هل أصبحت الجامعة بين براثن التطرف؟ ما حدث منذ أسابيع في بعض الأجزاء الجامعية وما تعيشه كلية منوبة يوحي بذلك خاصة أن الاعتصام متواصل ومدعم من بعض الأطراف التي بلغ بها الأمر الى حد منع طلبة -لا ناقة ولا جمل لهم في ما يحدث- من الدراسة.. |
لكن حتى لا يكون المشهد سوداويا أكثر من اللازم بات من الضروري التعرف على موقف الاتحاد العام لطلبة تونس باعتباره المعني الابرز بما يحدث وأيضا رأي علم الاجتماع خاصة أن احتجاج بعض الطلبة السلفيين والذين كانوا في عونهم رغم أنه لا علاقة له بالحرم الجامعي خلّف عديد ردود الافعال التي طالت العميد الكزدغلي والاساتذة.. وصراع بين النقابة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي ونقابة الفرع الجامعي بصفاقس.
من جهته بيّن منير خير الدين عضو المكتب التنفيذي للاتحاد العام لطلبة تونس أن الاتحاد ساند إضراب الاساتذة الجامعيين
كما ندد بالاعتداء على المدرسين والطلبة وبالنقاب ايضا حيث يقول «عدة
ظواهر غريبة أصبحت تتهدد الحرم الجامعي والخوف كل الخوف من عودة مظاهر
التطرف والعنف وارباك اطار التدريس فالسلفية اقلية لكن المشكل هو عودة الحواجز البشرية التي تفرض على جميع الطلبة عدم الالتحاق بمقاعد الدراسة..
كما يقول منير خير الدين أيضا: "لان المنقبات هن أقلية الاقلية فقد استعان السلفيون بأطراف خارج الجامعة منهم تجار وباعة خضر تكفلوا بنقل الأغطية والحشايا وأدوات الطبخ في سيارات «ايسوزو» للمعتصمين.. أليس من المفترض أن تحافظ الجامعة على حرمتها أم نفتحها لهؤلاء؟"
ممارسات متطرفة داخل الجامعة
هذا الكلام يؤكده ويدعمه
أمين عام الاتحاد عز الدين زعتور الذي يقول: "لابد أن يمر الاتحاد العام
لطلبة تونس نحو عقد المؤتمر لتحمل مسؤولياته لان المخاطر التي تتهدد
الجامعة ومن خلالها المجتمع عديدة.. ومسؤولية الاتحاد كبرى وجسيمة وتتطلب الانفتاح على الطلبة وطرح البدائل الحقيقية من أجل تطوير منظومة التعليم بصفة عامة ويتصدى لكل محاولة اقصائية تستهدف اي طالب فالممارسات التي استهدفت طالبات وأساتذة وبعض العمداء ومنع طلبة من الدرس أو الامتحان يؤكد أنها ممارسات متطرفة.. فالجامعة مسؤولية وطنية وعلى المجتمع المدني أن يضطلع بدور متقدم تأطيري حتى يتسنى لنا جميعا صيانة الجامعة من هذه الاخطار"..
الاسلام وسلطة الكلمة
الامر يختلف بالنسبة الى الاستاذ الجامعي والمختص في علم الاجتماع سالم لبيض عندما قال: "أولا ظاهرة السلفيين والمنقبات التي ظهرت في الجامعة التونسية يمكن أن نختلف معها وننعتها بشتى النعوت كأن نصفها بأنها رجعية او ماضوية أو في جل الأحوال ليست من الاسلام لان الاسلام لم يقر النقاب والاسلام يرفض التقوقع ويطلب الاندماج في الناس والتعامل معهم بالكلمة الحسنة وبسلطة الكلمة وصل الى أطراف الدنيا في جنوب شرق آسيا وافريقيا، وهي أماكن لم يصل لها بقوة السلاح ومع ذلك لابد أن نعرف أن هذه الظاهرة مثلها مثل كافة الظواهر المحدثة بعد 14 جانفي من افرازات الثورة ومن تداعياتها ولا مجال لمعالجتها بطريقة الاقتلاع من الجذور مثلما كان يفعل بن علي سابقا والسبيل الوحيد لمعالجتها هو الحوار لأن الارض خصبة بعد الثورة"..
سوء حظ السلفيين؟!!
كما
يقول الاستاذ الجامعي سالم لبيض عند تشخصيه لما يحدث في كلية منوبة "من
سوء حظ السلفيين الذين جاؤوا الى مطالبهم بمنوبة بمطالبهم كحرية المنقبات
قد جاؤوا الى كلية العميد فيها لا يستطيع ادارة مثل هذه الازمات لان وراءه
ماضيا ولوما ومواقف سياسية لا تسعفه في القيام بدور المحايد وهو ما أشعل النار خاصة بعد أن تحركت النقابة لدعمه في سلسلة من الاضرابات وصلت الى حد الاعتصام ولا أرى في هذه التحركات غيرة على الجامعة بقدر ما أرى فيها اللون السياسي والخلفية الفكرية للسيد العميد خاصة وأن الجامعة لم تتحرك هذه السنة الا عندما تبرز ظاهرة سلفية في كلية من كلياتها أو معهد من معاهدها ناهيك أن الجامعات في الدواخل والتي لا يوجد فيها تمثيل نقابي قوي أو ضعيف لم تلتحق بسلسلة التحركات
وبناء على ذلك أرى أنه من الضروري الاعتراف بحق جميع مكونات المجتمع
السياسي من النشاط الفكري والسياسي بشرط عدم ممارسة العنف أو الاكراه من أي طرف كان".
كاتب عام النقابة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي:
المعالج نفذ أوامر قيادته السياسية وتخلى عن صفته النقابية!
5 نقابات في صفاقس مشكوك في تكوينها... والمعالج اقترف خروقات تنظيمية
ملف الإضراب أمام الهيئة الادارية.. واتحاد الشغل مطالب بموقف واضح
" عدم
مشاركة الاستاذ عارف معالج في الاضراب العام لأساتذة التعليم العالي
الخميس المنقضي له عديد المعاني خاصة أنه رفض الادلاء بموقفه الحقيقي من الرفض ومما يحدث في الجامعة التونسية فقد بان بالكاشف أنه يمتثل لأوامر قيادته السياسية لا لقوانين الاتحاد العام التونسي للشغل"
هذا الكلام للاستاذ حسين بوجرّة كاتب عام الجامعة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي الذي انتقد بشدة عدم مشاركة كاتب عام النقابة الاساسية لكلية المهندسين بصفاقس الاستاذ عارف معالج وبعض الاساتذة في الاضراب العام لاساتذة التعليم العالي الخميس المنقضي على خلفية أحداث كلية منوبة.
موقف النهضة من السلفيين
ولاحظ كاتب عام الجامعة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي أن الاستاذ عارف معالج نقابي لكنه في الوقت ذاته قيادي في مكتب حركة النهضة بصفاقس وقد تخلى عن صفته النقابية وحكم انتماءه السياسي وبالتالي لم يشارك في الاضراب.
وحول ما إذا كانت عدم مشاركة الاستاذ معالج في الاضراب صحبة مجموعة اخرى من الاساتذة بصفاقس يعكس موقف حركة النهضة من أحداث كلية منوبة وتحديدا من السلفيين الذين يقفون وراءها رغم تعرض الاساتذة للعنف المادي واللفظي وكذلك عديد الطلبة قال الاستاذ حسين بوجرّة "عارف معالج يرفض
الاصداع بموقفه الحقيقي خاصة امام الرأي العام لكن الثابت انه لم يحترم
قرار الاتحاد العام التونسي للشغل الذي ندد بالتعدي على حرمة الجامعة
واطارها وامتثل لاوامر قيادته السياسية وهذا يعكس كل المواقف".
الاتحاد مطالب بتوضيح موقفه
وحول
ما اذا كان عدم احترام نقابي مسيس لقرارات الاتحاد خرقا قانونيا قال كاتب
عام الجامعة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي "طلبت من الاتحاد طرح
الاشكال في الهيئة الادارية الوطنية المبرمجة ليوم 8 ديسمبر الجاري وسأعرض
ملف عارف معالج على الهيئة لان ما حدث مقلق ويبعث على الخوف والريبة كما أنه على الاتحاد ان يرد على هذه الظاهرة التي بدأت تكتسح الجامعة وبعض النقابيين المسيسين أو المنتمين لحزب معين وسيحال ملف عارف معالج على قسم النظام الداخلي لانه ليس من حقنا كنقابيين خرق الحركات الاضرابية، فضلا عن معالج الذي يعتبر نفسه كاتبا عاما للفرع الجامعي بصفاقس قد أتى مجموعة من الخروقات التنظيمية وساهم في ظهور 5 نقابات جديدة بمعاهد ومؤسسات تعليم عال بصفاقس مشكوك فيها".
ويفسر الاستاذ حسين بوجرة ما قاله مضيفا: "عارف معالج ساهم في بروز 5 نقابات دون أن يتم التنسيق بين الاتحاد الجهوي بصفاقس والجامعة العامة للتعليم العالي.. من المفترض أن ننسق بيننا لتنظيم الانتخابات.. وقد فوجئت بامضاءات غير قانونية تصل لمكتبنا".
