الأحد، 16 سبتمبر 2012

هل من المنطقي القول بأن إختيار الحركات الإسلامية مدعوم من أمريكا


مقال عدد 2 في التخفيف من تفسير و تحليل الانتفاضات العربية الأخيرة بالاستناد أكثر على نظرية المؤامرة. مواطن العالَم د. محمد كشكار






كنت منذ أمد قريب، أميل إلى تفسير و تحليل الانتفاضات العربية الأخيرة بالاستناد أكثر على نظرية المؤامرة و عملا بالقولة المعبّرة "الذهن غير المتقلّب غير حرّ"، بدأت أعدّل شيئا ما من موقفي المنحاز إلى نظرية المؤامرة رغم أنني، سبق و إن قلت أنني ملقّح و مسلح ضد الرضوخ لهذه النظرية تمام الرضوخ، مسلّح بمفهومين علميين صلبين، لا و لن أحيد عنهما و أذكّر بهما على التوالي و باللغة الفرنسية، لا لعجز عن ترجمتهما إلى العربية و لكن إيمانا مني بأن الترجمة قد تخون المعنى في بعض الحالات و قد تعيق أو تشوّه هذه الأخيرة الفهم السليم لدى القارئ المُفرنس و المعرّب على السواء

  1. L’antidéterminisme et l’émergence.
  2.  Les évènements sociopolitiques dans un pays sont 100% d’origine interne et 100% d’origine externe.

كنت أتبع صديقي منبهرا بخفة دمه و دماثة أخلاقه و ثقافته الواسعة و آرائه الحصيفة و معجبا خاصة بتحليله التالي، الذي يهمنا في هذا المقام و المقال: أمريكا ساعدت الحركات الإسلامية الإخوانية المعتدلة على الوصول و استلام السلطة بعد الانتفاضات العربية الأخيرة و ذلك للأسباب التالية

-         أمريكا تعرف جيدا أن هذه الحركات هي الأكثر شعبية و تجذرا في المجتمعات العربية الإسلامية

-         أمريكا تعي جيدا أنها قادرة على تقليم أظافر هذه الحركات و جعلها مطابقة للمواصفات السياسية الأمريكية أو ما يسميه هو على سبيل الفذلكة أو كناية و مجازا بـعبارة "إيزو

(Explication pour en savoir plus : L'Organisation internationale de normalisation (International Organization for Standardization), ou ISO est un organisme de normalisation international composé de représentants d'organisations nationales de normalisation de 157 pays1. Cette organisation créée en 1947 a pour but de produire des normes internationales dans les domaines industriels et commerciaux appelées normes ISO).

-         و قادرة أيضا على ضمها إلى المشروع الأمريكي العالمي أو كما يحلو له أن يقول و يكرر دائما على سبيل الفذلكة و بصيغة كاريكاتورية إيحائية: "قادرة على إدخالها في الحلڤوم"، و اللبيب من الإشارة يفهم

كنت منذ قليل أناقش هذا الزميل الصديق العزيز (و هو أعز و أقرب صديق لي في حمام الشط رغم أننا و لا زلنا مختلفين في التحليل السياسي منذ عشرين سنة عشرة يومية  لكن و من حسن طالعنا أن هذا الاختلاف الفكري و السياسي - الحاد في بعض الأحيان - لم يفسد للود قضية بيننا بل على العكس لقد عزز صداقتنا و زاد و قوّى اللحمة العلائقية الحميمية بيننا)، حاورته في المقهى الثقافي بحمام الشط و حاولت دحض و تفنيد أطروحته بكل ما أوتيت من قوة حجة

-         أوّلا، لماذا تفتش أمريكا عن حليف عربي مطيع أو لماذا تُجهد نفسها لتسوية عود مِعوجّ من وجهة نظرها و العود المستقيم أمامها أو لماذا تحاول جاهدة إدخال الحركات الإسلامية الإخوانية الإصلاحية المعتدلة في "الحلڤوم" حسب تعبيره و البديل حاضر و جاهز و لم يخرج يوما من "الحلڤوم" و لم يشذ يوما عن "الإيزو" و ليست في حاجة لتقليم أظافره لأنه لا يملك أساسا أظافر يقاوم بها المشروع الليبرالي العولمي الغربي؟ الحليف الأزلي المطيع هو الحركات السياسية الليبرالية الحداثية الديمقراطية العربية و المتمثل في تونس في حزب "نداء تونس" بزعامة الباجي قائد السبسي و النقابي اليساري النزيه الطيب البكّوش، و في مصر في تيار شفيق

-         ثانيا، لنفرض جدلا أن أمريكا اختارت الحركات الإسلامية لشعبيتها و تجذّرها في المجتمعات العربية الإسلامية ثم أرادت أن تُخضعها لعملية غسل دماغ حتى تطابق مشروعها العولمي. ألا تخاف أن بفِعلِها هذا قد تُفقد هذه الحركات شعبيتها في مجتمعاتها و مِن ثَمّ تصبح هذه الحركات حليفا هشّا لأمريكا، لا يُعوَّلُ عليه لضمان مصالح الغرب إسرائيل في العالَم العربي؟ ألم يكن من الأفضل و الأسهل و الأعقل أن تختار شبيهها، المجسّم في الحركات الليبرالية، خاصة بعد ما غسلتها من ذنوبها "البنعلية" أو "المباركية" و أعطتها شرعية "ثورية" تحكم بها مرتاحة لعقود قادمة؟

الخاتمة
لم تلده أمه بعدُ، مَن يدّعي أنه قادر على كشف أهداف المشروع الأمريكي، و إلا لَمَا سُميت أمريكا أمريكا! لكن في المقابل أنا متأكد أن الحكومة الأمريكية لا تريد بنا خيرا و لا تريد أيضا إرساء ديكتاتورية دينية جديدة كما يتوهّم اليساريون و الليبراليون المعارضون العرب. ما تريده أمريكا ظاهر و واضح في العراق و أفغانستان، و العبرة لمن يعتبر و مَن لا يعتبر أحيله إلى حديث رسول الله، صلى الله عليه و سلم: "لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين" أو حديث اليهود: "إن لدغنا الجحر مرة فتبا له، و إن لدغنا مرّتين فتبا لنا" و أمريكا لدغتنا في مليون مليون موضع، و جسمنا مُخرّب من لدغاتها، لدغتنا و لسعتنا في مليون طفل عراقي هَلكوا جوعا جرّاء الحصار الغذائي، و مليون كهل و كهلة و شيخ و شيخة عراقية سقطوا تحت وابل نيرانها، و مليون مولود عراقي موجود أو منتظر وُلِدوا أو سيولدون مشوّهين نتيجة قنابلها المخصبة بالأورانيوم المشعّ، و أربعة مليون مهجّر قسرا خارج العراق و مليون مشرّد داخل العراق، و مليون عائلة عراقية مرمّلة عمدا و إجراما

