومين من كل الضمانات، و حتى من بعض الحقوق التي تكفلها لهم بعض القوانين المنظمة للحياة المهنية، في التغطية الإجتماعية وغيرها. لتكون النتيجة أن الخاسر الأكبر في سياسة هذا النظام الجائر الوافد علينا من حيث تولد المصائب و الشرور، ومن حيث لا يفد علينا منه إلا ما قل وندر من الخير، هو العامل. وليظل ـ وهو العنصر الأنشط في عملية الإنتاج وفي حركة الإقتصاد ـ هو الأضعف. وهو الذي عليه في النهاية القسط الأكبر حتى من الدفع الضريبي العائد الى الخزينة العامة. وهو الذي يعود منه ذلك للأعراف كذلك، ومن ثمة للرأسمال الخاص في حال عدم الترسيم وفي حال غياب حتى بطاقة خلاص له في أحيان وحالات كثيرة. وهو الذي لاحظ له في القطاع العام الذي أصبح مزودا لساحات البطالة بالآلاف من المسرحين من الشغل. والذي ليس أمامه إلا الغرق في وحل البطالة أو الإستغلال الفاحش، سواء من طرف سلطة الإشراف السياسي بدفع الضرائب و الآداءات والمكوس، أو من طرف الأعراف وأصحاب رؤوس الأموال المحليين منهم والأجانب، الذين وضع اقتصاد البلاد بين أيديهم .
فهو الذي كمستهلك يدفع ضريبة القيمة المضافة المرتفعة جدا، والمسلطة على جل إن لم يكن كل السلع والخدمات الإستهلاكية الضرورية، وغيرها من الضرائب الأخرى الكثيرة المختلفة الثقل، كتلك المسلطة عليه على استهلاك الماء والكهرباء والهاتف والعتبة وحق الجولان في بنية أساسية وشبكة طرقات ومسالك توزيع مهترئة تفتقر لأكثر مواصفات وشروط السلامة، في بلاد مقبلة على تنفيذ اتفاقيات شراكة مع دول الإتحاد الأروبي ابتداء من سنة 2007، مقابل مضاعفة هذه الضرائب والأداءات كل عام،
من غير أن يرى بعدها أثرا يذكر على تلك البنية الأساسية. فالطرقات ـ وفي جانب كبير منهاـ هي هي. وهي التي في جانب منها مازالت تلك التي مدها المستعمرون الفرنسيون لبلادنا فيها لنقل أكثر ما يمكن ـ في إطار حركة النهب الإستعماري لثرواتنا ولعقود من الزمن ـ منها الى حيث ينتفع بها من ليس له حق في الإنتفاع بها. والى حيث تصنع الأسلحة التي يقتلون بها أبناء شعبنا، وكذلك الجسور والموانئ والمطارات ـ عدى بعض الإصلاحات والإضافات القليلة التي لا تفي الى الآن بالحد الضروري لتسهيل تنقل المسافرين ونقل البضاعة، قياسا دائما لما كان يجب أن يكون عليه الوضع في إطار الزمن، وقياسا للإعتمادات المالية التي من المفروض انه يتم رصد ها لها، والتي من المفروض أن يكون دائما لمستعمليها القسط الأكبر منها ./
فكل هذه العوامل الواقعية التي نعيشها معرقلة في الحقيقة لبرامج التنمية، وليست عوامل إنجاح ودفع وتحسين لها، رغم المجهودات التي تبدو مبذولة باتجاه انجاحها . ولكن الفساد المالي والإداري، وإسناد المسؤوليات على أساس الولاء الحزبي، وليس على أساس الكفاءة والحرفية والصدق والإخلاص والقدرة على الإبداع ،هو الذي يأتي على رأس أسباب فشل برامج التنمية في مختلف قطاعات الإنتاج في بلادنا.
ومما يزيد برامج التنمية ضعفا تلك الأرصدة المالية المجمدة بالبنوك التي يعمل أصحابها على تجنب المغامرة، بروح لا وطنية، وبعيدا عن المسؤولية، وبانتهازية وأنانية فائقة، في إدخالها في الدورة الإقتصادية مباشرة، في توق الى اكتفاء بالربح ألربوي المحرم السهل الذي تدره عليهم كل يوم أو كل شهر أوكل سنة. أو باستثمارها في قطاعات غير منتجة وغير مفيدة للإقتصاد الوطني ( كقطاع البناء لغرض الإيجار مثلا وغيره من القطاعات…).
هذه الأموال التي كان يمكن أن يوجد من التشريعات بعيدا عن الموروث التشريعي الرأسمالي الإستعماري الضامن للملكية الفردية والمقدس لها ما يجيز للدولة أن تتدخل لتفرض ـ إذا لزم الأمرـ على أصحابها إلحاقها بدورة اقتصاد البلاد على غير النحو السلبي الموجودة به، وإدراجها في برامج التنمية في مشاريع وقطاعات منتجة تعود بالنفع على البلاد والعباد، وفق دراسات علمية تتوفر لها بها كل أسباب وشروط النجاح. وأن تصادر منهم إذا لزم الأمر فوائدها وأرباحها وإيراداتها للصالح العام، أواعطائهم حق التمتع ببعضها مع الإحتفاض لهم بحقهم في الأصل و ضمانه لهم وفق صيغ قانونية محددة. لأن اكتفاء الدولة بجمع الضرائب والجباية والآداءات والمكوس بعد وضع الإقتصاد بين يدي الرأسمال الوطني والأجنبي ،وعدم تدخلها في ما زاد على ذلك، يكتسي مخاطر كبيرة يمكن أن تكون هي المتضررة فيها بالدرجة الأولى، ومن ورائها في النهاية المجموعة الوطنية كلها، في صورة امتناع أصحاب هذه القطاعات وغيرهم ، وفق صيغ قانونية أوغير قانونية، عن دفع الضرائب والآداءات والجباية. أو هجرة هذه الرساميل الى مناطق وجهات أكثر استقرارا وأوفر ربحا، ويلحق الضرر بذلك الوطن والشعب كله.
إن سياسة نظام اقتصاد السوق عموما، لا يمكن أن يتحقق بها في أوطاننا ما يتوهم البعض إمكان تحققه في العالم الغربي الذي كانت الدولة فيه من إنتاج الطبقة الرأسمالية صاحبة الرأسمال الخاص والمالكة للقطاع الخاص والذي كان سابقا لنا في ذلك بقرون من الزمن. والذي أقام قواعد حياته الإجتماعية وأوضاعه الإقتصادية على ذلك الأساس منذ البداية، بعيدا عن كل منافسة اقتصادية أو حضارية أقوى منه،أو لها عليه إشراف أوتأثير مباشر أو غير مباشر الى حد الوصاية عليه، مثلما هو عليه الحال عندنا. وبذلك لا يمكن أن يتحقق لنا من خلاله برنامج تنموي حقيقي وناجح في ظل استفحال أزمة ثقة تسود المجتمع المحلي الداخلي والدولي كله. وفي ظل أزمة ثقة تحكم الحاكم والمحكوم. وتفشي عقلية الرغبة في الربح السهل، على قاعدة الغاية تبرر الوسيلة، واستيلاء ظاهرة النهم والجشع على الأنفس، واستشراء ثقافة الطمع والخوف بين الناس.
فلا تنمية حقيقية بدون حرية حقيقية وأمن واستقرار حقيقيين وبدون قطاع عام في ظل نظام ديمقراطي مستكملا لكل شروطه في التعددية الحزبية وحرية الإعلام والصحافة والتعبير واستقلال القضاء والتداول السلمي على السلطة وصيانة وضمان حقوق الإنسان.
بقلم : علي محمد شرطاني
قفصة  – تونس

http://www.blogger.com/post-edit.g?blogID=1925505757714215230&postID=8093270639922765474