السؤال المطروح هل تم تكوين 5 نقابات جديدة دون اعلام الاتحاد الجهوي للشغل بصفاقس؟ هنا يقول حسين بوجرة :"أعتقد أن الاتحاد الجهوي للشغل بصفاقس على علم بذلك وموافق لكن الجامعة العامة لم يقع التنسيق معها رغم أنها المعني الرئيسي بذلك"
ردود أفعال
وبينما ترى بعض الاطراف في الساحة السياسية أن بعض نقابيي صفاقس حاولوا تهميش اجتماعات بعض الاحزاب في صفاقس وحدث
ما حدث فإن الكاتب العام للاتحاد الجهوي بصفاقس كان حضر شخصيا وباسم
الاتحاد احد اجتماعات حركة النهضة وهو ما أثار انتقادات عديدة للمنظمة الشغيلة.. في المقابل يعتبر الكاتب العام للفرع الجامعي لأساتذة التعليم العالي بصفاقس عارف معالج أن الاضراب العام الجامعي تقرر دون استشارة القواعد والقيادات النقابية ولم يحظ بمصادقة المكتب التنفيذي.. كما استغرب اقحام انتمائه السياسي في ما حدث يوم الاضراب خاصة أن الفرع الجامعي بصفاقس أقر في بلاغ داخلي عدم مشاركته في الاضراب الذي دعا اليه حسين بوجرّة الكاتب العام لنقابة التعليم العالي..
واذ يرى حسين بوجرّة
أن الشعب المهنية التي قضى عليها الاتحاد بعد الثورة والتي كانت تعيق
الاضراب في العهد البائد قد عادت في شكل جديد مبرزا أنه من جملة 5 نقابات
اسسها الاستاذ عارف المعالج أضربت نقابتان منها فقط أما البقية فقد شاركت في الاضراب وقد اجتمع الاساتذة المنتمون اليها منددين بمعارضة فكرة الاضراب.. والقضية للمتابعة..
عبد الوهاب الحاج علي |
الاثنين، 5 ديسمبر 2011
الجامعة بين براثن التطرف _ سالم لبيض
الخميس، 1 ديسمبر 2011
معاملة السفهاء في مأثور الحكمة والشعر
معاملة السفهاء في مأثور الحكمة والشعر:
السفيه هو الإنسان الناقص العقل، الذي يتجرأ على الآخرين بالسب والشتم ويتهجم بلا سبب ويطلق الكلام القبيح بسهولة فهو إنسان غير ناضج ولا مسؤول.. وهو يختلف عن (السخيف) فالأخير لا يعتدي بساقط القول، ولكنه يتحدث بكلام لا فائدة منه ولا لون له ولا طعم، فضد السخيف هو الرصين، وضد السفيه هو العاقل الحكيم، السفيه قليل العقل فاقد للحكمة، والسخيف فارغ من الداخل تافه الاهتمام والكلام والعمل، قال العلامة ابن حزم في تعريف السُّخف:
"السخيف لا يضر ولا ينفع ولكنه سمج، أما السفيه فهو يضر مخالطيه بطول لسانه وسوء كلامه وقبح جوابه، وغالباً ما يكون السفيه صغيراً في السن لم يتلق تربية حسنة ولم تنضجه الليالي والأيام ولم يعرف أقدار الرجال وأصول الاجتماع، ومع ذلك فقد توجد السفاهة في بعض كبار السن فتكون كارثة.."
ومن مأثور الشعر في معاملة السفهاء قول الشاعر:
إذا نطق السفيه فلا تجبه فخير من إجابته السكوت
يخاطبني السفيه بكل قبح فأكره أن أكون له مجيباً
يزيد سفاهة فأزيد حلمـاً كعودٍ زاده الإحراق طيباً
إذا نطق السفيهُ فلا تُجبْهُ ** فخيرٌ من إجابته السكوتُ (الإمام الشافعي)
"سكتُّ عن السفيه فَظَنَّ أنِّي
عييتُ عن الجواب وما عييتُ
فإنْ كلَّمتُهُ فرَّجتُ عنهُ
وإن خليتُه كمداً يموتُ!"
وهذا صحيح فإن السفيه كالنار وقوده الرد عليه فيزداد سفاهة واندفاعاً، أما الصمت عنه ترفعاً فيقتله..
والمثل العربي يقول: "سفيهٌ لم يجدْ مسافهاً"
فالذي يتجاوب مع السفيه في فاحش القول يصبح مثله تقريباً ويعطيه الفرصة الذهبية لاستعراض قاموس سفاهته أما الذي يسكت عنه ترفعاً فإنه يخرسه ويلقمه حجراً..
ويقول أبو الأسود الدؤلي:
"وإذا جريتَ مع السفيه كما جرى
فكلاكما في جريه مذمومُ
وإذا عتبتَ على السفيه ولُمْتَهُ
في مثل ما يأتي فأنتَ ظلومُ "
وللإمام الشافعي:
"متاركةُ السفيه بلا جواب
أشدُّ على السفيه منَ الجواب!"
قال المؤمل المحاربي:
"وكم من لئيم وَدّ أنِّي شَتَمْتُهُ
وإن كان شتمي فيه صابٌ وعَلْقَمُ
وَلَلكَفُّ عن شَتْم اللئيم تكرُّماً
أَضَرُّ لهُ من شَتْمه حين يُشْتَمُ"
السفيه هو الإنسان الناقص العقل، الذي يتجرأ على الآخرين بالسب والشتم ويتهجم بلا سبب ويطلق الكلام القبيح بسهولة فهو إنسان غير ناضج ولا مسؤول.. وهو يختلف عن (السخيف) فالأخير لا يعتدي بساقط القول، ولكنه يتحدث بكلام لا فائدة منه ولا لون له ولا طعم، فضد السخيف هو الرصين، وضد السفيه هو العاقل الحكيم، السفيه قليل العقل فاقد للحكمة، والسخيف فارغ من الداخل تافه الاهتمام والكلام والعمل، قال العلامة ابن حزم في تعريف السُّخف:
"السخيف لا يضر ولا ينفع ولكنه سمج، أما السفيه فهو يضر مخالطيه بطول لسانه وسوء كلامه وقبح جوابه، وغالباً ما يكون السفيه صغيراً في السن لم يتلق تربية حسنة ولم تنضجه الليالي والأيام ولم يعرف أقدار الرجال وأصول الاجتماع، ومع ذلك فقد توجد السفاهة في بعض كبار السن فتكون كارثة.."
ومن مأثور الشعر في معاملة السفهاء قول الشاعر:
إذا نطق السفيه فلا تجبه فخير من إجابته السكوت
يخاطبني السفيه بكل قبح فأكره أن أكون له مجيباً
يزيد سفاهة فأزيد حلمـاً كعودٍ زاده الإحراق طيباً
إذا نطق السفيهُ فلا تُجبْهُ ** فخيرٌ من إجابته السكوتُ (الإمام الشافعي)
"سكتُّ عن السفيه فَظَنَّ أنِّي
عييتُ عن الجواب وما عييتُ
فإنْ كلَّمتُهُ فرَّجتُ عنهُ
وإن خليتُه كمداً يموتُ!"
وهذا صحيح فإن السفيه كالنار وقوده الرد عليه فيزداد سفاهة واندفاعاً، أما الصمت عنه ترفعاً فيقتله..
والمثل العربي يقول: "سفيهٌ لم يجدْ مسافهاً"
فالذي يتجاوب مع السفيه في فاحش القول يصبح مثله تقريباً ويعطيه الفرصة الذهبية لاستعراض قاموس سفاهته أما الذي يسكت عنه ترفعاً فإنه يخرسه ويلقمه حجراً..
ويقول أبو الأسود الدؤلي:
"وإذا جريتَ مع السفيه كما جرى
فكلاكما في جريه مذمومُ
وإذا عتبتَ على السفيه ولُمْتَهُ
في مثل ما يأتي فأنتَ ظلومُ "
وللإمام الشافعي:
"متاركةُ السفيه بلا جواب
أشدُّ على السفيه منَ الجواب!"
قال المؤمل المحاربي:
"وكم من لئيم وَدّ أنِّي شَتَمْتُهُ
وإن كان شتمي فيه صابٌ وعَلْقَمُ
وَلَلكَفُّ عن شَتْم اللئيم تكرُّماً
أَضَرُّ لهُ من شَتْمه حين يُشْتَمُ"
فالسفيه يهاجم ويسب بلا سبب:
"يسطو بلا سبب وتل
لك طبيعةُ الكلب العقور"!
يقول المتنبي:
"ومكائد السفهاء واقعةٌ بهم
وعداوةُ الشعراء بئسَ المُقْتَنى"
وله أيضاً وفيه دلالة على خطورة السفهاء:
"وجُرْم جَرَّهُ سفهاءُ قوم
فَحَلَّ بغير جارمه العقابُ"
"يسطو بلا سبب وتل
لك طبيعةُ الكلب العقور"!