أمريكا تريد أن تُدخلنا في مرحلة انتقالية فوضوية دائمة مثل ما فعلت في الصومال و السودان و العراق و أفغانستان. أمريكا تريد أن تجعلنا نندم على اليوم الذي ثرنا فيه على الاستبداد و الظلم. أمريكا تريد و تريد و تريد! لكن السؤال الخفي: "مَن ينفذ أجندتها في العالم العربي؟"، ينفذها إخواني و إخوانك من أبناء وطننا لذلك أقول: من حقهم (ليس حقهم الطبيعي بل حقهم المَفروض غصبا و زورا و بهتانا) أن يتآمروا و يحافظوا على مصالحهم العاجلة، لكن ليس من حقنا نحن أن نساعدهم على احتلالنا و استباحة أراضينا و نهب ثرواتنا، لا عاش في تونس مَن خانها لكن للأسف الشديد أن مَن خانها هو الوحيد الذي عاش و تبختر و مشى على أرضها كِبرا

خلاصة القول
في ظل العولمة، لم نعد قادرين على الفصل بين العوامل الداخلية و العوامل الخارجية لتشابكها و تعقّدها. لكن إذا لم نكن قادرين على رد عدوانهم، فلا نسهّل لهم الطريق على الأقل و هذا أضعف الإيمان! و إذا كان من الطبيعي أن يبحثوا هم، الغربيون، عن مصالحهم مُهملين مصالحنا فليس من الطبيعي أن لا نحافظ نحن، العرب و المسلمون، على مصالحنا و نصمد و لو قليلا ضد طمعهم و جشعهم و الصمود له طرق متعددة، آخرها المقاومة المسلّحة و ليس أولها كما يذهب حماسة إلى أذهاننا، و لنا أسوة في الشعب الياباني و الشعب الألماني اللذان قاوما الاستعمار الأمريكي العسكري المباشر بالعمل و العلم و أظن أن لا خيار لنا غير هذين السلاحين الأخيرين السلميين الفتّاكين اللذان أثبتا نجاعتهما في هاتين الدولتين المتقدمتين و أثبتا نجاعتهما أيضا في كوريا الجنوبية و سنغفورة و هونڤ كونڤ و تايوان و ماليزيا و تركيا و إيران


إمضاء جديد و محيّن للـ د. محمد كشكار
مواطن العالَم (أعتذر لكل المواطنين في العالَم غير الغربي على فعله و يفعله بهم حتى الآن، إخوانهم في الإنسانية، المواطنون في العالَم الغربي)، مسلم (أعتذر لكل المواطنين غير المسلمين على ما فعله بهم أجدادي المسلمون)، عربي (أعتذر لكل المواطنين غير العرب على ما فعله بهم أجدادي العرب) تونسي (أعتذر لكل المواطنين التونسيين على ما فعله بهم نظام بورقيبة و نظام بن علي طيلة سنوات الجمر الخمسة و خمسين)، "أبيض- أسود" البشرة (أعتذر لكل المواطنين السود في  العالَم  علىِ ما فعله أجدادي البيض في أجدادي السود)، يساري غير ماركسي (أعتذر لكل المواطنين غير اليساريين و لليساريين غير الماركسيين في  العالَم  علىِ ما فعله بهم رفاقهم الماركسيون اللينينيون الستالينيون الماويون)، و غير منتم لأي حزب أو أي أيديولوجيا ( أعتذر لكل المواطنين غير المنتمين حزبيا أو أيديولوجيا في العالَم عن كل خطأ ارتكبته في حقهم الحكومة و المعارضة و المتعاطفين معهما

تاريخ أول إعادة نشر كشكارية على النات 
حمام الشط في 16 سبتمبر 2012.

https://www.facebook.com/notes/mohamed-kochkar/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84-%D8%B9%D8%AF%D8%AF-2-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AE%D9%81%D9%8A%D9%81-%D9%85%D9%86-%D8%AA%D9%81%D8%B3%D9%8A%D8%B1-%D9%88-%D8%AA%D8%AD%D9%84%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%B6%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%86%D8%A7%D8%AF-%D8%A3%D9%83%D8%AB%D8%B1/10151231978887363