طه عبد الرحمن في «روح الدين» وحماية الدين من»الإسلام السياسي» في أزمنة التغيير

طه عبد الرحمن في «روح الدين» وحماية الدين من»الإسلام السياسي» في أزمنة التغيير
السبت ٢١ يوليو ٢٠١٢
 
كنتُ مُوقناً منذ قرأت كتاب طه عبد الرحمن:» سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية» قبل أكثر من عشر سنوات، أنّ الأستاذ سيكتب كتاباً في فلسفة الدين؛ وبخاصةٍ أنه أَنْهى «سؤال الأخلاق» بورقاتٍ عنونَ لها بفلسفة الدين. وكُتُب الأستاذ عبد الرحمن كتب حياةٍ ومُعاناةٍ وتحقُّقٍ و»تزكية» بحسب تعبيره، ولذلك فإنها تتأخر في الصناعة، وتتأخَّر في الصدور. لكنها عندما تصدر فإنها لا تترك مقالاً لقائلٍ فيما هي بسبيل بحثه واكتناهه. ولأنها كتب رياضةٍ وتزكية؛ فإنّ القارئ الفاهم لا يبحث فيها عن المعارف الحديثة المعروضة- رغم أنها جمّةٌ ومبسوطةٌ-، بل يكونُ التامُّلُ في العمق الجديد/ القديم والأصيل لهذه التجربة الغنية والهائلة على مدى العقود الأربعة الماضية.
مشكلة طه عبد الرحمن وإشكاليته كانت وما تزال مع ثقافة التدهُّر التي تسودُ العالم منذ آمادٍ وآماد، وهو يرمُزُ إليها بالعلمانية، ويصفها بالضيق والمحدودية والقصور؛ وتقابُلها عنده أخلاق الثقة التي ينشرها الدين، وهو يسمّيها الائتمانية، أو أنه عالَمُ الأمن والأمان القائم على التواصُل بين قطبي الغيب والشهادة في الوجود الكوني والإنساني.

يبدأ الأستاذ طه عبد الرحمن كتابه الجديد: روح الدين(2012) ببابٍ في الوجود الإنساني المزدوج بين عالمي الروح والمرئي. فالإنسان كائنٌ مُتَعَدٍ ومشترك في الأصل والفطرة. وبذلك فإنه يختلف في خطته لهذا الكتاب عن خطته لكتاب الأخلاق، والذي كان قد بدأه ببحثٍ في تأصُّل الأخلاق على الدين. بيد أنّ هذا الاختلاف المنهجيَّ ما يلبث أن يتضاءل عندما يصير إلى قراءة «العمل الديني وممـارسة التشهيد» بمعنى الشهـادة بالأُلوهية والشهادة بالوحـدانية، والعهد بالتعبُّد (= أَلَسْتُ بربكم). فالتكامُلُ – وليس الأزدواج-هو أساسُ هذا الأمر الوجودي الإنساني، وهنا يتجلَّى ذاك اللقاء الكبير مع الأخلاق في سَعة الائتمانية. والذي أعنيه بهذه المسألة القيمية والأخلاقية، أنّ الأستاذ – وبعكس كتبه الأُخرى التي تتميز بالتورُّع والتجريد – سُرعان ما يدخل في موضوع» العمل السياسي» وكيفيات ممارسة التغييب،( أو لم يكتب أرسطو السياسيات بعد الأخلاق؟). والتغييب هو استبعاد العامل الروحي والتزكوي لصالح حُبّ التسيُّد(= التسلُّط) وشهواته. وهذه هي علة قصور العلمانية ومقتلها. فالعلمانية تعتبر التدين وضعاً يتعلق بدواخل الأفراد، فتُدخل العمل الديني في الدائرة الخاصة، وتترك الدائرة العامة مجالاً للعمل السياسي. ويؤدي ذلك بوعيٍ أو بدون وعي إلى أمرين يفترضان مستحيلين: التسيُّد أو التربُّب باعتبار التفرُّد، ونفي التدبير عن الدين، والتعبُّد عن السياسة. والحقُّ كما يراه الأستاذ عبد الرحمن أنّ هناك تداخُلاً بين الدين والسياسة، باعتبار أنّ الدين نهجٌ أخلاقيٌّ تزكويٌّ يشكّل وازعاً في التدبير الدنيوي والسياسي يُخرجُ من أَوهام التسيُّد، كما أنّ السياسة أو تدبير الشأن العامّ، إنما تُصبح إنسانية وحسْبيةً في الوقت نفسه إن تواصل في نطاقها الروحي مع المرئي والمادي والعامّ. ومن هنا يأتي اعتراض الأستاذ على الشعارات السائدة بين الإسلاميين اليوم من مثل الإسلام دينٌ ودولة، والإسلامُ دينٌ ودنيا، والدولة الإسلامية دولةٌ مدنية. فالدين نهجٌ روحي وأخلاقي أو أفقٌ في رؤية العالم وتدبيره، وليس فرضاً من خارج على الدولة وإدارة الشأن العام. وبهذا المعنى لا يصحُّ افتراضُ التمايُز بين الدين والدنيا لأنّ هذا ليس هو الموضوع، كأنّ الدين هو الروحي، والدنيا هي المادّة. وبهذا المعنى أيضاً لا يصح اعتبار الدولة الإسلامية مدنية أو حتّى دينية. فهذه جميعاً مقولاتٌ المقصودُ بها أن تكونَ ردَّة فعلٍ على تحديدات العلمانية وتسلُّطاتها وانفصالياتها. في حين تسير حياة المسلم بسلاسةٍ وتواصُلٍ بين الخاصّ والعام، والروحي والمادي، وتكونُ أخلاق التورُّع والتزكية حائلةً دون التسيُّد ودون اعتبار الدين قانوناً يُفرضُ من الخارج. وللأستاذ في هذا المجال الرحْب اجتهاداتٌ مُختلفةٌ بشأن مصطلحي الحكم والأمر والحاكمية والآمرية، يخالف فيها مصطلحات الإسلاميين وأفهامهم، ومصطلحات خصومهم وأفهامهم.