يقول المتنبي:
"ومكائد السفهاء واقعةٌ بهم
وعداوةُ الشعراء بئسَ المُقْتَنى"
وله أيضاً وفيه دلالة على خطورة السفهاء:
"وجُرْم جَرَّهُ سفهاءُ قوم
فَحَلَّ بغير جارمه العقابُ"
السبت، 26 نوفمبر 2011
وعد بلفور ... قراءة في الصهيونية المسيحية
بقلم / د. سليم محمد الزعنون
د. معمر فيصل الخولي
يصادف الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني 2011 الذكرى السنوية الرابعة والتسعين لـ 'وعد بلفور 1917'، وما تضمنه من وضع الأسس لقيام وطن قومي لليهود في فلسطين؛ وشكل مدخلاً إلى النكبة الفلسطينية في الخامس عشر من مايو 1948 وما نتج عنها من تداعيات كان لها انعكاساتها من حيث مفاعيلها على الشعب الفلسطيني بشكل خاص والمنطقة بشكل عام، غير أن وعد بلفور 1917 لا يشكل البداية لفكرة الوطن القومي لليهود في فلسطين؛ فقد يكون 'آرثر بلفور' مهندس الفكرة ومجسدها السياسي؛ ولكن هذا لايعني أن أفكاره ورؤاه كانت جديدة فقد سبقه الكثيرون الذين وضعوا وطوروا تلك الأفكار قبل ذلك بثلاثة قرون, في هذا السياق فإن فكرة انشائه تضرب بجذورها في القرن السادس عشر الميلادي؛ حيث تبلورت في إطار ما سمي بـ 'الصهيونية المسيحية' التي وضعت المقدمات الحقيقية لظهور الصهيونية بوصفها مجموعة من المعتقدات المنتشرة بين غير اليهود والتي تؤيد قيام دولة قومية يهودية في فلسطين.
أولاً / الصهيونية المسيحية
يطلق مسمى الصهيونية المسيحية على معتقد جماعة من المسيحيين المنحدرين غالباً من الكنائس البروتستانتية الأصولية والتي تؤمن بأن قيام دولة إسرائيل عام 1948 كان ضرورة حتمية بوصفها تتمم نبؤات الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد وتشكل المقدمة لمجيء المسيح إلى الأرض كملكٍ منتصر، ويَعتقد الصهاينة المسيحيون أن من واجبهم الدفاع عن الشعب اليهودي بشكل عام وعن الدولة العبرية بشكل خاص، ويعارضون أي نقد أو معارضة لدولة إسرائيل.
ثانياً / السياق التاريخي للصهيونية المسيحية.
لا يمكن عزل مفهوم الصهيونية المسيحية عن التحولات الاجتماعية والاقتصادية والتطورات السياسية التي حصلت في أوروبا في القرنين السادس والسابع عشر, عصر التجارة والإكتشافات الجغرافية وعصر الاستعمار التجاري ' المركنتلي'؛ ووصلت إلى ذروتها في نهاية القرن التاسع عشر.
قام الفكر الكنسي الكاثوليكي في القرون الوسطى على الفصل بين العبرانيين القدامى و بين اليهود المعاصرين, وكانت فلسطين بنظر الكنيسة الكاثوليكية تعتبر أساس الوطن المقدس للمسيحيين، نظراً لذلك لم تنظر لليهود على أنهم الشعب المختار الذي قدر له أن يعود إلى الأرض المقدسة, ووفقاً للعقيدة الكاثوليكية لا يوجد لليهود مستقبل جماعي؛ من منطلق أنهم ارتكبوا إثماً فطردهم الله إلى منفاهم في بابل وعندما أنكروا أن عيسى هو المسيح المنتظر نفاهم ثانية وبذلك انتهى وجود ما يسمى ' بالأمة اليهودية' إلى الأبد.
1- المملكة المتحدة 'بريطانبا'
في القرنين الرابع والخامس عشر بدأت الاحتجاجات ضد الكنيسة الكاثوليكية التي كانت على قمة الهرم الإقطاعي والبابا الديكتاتور المطلق؛ وفي القرن السادس عشر تمكن الشعب الانجليزي من الانفصال عن الكنيسة الكاثوليكية، والانتقال إلى المذهب البروتستانتي، وبمرور الوقت تمكن ساسة انجلترا من نشر المذهب البروتستاني بالقوة في كل من اسكتلندا، والجزء الشمالي من إيرلندا، وبذلك أصبحت بريطانيا المكونة من 'إنكلترا واسكتلندا وشمال إيرلندا' أقوى دولة بروتستانتية في غرب أوربا.
لقد اعتمدت الكنيسة البروتستانتية على إحياء العهد القديم 'التوراه' بوصفه يمثل أساس المسيحية وجعلت الكتاب المقدس هو المرجعية بدلاً من تفسيرات الكنيسة الكاثوليكية؛ وأعادت الاعتبار للغة العبرية من منطلق أنها لغة الكتاب المقدسة؛ واستخدمتها كلغة للصلاة في الكنائس البيوريتانية 'طائفة من البروتستانتية '، وصارت ذكرى قيام المسيح يوم السبت بدلاً من يوم الأحد.
وقد جاءت البيوريتانية في القرن السابع عشر في بريطانيا لتعلن تمسكها بالعهد القديم وحده متجاهلة العهد الجديد؛ وتقديسهم للعهد القديم دفعهم إلى تحسين العلاقة مع اليهود بوصفهم أبناء الرب وشعب الله المختار، نظراً لذلك تبنوا فكرة إعادة أبناء الرب إلى وطنهم 'فلسطين' كمقدمة لعودة المسيح؛ ثم انتشرت هذه الفكرة 'عودة المسيح' في أنحاء أوروبا المسيحية وارتبطت بضرورة إعادة اليهود أولاً إلى أرضهم 'فلسطين'.
لقد أدى إيمان البروتستانتية المطلق بأفكار التوراه إلى وجود فكر يربط بين الديني والسياسي وبين مجيئ المسيح وإقامة دولة يهودية، ففي عام 1615 طالب البرلماني 'السير هنري فينش' حكومة بلاده بدعم اليهود ليرجعوا لأرض الموعد قائلاً ' ليس اليهود قلة مبعثرة، بل أنهم أمة، ستعود أمة اليهود إلى وطنها، وستعمر كل زوايا الأرض وسيعيش اليهود بسلام في وطنهم إلى الأبد'؛ وفي عام 1649م رفع اثنان من علماء الأديان الإنجليز خطاباً إلى حكومتهم جاء فيه : ' ليكن شعب إنجلترا أول من يحمل أبناء إسرائيل على سفنهم إلى الأرض التي وعد بها أجدادهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب لتكون إرثهم الأبدي'.
وقد تجسدت الصهيونية المسيحية في بعدها السياسي الأيديولوجي للمرة الأولى في بريطانيا عام 1655 عندما دعا 'أوليفر كرومويل' رئيس المحفل البوريتاني لعقد مؤتمر يسمح لليهود بالعودة للسكن والإقامة في المملكة 'فلسطين'؛ بعدما تم نفيهم منها بقرار من الملك إدوارد الأول عام 1290.
كما برز في القرن التاسع عشر العديد من الشخصيات تدعو للصهيونية المسيحية مثل 'جون نلسون داربي' و'القس لويس واي' بحيث اصبحت الجمعية التي يترأسها الأخير أهم منبر للتعبير عن أفكار الصهيونية المسيحية بما في ذلك الدعوة لعودة اليهود إلى فلسطين؛ اضافة إلى البرلماني البريطاني 'هنري دارموند' الذي ترك الحياة السياسية بعد زيارته الأراضي المقدسة ليكرس بقية حياته لتعليم المسيحية بنسختها الأصولية وليدعوا لعودة اليهود إلى فلسطين؛ وايضاً 'القس ويليام هشلر' الذي قام بتنظيم عمليات نقل المهاجرين اليهود الروس إلى فلسطين؛ ونشر كتاباً عام 1894 بعنوان 'عودة اليهود إلى فلسطين' اعتبر فيه أن العودة تجسد تحقيقاً لنبوءات وردت في العهد القديم، وأخيراً من أشهر السياسيين البريطانيين اللورد 'آرثر بلفور' مهندس وعد بلفور1917.
2- الولايات المتحدة الأمريكية
مع بدايات القرن التاسع عشر ولذات الاعتبارات الدينية مثلت الكنيسة البروتستانتية في الولايات المتحدة الداعم الأكبر لمشروع الوطن القومي لليهود في فلسطين، بوصفها تشكل أكبر الطوائف المسيحية 65% مقارنة بالكاثوليك 30%، ولاقت أفكار المذهب البروتستانتي رواجاً في الولايات المتحدة بفضل جهود لاهوتيين بروتستانت مثل 'دوايت مودي' و'سايروس سكوفيلد' و'ويليام بلاكستون'، حيث روج 'ويليام بلاكستون' في كتابه ' يسوع قادم' عام 1878 لفكرة عودة المسيح والحياة الألفية السعيدة، وذلك يستدعي قيام دولة اليهود الممهدة لذلك؛ وكتب 'سايروس سكوفيلد' حول الحرب الكونية على الأشرار، ولكنه جعلها حرباً نووية مدمرة 'هرمجدون' بين اليهود وأعدائهم من المسلمين والكفار.
أنشأ القس 'جيري فالويل' في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1979 'منظمة الأغلبية الأخلاقية'، التي تضم لجان سياسية لمسيحيين ذوي توجهات محافظة، وينص أحد المبادئ الأربعة التأسيسية للمنظمة على 'دعم إسرائيل والشعب اليهودي في كل مكان'، وقد عبرت تصريحات 'جيري فالويل' عن البعد الديني في العلاقة مع اسرائيل قائلا 'إن من يؤمن بالكتاب المقدس حقاً يرى المسيحية ودولة إسرائيل الحديثة مترابطتين على نحو لا ينفصم، إن إعادة إنشاء دولة إسرائيل عام 1948 لهي في نظر كل مسيحي يؤمن بالكتاب المقدس تحقيق لنبوءات العهدين القديم والجديد'.