الأحد، 9 سبتمبر 2012

مسؤوليّة اليسار في تاريخ تونس المعاصر قبل الثورة وبعدها


مسؤوليّة اليسار في تاريخ تونس المعاصر قبل الثورة وبعدها

تنادٍ إلى قراءات نقديّة لواقع اليسار العربيّ
الخميس 12 أيار (مايو) 2011



 إنّ فكرة هذا المقال متأتّية من ملاحظة أجمع عليها المتابعون للواقع السياسيّ والثقافيّ لليسار في تونس. محصّل أمر هذه الملاحظة يتمثّل في غياب الفعل النقديّ عند اليسار التونسيّ غيابا تامّا. وقد تحوّلت هذه الملاحظة إلى هاجس يؤرّق كلّ اليسار التونسيّ. فليس من المريح أن يغيب النقد عن الممارسة السياسيّة لليسار في تونس. ويعلم الجميع أنّ العامل الجامع بين المنتمين لأيّ كتلة من الكتل السياسيّة اليساريّة في تونس هو جامع إيديولوجيّ بالأساس. لكنّه سرعان ما تحوّل بينهم إلى رابط دوغمائيّ وثوقيّ نتيجة غياب الشرط النقديّ الذي يعدّ أهمّ أسس الفكر الماركسيّ الذي يفترض أن يكون المرجعيّة المركزيّة لتيّارات اليسار على اختلافاتها البراكسيسيّة.
 إنّ العجب والاندهاش ليصيباننا ونحن نرى اليسار التونسيّ مستمرّا على النهج نفسه رغم التحوّلات العاصفة التي شهدها المجتمع التونسيّ منذ مطلع سنة 2011. فمن الغريب أن يسير السيار دائما دون أن يلتفت إلى الوراء قليلا، ودون أن يتشوّف الآتي. إنّه لا يرى إلاّ بين قدميه. وهو يتوهّم أنه يتقدّم. فهو يبدي هوسا عجيبا بالممارسة السياسيّة؛ السياسة باعتبارها مصالح ومكاسب وتحالفات خفيّة وعلنيّة غايتها في النهاية الوصول إلى الحكم.
 لم يقف اليسار التونسيّ وقفة تأمّل. لم يلملم جراحه. لم يستدع كلّ مناضليه في الدّاخل وفي الخارج ممّن شرّدهم ونفاهم النظام النوفمبريّ المخلوع. لم يتناد اليسار إلى الحوار والنقاش بين أطيافه. بل إنّه أصرّ على خلافاته التي ورث أغلبها من الحياة الطلابيّة في مختلف الأجزاء الجامعيّة منذ سبعينيّات القرن الماضي. نرصد هذه الحال ونحن نراقب الدعوات الفاترة التي يتبادلها زعماء اليسار السياسيّ لتكوين جبهات سياسيّة استعدادا لخوض المحطّات الانتخابيّة القادمة.
 منذ انتصار الثورة الشعبيّة التونسيّة في خلع النظام النوفمبريّ الفاشي وفي طرد الجنرال الحاكم من الوطن، لفتتنا أمور كثيرة. من أهمّها مرور اليسار السياسيّ التونسيّ مباشرة إلى أبواب وزارة الداخليّة يدقّها فرقا فِرقًا فرادى طلبا للإذن في ممارسة السياسة الميدانيّة العلنيّة الشرعيّة بعد أن أفنى عقودا في العمل السريّ. أمّا مشاكل اليسار وانقساماته وخلافاته فعالقة مؤجّلة بل مهملة متروكة.
 كما استطرفنا، نحن أبناء اليسار كما كلّ المتابعين للمشهد السياسيّ التونسيّ، تراكض السياسيّين اليساريّين جميعا إلى التلفزات والإذاعات يكتشفون بريقها وكواليسها وماكياجها ذاهلين مذهولين، متأنّقين بربطات أعناقهم، متحدّثين عن "شروط المرحلة" مأخوذين بالصورة المسيحيّة التي ترسم للرموز منهم في هذا الإعلام المصاب باللوثة النوفمبريّة المزمنة.. شفاه الله.
 ما نرغب في تسجيله بإلحاح هو أنّ اليسار التونسيّ اختزل وجوده كلّه في الجانب السياسيّ الميدانيّ الجماهيريّ. وفي المقابل أغفل الجانبين الثقافيّ والنقديّ إغفالا تامّا. ولا نستطيع أن نجزم بالداعي إلى إهمال الفعلين الثقافيّ والنقديّ؛ هل كان ذلك نتيجة ﻟ "شروط المرحلة" كما يحبّ أن يعبّر اليسار السياسيّ؟ أم نتيجة لخيارات استراتيجيّة تُقدِّم الميدان على الفكر؟ أم نتيجة لرؤية نفعيّة براغماتيّة آنيّة تستعجل الصراع الاجتماعيّ ضدّ قوى الردّة والصراع السياسيّ ضدّ السّلطة بعيدا عن السجال الفكريّ؟ أم نتيجة رؤية مغلقة لا تاريخيّة ترى أنّ الفكر الماركسيّ خارج عن الشرط الإنسانيّ وأنّه فكر قد اكتمل ولا مجال لإثرائه ومراجعة مسلّماته في ضوء المتغيّرات الكونيّة، وعلى اليسار التونسيّ حينها أن يلغي ألتوسير وديريدا ودولوز وريكور ولوكاتش وكلّ المجدّدين الماركسيّين؟ أم نتيجة عجز عن المساهمة في التأسيس الماركسيّ بفعل قصور معرفيّ ومنهجيّ واختيار الاكتفاء بالشعارات المدويّة الرّاجمة المفرغة من كلّ محتوى إلاّ سلطة حاملها لاسيما إن كان من الخطباء شأن زعماء اليسار السياسيّ التونسيّ؟
 لابدّ من الإشارة إلى أنّ اليسار التونسيّ ولد في رحم الحركة النقابيّة إبّان الاستعمار الفرنسيّ مع الزعيمين محمد علي الحامّي وفرحات حشّاد خاصّة. ولم يغادر اليسار هذه الساحة. وإنّما تشاركها مع غيره من الأطياف والتيّارات. وهي ساحة رحبة سمحة قادرة على ضمّ الجميع باعتبار طبيعة الصراع فيها. فهو صراع مطلبيّ مهنيّ ضدّ كلّ أشكال الاستغلال والاستلاب التي يمكن أن تصدر عن أرباب الأعمال المشغّلين سواء كانت الدولة أو القطاع الخاصّ. ولم يكن أبدا صراعا إديولوجيّا في الظاهر على الأقلّ. لكنّ طبيعة الصراع النقابيّ هذه لم تخل من حالات التوظيف السياسيّ، كما سنرى لاحقا.
 ثمّ نما اليسار في الجامعة التونسيّة بعد الاستقلال بفعل المدّ اليساريّ الذي عرفه العالم في نهاية الستينيّات وعلى امتداد السبعينيّات بعد أحداث ماي 1968 بفرنسا. ومنها انتشر في كلّ أنحاء الوطن بتفاوت طبعا.
 كما لابدّ من الإشارة إلى أنّ خيارات النظام البورقيبيّ كانت تلتقي في أحيان كثيرة مع الأطروحات اليساريّة لاسيما فيما يتّصل بمسألتي الحداثة والعلمانيّة رغم تفضيله للخيار الليبراليّ اجتماعيّا والرأسماليّ اقتصاديّا مع سيطرة الدولة على القطاع العامّ وعلى مواردها وثرواتها الرئيسيّة.
 غير أنّ هذا التقاطع صار لافتا حين قبل بورقيبة تبنّي النموذج الاشتراكيّ خيارا اقتصاديّا للدولة متجسّدا في تجربة التعاضد في نهاية الستينيّات. كما أضاف بورقيبة مصطلح "الاشتراكيّ" إلى اسم حزبه الدستوريّ. لقد كانت لبورقيبة حساسيّة خاصّة من الإسلام السياسيّ بحكم مشروعه العلمانيّ وتكوينه الفرنكفونيّ. وهو ما جعله أميل إلى اليسار. فبورقيبة هو الذي كان ميّالا إلى اليسار وليس اليسار من كان ميّالا إلى بورقيبة.
 وقد انتهت الفترة البورقيبيّة بمشهد سياسيّ ملتبس بعد ظهور الإسلام السياسيّ ومزاحمته اليسار في الساحة الجامعيّة. ولم يكن النظام التونسيّ يرى اليسار خطرا على المجتمع والدولة المدنيّة. ولذلك لم يقع اضطهاد اليساريّين بسبب أفكارهم أو ولائهم للإيديولوجيّات اليساريّة. فيما كان تعامل السلطة مع الإسلاميّين مختلفا إذ عُدّوا خطرا كبيرا على السّلم المدنيّ وعلى المكتسبات الحداثيّة في المجتمع التونسيّ. ولذلك تمّ التعامل معهم بقسوة وشدّة وعنف. وقد يكون الإسلاميّون ورقة سياسيّة لعبها المسؤول الأمنيّ الأوّل في البلد الموعود بالحكم بن علي لتخويف بورقيبة في آخر أيّامه ولتخوين أعوانه الأقوياء لاسيما محمد مزالي ولمراودة الغرب المذعور من الأرثوذوكسية الإسلاميّة بعبارة محمد أركون.
 اليسار والمحنة النوفمبريّة:
 إنّ الموقف الذي غلب على التونسيّين بعد انقلاب بن علي على تونس سنة 1987، هو موقف الاستبشار. ولم يكن استبشارا بحلول بن علي بقدرما كان تهليلا لزوال بورقيبة. فقد طغى الملل على أنفس التونسيّين. وانتاب الرّوتين الحياة السياسيّة التونسيّة. ومأتى ذلك اتّسام المشهد السياسيّ بالثبات بل بالجمود لاسيما بعد أن غلبت الزعيمَ بورقيبة نفسُه فهانت عليه فانتصب رئيسا مدى الحياة مدفوعا بشعور غامر بالعظمة مأتاه تضخّم صورته عنده بفعل سلوك المحاباة والمجاملة والتملّق والمديح والبندرة الذي كان يسلكه أعوانه ووزراؤه وحاشيته ومدّاحوه وحتى خصومه. فحوّلوا صورته عنده من كائن عابر مائت إلى صنم جامد هشّ آيل للتهشيم والتكسير بعد أن كان يمكن أن يكون رمزا خالدا مقيما في القلوب والأفئدة لا يموت، ولا يدركه البِلى.
 ولم يكن التونسيّون يرون صورة رئيسهم كما يراها. فقد كانوا يرونه شيخا مرتعش اليد عاجزا عن الحركة والكلام. وكانوا يتساررون: كيف لهذا الشيخ أن يحكمنا وأن يسيّر دواليب الدولة السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة الآنيّة العاجلة منها والاستشرافيّة؟ لقد تسرّب القلق إلى التونسيّين؛ قلق على حاضرهم وعلى مستقبل أبنائهم في ظلّ حكم الشيخ الصنم. لقد استشرى الفساد. والتبست المقاييس والمراجع والثوابت. وترنّح الاقتصاد. وتراكمت المشاكل. وملأ اللصوص جيوبهم، واستقلّوا الطائرات.
 لذلك، هلّل التونسيّون للتغيير السياسيّ الذي طرأ على بلدهم. وقبلوا الرئيس الجديد قبولا سريعا دون أن يكلّفوا أنفسهم مؤونة السؤال: هل جاء بن علي باجتهاده أم جيء به بأجندات غير وطنيّة؟ لم يشكّكوا في دوافع الانقلاب. ولم يفكّروا في المنقلِب ولا في تاريخه ولا في نواياه. بل لقد أثنى الكثير على فتوّته وصلابة عوده ورشاقة مشيته وخصلات شعره المسدلة على صدغيه. لقد كانوا يرونه ولا يصدّقون أنّهم لن يروا مجدّدا اليدين المرتعشتين والحمل على الأكتاف والسباحة على الظهر في شواطئ المنستير. وقد بدوا على عجل مسرعين لتجاوز المرحلة البورقيبيّة مدفوعين بطموح جارف نحو غد يتمنّون أن يكون أفضل.