وإذا كان الأستاذ قد نقد رؤية الحاكمية أو نظريتها لدى الإسلاميين السُنّة باعتبارها ردّة فعلٍ متشنجة على العلمانيين، واعتبار الدين قانوناً مفروضاً من خارج(= نوموقراطية؟)؛ فإنه ينقد أيضاً وبقوة مبدأ تفقيه السياسة أو رؤية ولاية الفقيه. فالمشكلة في نظره ليس أنه لا يجوز أن تسود قيم الدين وأحكامه في الدولة والمجتمع؛ بل في أنّ» الفقيه الصناعي» (ولهذا التعبير عنده فذلكة طويلة) يستمد شرعيته في «الولاية العامة» باعتباره نائباً عن الإمام، وفي أنه يحصر مهمته في «تطبيق» أحكام الشريعة باعتبارها قانوناً هو المختصُّ دون غيره بتطبيقه. وهكذا فإنّ نزعة التسيُّد أو التربُّب أو التسلُّط تسودُ لدى إسلاميي أهل السنة والشيعة في الأزمنة المعاصرة، فلا يختلف الأمر كثيراً عن نزوع التسيُّد والتحكُّم لدى علمانيي الدول القومية والوطنية.

يحاكم طه عبد الرحمن العلمانيين والإسلاميين إذن معاً إلى مفهومه الصوفي أو التزكوي أو الأخلاقي للدين. يقول للعلمانيين إنّ الإنسان كائنٌ دينيٌّ أو أخلاقيٌّ، يتلاقى فيه الروحي والمادي. ولأنّ العلماني يريد اجتثاث الدوافع والوشائع الدينية والأخلاقية من المجال العام؛ فإنه يدهّر المجتمع والدولة، ويدفع باتّجاه سيطرة نزعة التسيُّد والسلطوية التي لا تستقيم معها الحياة الإنسانية الخاصة والعامة. ويقول للإسلاميين المعاصرين سنةً وشيعةً إنّ الدين- بخلاف ما يقوله العلمانيون – له وظائف تدبيرية، لكنها تستند إلى دوافع أخلاقية وتزكوية، بينما هم يحوّلون الدين إلى قانون يستخدمونه (باسم الله أو الإمام أو الشريعة) للاستيلاء على الدولة والمجتمع. وهو يخوضُ طويلاً في التفرقة بين»الفقيه الحي»، والفقيه الصناعي»، وفي التاريخ والحاضر. والفقيه الصناعي هذا هو الذي حوَّل الدين إلى رسومٍ وقوانين وأوامر للتنفيذ بعيداً عن أخلاق التصفية والتزكية. وبذلك فإنّ نقده( وهو هنا وللمرة الأولى يتعاطى مع السياسة المباشرة أو إدارة الشأن العام) هو نقدٌ منهجيٌّ وأخلاقيٌّ يشبه في منحاه القديم نقد الغزالي للفقه والكلام في الأزمنة الكلاسيكية. أمّا في الأزمنة الحديثة فإنّ نقده هذا يشبه نقد التأويليين لعقلانيات وماديات القرنين التاسع عشر والعشرين.
لقد أذهلتْني مقاربة الأستاذ طه عبد الرحمن النقدية والتي مضت إلى أبعادٍ ما بلغها أحدٌ من قبل. ولا أُريدُ في هذه العجالة مناقشة مفهومه للدين، ولا العالم المصطلحي الذي بناه بصبرٍ ودأَب ( لأنه لا مشاحّة في الإصطلاح)؛ بل لديَّ مسألتان أرى أنهما بالغتا الأهمية. تتصل الأُولى بمفهوم الولاية عنده،وتتصل الثانية بمفهومه للسياسة وعلائق السياسة بالتعبُّد والاحتساب. لقد وقع المتكلمون والفقهاء المسلمون في مزالق كثيرة، لكنهم في كلِّ الأحوال- وبخلاف المتصوفة- ما زلُّوا في فهم الولاية والولاية العامة. فالمتكلم كسر إلى الأبد نزعة التسيُّد بمقولة التنزيه. والفقيه تنكَّر لكلّ ولايةٍ سلطويةٍ بالقول إنه معنيٌّ فقط بتنزيل الأحكام على الوقائع استناداً للكتاب والسنة والإجماع. أمّا كبار العارفين من الصوفية، ومن «ختم الأولياء» للحكيم الترمذي، وخلع النعلين لابن قسي، وإلى «التدبيرات الإلهية للمملكة الإنسانية» لابن عربي؛ فإنّ الولاية عندهم لا تقلُّ هُولاً عن ولاية الإمامة المعصومة عند غُلاة الشيعة. وهي في الفناء والبقاء تسيدية وخلودية في الله وعلى الأرض. وليس صحيحاً أنّ التشيُّع الصفويَّ( وحتى العلوي عند شريعتي) رفض التصوف والصوفية؛ بل إنّ الولاية التكوينية المليئة بالاسرار ظلّت مستند أهل العرفان من السُّهروردي والشيرازي وميرداماد وإلى الخميني.
ولنصل إلى السياسة والسلطة. لا شكَّ أنّ منظومة القيم القرآنية تتضمن جوانب تدبيرية. إنما الاختلافات هنا هي اختلافاتٌ مجاليةٌ إذا صحَّ التعبير. فالدين قائمٌ على دخلنة القيم لدى الأفراد. والمجتمع يحتضن الدين والشريعة في الشؤون التعبدية والحسْبية والتدبيرية. وقد استشهد الأُستاذ طه عبد الرحمن بمختصر» الرعاية لحقوق الله» الذي وضعه عز الدين ابن عبد السلام لكتاب المحاسبي(- 243هـ). والمحاسبي يقول إنّ العقل غريزة. والناس يتساوون فيها. وإذا كان العقل الفردي له سلطةٌ تدبيريةٌ على الأفراد؛ فإنّ» عقل الجماعة» أو العقل الجمعي له سلطةٌ تدبيريةٌ في نطاق الجماعة. وهكذا تكون السلطةُ، سلطةُ «العقل عن الله»- بحسب المحاسبي- شائعةٌ في الجماعة، وتكون الجماعةُ هي مصدرها في تدبير شأنها المصلحي والعام، وليس في الشأن العبادي المستند إلى الوحي المباشر. إنّ الصلاةَ تنهى عن الفحشاء والمنكر بما تؤدّي إليه أو تدفع باتجاهه لدى الفرد، أما الشأن السياسيُّ العامُّ فهو حقٌّ بحتٌ للجماعة، لأنه شأنٌ مصلحيٌّ مُدْرَكٌ من سائر الناس بعقولهم، وهم يمارسون حقَّهم في إدارته، ولديهم الوازع الديني والأخلاقي والحسْبي. فالجوانب التدبيرية أو العامة أو السياسية في الدين هي بهذا المعنى، أي أنها إمكانيةٌ وأفقٌ واختيار،، وليس أنّ الإسلام/ الدين يملك نظريةً أو مذهباً محدَّداً في ممارسة السلطة أو التدبير كما يقول الإسلاميون الذين يريدون السيطرة على الناس بحجة تطبيق الشريعة. وهذا الأمر هو الذي جادل فيه إمامُ الحرمين الجويني(-478هـ) الماوردي( -450هـ). المارودي قال في» الأحكام السلطانية» إنّ الإمامة واجبةٌ بالعقل والنقل. والجويني قال له: بل هي واجبةٌ بالإجماع دون غيره، لأنّ السلطة التدبيرية هي حقُّ الجماعة. ثم أضاف: إنّ موضوع الإمامة هو موضوعٌ مصلحيٌّ وليس موضوعاً تعبدياً، ولذا لا شأن للمتكلمين به، بل هو شأن الفقهاء! وقد ذكر الأستاذ طه عبد الرحمن في حاشيةٍ في «روح الدين» إنّ رؤيته في «الولاية» والأخلاق التزكوية لا تختلف على نحوٍ ما عن نظرية محمد مهدي شمس الدين في»ولاية الأمة على نفسها». وأنا أرى أنّ رؤية محمد مهدي شمس الدين هي أصلٌ في هذه المسألة، أي أنّ الأمة هي صاحبة السلطة أو مصدرها، وبدون توسُّطٍ من أيِّ شيئٍ أو شأنٍ آخَر. وما دامت كذلك وهي الملتزمة بالوحدانية والعهد والشريعة، فلا يمكن أن تكون تسيدية أو تسلطية. فيا أيها الأستاذ الكبير: لو أنّ محمد مرسي أو الغنوشي أو بنكيران أو البشير..الخ قالوا لنا إنهم آتون للتدبير بمقتضى الأخلاق التزكوية التي أورثهم إياها التريُّض بقيم الإسلام، فهل يكون علينا القول بولايتهم؟! لا سلطة ولا تدبير في الشأن العامّ إلاّ لجماعة المسلمين. أمّا الدين وشريعته وأعرافه المستقرة فهي أمانةٌ لدى المجتمع نفسِه، والشريعةُ مطبَّقةٌ بحذافيرها من خلال دخلنة المجتمع لتعبدياتها وحسبياتها، ولا نحتاج – نحن أمة محمد- إلى هذا أو ذاك ليفرض علينا تطبيقها!