أعطى قيام دولة إسرائيل عام 1948 زخماً قوياً لمتبني الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة، كما أن حرب حزيران عام 1967 كانت بالنسبة لهم أشبه بمعجزة إلهية تمكن فيها اليهود من دحر عدة جيوش عربية مجتمعة في آن واحد وأحكمت خلالها الدولة العبرية سيطرتها على بقية أراضي فلسطين التاريخية خصوصاً القدس الشرقية والمواقع الدينية التي تحتضنها؛ ويعتبر البروتستانت أنه باحتلال إسرائيل للقدس والضفة الغربية تحققت نبوءة الكتاب المقدس.
في عام 1989حل 'جيري فالويل' منظمة الأغلبية الأخلاقية لكن المسيحيين المحافظين حافظوا على دورهم كداعمين لإسرائيل رغم افتقارهم لوجود مؤسسة قوية رسمية لدعم الدولة العبرية بقوة؛ ولتأطير هذا الدعم أسس الصهاينة المسيحيين في الولايات المتحدة عدة مؤسسات هدفها المعلن التشجيع على مساندة إسرائيل، أبرزها 'مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل' وصفها القس 'جون هاجي' بالنسخة المسيحية من أيباك، ومؤسسات أخرى مثل 'مؤتمر القيادة المسيحية الوطني من أجل إسرائيل' و'ائتلاف الوحدة من أجل إسرائيل' و'السفارة المسيحية العالمية في أورشليم' وغيرها.
منذ ثمانينات القرن الماضي سيطر اليمين المسيحي المحافظ على الحزب الجمهوري منذ 'جيمي كارتر' و'رونالد ريغن' و'جورج بوش الأب' وصولاً إلى 'جورج بوش الإبن'، بما تشكل التحالف الجمهوري الجديد بين ' الصهيونية المسيحية '
ثالثاً / الانتاج الفكري والأدبي في خدمة الصهيونية المسيحية
منذ القرن السادس عشر بدت سيطرة البعد الديني واضحة في انتاج الغرب الفكري والأدبي والفلسفي؛ والقى بكل قيم الصهيونية المسيحية في معادلة فلسطين اليهودية؛ فكتب 'ميلتون' قصيدته الشهيرة ' الفردوس السعيدة ' التي تُظهر إيمانه بالعصر الألفي السعيد عن طريق اعادة اليهود إلى فلسطين بتدخل قوة إلهية خارقة؛ ونشر 'هنري فنش' عام 1621 كتابه حول 'البعث العالمي الكبير- أو عودة اليهود ومعهم كل ممالك الأرض إلى دين المسيح'، وجدد 'الكسندر بوب' فكرة المملكة اليهودية في قصيدته ' المسيح'؛ ونشر 'توماس برايتمان' كتابه الذي يدعو إلى إعادة 'الشعب اليهودي' إلى أرض 'آبائه وأجداده' لتحقيق نبوءة الكتاب المقدس؛ وصور 'جاك بوسيه' عام1681 قي كتابه ' دراسة التاريخ العالمي' إسرائيل على إنها الأمة التي تعلو كل الأمم؛ فهي حجر الأساس في تاريخ العالم.
وفي ألمانيا تناول 'هانس ساش' في كتابيه عام 1552 موضوعات عن التاريخ اليهودي؛ وأكدت 'كريستان وايز' نفس الأفكار في كتابها عام 1683؛ وكتب الشاعر 'جوتهلد ابهريم لستنغ' روايته ناتان الحكيم عام 1779 التي تنتقل إلى موطن البطل اليهودي ناتان وتصور الرواية الحملة الصليبية الثالثة وتصور صلاح الدين الأيوبي كمحتل للقدس.
في ذات السياق نلاحظ مناصرة لقضية عودة اليهود إلى فلسطين على أسس دينية في كتابات الفلاسفة 'جوزيف بريستلي'؛ 'جون لوك', 'إسحق نيوتن', 'جوهان جوتغريد وهودر'، 'جان جاك روسو'؛ 'بليز باسكال'؛ 'ايمانويل كانت'؛ 'فخته'، فقد كان جوزيف بريستلي هو أول من تصور بأن فلسطين أرضا ًغير مأهولة بالسكان وتمنى لليهود ' أن يجمعهم و يعيد توظيفهم في وطنهم أرض كنعان و يجعلهم أكثر الأمم شهرة'؛ وقام إسحاق نيوتن بوضع جدول زمني للأحداث التي سوف تؤدي إلى عودة اليهود إلى فلسطين انطلاقاً من نبوءات العهد القديم؛ أما الفيلسوف 'جان جاك رسو' صاحب نظرية 'العقد الاجتماعي' قال 'لن نعرف الدوافع الداخلية لليهود أبداً حتى تكون لهم دولتهم الحرة ومدارسهم وجماعاتهم'، وكتب 'بليز باسكال' ' إن بقاء اليهود 4000 سنة سبب كاف للإ قتناع بأن الله موجود'، ووصف الفيلسوف 'إيمانويل كانت' اليهود بأنهم «الفلسطينيون الذين يعيشون بيننا». وأوجد بعض الفلاسفة الأوروبيين ذرائع لاحتلال فلسطين، إذ يرى الفيلسوف الألماني 'فخته' بأن لا مكان لليهود في أوروبا، وحل مشكلاتهم لا يتم إلا 'باحتلال أرضهم المقدسة ثانية وإعادتهم جميعاً إليها'.
رغم تراجع هذا النوع من الكتابات بداية القرن الثامن عشر الا أنه شهد تصاعداً مع نهاية القرن وبدايات القرن التاسع عشر مع كتاب جيمس بشينو' عودة اليهود – أزمة جميع الأمم' عام 1800.
رابعاً / تزاوج الفكر الديني والمصلحة السياسية
في البداية كان يُنظر لعودة اليهود إلى فلسطين من منطلق ديني بحت من حيث تحقيق النبوءة؛ بما أوجد علاقة بين اليهود وتحقيق الوعد القائم على عودة المسيح المخلص وحلول العصر الألفي السعيد.
وفي القرن السابع عشر بدأت المصلحة السياسية تلقي بثقلها إلى جانب الدين، فتم ربط الأفكار الدينية مع السياسة الواقعية القائمة على الحصول على نفوذ في الشرق الأدنى وتقوية هذا النفوذ تحت شعار الدين، وأصبحت أفكار عودة اليهود تُستغل كستار للمصالح الإستعمارية البريطانية في فلسطين التي ارتبط موقعها بالمتطلبات الأساسية للإمبراطورية، تجسد ذلك فعلياً في مقررات مؤتمر 'وايت هول' الذي دعا اليه 'أوليفر كرومويل' عام 1655 لبحث شرعية عودة اليهود, وتمخض عنه نص القرار' بالسماح لليهود بدخول دولة بروتستانتينية ينبغي ألا يكون قانونياً فحسب بل وأمراً نفعياً '؛ بما يؤشر لبداية توظيف البعد الديني لخدمة البعد السياسي بالإستفادة من اليهود وتوظيفهم في خدمة المصالح البريطانية، وتلخص 'بربارة تخمان' المؤرخة الصهيونية دراستها عن الإرتباط الإنجليزي المبكر بالصهيونية فتقول ' الدين وحده لم يكن كافيا, إذ أن شعور البيورتانيين الغامض والتآخي الروحي مع أبناء إسرائيل وآرائهم المثالية في التسامح وأمالهم الصوفية بالتعجيل بالعصر الألفي السعيد ما كانت لتؤدي إلى نتائج عملية لو لم تتدخل المنفعة السياسية'، ومنذ عهد 'كرومويل' أصبح أي اهتمام بريطاني بفلسطين يعتمد على دافعين متلازمين : دافع الربح تجارياً أو استعمارياً وعسكرياً والدافع الديني.
وفي ذات السياق يمكن تفسير دعوة 'نابليون بونابرت' في آخر القرن الثامن عشر 1799 لعودة اليهود إلى فلسطين وإقامة دولتهم التي منحهم الله إياها؛ فقد أراد بذلك استثمار فكرة إعادة اليهود إلى وطنهم ليستفيد من أموالهم ومن جعل فلسطين دولة يهودية ترعى وتحمي مصالح فرنسا، وفي عام 1860 ظهر كتاب 'أرنست لاهاران' السكرتير الخاص لنابليون بَيَنَ فيه أهمية وجود دولة يهودية في فلسطين وما ستعكسه على المصالح الأوروبية؛ ودعا إلى مساعدة اليهود على إقامة دولة لهم في فلسطين، ورفع شأن اليهود إلى أعلى الدرجات.