 اليسار التونسيّ كان هنا، في هذه المنطقة أعني؛ منطقة الهرولة لطيّ صفحة بورقيبة والتطلّع لأداء دور في بناء تونس التغيير بعد أن أفحهم بيان 7 نوفمبر وأوهمهم بأنّ الجميع سواء في الحقوق والواجبات وبألاّ رئاسة مدى الحياة. خدعهم بن علي بالبيان. فانقادوا إلى الخديعة بيسر حتى إنّ بن علي نفسه لم يصدّق سهولة انخداعهم.
 لقد فهم بن علي أنّ منافسيه السياسيّين مرنون ليّنون طيّعون، وأنّهم يتعاملون بالنيّة والوعد، وأنّهم ليسوا محترفين سياسيّين على اختلاف إيديولوجيّاتهم رغم محاولاتهم الجاهدة اليوم لإثبات العكس. لقد كانوا يدخلون إلى أجمة الأسد دخول شتربة، دون مخالب ولا أنياب. يكفي أنّهم لم يبادروا إلى الفعل السياسيّ. بل اكتفوا بانتظار مبادرات بن علي نحوهم وأكفّهم متوثّبة للتصفيق الملتهب. غير أنّهم لم يتفطّنوا إلى أنّه كان قد قرّر أن يكنسهم وغيرهم من المختلفين عنه ومعه من المشهد السياسيّ التونسيّ.
 ولم يطل الانتظار طويلا فجاء الميثاق الوطنيّ الذي ينظّم منطوقه الحياة السياسيّة ويضمن الديمقراطيّة وحقّ المشاركة للجميع. هكذا رآه رموز المعارضة التونسيّة من إسلاميّين ويسار وليبراليّين وقوميّين وغيرهم. الجميع دُعِيوا فجاءوا مهرولين وأمضوا.. أمضوا على تسليم مفاتيح الوطن لقرصان متلصّص عميل لأعداء الأمّة.. أمضوا وعادوا مهرولين إلى زواياهم وحاناتهم يتبادلون التهاني والإعجاب بصدق حاكم قرطاج الجديد.. عادوا حالمين بالهبات والتسميات.
 وكان اليسار هنا. لقد أمضى مع من أمضوا على الرهن L’hypothèque دون ضمان ولا مقابل. لقد أمَّن اليسار بن علي على الوطن وأمِن إليه رغم أنّ اليساريّين كانوا يردّدون فيما بينهم بأنّه متورّط في دماء شهداء الحركة الطلابيّة من أبناء اليسار النقابيّ الطلابيّ على غرار الشهيد الفاضل ساسي. وكانوا يردّدون بأنّه كان يقود حملات الاعتقال في صفوف الحركة الطلابيّة وبأنّه كان يتولّى بنفسه المهمّات القذرة كمحاصرة الكليّات والأجزاء الجامعيّة الثائرة ومداهمتها. ولا أحد نسي أنّ بن علي كان السوط الذي سلّطه بورقيبة على الشعب التونسيّ إبّان انتفاضة الخبز سنة 1984.
 ألمْ يكن أجدر باليسار، والحالة هذه، أن يطالب بكشف وجوه المجرمين وبتحقيق العدالة قبل الانخراط في العهد الجديد الذي بشّر به بن علي؟ وكان ذلك يمكن أن يكون عربون حسن نيّة ومشروع مصالحة وطنيّة. أليس في قبول اليسار بالميثاق الوطنيّ والوثوق بالمشروع النوفمبريّ التفاف من اليسار نفسه على نفسه؟ لقد وثق اليسار بمن شيمته الغدر. واليسار نفسه هو الذي كان يروّج ذلك في الساحة السياسيّة سرّا وجهرا. ومع ذلك أمضى. ومنح صكّ الغفران لمن يداه مصبوغتان بدماء المناضلين من أبناء اليسار. فأيّ مسؤوليّة لليسار في تاريخ تونس الحديث؟ وهل يجب على اليسار أن يعتذر عن أدائه السياسيّ الضعيف باعتبار أنّه كان يمارس السياسة بالنيّة واليُمن؟ لقد كان اليسار يفاخر بالعقلانيّة. ويجاهر بالعداء لإغراق العامّة في الخرافة واليمن والتطيّر. على أنّه كان يمارس، على مستوى الفعل السياسيّ، ما كان يجاهر بانتقاده وتهجينه.
 لقد جاء اليسار من إيديولوجيّات تقوم على الفكر الماديّ المستند أساسا إلى عمليّتي النقد والتجاوز. لكنّه ترك هذه المقوّمات الإيديولوجيّة واكتفى بالمقولات الاجتماعيّة والاقتصاديّة الاشتراكيّة. فحوّلها إلى شعارات سرعان ما فقدت فاعليّتها بفعل الاجترار والتكرار كشعار دكتاتوريّة البروليتاريا والعدالة الاجتماعيّة والعدل في توزيع الثروة وغيرها.
 أمّا الفعل النقديّ فغاب تماما أو كاد عن اليسار التونسيّ. واستبدله بمفاهيم "الميثاق الوطنيّ" و"متطلّبات المرحلة" و"الشروط الموضوعيّة" و"المصالحة الوطنيّة" وغيرها من الشعارات السفسطائيّة والمفاهيم المعوّمة المتنصّلة من المسؤوليّة التاريخيّة. وهي مفاهيم مضلّلة متوّهة ملتبسة في ذهن اليسار نفسه لأنّه يحاول أن يقنع نفسه بجدواها وبأنّها مستجيبة مع "خصوصيّات النموذج التونسيّ" لا مع الأمميّة.
 إنّ هذه المفاهيم نفسها هي التي شرّع بها اليسار لنفسه التغاضي عن سجلّ بن علي القمعيّ قبل 1987 وتزكيته رئيسا جديدا لتونس والكفّ عن ملاحقته قضائيّا وعن مطالبته بالعدالة. فكيف يقبل اليسار التنازل عن دماء شهدائه؟(1) لقد سار اليسار مع الجميع وهو يدّعي النخبويّة وامتلاك القدرة على الاختلاف!! وقبِل أن يتخلّى عن خصوصيّته النقديّة وأن يفرغ يَسارِيّته من جوهرها وأن يتقاطع كثيرا مع الإيديولوجيّات الدوغمائيّة رفيقته في الإمضاء على الميثاق. لقد كفّ اليسار عن ممارسة الفعل النقديّ. فاستبدل، بعد 1987، صفته النقديّة بالدوغمائيّة وإن اختلف المقام؛ دوغمائيّة شركاء الميثاق في المسجد ودوغمائيّة اليسار في الحانات لا يكلّ منها ولا ينطفئ فيه العطش إليها. 
 استحوذ القرصان على الكنز بمفرده في الوقت الذي شرع فيه في توزيع الحصص من السجون والمنافي والطرد والاغتيال والملاحقة على شركاء الأمس في الميثاق. من هذه اللحظة، بدأ تاريخ امّحاء اليسار من المشهد السياسيّ التونسيّ وتلاشيه أمام انكشاف وجه بن علي الحقيقيّ للجميع؛ وجه الدكتاتور السادي الدمويّ النّهم للثروة المستعدّ حتى لكنس التونسيّين جميعهم من تونس. وكان اليسار ضحيّة نفسه أوّلا وضحيّة مكر المشروع النوفمبريّ ومكائده ثانيا.
 اليسار وحركة التفتّت التاريخيّ القاصمة:
 وجد اليسار التونسيّ نفسه بعد انقلاب بن علي على تونس ضعيفا مفكّكا. وانكفأ اليساريّون على أنفسهم يلعقون جراحهم ويتحاسبون ويتبادلون التّهم. ووجد اليساريّون أنفسهم في حالة عطالة سياسيّة. فضاقت بهم الحانات والمقاهي منذ مطلع السنوات التسعين. وبدأت محنة يساريّة جديدة في الظهور هي محنة التفتّت أشلاء والانقسام أجزاء ممّا زاد من هوان اليسار. وكان بن علي يراقب ويبتسم ونابه الفضيّ يلمع. فلا أفضل له من هذا الواقع الجديد الذي تردّى فيه اليسار.
 من "العامل التونسيّ" إلى "الشعلة" إلى "حزب العمّال الشيوعيّ" إلى "حركة الوطنيّين الديمقراطيّين" إلى "حزب العمل الوطنيّ الديمقراطيّ" إلى "حزب اليسار الاشتراكيّ" إلى "حركة التجديد" إلى ما سيفرّخ بعد الثورة من حركات وأحزاب يساريّة أخرى، إلى حال من الهزال والضعف والتشرذم في الساحة السياسيّة الوطنيّة ثير الشفقة والعطف بين الرفاق والسخرية والاستهزاء بين الخصوم والشماتة بين الأعداء.
 لقد أثبت تاريخ تونس المعاصر أنّ حالة التشظّي والتفتّت التي آل إليها واقع اليسار التونسيّ بعد 1987 لم تكن دليل تنوّع وثراء. وإنّما كانت علامة على الخلاف والقطيعة وضيق الصدور والإغراق في الجدل الماركسيّ اللينينيّ والماويّ والتروتسكيّ اللاّتاريخيّ الدالّ على حركة ارتداد وانكماش لا على إثراء نظريّ ولا إيديولوجيّ. والدليل على ذلك أنّها لم تخدم الشعب التونسيّ ولم تساهم في البناء الحضاريّ الحداثيّ الوطنيّ الذي توقّف الفعل المؤثّر فيه منذ لحظات خيرالدين باشا والشابي والحدّاد والمسعدي ومحجوب بن ميلاد والشيخين بن عاشور وبورقيبة وعبد الوهاب بوحديبة. أمّا اليسار فلا دور له في المكتسبات الحداثيّة للشعب التونسيّ، ولا دور له في تدعيمها نظرا لأخطائه الاستراتيجيّة التاريخيّة التي أشرنا إليها فيما سبق.
 لقد نجح الحكم النوفمبريّ في تفتيت اليسار وفي سلبه أحلامه في المشاركة السياسيّة. لقد غدر به بكلّ بساطة. ووجد اليسار نفسه في عنق الزجاجة، إذ عليه أن يبرّر اختياراته ومواقفه وممارساته وسقطاته في أحضان بن علي لروّاده ومريديه ومناضليه، من جهة، وعليه أن يبحث عن مخابئ محصّنة عن أيادي أجهزة بن علي البوليسيّة والمخابراتيّة داخل الوطن وخارجه استعدادا للأيّام السوداء القادمة، من جهة ثانية.
 بعد سنوات العسل الثلاث الأولى من حكم بن علي، جاءت أعوام التضييق. فتجفّفت قواعد اليسار. ووقع رموزه بين خيارات ثلاثة: الإغواء النوفمبريّ فالاستقطاب أو التحييد والانقطاع عن الممارسة السياسيّة وعن الانتماء للعائلة اليساريّة والاكتفاء باليوميّ المعاشيّ أو الإقصاء والطرد والمحاصرة والسجن والنفي. ورضي اليسار بالمكانة الصغيرة المقسومة له القاضية بانحشاره في زاوية مظلمة في ساحة الوطن الخلفيّة.
 اليسار ضحيّة المؤامرة النوفمبريّة التجمعيّة الإعلاميّة:
 لقد خسر اليسار التونسيّ الساحة السياسيّة التي استولى بن علي عليها بالكامل. وحده في المشهد كان. لا صورة إلاّ صورته في الشاشات والساحات والميادين والخمّارات والدكاكين والمواخير. ولا صوت إلاّ صوته في الإذاعات. ولا حديث إلاّ عن حكمته وتبصّره في المنتديات والأكاديميّات والمؤتمرات والمجالس. ولا لون إلاّ لونه في الرّايات والقناطر والجسور والطرقات والبنايات والكشكولات والقبّعات وشمسيّات الحجيج. والبروباغندا النوفمبريّة والتجمعيّة في أوج عتيّها وصلفها كانت، إلى العماء تقود بن علي وإلى الخراب تقود الوطن. والبقيّة شعبا ونخبا ويسارا إلى الظلّ أُركِنوا. وطوبى لإعلام بن علي في الداخل الذي غدر بنا وبتونس وباليسار فقدّمنا طبقا شهيّا له..
 طوبى ﻟ "الإعلان" و"الحدث" و"لكلّ الناس" و"الصريح" و"التونسيّ" و"الحريّة" و"الصحافة" و"تونس7" وغيرها الناطقات بغير العربيّة، إضافة إلى وكالة الاتّصال الخارجيّ الشهيرة وأصوات أعوان النوفمبريّة من أبناء اليسار أنفسهم على غرار برهان بسيّس والصحبي سمارة وسمير العبيدي ومؤلّفي "الثورة الهادئة" من أساتذة الفلسفة والقانون ومن الكتّاب والمثقّفين. هؤلاء جميعا جيّشهم جهاز بن علي لإبعاد اليسار وإعلاء بن علي بعد أن أجزل لهم العطايا والهبات.
 الجميع شركاء في المؤامرة التي حاكتها الطغمة النوفمبريّة لتونس ولشعبها ولنخبها وليسارها. فلقد كان هذا الإعلام تتنافس قنواته ووسائله في إعداد الوطن مائدةً شهيّةً لبن علي. وكان التونسيّون يدفعون المقابل. يا إلهي.. ما هذا الرّعب؛ شعب يُؤكَل ثمّ يدفع ثمن أَكلته لآكله!! والفضل كلّه لإعلام الدّاخل المظفّر ولبعض إعلام الخارج المأجور.
 انحسار اليسار سياسيّا والانكفاء إلى الفعل النقابيّ:
 ماذا بقي لليسار بعد أن كنسه بن علي من الساحتين السياسيّة والإعلاميّة، وكنس نفسه من الساحة الثقافيّة؟ لم يبق أمامه إلاّ الساحة النقابيّة يعود إليها ملاذا وساحة لمقاومة بن علي ونظامه. ولابدّ أن نسجّل حالة التنمّر التي كان عليها اليسار في خوض كلّ المؤتمرات النقابيّة. لقد نشأت بين المنتمين لكلّ تيّار من تيّارات اليسار، أثناء الممارسة النقابيّة، ولاءات دوغمائيّة قائمة على أساس الولاء الشخصيّ لرموز اليسار المعروفين لا على أساس إيديولوجيّ. ولم تنشئ هذه التيّارات اليساريّ قواعد مبنيّة على الإلمام بالفلسفة الماركسيّة ولا بقراءاتها التاريخيّة اللينينيّة ولا التروتسكيّة ولا الألتوسيريّة. ولذلك لم تخل الممارسة النقابيّة لليسار من هنات ومآخذ أثّرت في الكثير من الأحيان على الأداء النقابيّ فيما يتّصل بالدفاع الميدانيّ عن مصالح الشغّالين. فممارسة اليسار النقابيّة لم تكن دائما نضاليّة. وإنّما خضعت أحيانا كثيرة لتجاذبات وحسابات وتكتيكات سياسيّة.
 لقد كان القطاع العامّ في تونس قويّا وضخما من حيث الإمكانيّات وعدد العمّال والموظّفين. وكان عدد الطلاّب الجامعيّين يزداد بنسب عالية كلّ سنة. لذلك جيّش اليسار التونسيّ مناضليه للانخراط في الصراع النقابيّ بنوعيه المهنيّ والطلابيّ. فهو يعلم تمام العلم أنّه قادر على إيلام النظام وتسديد ضربات نقابيّة موجعة له. بل إنّه يمكن أن يستثمر نضال النقابيّين ورقة ضغط سياسيّة يلوّح بها اليسار ويحرّكها متى رغب في تحريك طلب سياسيّ مّا.
 غير أنّ النظام النوفمبريّ كان أيضا يعي حجم هذه الساحة النقابيّة. وكان يعلم أيضا أنّها ساحة غير موالية وأنّه يفتقد للسيطرة عليها رغم استراتيجيّاته الطويلة في استمالة الهياكل النقابيّة العليا وفي إغوائها. لذلك خطّط للتفريط في القطاع العامّ لرأس المال الوطنيّ الخارجيّ مبرّرا ذلك بالالتزام بمحتوى اتّفاقيّات الشراكة المبرمة مع الجهات الدوليّة كالاتّحاد الأوروبيّ وبنوك التمويل الدوليّة. وإمعانا في التمويه سمّى هذا التفريط استثمارا وجلبا للعملة الصعبة. وقد وظّف النظام من أجل هذه الغاية نخبة عالية من أهل الاقتصاد والقانون. وقد كشفت لجنة تقصّي الحقائق حول الرّشوة والفساد أنّ ملفّات تصفية القطاع العامّ وملفّات الاستثمار كانت بين يدي بن علي نفسه في غرفة نومه مخبّأة لا يستأمن عليها أحدا.
 ولهذا كان الصراع النقابيّ متعدّد الوجوه؛ الوجه الأوّل الحفاظ على القطاع العامّ، والوجه الثاني التصدّي لمشاريع التصفية، والوجه الثالث توجيه النضال النقابيّ وجهة سياسيّة. فالوجهان الأوّل والثاني وطنيّان. والوجه الثالث سياسيّ.
 السّاحة الطلابيّة كانت أيضا مسرحا للصراع بين اليسار وبين السلطة. فقد عملت أجهزة النظام على ترهيب الطلبة المناضلين بفبركة القضايا الجنائيّة والجناحيّة لهم. وهو ما يؤول بهم إلى السجون وإلى الحرمان من حقّ التعلّم بفعل الطرد من الجامعات. وهو ما يضطرّهم إلى أحد خيارات أربعة؛ مواصلة النضال والاستعداد لمزيد التضحية، أو قبول الحكم الجائر والرضا بالتشرّد والبطالة مصيرا، أو السفر خارج الحدود بحثا عن آفاق أفضل، أو التجاوب مع مغازلات السلطة.
 وممّا يلفت الانتباه هنا، أنّ الخلاف الإيديولوجيّ الناشئ بين أطياف اليسار قد انتقل معه من الساحة السياسيّة إلى الساحة النقابيّ. ولا نستطيع ألاّ نسجّل ذلك. بمعنى أنّ كتل اليسار انتقلت كما هي باختلافاتها وانقساماتها وحتى عدائها لبعضها بعضا إلى العمل النقابيّ. فلا حال وحّد اليسار. ولا وضْع لطّف من خلافاته. ولا عدوّ دعاه إلى التوحّد. ولا ساحة بدّدت انقساماته. فهل اليسار التونسيّ انقساميّ بطبعه؟ والسؤال الملحّ هو: هل اليسار واحد متعدّد أم متعدّد في غير وحدة؟
 إنّ حالة الانقسام والتفتّت هذه أضعفت أداء اليسار نقابيّا كما كانت قد أضعفته سياسيّا سابقا ولا تزال تفعل. لقد جعلته إلى جانب الضعف هشّا سهل الاختراق في المحطّات الانتخابيّة النقابيّة كمؤتمر المركزيّة النقابيّة ومؤتمرات النقابات المهنيّة العامّة ومؤتمرات الاتّحادات الجهويّة والمحليّة ومؤتمرات النقابات الأساسيّة. وبسبب هذا الضعف والانقسام لم يتمكّن اليسار من السيطرة على الساحة النقابيّة. بل لقد تمكّنت تيّارات أخرى، لاسيما التيّارات القوميّة بمختلف أصنافها، من حيازة مواقع لها في الهياكل النقابيّة في مستوياتها جميعا.
 لقد كان النظام النوفمبريّ المخلوع مطّلعا على خلفيّات الساحة النقابيّة بفضل أجهزته المخابراتيّة والبوليسيّة. غير أنّه من التاريخيّ أن نسجّل عجز ذراعه السياسيّ أي حزب التجمّع الدستوريّ، رغم محاولاته المتكرّرة، من التسلّل إلى العمل النقابيّ في أغلب القطاعات لاسيما في نقابات البريد والصحّة والعدليّة وخاصّة التعليم بمختلف قطاعاته، وإن كان قد تمكّن من النفاذ إلى العمل الجمعيّاتيّ، بل والسيطرة على أغلبه باستثناء جمعيّة القضاة والرابطة التونسيّة للدفاع عن حقوق الإنسان وهيئة المحامين.
 بعد تفجّر ثورة يناير/ جانفي 2011، التحق اليسار بالساحة السياسيّة من جديد. فهل ترك اليسار الساحة النقابيّة نهائيّا وتنازل أخيرا عن العمل النقابيّ لأهله النقابيّين؟ أم هل سيحتفظ بمكانته القويّة فيها انتظارا لما ستؤول إليه المرحلة القادمة؟ كما تجدر الإشارة إلى أنّ اليسار عاد من جديد إلى الساحة السياسيّة الوطنيّة في تونس بخلافاته وانقساماته نفسها التي سبق الحديث عنها.
 اليسار واللحظة الفارقة:
 سأصوغ تحليليّ لهذا العنصر صياغة استفهاميّة في شكل حشد من الأسئلة تتطارح ملحاحة في الذهن. لماذا اختُزل اليسار التونسيّ في اليسار السياسيّ؟ هل يمكن فصل الإيديولوجيا عن السياسة تماما كما يفصل الدين عن السياسة؟ هل يمكن الحديث عن لائكيّة إيديولوجيّة؟ هل يمكن تطوير مفهوم اللائكيّة لتصبح دالّة عن فصل كلّ الوثوقيّات والدوغمائيّات عن السياسة كما نادى بذلك أركون؟ ماذا نسمّي اليساريّين والشيوعيّين المنتشرين في كلّ القطاعات بعيدا عن السياسة؟ هل هم يسار أم لا؟ هل يهتمّ هؤلاء بالشأن السياسيّ؟ هل سيمنحون أصواتهم للأحزاب اليساريّة؟ هل يؤمن اليسار غير السياسيّ باليسار اليسار السياسيّ؟
 هل استعدّ اليسار لمقاومة الرّثاثة والبؤس الفكريّين الغالبين على المشهدين الفكريّ والسياسيّ في تونس؟ هل يطرح اليسار السياسيّ هذه الأسئلة؟ هل بحث عن صنوه غير المسيّس؟ هل تحاور معه؟ هل استماله؟ هل يسير اليسار السياسيّ منذ تفجّر الثورة في الاتّجاه الصحيح أم يحتاج إلى تصحيح المسار قبل أن يتوه في دروب السراب؟ هل درب سالكة يا يسار؟ هل درب ستالين سالكة يا يسار؟ هل درب ماو سالكة يا يسار؟ هل درب فيديل سالكة يا يسار؟ هل دربك سالكة يا يسار تونس؟ هل كلّها سالكة أم مستهلكة ساهمت بشكل من الأشكال في بلورة فكرة نهاية التاريخ الإيديولوجيّ وفي تربّع رأس المال على سيادة العالم؟ هل يمكن لليسار التونسيّ أن يحلم بإبداع درب جديد حتى لا يتركنا نهبًا للدوغمائيّات والسلفيّات والنوفمبريّات المتلوّنة؟
 