لا خطر على الدين من العلمانية والعلمانيين وسائر المتدهّرين الآن. وإنما الخطر من هذا التسييس للدين، والذي صارت له أحزابٌ اخترعت نظريات طويلة وعريضة طوال العقود الماضية، وكسبت جمهوراً عريضاً من طريق المعارضة لأنظمة التسيُّد الخالدة . وها هي تبرز في أزمنة الثورات، وتكسب أصوات الجمهور، وتُمعنُ في استخدام الدين بشعاراتٍ مُوهمة وشعبوية. فالذين عندها أيديولوجيا والمرشد قائمٌ على هذه الأيديولوجيا. وهذا خَطَر يتهدد الدين ووحدة المجتمعات بأشدّ الأخطار.

كتاب طه عبد الرحمن في فلسفة الدين كتابٌ عظيم. ويكون علينا العمل بجدّ على صَون أدياننا في أزمنة التغيير. ونحن واثقون بضمان الله عز وجلّ ورسوله صلوات الله وسلامه عليه أنّ السبيل الحقَّ هو سبيل المؤمنين، وأنّ أمتنا لن تجتمع على ضلالةٍ لا في الدين ولا في الدنيا!

رضوان السيد
http://alhayat.com/Details/420033

الاثنين، 30 يوليو 2012

ليطمئنّ عقلي - سامي براهم

هذا المقال نشر  في جريدة الصباح سنة 2008 عندما نشر الدّكتور محمّد الطالبي كتابه المثير للجدل المعنون بـ ليطمئنّ قلبي و الذي رد فيه على من اعتبرهم انسلاخسلاميين أي خارجين عن الإسلام بتأويلاتهم التي اعتبرها من خارج نسقه ... ننشر المقال لنبحث عن نسق تطور أفكار الرّجل و الخيط الناظم في فكره و عن أصالة اعتقاده في أنّ دينه هو الحريّة ... و ذلك بمناسبة تعيينه مديرا لبيت الحكمة ... 

 ليطمئنّ عقلي 1 من 2
بقلم: الأستاذ سامي براهم (*)

ليس من باب المزايدة على الدّكتور محمّد الطّالبي أن أعنون مقالي في التّعليق على كتابه "ليطمئنّ قلبي" بعنوان "ليطمئنّ عقلي" فلا يخفى على كلينا أنّ فلسفة المعرفة في الثّقافة العربيّة الإسلامية تأسّست على أن لا تعارض بين حقائق العقول وحقائق النّقول فالحقّ لا يضادّ الحقّ ولذلك ألّف المسلمون في درء التّعارض بين العقل والنّقل موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول وما بين الحكمة والشّريعة من اتّصال وتحدّثوا عن موقع القلب في عمليّة التعقّل لترجمة المعرفة العقليّة إلى فيض من الدّفق الشّعوري الدّافع للعمل والمعاملة والسّلوك المفضي إلى النّجاة في الدّنيا الآخرة.

غير أنّ القلب المتقلّب إذا لم يُكبح بلجام من عقل عاقل انزاح عن العدل والإحسان إلى التشهّي وإرضاء نوازع الذّات. ويحضرني في هذا السّياق ذلك الموقف اللافت الذي وقفه علي بن أبي طالب في إحدى المعارك إذ بصق عليه خصمه في المعركة فأعرض عنه وهو على منازلته قادر فسُئل عن ذلك فقال خشيت أن أقتله انتصارا لنفسي، ففي موقف مثل هذا قد تختلط فيه الغرائز ونوازع الذّات وأهواؤها وقناعات العقل والانتماءات فضّل عليّ بن أبي طالب الإعراض عن ردّ الفعل خشية أن تخالطه شبهة هوى من نفس منجرحة تبحث عن إشفاء الغليل والانتصار للذّات عوض الانتصار للمبدأ فلا يكون خالصا لله .