لقد مثل القرن التاسع عشر ذروة المطالبة بعودة اليهود إلى وطنهم، حيث كانت المصالح المحرك الأساسي لعصر الإمبرياليات ولكنها بقيت مغلفة بالدين؛ أثراً لذلك سعي 'بالمرستون' وزير الخارجية البريطاني منذ ثلاثينات القرن الماضي من أجل تنفيذ الفكرة، وبذل 'تشارلز تشرشل' مجهوداً كبيراً في أربعينات القرن الماضي لحث شخصيات يهودية لتبني فكرة الوطن القومي في فلسطين، وأجرت شخصيات بريطانية العديد من الاتصالات مع الشخصيات اليهودية لإقناعها بمشروع الدولة اليهودية وطرد العرب منها أمثال 'كلورنس أوليفنت' 1829-1888، و'وليم هشلر' 1845-1931، وصاغ اللورد الانجليزي 'شافتسبيري' في مقاله عام 1839 عبارة 'شعبٌ بلا أرض؛ لأرضٍ بلا شعب'؛ تلك المواقف أسهمت في تجسيد فكرة الصهيونية اليهودية السياسية الرسمية في أواخر القرن التاسع عشر، من خلال المؤتمر الصهيوني اليهودي الأول الذي عقد في بال في سويسرا عام 1897م برئاسة 'تيودور هرتزل'، وفي إطاره تم خلق صلة ما بين أفكار الصهيونية المسيحية والمصالح الإستراتيجية لبريطانيا، وتتابعت مواقف الصهيونية المسيحية لتصل إلى 'آرثر جيمس بلفور' الذي خط اللمسات الأخيرة على المشروع بإستصدار وعد بلفور 1917 الذي يضع الأسس لعودة اليهود لفلسطين كتمهيد لعودة المسيح، وخدمة المصالح البريطانية في المنطقة.
في ذات الإطارت وظفت الولايات المتحدة البعد الديني لخدمة البعد السياسي، بدا ذلك واضحاً في تصريحات السياسين والمفكرين ورجال الدين، في هذا السياق تحدث ' جيري فالويل' بأن 'الله بارك أمريكا لأن أمريكا باركت اليهود. فإذا أرادت هذه الأمة أن ترى حقولها محافظةً على بهائها وإنجازاتها العلمية محافظة على ريادتها وحريتها محمية، فعلى أمريكا أن تبقى واقفة إلى جانب إسرائيل'، وكذلك القس المسيحي 'مايك إيفانز' بقوله 'إن إسرائيل تلعب دوراً حاسماً في المصير الروحي والسياسي لأمريكا'.
التقيم والخلاصة
يؤشر ما سبق إلى أن وعد بلفور 1917 لا يشكل البداية لفكرة الوطن القومي لليهود في فلسطين، وانما تضرب الفكرة بجذورها في القرن السادس عشر حيث تبلورت في إطار ما سمي بـ 'الصهيونية المسيحية' التي وضعت المقدمات الحقيقية لظهور الصهيونية بوصفها مجموعة من المعتقدات المنتشرة بين غير اليهود والتي تؤيد قيام دولة قومية يهودية في فلسطين من منطلقات دينية.
وفي القرن السابع عشر بدأت المصلحة السياسية تلقي بثقلها إلى جانب الدين، فتم ربط الأفكار الدينية مع السياسة، وأصبحت أفكار عودة اليهود تُستغل كستار للمصالح الإستعمارية البريطانية في فلسطين التي ارتبط موقعها بالمتطلبات الأساسية للإمبراطورية.
المحصلة أن ما حدث ولا زال يحدث مرتبط بالبعد العقدي للغرب الذي يؤمن بأن عودة المسيح لا يمكن أن تتحق إلا بعودة اليهود إلى فلسطين، لذلك ليس هناك أي احتمال يبدو في الأفق بموجبه يتراجع الغرب عن مساعدة اليهود إلا إذا حدث تغيُّر عقائدي جديد على غرار ما حدث في القرن السادس عشر.
الأحد، 20 نوفمبر 2011
معسكرات الشياطين وفراديس الملائكة
معسكرات الشياطين وفراديس الملائكة
نصر شمالي
نصر شمالي
2011-07-29
حسب التصنيفات والتوصيفات الأطلسية/الصهيونية للعالم تدخل الشعوب العربية/الإسلامية جميعها في نطاق محور الأشرار الدولي، وتدخل بلدانها جميعها في نطاق معسكرات الشياطين. والقاعدة الأطلسية (الفقهيّة) هنا هي أنّ الأشرار الشياطين لا يمكنهم أن يكونوا أخياراً ملائكة حتى لو ظهر بينهم (كاستثناء) من لديه مثل هذه الرغبة، ولذلك لا توبة ولا مغفرة، وما ينبغي فعله هو إرغامهم على الانصياع التام، وإلاّ فليس لهم سوى الموت الزؤام أمّا الشعوب الأطلسية (الأنكلوسكسونية/الفرنكوفونية/اليهودية) فتدخل جميعها في نطاق الأخيار، وتدخل بلدانها جميعها في نطاق فراديس الملائكة، ولا يغيّر في القاعدة وقوع جريمة قتل جمعي عشوائي رهيبة كالتي شاهدناها قبل أيام في النرويج، فمرتكبها (المدعو أندرس بيرينغ برييفك) ملاك أطلسي، شنّ هجوماً استباقياً ضدّ الشياطين المسلمين والماركسيين، ترتّبت عليه بعض الأضرار الهامشية.
' ' 'لقد رأينا كيف عومل برييفك من قبل أجهزة السلطة، بعد استسلامه، بمنتهى اللطف والاحترام. وقد اعترف صراحة بجريمته وبدوافعها وأهدافها كأنّما هو يلقي موعظة. وطوال الوقت لم يوجّه إليه عناصر الأمن كلمة جارحة، ولا نظرة قاسية، ولم يتلقّ صفعة، بالطبع. كان أنيقاً هادئاً، مستقرّاً براحته التامة عند النافذة في المقعد الخلفي من سيارة البوليس الفارهة، كأنّما هو في طريقه إلى حفل ساهر (في بلادنا يشتدّ التنكيل بجرحى المظاهرات العزّل). وسرعان ما انتهى التحقيق الأوّلي مع برييفك من قبل هيئة محكمة نظامية، وأعلن هو شخصياً ببساطة أنّه يقبل الحكم عليه بالسجن المؤبّد، كما هو متوقّع، علماً أنّ 'المؤبّد' في بلاد الملائكة، في سجونهم الملائكية، هو في حدود العشرين عاماً، أمّا في بلاد الشياطين( ونحن نستخدم المصطلحات الأطلسية) فقد سجن أكثر من عشرين عاماً بكثير أشخاص لم تثبت عليهم تهمة، ولم يمثلوا أمام محكمة، بينهم صبيان لم يبلغوا سنّ الرشد عند اعتقالهم.
' ' 'والآن ينبغي أن نسارع إلى القول أنّ برييفك المواطن الأطلسي هو ذاته برييفك الحاكم (وأحياناً المعارض) في البلاد العربية، يرتدي الزيّ العربي وينطق باللغة العربية، ويدمّر ويعذّب ويسجن ويقتل كما يشاء وأين يشاء ومتى يشاء، منطلقاً بدافع أخلاقي، فهو يفتك بالشياطين الأشرار ويدمّر معسكراتهم. ولتلمّس خلفيات هذا 'الفقه' نذكر أنّ أحد القادة الأوروبيين أفتى قبل عدّة قرون بأنّ الفعل الذي يعتبر جريمة في أوروبا هو فعل طبيعي مشروع وليس جريمة في آسيا وأفريقيا. وقبل حوالي نصف قرن صرّحت رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير أنّها لن تغفر للفلسطينيين إكراههم إياها على قتلهم. وكذلك فإنّ الحاكم العربي عموماً (وأحياناً المعارض العربي) كثيراً ما يحقد على المواطن 'الحقير' الذي يريد أن يبرهن أنّه ليس شيطاناً، والذي يرغمه على قتله قتلاً مباشراً معلناً، ولا يدعه يميته موتاً ذاتياً بطيئاً غير مرئي.
ويجب أن لا تفوتنا الإشارة إلى أنّ الإلحاح الأطلسي على امتداح وتقدير 'الواحة الديمقراطية الإسرائيلية' يأتي في معرض تكريس الحدود الأبدية بين الملائكة والشياطين، فهذه الواحة دولة حدود أطلسية وخطّ قتال أمامي أطلسي ضدّ معسكرات الشياطين العربية. لكنّ هذا التصنيف والتمييز يمكن أن يشمل اليهود أيضاً. فقد صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ليفي أشكول ذات مرة قائلاً: اليهود متساوون، ولكن هناك يهوداً متساوون أكثر. لقد كانت تلك إشارة إلى اليهود 'الوضيعين' من أصول عربية وآسيوية وأفريقية. وكان الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان قد قال مخاطباً يهود نيويورك: إنّ 'إسرائيل' هي الديمقراطية الوحيدة 'التي يمكننا الاعتماد عليها في بقعة من العالم قد تشهد مأساة هرمجدون. إنّ جميع القادة الأطلسيين كما أشرنا - يمتدحون ويقدّرون 'الواحة الديمقراطية الإسرائيلية'، لكنّ تصريح ريغان يتميّز ببعده التلمودي الذي يفصل سرمدياً بين الملائكة والشياطين في الدنيا وفي الآخرة. إنّ 'هرمجدون' التلمودية هي قرية 'مجدو' الفلسطينية الواقعة على طريق جنين حيفا، والتي تقول الأساطير الصهيونية أنها سوف تشهد حتماً معركة فاصلة تقع بين قوى الخير وقوى الشرّ، وسوف تعمّ أهوالها الأسطورية 'الشرق الأوسط' بمجمله.