هامش:
1- لم نسمع إلى حدّ الآن عن أنّ أيّ حزب من الأحزاب اليساريّة قد رفع قضيّة ضدّ بن علي عن جرائم القتل التي ارتكبها في حقّ مناضلي اليسار وشهدائه، ولم يصل إلى علمنا أنّ أيّ طرف من أطراف اليسار يعمل على طلب فتح تحقيق في ذلك. لماذا؟ أللتبرير القديم نفسه؛ "شروط المرحلة"، وهي الآن تقتضي الاستعداد للبناء الجديد وتناسي تنظيف القديم؟ هل قدر اليسار أن يظلّ تاريخه تاريخ الكُوى المظلمة؟ لماذا لا يكشف اليسار تاريخه؟ لماذا لا يعدّ أجندة لذلك؟ لماذا لا يقتصّ من أعدائه التاريخيّين؟ هل في هذا الموقف إصرار على تبرئة بن علي من جرائم ما قبل 1987؟ جرائم بن علي تعود إلى اللحظة التي استلم فيها إدارة الأمن، أي قبل انقلابه على تونس بسنوات. فأين اليسار من فكرة القصاص؟ ولعلّه من المثير للغرابة أن نسجّل أنّ اليسار الذي لم يطالب بالعدالة لضحاياه وشهدائه لا يترك مناسبة تمرّ دون التذكير بضرورة توفير الحقّ في المحاكمة العادلة لرموز النظام النوفمبريّ المخلوع!! ما كلّ هذا الإيثار!! ما كلّ هذه الأصالة!!