لا إكراه في النّقد

لقد حضرتني الكثير من الأسئلة وأنا أقرأ كتاب الأستاذ الدّكتور محمّد الطّالبي "ليطمئنّ قلبي" تتمحور حول منهج النّقد العلمي للأفكار وذلك ما درسناه طيلة سنوات في قسم الحضارة التاّبع لشعبة اللغة والآداب والحضارة العربيّة بكليّات الآداب بالجامعة التّونسيّة وهو قطعا مخالف لما ورد في كتاب الأستاذ الطّالبي بل مناقض لما درّسه هو نفسه لطلبته وما أشاعه في كتبه ومقالاته ومساهماته في النّدوات من روح التعقّل والضّبط وأخلاق النّقد. لقد جاء هذا الكتاب حسب ما أعلن كاتبه بقصد إرضاء الضّمير والشّهادة بالحقّ على ما عدّه خطّة لتدمير الإسلام من داخله من طرف زمرة وسمهم بالصّفات التّالية: "المتقنّعين بقناع الإسلام، الكافرين به، المنافقين، المداهنين، الكائدين، المتستّرين، الكذّابين، البُهتانيّين، المندسّين، الدسّاسين، الغشّاشين، المخادعين، الماكرين، الوقحين، المخاتلين، المزوّرين، المموّهين، الملبسين، المضلّلين، الغاوين، المغوين، الهمزة، اللمزة، المنسلخين عن الإسلام"! والعبارات وردت جميعها في ثنايا الفصول الأولى من الكتاب في صيغة الفعل أو الاسم مفردا أو جمعا فحقّ على هؤلاء حسب الأستاذ الطّالبي مدلول الآية :

"وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) الأعراف 7.

وقد ورد في تفسير الرّازي "يقال لكلّ من فارق شيئاً بالكلية انسلخ منه. وسواء قولك انسلخ وعرى وتباعد، وهذا يقع على كل كافر لم يؤمن بالأدلة، وأقام على الكفر... وأيضاً فقد ثبت بالأخبار أن هذه الآية إنما نزلت في إنسان كان عالماً بدين الله تعالى، ثم خرج منه إلى الكفر والضلال.

وهذه الآية كما جاء في تفسير الرّازي "من أشد الآيات على أصحاب العلم، وذلك لأنه تعالى بعد أن خص هذا الرجل بآياته وبيّناته، وعلّمه الاسم الأعظم، وخصّه بالدّعوات المستجابة، لمّا اتّبع الهوى انسلخ من الدين وصار في درجة الكلب .. "!

أيّ مورد يريد الأستاذ الطّالبي يا ترى أن يوردنا في فترة عصيبة من هذا الزّمن العربيّ الرديء الذي تتصارع فيه الطّوائف والملل والنّحل والأحزاب والايديولوجيّات تتنازع وتتقاتل على الشّرعيّة لإثبات الذّات عبر نفي الآخر؟

لقد نحت الأستاذ الطّالبي مصطلحا جديدا خاصّا بهذه الطّائفة من النّاس أطلق عليه الانسلاخسلاميين وكأنّ معجم الإقصاء والتّبديع والتّفسيق والتّكفير الذي تعجّ به كتب الجدل الدّيني والمذهبي والكلامي والسّياسي لا يفي بالغرض فنحتاج إلى تضخيمه بمصطلح أشدّ تعبيرا عن المفاصلة والمباينة بين أفراد المجتمع الواحد.

والطّريف أنّه علّل هذا الاختيار برفضه لمصطلح "مرتدّ" لأنّه يرفض أصلا حكم الردّة غير القرآني ويؤمن بحريّة المعتقد ويعتبر أنّ الانسلاخ من الإسلام حقّ من حقوق الإنسان بل هو يحترم المنسلخ عن الإسلام ويدافع عن حقّه في الانسلاخ عنه إذ ليس الإيمان بالإكراه ولا يجب أن نُرغم المنسلخ على التستّر والتّظاهر بالإيمان خوفا من حكم الردّة، لأنّ انسلاخه ممارسة لحريّته التي وهبها الله وهي حريّة التّعبير عن هذا الاختيار الانسلاخسلامي وحسب الأستاذ الطّالبي يجب أن تكون كاملة ومطلقة حتّى لا تبقى ذريعة للتّقنّع!

ولكنّ الأستاذ الطّالبي يرى أنّ النّفاق ليس حقّا من حقوق الإنسان لذلك آلى على نفسه كشف أباطيل هؤلاء المنسلخين المنافقين وخطّتهم المسيهوديّة المبيّتة لتدمير الاسلام من الدّاخل. وهو على قناعة راسخة أنّه " ليس طبعا الحقّ لأيّ إنسان أن يُدْخِلَ في الإسلام أو يُخْرِجَ منه من يشاء ليس له الحقّ في الحكم بإسلام هذا وتكفير ذاك، فالله بمفرده له الحقّ في أن يقول من المسلم. وحيث أنّ هذا الحقّ حقّ الله فنحن قد أوردنا قوله وقوله القول الفصل لا معقّب عليه"! وهو على قناعة راسخة أنّه لم يكفّر أحدا بل لا يتعدّى الأمر تطبيق أمر الله وإنفاذ إرادته في من لا يتوافق قولهم وسلوكهم مع المستفاد من قوله. وينسى الأستاذ الطّالبي في غمرة حماسه في الدّفاع عن قول الله أنّه يعرض ما فهمه هو من ذلك القول الذي لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن يكون مطابقا بشكل كليّ مطلق للمقصود الإلاهي الذي يبقى تحصيله عمليّة اجتهاديّة متواصلة. يذكّرني هذا التمشّي الحجاجي الذي يبدو في ظاهره منطقيّا بما وقع في إحدى النّدوات التي حضرتها حيث كان المحاضر يدافع عن حريّة المعتقد والضّمير والحقّ في وضع كلّ الثّوابت والمسلّمات موضع النّقد والتّساؤل والشكّ وإن أدّى ذلك إلى نقضها فقال له أحد الحاضرين بكلّ تلقائيّة وثقة أنت تطالب بالحقّ في الكفر فلا تصادر حقّنا في التّكفير! وكأنّه يصدر عن نفس المنطق الحجاجي للدّكتور الطّالبي الذي يعتقد أنّ الشاكّ أو المشكّك في الثّوابت ليس له أن يتمسّك بالانتماء إلى رابطة العقيدة الإسلاميّة بل هو أمام خيارين لا ثالث لهما: فإمّا أن يعلن كفره وخروجه عن الإسلام صراحة فتندرج أفكاره ضمن حريّة المعتقد وعدم الإكراه في الدّين واحترام المخالف، أو يصرّ على البقاء تحت راية الإسلام وتسويق آرائه تحت مسمّى الاجتهاد والتّجديد فتصدق فيه صفة المنافق والانسلاخسلامي واستحقّ من الأستاذ الطّالبي وكلّ مسلم غيور على الإسلام التّشهير والفضح والكشف عن النّوايا السيّئة وذلك بالنّسبة إليه فرض عين على كلّ مسلم قادر يستطيعه. ولا يكتفي الدّكتور الطّالب بذلك بل يصرّح في سابقة خطيرة أنّ " من رفض الشّهادة صراحة وعلانية باللسان بدعوى الاحتشام ... أو بدعوى أنّ الأمر بينه وبين ربّه لا يهمّ غيره وليس لغيره أن يسأله هل هو مسلم أم لا وأنّ ذلك من باب التجسّس والتدخّل في شؤون الغير والوقاحة فليس بمسلم " ممّا يستدعي حقّ كلّ فرد من المجتمع أو هيئة أو سلطة في التّفتّيش عن عقائد النّاس ومطالبتهم بالنّطق العلني الصّريح للشّهادتين ليتأكّد إسلامه وتنتفي عنه شبهة الكفر... عجبا للأستاذ الطّالبي كيف يتبنّى حريّة المعتقد باعتبارها مسؤوليّة فرديّة بين العبد وخالقه ثمّ سرعان ما يتراجع عنها كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثا.