إنّ الأطلسيين، من الرئيس الأميركي ريغان إلى المواطن النرويجي برييفك، يتهمون المسلمين بالتعصّب الديني، سواء في ما بينهم كمسلمين أو تجاه أمم الحلف الأطلسي الأنكلوسكسونية/الفرنكوفونية غير المسلمة. لكنّ الوقائع التاريخية القديمة والحديثة تقول غير ذلك، وتظهر أنّ أوروبا والولايات المتحدة هما من ينتج ويستهلك ويصدّر ويسوّق التعصّب والتمييز الديني والعرقي والطبقي. ففي اعتراف برييفك تضمين للثلاثة: الديني والعرقي والطبقي. لقد قال صراحة أنّ عمليته تستهدف الإسلام والمسلمين (في آسيا وأفريقيا) والماركسية والماركسيين (في أوروبا وأميركا). أمّا رونالد ريغان فقد تحدّث إلى اليهودي الصهيوني توماس دين مدير لجنة العلاقات العامة الأميركية الإسرائيلية (بتاريخ 18/10/1983) شاكراً إياه على مساعيه في إقناع الكونغرس بالسماح للرئيس بإبقاء قوات المارينز في لبنان مدّة ثمانية عشر شهراً أخرى. وقد أضاف قائلاً له: إنني أعود إلى أنبيائكم في العهد القديم، وإلى النذر التي وردت، والتي تسبق معركة هرمجدون، وأسائل نفسي عمّا إذا كان جيلنا سيرى هذه الواقعة. ولا أدري إذا أنت لاحظت مؤخّراً تحقّق هذه النبؤات. صدّقني إنّ النبؤات تصف بوضوح أيامنا التي نعيشها الآن. (صحيفة 'جيروزاليم بوست').
لقد احتلّت الولايات المتحدة مكانتها الدولية الفريدة، وحققت سويّة ثرائها ورفاهتها وبذخها المذهلة، بفضل العلوم المادية الحديثة. ويفترض أنّ الإيمان بهذه العلوم لا يتناقض دائماً وبالضرورة مع الإيمان الديني عموماً، عندما توضع منجزات العلوم المادية الحديثة في خدمة الإنسان والحياة عموماً. غير أنّ الاحتكارات اللئيمة مصمّمة على الاستئثار بهذه العلوم وبمنجزاتها الرائعة، ومصمّمة على حجبها عن الآخرين الذين تريد استعبادهم، فكان أن استعانت بالخرافات والأساطير الدينية في بلادها وفي بلاد الآخرين لإنهاك البشرية، وفي الوقت نفسه استبعدت وحاربت الإيمان الديني النزيه عموماً، الموسوي والمسيحي والإسلامي. وهكذا فإنّ معسكرات الشياطين لا تقتصر على المسلمين وحدهم، أمّا فراديس الملائكة فتقتصر فقط على أصحاب المذاهب المتصهينة، من أمثال ريغان ودين وبرييفك، الأمر الذي يعطيهم الحقّ في تدمير أوطان الآخرين وقتلهم عند الضرورة بأعصاب باردة وجنان ثابت.
' كاتب سوري
' ' 'لقد رأينا كيف عومل برييفك من قبل أجهزة السلطة، بعد استسلامه، بمنتهى اللطف والاحترام. وقد اعترف صراحة بجريمته وبدوافعها وأهدافها كأنّما هو يلقي موعظة. وطوال الوقت لم يوجّه إليه عناصر الأمن كلمة جارحة، ولا نظرة قاسية، ولم يتلقّ صفعة، بالطبع. كان أنيقاً هادئاً، مستقرّاً براحته التامة عند النافذة في المقعد الخلفي من سيارة البوليس الفارهة، كأنّما هو في طريقه إلى حفل ساهر (في بلادنا يشتدّ التنكيل بجرحى المظاهرات العزّل). وسرعان ما انتهى التحقيق الأوّلي مع برييفك من قبل هيئة محكمة نظامية، وأعلن هو شخصياً ببساطة أنّه يقبل الحكم عليه بالسجن المؤبّد، كما هو متوقّع، علماً أنّ 'المؤبّد' في بلاد الملائكة، في سجونهم الملائكية، هو في حدود العشرين عاماً، أمّا في بلاد الشياطين( ونحن نستخدم المصطلحات الأطلسية) فقد سجن أكثر من عشرين عاماً بكثير أشخاص لم تثبت عليهم تهمة، ولم يمثلوا أمام محكمة، بينهم صبيان لم يبلغوا سنّ الرشد عند اعتقالهم.
' ' 'والآن ينبغي أن نسارع إلى القول أنّ برييفك المواطن الأطلسي هو ذاته برييفك الحاكم (وأحياناً المعارض) في البلاد العربية، يرتدي الزيّ العربي وينطق باللغة العربية، ويدمّر ويعذّب ويسجن ويقتل كما يشاء وأين يشاء ومتى يشاء، منطلقاً بدافع أخلاقي، فهو يفتك بالشياطين الأشرار ويدمّر معسكراتهم. ولتلمّس خلفيات هذا 'الفقه' نذكر أنّ أحد القادة الأوروبيين أفتى قبل عدّة قرون بأنّ الفعل الذي يعتبر جريمة في أوروبا هو فعل طبيعي مشروع وليس جريمة في آسيا وأفريقيا. وقبل حوالي نصف قرن صرّحت رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير أنّها لن تغفر للفلسطينيين إكراههم إياها على قتلهم. وكذلك فإنّ الحاكم العربي عموماً (وأحياناً المعارض العربي) كثيراً ما يحقد على المواطن 'الحقير' الذي يريد أن يبرهن أنّه ليس شيطاناً، والذي يرغمه على قتله قتلاً مباشراً معلناً، ولا يدعه يميته موتاً ذاتياً بطيئاً غير مرئي.
ويجب أن لا تفوتنا الإشارة إلى أنّ الإلحاح الأطلسي على امتداح وتقدير 'الواحة الديمقراطية الإسرائيلية' يأتي في معرض تكريس الحدود الأبدية بين الملائكة والشياطين، فهذه الواحة دولة حدود أطلسية وخطّ قتال أمامي أطلسي ضدّ معسكرات الشياطين العربية. لكنّ هذا التصنيف والتمييز يمكن أن يشمل اليهود أيضاً. فقد صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ليفي أشكول ذات مرة قائلاً: اليهود متساوون، ولكن هناك يهوداً متساوون أكثر. لقد كانت تلك إشارة إلى اليهود 'الوضيعين' من أصول عربية وآسيوية وأفريقية. وكان الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان قد قال مخاطباً يهود نيويورك: إنّ 'إسرائيل' هي الديمقراطية الوحيدة 'التي يمكننا الاعتماد عليها في بقعة من العالم قد تشهد مأساة هرمجدون. إنّ جميع القادة الأطلسيين كما أشرنا - يمتدحون ويقدّرون 'الواحة الديمقراطية الإسرائيلية'، لكنّ تصريح ريغان يتميّز ببعده التلمودي الذي يفصل سرمدياً بين الملائكة والشياطين في الدنيا وفي الآخرة. إنّ 'هرمجدون' التلمودية هي قرية 'مجدو' الفلسطينية الواقعة على طريق جنين حيفا، والتي تقول الأساطير الصهيونية أنها سوف تشهد حتماً معركة فاصلة تقع بين قوى الخير وقوى الشرّ، وسوف تعمّ أهوالها الأسطورية 'الشرق الأوسط' بمجمله.
إنّ الأطلسيين، من الرئيس الأميركي ريغان إلى المواطن النرويجي برييفك، يتهمون المسلمين بالتعصّب الديني، سواء في ما بينهم كمسلمين أو تجاه أمم الحلف الأطلسي الأنكلوسكسونية/الفرنكوفونية غير المسلمة. لكنّ الوقائع التاريخية القديمة والحديثة تقول غير ذلك، وتظهر أنّ أوروبا والولايات المتحدة هما من ينتج ويستهلك ويصدّر ويسوّق التعصّب والتمييز الديني والعرقي والطبقي. ففي اعتراف برييفك تضمين للثلاثة: الديني والعرقي والطبقي. لقد قال صراحة أنّ عمليته تستهدف الإسلام والمسلمين (في آسيا وأفريقيا) والماركسية والماركسيين (في أوروبا وأميركا). أمّا رونالد ريغان فقد تحدّث إلى اليهودي الصهيوني توماس دين مدير لجنة العلاقات العامة الأميركية الإسرائيلية (بتاريخ 18/10/1983) شاكراً إياه على مساعيه في إقناع الكونغرس بالسماح للرئيس بإبقاء قوات المارينز في لبنان مدّة ثمانية عشر شهراً أخرى. وقد أضاف قائلاً له: إنني أعود إلى أنبيائكم في العهد القديم، وإلى النذر التي وردت، والتي تسبق معركة هرمجدون، وأسائل نفسي عمّا إذا كان جيلنا سيرى هذه الواقعة. ولا أدري إذا أنت لاحظت مؤخّراً تحقّق هذه النبؤات. صدّقني إنّ النبؤات تصف بوضوح أيامنا التي نعيشها الآن. (صحيفة 'جيروزاليم بوست').