 ___________________________________________________________________________________
تونس - رامي التونسي
25 أيلول (سبتمبر) 2011 03:11
ربما كان على الأستاذ كاتب هذا المقال التعمق أكثر فيما يسميه إجماعا يسار ويصنفه في نفس الخانة،فلقد كان هناك يسار متبرجز ممثلا في الحزب الشيوعي سابقا والحزب الإشتراكي التقدمي والقوميين وهم من فرح بالإنقلاب في 87وهم لم يكونو في نفس تصنيف نفس اليسار الثوري الماركسي اللينيني ممثلا في حزب العمال والوطنيون الديمقراطيون الذين نشرو بياناتهم عشية الإنقلاب في 87 في المعاهد والجامعات والنقابات والشوارع والمقاهي ليفضحو ملابسات الحدث وشخص بن علي وسيرته وهم ذاتهم من رفض التوقيع على ميثاق بن علي لاحقا،سواء كان هذا الخلط المتعمد من الكاتب نزيها أو غير نزيه ،فمن الضروري أن نوضح الأمور جيدا


kasserine tunisie - mhamdi mongi
14 نيسان (أبريل) 15:43
حزب العمّال الشّيوعي التّونسي رفض الإعتراف ببن علي واعتبر تاريخ 7 نوفمبر إنقلابا على الشّرعيّة ورفض وضع يده في يد النّظام الجديد آنذاك وذلك بعدم التّوقيع على الميثاق الوطني على عكس بقيّة الأحزاب