بهذا المنطق المتهافت يريد الأستاذ الطّالبي أن يؤسّس معرفة علميّة نقديّة عن المختلف ويؤسّس لإسلام الحداثة والحريّة والمسؤوليّة والتّنوير والعالميّة ؟

ليس ما أوردناه من تحفّظ على منهج الأستاذ الطّالبي في مقاربة أدبيّات ما اصطلح على تسميته بالإسلاميّات التّطبيقيّة أو الإسلامولوجيا دفاعا عن هذه الأدبيّات أو تبنّ لأطروحاتها بالكليّة إذ نشترك معه في ملاحظة ما تنطوي عليه من ثغرات ومواطن ضعف وتهافت رغم ما أضافته من أبعاد جديدة لدراسة الظّاهرة الدّينيّة ولا سيما التّاريخ الإسلامي وعلومه ومعارفه وذلك بتوظيف مفهوم التّاريخيّة في ضوء جدليّة الفكر والواقع، ولكنّا نتمسّك إلى أقصى الحدود بمنهج النّقد الموضوعي القائم على آليّات تحليل الخطاب وتفكيك بناه الدّاخليّة وتمثّل مسلكه الحجاجيّ دون الخروج عن ضوابط الأخلاق العلميّة.

(*) باحث في الجامعة التونسية

(المصدر: جريدة "الصباح" (يومية – تونس) الصادرة يوم 9 مارس 2008)



ليطمئــن عقلـي (2 من 2)


بقلم الأستاذ: سامي براهم (*)

تنشر «الصباح» اليوم الجزء الثاني والأخير من مقال الأستاذ سامي براهم بعنوان ليطمئن عقلي.

× الدّاعيــــة والعالــــم

نحن نقدّر غيرة الأستاذ الطّالبي على الدّين ورغبته الملحّة في الدّفاع عن قيمه ومضامينه وحقائقه التي بدا له أنّ الانسلاخسلاميين أرادوا التّشويش عليها وتشويه صفائها، ومن باب إحسان النيّة في صدق طويّته لن نسلّط على مقاربته نفس المنهج الذي توخّاه مع خصومه من خلال البحث عن مقاصدهم الثّاوية في ضمائرهم والكشف عمّا في نفوسهم من أمراض أخلاقيّة ونوازع شرّيرة وعلاقات مشبوهة كانت دافعا وراء ما حوته كتبهم من أفكار، ولكنّنا مع كلّ ذلك نعتقد أنّ ترجمة شعور الغيرة على أيّ معتقد خاصّة إذا كان دينيّا على مستوى الخطاب تختلف باختلاف الموقع والوظيفة والوعي، فخطاب الدّاعية مثلا يهدف إلى التّرغيب عبر دفع المؤمنين إلى الأوامر والطّاعات، والتّرهيب عبر تحذير المؤمنين من النّواهي والمعاصي، ويمكن له في هذا السّياق أن يحذّر المؤمنين ممّا يعدّه خطرا على معتقدهم من كتابات أو أفكار وايديولوجيّات وفلسفات. ويختلف هذا الخطاب الدّعوي باختلاف وعي الدّعاة ومعرفتهم الدّينيّة، أمّا الدّعاة العامّة المقتصرين على الثّقافة النّقليّة التي غالبا ما تكون مذهبيّة شفويّة فينزعون عادة إلى خطاب طهرانيّ حدّيّ قائم على المفاصلة المانويّة والمباينة التّقويّة بين الخير والشرّ والايمان والكفر والطّاعة والمعصية فيكون خطابهم مشحونا بالأحكام الوثوقيّة المطلقة عل العباد والتّهديد والوعيد والفتاوى المسقطة والجنوح إلى الحكم الأقصى في مواجهة المخالف بنسبه إلى الكفر أو النّفاق أو الردّة أو البدعة والفسق في أهون الأحوال. أمّا الدّاعية المتشبّع بقيم التّنوير والتحرّر من الجمود على المنقولات فينزع إلى التّذكير عبر تحريك ملكة التّفكير وتجنّب الأحكام الحديّة خاصّة تلك المتعلّقة بما في ضمائر النّاس.

وقد أورد أبو حامد الغزالي في فيصل التّفرقة بين الإسلام والزّندقة ما نصّه:

 فإذا رأيت الفقيه الذي بضاعته مجرّد الفقه يخوض في التّكفير والتّضليل فاعرض عنه ولا تشغل به قلبك ولسانك فإنّ التحدّي بالعلوم غريزة في الطّبع لا يصبر عنه الجهّال ولأجله كثر الخلاف بين النّاس ... فالتوقّف في التّكفير أولى والمبادرة إلى التّكفير إنّما يغلب على طباع من يغلب عليهم الجهل".

هذا حال الدّعاة أمّا العلماء الباحثون المشتغلون بالمعرفة ونقد الأفكار فمجال اهتمامهم مختلف بشكل كليّ فلا تعنيهم نوايا أصحاب الأفكار التي يتناولونها بالنّقد والتّحليل ولا ينبشون في ضمائرهم إنّما قصارى ما يطلب منهم العلم تحليل الأفكار بكلّ تجرّد وبيان ما تنطوي عليه من صواب أو خطا من تماسك أو تهافت.  نعم يمكن لعالم النّفس أو المحلّل النفّساني أن يُخضع نصوصا ما إلى منهج التّحليل النّفسي ولكن ذلك بغاية الفهم والتّفسير لا الاتّهام والتّشهير وتبقى المقاربة النّفسيّة مجرّد مدخل جزئيّ قاصر عن الإحاطة بظاهرة التّفكير وإنتاج المعرفة، ويبقى للفلسفات والنّظريّات والمقاربات النّقديّة الكبرى - إذا ما تجنّبنا التّفسير التّآمري - أصالتها الذّاتيّة النّابعة من منطقها الدّاخلي القائم على ترتيب الأفكار والحجاج والخطاب بعيدة عن أن تكون انعكاسا آليّا لنوازع الذّات والمصالح .