لقد احتلّت الولايات المتحدة مكانتها الدولية الفريدة، وحققت سويّة ثرائها ورفاهتها وبذخها المذهلة، بفضل العلوم المادية الحديثة. ويفترض أنّ الإيمان بهذه العلوم لا يتناقض دائماً وبالضرورة مع الإيمان الديني عموماً، عندما توضع منجزات العلوم المادية الحديثة في خدمة الإنسان والحياة عموماً. غير أنّ الاحتكارات اللئيمة مصمّمة على الاستئثار بهذه العلوم وبمنجزاتها الرائعة، ومصمّمة على حجبها عن الآخرين الذين تريد استعبادهم، فكان أن استعانت بالخرافات والأساطير الدينية في بلادها وفي بلاد الآخرين لإنهاك البشرية، وفي الوقت نفسه استبعدت وحاربت الإيمان الديني النزيه عموماً، الموسوي والمسيحي والإسلامي. وهكذا فإنّ معسكرات الشياطين لا تقتصر على المسلمين وحدهم، أمّا فراديس الملائكة فتقتصر فقط على أصحاب المذاهب المتصهينة، من أمثال ريغان ودين وبرييفك، الأمر الذي يعطيهم الحقّ في تدمير أوطان الآخرين وقتلهم عند الضرورة بأعصاب باردة وجنان ثابت.
' كاتب سوري
انها الحرب زاحفة وبسرعة _ عبد الباري عطوان
انها الحرب زاحفة وبسرعة
عبد الباري عطوان
عبد الباري عطوان
2011-11-13
نحن نعيش هذه الايام الظروف نفسها التي عشناها قبل عشرين عاما عندما اجتمع القادة العرب في القاهرة تحت قبة الجامعة العربية وقرروا بالأغلبية اتخاذ قرار بدعوة القوات الاجنبية لشن حرب لاخراج القوات العراقية من الكويت. بل لا نبالغ اذا قلنا ان الملاسنات التي حدثت في اروقة الجامعة العربية اثناء انعقاد مؤتمر وزراء الخارجية العرب بعد صدور قرار بتعليق عضوية سورية، هي نفسها التي حدثت في آب (اغسطس) عام 1990، مع فارق اساسي وهو ان الاولى كانت بين الوفد العراقي (كان رئيسه طه ياسين رمضان، ووزير خارجية الكويت في حينها الشيخ صباح الاحمد)، وهذه المرة حدثت بين سفير سورية يوسف الاحمد، ورئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني.
النظام السوري كان في المرة الاولى يقف في خندق دول الخليج نفسها في مواجهة النظام العراقي، او ما يسمى بمعسكر دول 'الضد'، والاكثر من ذلك ارسل قوات الى الجزيرة العربية للمشاركة في 'تحرير' الكويت، او قوات عاصفة الصحراء، وها هو التاريخ يعيد نفسه ولكن بشكل آخر، حيث يجد النظام السوري نفسه في مواجهة حلفائه، وربما عاصفة صحراء اخرى. السؤال هو: هل ستواجه سورية مصير العراق، وهل سينتهي الرئيس بشار الاسد واركان نظامه النهاية نفسها التي انتهى اليها الرئيس الراحل صدام حسين واركان نظامه، مع الفارق في المقارنة؟
قرار وزراء الخارجية العرب الذي اتخذ على عجل في جلسة طارئة يوم امس الاول يفتح الباب على مصراعيه امام تدخل عسكري خارجي في سورية تحت عنوان حماية الشعب السوري. فالجامعة العربية، وفي السنوات العشرين الماضية بات دورها محصورا في توفير الغطاء العربي، بغض النظر عن شرعيته من عدمه، لمثل هذا التدخل، هذا الدور بدأ في العراق، وبعد ذلك في ليبيا، وبات من المرجح، وفي القريب العاجل ان تكون سورية المحطة الثالثة، والله وحده، ومن ثم امريكا، يعلم من هي الدولة الرابعة.
الرئيس العراقي صدام حسين كان له بعض الاصدقاء، وان كان هؤلاء من دول ضعيفة او هامشية (في نظر البعض) مثل اليمن والسودان وليبيا وتونس وموريتانيا، الى جانب منظمة التحرير، ولكن المفاجئ ان الرئيس السوري، ومثلما تبين من التصويت على قرار تعليق العضوية، لم يجد صديقا يصوت ضد القرار غير لبنان واليمن ، مع امتناع العراق، فحتى السودان المحاصر المفكك المستهدف لم يجرؤ على معارضة القرار، وكذلك هو حال الجزائر. ان هذا ابلغ درس يجب ان يستوعبه النظام السوري، ويستفيد منه، ويطور سياساته في المرحلة المقبلة، بل عفوا الايام المقبلة، على اساس العبر المستخلصة منه.
' ' '
من المؤكد ان هناك 'سيناريو ما' لهذا التدخل العسكري جرى وضعه منذ اشهر، وربما سنوات، فهذا التسرع في اصدار القرار بنزع الشرعية عن النظام السوري لا يمكن ان يأتي بمحض الصدفة، فكل شيء يتم الآن في عجالة، ابتداء من التوظيف الاعلامي الشرس، ومروراً بالتوليف المفاجئ للمجلس الوطني السوري، وانتهاء بالاجتماعات المفتوحة والمتواصلة لوزراء الخارجية العرب، وما تتسم به من حسم جريء، والدقة المحبوكة في اتخاذ القرارات.
السيد نبيل العربي امين عام الجامعة العربية قال ان جامعته بصدد اعداد آلية لتوفير الحماية للشعب السوري، ولكنه لم يكشف عن طبيعة وهوية هذه الآلية، هل هي عربية (هذا مستبعد) ام هي امريكية غربية (وهذا مشكوك فيه لحدوث تغيير في الاستراتيجيات التدخلية الامريكية)، ام هي اسلامية (وهذا مرجح بعد تزايد الحديث عن دور تركي عسكري في سورية)؟.
النظام السوري، وبسبب قراءته الخاطئة للوقائع على الارض منذ ان ايّد التدخل العسكري الدولي في العراق، يسهل تطبيق هذه السيناريوهات، فقد رفض كل النداءات والنصائح التي طالبته وتطالبه بوقف الاستخدام المفرط للحلول العسكرية والامنية الدموية، للتعاطي مع مطالب شعبه المشروعة في الاصلاح، وها هو الآن، وبسبب ذلك، او توظيفا له، يواجه تدويل الأزمة السورية.
من الصعب التكهن بطبيعة التحرك العسكري المقبل ضد سورية وان كنا نستطيع ان نقول، ومن خلال تصريحات بعض رموز المعارضة السورية الذين لا ينطقون عن هوى، ان اقامة مناطق عازلة على الحدود مع تركيا والاردن، ربما تكون الفصل الاول في مسلسل التدويل، فمن الواضح ان هناك هرولة لمنع تحول الأزمة في سورية الى حرب طائفية اهلية تمتد الى دول الخليج خاصة، وضرورة حسم الموقف بسرعة.
الادارة الامريكية تعلمت كثيراً من درسي افغانستان والعراق، وأبرز دروسها المستخلصة ان تترك العرب يحاربون العرب، والمسلمين يحاربون المسلمين، وان يقتصر دورها والدول الغربية الاخرى على الدعم من الخلف او من السماء. وجرى تطبيق هذه الخلاصة بنجاح كبير في ليبيا.
' ' '
سورية ليست ليبيا، وما ينطبق على الثانية قد لا ينطبق على الأولى، فالنظام السوري مازال يتمتع ببعض الدعم والمساندة داخلياً، حيث قطاع من الشعب يسانده لاسباب طائفية، او اقتصادية، وخارجياً من قبل ايران وحزب الله، وبعد ذلك الصين وروسيا. ولعل اهم دروس ليبيا بالنسبة الى النظام السوري، هو ادراكه، اي النظام، ان التدخل العسكري لو بدأ ضده لن ينتهي الا بسقوطه وربما كل رموزه، الأمر الذي قد يدفعه للقتال حتى الموت.
نحن امام حرب اقليمية هي الأشرس من نوعها، قد تغير خريطة المنطقة الديموغرافية قبل السياسية، والهدفان الرئيسيان من هذه الحرب تغيير نظامين هما اللذان بقيا في منظومة ما يسمى الممانعة، او 'الشرق الاوسط القديم' اي سورية وايران. والسؤال هو أين ستكون الضربة الاولى، فهل ستوجه الى ايران ام الى سورية، ام الى الاثنتين في آن واحد، اي تهاجم اسرائيل ايران، وتهاجم تركيا عضو حلف الناتو سورية بدعم عربي؟
من السابق لأوانه الاجابة على اي من هذه الاسئلة، ولكن الشخص الوحيد الذي يمكن ان يوقف هذه الحرب، او الشق السوري منها، هو الرئيس بشار الاسد، اذا ما اتخذ قراراً شجاعاً، واقدم على تطبيق الخطة العربية بحذافيرها، وتجرع كأس السم الذي تجرعه السيد الامام الخميني رحمه الله، عندما وافق مكرها على وقف الحرب مع العراق وانقذ بلاده، وجعلها هذا القرار قوة اقليمية عظمى بعد ذلك.
نتمنى ان يتخذ الرئيس الأسد هذا القرار الشجاع وان لا يعول كثيراً على المظاهرات المليونية، وان يتخذه في اليومن القادمين وبسرعة.