وحتّى لا يكون كلامنا من باب المزايدة والتّسفيه لمقاربة الأستاذ الطّالبي الذّي نكنّ له الكثير من الاحترام والمودّة وندين له بالكثير من المقاربات التّجديديّة التّنويريّة في صلب التّفكير الإسلامي المعاصر نريد أن نحيله على محاولة جادّة في مناقشة نفس الأدبيّات التي تعهّدها بالردّ ونقصد بذلك ندوة الدورة السّادسة عشر لمجمع الفقه العالمي التي عقدت بدبي في دولة الإمارات العربيّة المتّحـدة بتـاريخ 9 - 14 / 4 / 2005 تحت عنوان: القراءات الجديدة للقرآن وللنّصوص الدّينيّة وذلك تحت إشراف الأمين العامّ لمجمع الفقه الإسلامي فضيلة الدّكتور محمّد الحبيب بلخوجة وقد شارك فيها عدة تونسيين بينهم الأستاذ محمّد الهادي أبو الأجفان، بمداخلة عنوانها " القراءة الجديدة لنصوص الوحي ومناقشة مقولاتها"، بالإضافة إلى ثلّة من الباحثين والعلماء من مختلف أقطار العالم الإسلامي. والملاحظ أنّ جميع هذه البحوث والمداخلات لم تنزع إلى تكفير أصحاب هذه القراءات أو وسمهم بصفة المنسلخين عن الإسلام الخالعين لربقته من أعناقهم بل اجتهدت بكلّ عناية في تفكيك آليّات هذا الخطاب ونقده وكشف ما انطوى عليه من ثغرات. وحسبنا دليلا على ذلك ما أورده الدّكتور أبو الأجفان سليل الجامعة الزّيتونيّة في مشروع اللائحة الذي اقترحه في ختام النّدوة، فرغم تنصيصه على ما في هذه القراءات من أخطار على الثّقافة الإسلاميّة فقد أورد من جملة توصياتها ضرورة توسيع الحوار مع أصحابها واتّخاذ وسائل مناسبة مثل عقد النّدوات والمناقشات لإرشاد ذوي القراءات الجديدة إلى التعمّق في دراسة علوم الشّريعة وتكثيف الرّدود العلميّة الجادّة وتشجيع المختصّين على قراءة كتبهم وأخيرا تكوين خليّة عمل تابعة لمجمع الفقه تؤسّس مكتبة لمؤلّفات هذه القراءات والرّدود عليها... تمهيدا لكتابة الرّدود والبحوث الجادّة.

* الانتماء إلى الملّة أو المواطنة

لعلّ أخطر ما في مقاربة الأستاذ الطّالبي حسب تقديرنا هو نكوصها عن قيمة المواطنة التي نشط خطاب النّهضة العربيّة منذ الطّهطاوي في ترسيخها في الفكر العربي واجتهد المفكّرون الإسلاميّون المعاصرون في تأصيلها باعتبارها رابطة بديلة عن الانتماء الملّي. بينما يصرّح الأستاذ الطّالبي أنّ "كلّ من يرفض أن يوجّه وجهه نحو القبلة ليس من أمّتنا وليس له أن يملي علينا كيف نضطلع بالحداثة وكيف نمارسها وكيف نتعامل معها" فالأمّة حسب فهمه هي أمّة المؤمنين المشهود لهم بصدق الإيمان والمقيمين للفرائض، هؤلاء وحدهم لهم الحقّ في الاضطلاع بدور النّهوض والتّحديث. وفي مقابل ذلك فإنّ " الذي لا يصلّي وينكر الصّلاة ولا نشاهده في صفوفنا على الصّراط المستقيم ليس منّا ولسنا منه وفرض عين على كلّ مسلم أن يؤكّد ذلك بوضوح... وكلّ من لا يسلك الصّراط المستقيم على النّحو الذي أمر به الله فقد انسلخ عن الإسلام بمحض إرادته " وانسلخ تبعا لذلك عن انتمائه إلى الأمّة، وبذلك يعود بنا الأستاذ الطّالبي إلى جدل حسبناه ولّى وانتهى - على الأقلّ في السّاحة الثّقافيّة والسّياسيّة التّونسيّة - حيث المواطنة فيه بدعة غربيّة لأنّها تساوي بين المؤمنين والملحدين والمختلفين دينيّا ومذهبيّا وسياسيّا وفكريّا في الحقوق والواجبات دون تمييز أو تفاضل أو محسوبيّة، شركاء جميعهم في البحث عن سبل نهضة الوطن ورسم السّياسات الكفيلة بنقله إلى الأمم المتقدّمة. لقد أصبحت المواطنة اليوم ولنعلنها بكلّ وضوح فرض عين سياسي وثقافي وديني بما تضمنه من حريّة المعتقد وحقّ الاختلاف والغيريّة والعيش سويّا ودخول جميع المتباينين في عقد ولاء اجتماعي سياسي لا يمنح فيه الانتماء الدّيني أو المذهبي أو الثّقافي أو السّياسي أو الجهوي أو العرقي... أيّ شكل من أشكال الامتياز أو التّفاضل في هيئة الانتظام الاجتماعي والقوانين المنظّمة له والوظائف الاجتماعيّة والسّياسيّة فذلك لا يتمّ بمقتضى ما يختاره أفراد المجتمع من عقائد وأفكار إذ الكلّ متساوون بحسب امتثالهم لما اتّفقت المجموعة على أنّه مصلحة عامّة. ويبقى للحراك الثّقافي والاجتماعي والسّياسي وما يحدثه من تدافع متكافئ وتنافس سلميّ نظيف دور إحداث التّراكم المعرفي وفرز الأطروحات المتماسكة وترشيحها عبر الإرادة الشّعبيّة للقيام بأدوار متقدّمة على غيرها من الأطروحات. ولكن أهمّ ما يوفّره هذا الحراك في ظلّ قيمة المواطنة هو التّواصل بين الفرقاء وما يؤدّي إليه من تجاوز التّباغض والتّدابر وسوء الفهم والاحتراب الدّاخلي، ثمّ تبادل الخبرات وما يؤدّي إليه ذلك من توسيع دائرة النّظر والاختيار والتّثاقف والنّقد الذّاتي والمراجعات. لا قيمة للثّقافة حسب تقديرنا إذا كانت سببا في تسميم الحياة الثّقافيّة والاجتماعيّة ولم تساهم في تحقيق السّلم والتكافل والتّواصل بين أفراد المجتمع وإن كانوا مختلفين.

× سياسة المكيالين ولاهوت قتل الحوار

" أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى" (سورة النجم الآية 21 ـ 22)

لم تقتصر مقاربة الأستاذ الطّالبي - القائمة على المفاصلة والمباينة - على الدّاخل الثّقافي فحسب بل تجاوزته إلى أصحاب الدّيانات الأخرى السّماويّة على وجه الخصوص في ردّ على المستشرقين وعلى البابا بونوا 16. والعجب من الأستاذ أنّه يحلّ لنفسه ما يحرّمه على الآخرين إذ أعاد صياغة كلّ الأفكار التي دحضها عن الإسلام لينسبها إلى الدّيانة المخالفة ورموزها. فكلّ ما نفاه عن نبيّ الإسلام من تهم كالها له المستشرقون نسبه إلى عيسى الذي جاء - حسب ما فهمه الأستاذ الطّالبي من آيات الإنجيل - ليضرم النّار في الأرض ويعمل فيها السّيف ويكره النّاس على الدّخول في الملكوت. أمّا بولس الرّسول فقد نال الحظّ الأوفر من المقاربة التّحليليّة النّفسيّة التي خصّصها لفهم ظاهرة الوحي النبوّة. والعجيب أنّه بذل قصارى جهده المعرفي في دحض هذه المقاربة النّفسيّة عندما تعلّقت بنبيّ الإسلام وما نسب إليه من صفات الهلوسة والتّخمير وفي مقابل ذلك بذل نفس قصارى الجهد لإلصاقها ببولس، فهو شخصيّة فصاميّة أصيب بضربة شمس قويّة أفقدته بصره فانهارت قواه الرّوحيّة والجسديّة ثمّ انخرط في حالة من الهلوسة، وجعلته بنيته النّفسيّة الفصاميّة يشعر بصدق المشاعر الدّينيّة غير العقلانيّة التي انتابته. ثمّ يكيل لبولس كلّ الصّفات البغيضة من قبح المظهر وقصر القامة وتقوّس السّاقين والعقد النّفسيّة والغمش الهستيري والجنون الدّينيّ والصّرع والمسّ من الجان والوسواس والكبرياء والغرور والعُجب وحبّ الظّهور والوقاحة.

ثمّ يفسّر الأستاذ بكلّ ثقة ما يعدّه المسيحيّون وحيا ضربا من الهلوسة التّخاطريّة فقد سمع بولس صوت ضميره الباطنيّ ويتساءل بكلّ عقلانيّة " من منّا لم يسمع قطّ في حياته صوتا من دون أن يرى شخصا؟... وليس من النّادر أن يسبق النّوم سماع أصوات ورؤية وصور... كلّ شيء بدأ بضربة شمس ومنها انطلق"

بهذه المضامين يؤثّث الأستاذ الطّالبي عنوان فصله لاهوت الحوار ونستغرب كيف يكون هذا اللاهوت مفضيا للحوار وقد انتهج خطاب السبّ والقذف لشخصيّة يقدّسها الطّرف المعنيّ بالمحاورة ونستغرب أكثر بأيّ منطق يسوّغ لنفسه إلصاق نفس التّهم التي ينفيها عن نبيّ الإسلام بشخصيّة دينيّة اعتباريّة في مقام بولس الرّسول عند المسيحيين؟؟؟ هو منطق لا يقوم حسب تقديرنا على العدل والانصاف المنهجي فضلا عن أنّه لا يؤسّس أخلاقا للحوار بين الأديان. لقد تراجع الأستاذ الطّالبي عن كلّ المضامين التّنويريّة التي أثّث بها ندوات الحوار بين الأديان ونشر بعضها في مجلّة لأفهم COMPRENDRE    أو إيسلاموكريستيانا التي كنّا نتلقّفها بكلّ شغف لنتطلّع إلى خطاب إسلاميّ جديد يؤمن بالمغايرة والتّعايش بين الأديان في كنف الاحترام المتبادل وتعميق التّجربة الرّوحيّة بالانفتاح في ما بينها.

ما الذي يفسّر كلّ هذه المفارقات في كتاب الأستاذ الطّالبي؟ هل هو الغضب من كتابات من أسماهم بالانسلاخسلاميين وتصريحات البابا بونوا 16 المثيرة للجدل عن الإسلام؟

لقد تساءل الأستاذ الطّالبي بكلّ حرقة الغيور على الدّين في سياق تعليقه على أحد آراء من عدّهم من الانسلاخسلاميين " كيف لا نعتبر قوله وقاحة في حقّنا ؟ كيف لا يثيرنا ولا يغضبنا قوله ؟ فهل كان ما دوّنه أستاذنا في كتابه "ليطمئنّ قلبي" استجابة لسورة الغضب التي انتابته فاختلّت موازين المنهج النقدي العلمي الذي طالما حرص هو وبقيّة الأساتذة الذين تتلمذوا عليه أن يدرّبونا عليه ؟ أليس مدلول الآية " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ " الأعراف (8) حاسما في الدّعوة إلى ضرورة انتهاج العدل مع الخصم وعدم مقابلة شنآنه بالمثل ؟ أليس إنتاج المعرفة ضربا من الشّهادة التي تستدعي من المفكّر أن يكون شاهدا بالقسط مخضعا كلّ هواجسه الفكريّة وخطراته المعرفيّة إلى ميزان العدل القائم على الضّبط والرّبط المنهجيّين والتنزّه عن الحميّة والنّزعة الانتصاريّة والدّفاعيّة وتنسيب الحقائق وموافقة صريح المعقول لصحيح المنقول؟

 لقد انتهج الأستاذ الطّالبي مسلكا خاصّا ليُطَمْئِنَ قلبه قائم على الخلط بين المعتقد الدّيني والعلم، بين الإيمان الدّينيّ ومنهج النّقد الموضوعي، أمّا ما نفهمه من سياق تجربة النبيّ إبراهيم من الشكّ إلى اليقين - وقد نسب له القرآن قوله " بَلَى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي " فهو: لا يَطْمَئِنُّ قلبي حتّى يطمئنَّ عَقلِي.

(*) باحث في الجامعة التّونسيّة

(المصدر: جريدة "الصباح" (يومية – تونس) الصادرة يوم 11 مارس 2008)
 _____________________
بمناسبة تعيين الدّكتور محمد الطالبي مديرا لبيت الحكمة ننشر هذا المقال لنثير السّؤال حول حقيقة اعتقاده أنّ الإسلام هو دين الحريّة ...

أصبح الأستاذ الطالبي رمزا للحرية و العقلانية و الحكمة و نسي الناس كتابه ليطمئن قلبي الذي كفر فيه الأستاذ عبد المجيد الشرفي و مجموعة من أساتذة و أستاذات الجامعة ... هذا الكتاب الذي كان ردة فكرية و أخلاقية و منهجية بأتم معنى الكلمة حيث اخترع مصطلحا اقصائيا عزز به معجم التكفير و التفسيق و التبديع و هو الانسلاخسلاميين ليدعم مصادرة الأفكار و الحق في المعتقد و حرية النقد و التاويل ... بل ذهب فيه إلى حدّ التعبير عن موقف حدي عقائدي من المختلف الديني من خلال قراءة دينيّة مذهبية للمسيحية لا تختلف عن ثقافة الملل و النحل في المدونة الوسيطة ... عجبا للنخبة كيف تنسى ... يبدو أنّ هجومه على احد رموز التيار الاسلامي التونسي شفعت له لدى لدى إكليروس الحداثة في تونس فكافأته على ذلك دون أن يقدم نقدا ذاتيا على نزعته التكفيرية التي اثرت في كثير من شباب الجامعة من ذوي الحماس الدينيالعاطفي.