السبت، 19 نوفمبر 2011
الأزهر في حقبة ما بعد الثورة
دراسة كتبت بالإنقليزية والعربية وأعدها مركز كارنيغي للسلام الدولي بقلم ناثان ج براون، وهو أستاذ في العلوم السياسية والشؤون الدولية بجامعة جورج تاون في إطار البحث عن دور الأزهر في حقبة ما بعد الثورة.
" يستنتج الكاتب أن مؤسسة الأزهر وحركات الإسلام السياسي والجماعات الدينية سيكون لها وجود أكثر كثافة وتأثيرا بعد الثورة وأن الآليات الديمقراطية لن تساهم كثيرا في علمنة البلاد كما حدث في الغرب، فالمؤسسة الدينية الرسمية لا تحتكر الدين بل هناك تعددية في التأويل وتسلسلا هرميا أقل كما أن القوى العلمانية واليسارية ضعيفة مقارنة بالقوى الدينية والمحافظة فالقياس على الكنيسة الغربية والأحزاب المسيحية يستوجب كثيرا من التحفظ."
للإطلاع على الدراسة:
http://arabic.carnegieendowment.org/publications/?fa=view&id=45657
http://arabic.carnegieendowment.org/publications/?fa=view&id=45657
الاثنين، 14 نوفمبر 2011
أ. عدنان المنصر: حول السلفية
الأستاذ عدنان المنصر: حول السلفية (مقتطف من حوار مع جريدة الشروق التونسية بتاريخ 14 نوفمبر 2011
1- يعتقد كثيرون أن حركة النهضة في ارتباط وثيق مع الحركة السلفية التونسية حيث رفع السلفيون (بما فيهم من أجنحة متشدّدة وتكفيرية) في مناسبات كثيرة شعارات ولافتات النهضة رغم نفي قادتها لهذا الأمر، فهل ترى أن هذا التملّص من السلفيين يدخل ضمن أسلوب النهضة في اعتماد ازدواجية الخطاب؟
الذي يقول هذا الكلام لا يقوله عن معرفة بل عن شكوك، وإذا دخلنا عالم الشكوك فإن الكلام لا يمكن إلا أن يلقى على عواهنه. عندما نقول "سلفية" يجب أن نعرف ما نعنيه بدقة، وأن نوضحه أيضا، لأن ما يبنى على خطأ في المفاهيم لا يمكن أن يقودنا إلا إلى خطأ في التحليل. السلفية بما هي ذلك التوق إلى الاستلهام من تجربة وقيم السلف الصالح أمر يتجاوز السياسة ليدخل في باب الثقافة، وهو يتجاوز الساحة الإسلامية ليعم على كل الساحة الفكرية في فضائنا العربي الإسلامي. لا أعتقد أن أحدا اليوم، مهما كانت مشاربه السياسية يمكن أن يرى في عدل عمر مثالا لا يحتذي، وفي إيثار أبي بكر خطيئة، وفي تواضع الرسول سلوكا سيئا. أما السلفية الأخرى، بما هي تيار بدأت معالمه تتضح في بلادنا، فهذه قضية أخرى، ويجب أن تكون معالجتها إحدى الأولويات، على الأقل في الساحة الثقافية والدينية. السلفية تنقسم هي الأخرى إلى تيارين أساسيين، العلمية والجهادية، وداخل كل منهما هناك مشارب تختلف أحيانا إلى حد التناقض. فالسلفية، مثل كل حساسية فكرية تريد أن تكون لها مواقف سياسية، أمر أكثر تعقيدا مما يبدو. أما ما تفضلت بذكره من رفع السلفية لشعارات ولافتات النهضة، فهو أمر أسمع به للمرة الأولى، وربما كان ذلك ناتجا عن نقص متابعة، أو أنه غير موجود. ما أعلمه يقينا هو أن جزءا كبيرا من السلفية يعتبر النهضة من أكبر الأخطار على الإسلام، في حين أن الجزء الآخر يعتبرها أهون الشرين، اعتمادا على مقولة "ثمة في الهم ما تختار". ما أعلمه يقينا أيضا أن السلفية في تونس، بتياراتها المختلفة، رافضة مبدئيا للديمقراطية ولشكلها التقني، وهو الانتخاب. لذلك فإنهم لم يترشحوا في هذه الانتخابات ولم يصوتوا أيضا. المشكل بالنسبة للتيار السلفي هو من نوعين حسب رأيي: هو أنهم لا شكل رسمي لهم، وبالتالي فإنك لا تعرف إلى من تتحدث إذا ما رغبت في ذلك. المشكل الثاني أعمق بكثير، وهو أن هؤلاء لا يؤمنون بالديمقراطية، بل ويعتبرونها كفرا. في الوقت نفسه، فإن أي تعامل عنيف ومتسرع معهم قد يؤدي إلى دخولنا في نفق لا يعرف أحد كيف سيتسنى الخروج منه. هناك عمل على المدى المتوسط يجب أن يتم، وهذا العمل ينبغي أن يتم بتحييد المساجد مطلقا عن الخطاب السياسي مهما كان مأتاه ولونه، وبفتح الساحة الثقافية لمناقشة هذه المسائل في العمق، وتقديم الدرس الأهم للجميع ودون أي استثناء: الديمقراطية، عبر الانتخاب، هي الحل الوحيد الممكن لكل اختلافاتنا. يجب إقناعهم بذلك ولو تطلب وقتا طويلا، فالطريق الذي لا تبدأه، لا يوصلك أبدا إلى مبتغاك.
1- يعتقد كثيرون أن حركة النهضة في ارتباط وثيق مع الحركة السلفية التونسية حيث رفع السلفيون (بما فيهم من أجنحة متشدّدة وتكفيرية) في مناسبات كثيرة شعارات ولافتات النهضة رغم نفي قادتها لهذا الأمر، فهل ترى أن هذا التملّص من السلفيين يدخل ضمن أسلوب النهضة في اعتماد ازدواجية الخطاب؟
الذي يقول هذا الكلام لا يقوله عن معرفة بل عن شكوك، وإذا دخلنا عالم الشكوك فإن الكلام لا يمكن إلا أن يلقى على عواهنه. عندما نقول "سلفية" يجب أن نعرف ما نعنيه بدقة، وأن نوضحه أيضا، لأن ما يبنى على خطأ في المفاهيم لا يمكن أن يقودنا إلا إلى خطأ في التحليل. السلفية بما هي ذلك التوق إلى الاستلهام من تجربة وقيم السلف الصالح أمر يتجاوز السياسة ليدخل في باب الثقافة، وهو يتجاوز الساحة الإسلامية ليعم على كل الساحة الفكرية في فضائنا العربي الإسلامي. لا أعتقد أن أحدا اليوم، مهما كانت مشاربه السياسية يمكن أن يرى في عدل عمر مثالا لا يحتذي، وفي إيثار أبي بكر خطيئة، وفي تواضع الرسول سلوكا سيئا. أما السلفية الأخرى، بما هي تيار بدأت معالمه تتضح في بلادنا، فهذه قضية أخرى، ويجب أن تكون معالجتها إحدى الأولويات، على الأقل في الساحة الثقافية والدينية. السلفية تنقسم هي الأخرى إلى تيارين أساسيين، العلمية والجهادية، وداخل كل منهما هناك مشارب تختلف أحيانا إلى حد التناقض. فالسلفية، مثل كل حساسية فكرية تريد أن تكون لها مواقف سياسية، أمر أكثر تعقيدا مما يبدو. أما ما تفضلت بذكره من رفع السلفية لشعارات ولافتات النهضة، فهو أمر أسمع به للمرة الأولى، وربما كان ذلك ناتجا عن نقص متابعة، أو أنه غير موجود. ما أعلمه يقينا هو أن جزءا كبيرا من السلفية يعتبر النهضة من أكبر الأخطار على الإسلام، في حين أن الجزء الآخر يعتبرها أهون الشرين، اعتمادا على مقولة "ثمة في الهم ما تختار". ما أعلمه يقينا أيضا أن السلفية في تونس، بتياراتها المختلفة، رافضة مبدئيا للديمقراطية ولشكلها التقني، وهو الانتخاب. لذلك فإنهم لم يترشحوا في هذه الانتخابات ولم يصوتوا أيضا. المشكل بالنسبة للتيار السلفي هو من نوعين حسب رأيي: هو أنهم لا شكل رسمي لهم، وبالتالي فإنك لا تعرف إلى من تتحدث إذا ما رغبت في ذلك. المشكل الثاني أعمق بكثير، وهو أن هؤلاء لا يؤمنون بالديمقراطية، بل ويعتبرونها كفرا. في الوقت نفسه، فإن أي تعامل عنيف ومتسرع معهم قد يؤدي إلى دخولنا في نفق لا يعرف أحد كيف سيتسنى الخروج منه. هناك عمل على المدى المتوسط يجب أن يتم، وهذا العمل ينبغي أن يتم بتحييد المساجد مطلقا عن الخطاب السياسي مهما كان مأتاه ولونه، وبفتح الساحة الثقافية لمناقشة هذه المسائل في العمق، وتقديم الدرس الأهم للجميع ودون أي استثناء: الديمقراطية، عبر الانتخاب، هي الحل الوحيد الممكن لكل اختلافاتنا. يجب إقناعهم بذلك ولو تطلب وقتا طويلا، فالطريق الذي لا تبدأه، لا يوصلك أبدا إلى مبتغاك.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)