Allmagne - حاتم بن رجيبة
18 أيار (مايو) 00:39
اليسار له مستقبل واعد ولكن إن أثرى محتوياته بالإلمام بالمشاكل المعاصرة كالتلوث البيئي ، التطلع ال مشاركة شعبية في صنع القرار وإيجاد سبل مشاركة أفقية في الحياة السياسية والمدنية . التخلي الكلي على مبدأ ديكتاتورية البروليتاريا والقبول بالتداول على السلطة والديموقراطية . لذلك أؤيد الكاتب في كون الوقفة النقدية ، التأملية ضرورية للغاية .

sanaa - فؤاد الصلاحى
13 أيار (مايو) 2011 07:50
في اكتوبر العام الماضي القيت محاضرتين في صنعاء الاولى مبني الحزب الاشتراكي والثانية في منتدي الجاوي الثقافي حول رؤية جديدة لليسار العربي قرأة نقدية تناولت واقع اليسار احزاب وثقافة ونشطاء واسهبت كثيرا في تحليل نموذج اليسار في اليمن ..نص المحاضرة موجودة على صفحة الحوار المتمدن وعلى صفحات الكترونية عديدة .. وهي تتفق في الخطوط العامة مع ما تضمنه هذا المقال ولكني طالبت شباب اليسار ببناء كتلة سياسية جديدة بدلا من الركود والانصياع للحرس القديم وضرورة خلق كتلة ائتلافية مع رموز اليسار القوى واليسار الاسلامي لخلق حالة ثورية لتغيير النظام السياسي في اليمن وهو الامر المعاش حاليا حيث التحالف القوى بين هذه الاطراف الثلاثة ولو مؤقتا .



http://www.alawan.org/%D9%85%D8%B3%D8%A4%D9%88%D9%84%D9%8A%D9%91%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%B3%D8%A7%D8%B1-%D9%81%D9%8A.html#.UEvz-t1F4y0.facebook



السبت، 8 سبتمبر 2012

هل يتطابق أو يتناقض السلفيون المعاصرون مع السلفيين الخلاّقين القدامى؟ د. م. كشكار

فكرة قرأتها في كتاب: هل يتطابق أو يتناقض السلفيون المعاصرون مع السلفيين الخلاّقين القدامى؟ حلقة عدد 2 من سلسلة علي حرب. نقل دون تعليق مواطن العالَم د. محمد كشكار

كتاب "ثورات القوة الناعمة في العالم العربي. من المنظومة إلى الشبكة."، علي حرب، الدار العربية للعلوم و النشر، الطبعة الثانية 2012، 240 صفحة

نص علي حرب
صفحة 204: من حيث العلاقة مع السلف. فالإسلاميون يدّعون بأنه لا صلاح و لا نهوض إلا بالرجوع إلى السلف و التماهي مع الأصل، أكان آية أم حديثا أم سيرة. و لكن هناك فارق كبير بينهم و بين القدامى. نعم هم يشبهونهم من حيث الرمز و الطقس أو الحرف و الشكل. و لكن ما أبعدهم عنهم من حيث القدرة و المبادرة و الحيوية و الفاعلية. إذ الأُوَل كانوا فاتحين، خلاّقين، مؤسسين، عالِمين، ليبراليين، فيما الخَلَف هم الآن مقلّدون، جاهلون، محافظون، مُدّعون، عاجزون

هذا وجه للاختلاف، و الوجه الأهم هو أن الإسلام نفسه قد خضع، في عصور ازدهاره، لسلسلة من التحولات، تفسيرا و تأويلا، أو تبديلا و نسخا، بحيث لم يبق على ما هو عليه، و لم يثبت على حال، بل كان يتغير و يتبدل من عصر إلى عصر و من مكان إلى آخر

يشهد على ذلك الفارق بين إسلام الصحابة و إسلام العلماء في القرون اللاحقة، إذ تقف بينهم طفرات و تحولات أو قطائع صنعتها مجريات الوقائع و صروف الزمن، فضلا عن المصادر و الروافد الآتية من الحضارات السابقة، و التي نهل منها الفكر الإسلامي و استثمرها في منظوماته الكلامية و أنساقه الفقهية، من منطق أرسطو إلى الإشراق الفارسي، و من الروحانية المسيحية إلى مقولة الفناء البوذية

من هنا فالدعوى الأصولية، دعوى المماهاة و التطابق أو الاستعادة و التطبيق، هي دعوى نسيجها الوهم و الخداع، و مآلها انتهاك الأصول و الثوابت باسم الدفاع عنها. طبعا هناك ثوابت، على الأقل على صعيد النص و الحرف و الرمز، و لكن العلاقة مع الثوابت هي دوما ملتبسة و متحركة، مفتوحة، سلبا أو إيجابا، قد تُترجم تخلفا أو تقدما، فقرا أو غنى، دمارا أو بناء

صفحة 209: و اليوم، إذ يعود الإسلاميون إلى السلف، كلٌّ إلى فقهه و عقائده، لصناعة الحياة و بناء الدول، فإنها ستكون عودة مرعبة تُستعاد فيها الصراعات و الفتن، بسبب الذاكرات المشحونة و الموتورة، على نحو أشرس، عنفا و إرهابا، أو تمزّقا و تفكّكا. و لا غرابة، فهذا هو مآل كل عقل أصولي و منطق اصطفائي: احتكار الحقيقة، و العمل على استئصال المختلِف و المعارِض رمزيا و سياسيا، أو جسديا و ماديا. هذا ما تعطيه الهوية عندما تُمارس كقوقعة، أو محكمة، أو نزعة نرجسية، أو محمية عنصرية. إنها تتحول إلى داء و عُصاب، أو إلى فخ و مأزق

البصمة الفكرية للـد. م. ك
بكل شفافية، أعتبر نفسي ذاتا حرة مستقلّة مفكرة  و بالأساس مُنتقِدة، أمارس قناعاتي الفكرية بصورة مركبة، مرنة، منفتحة، متسامحة، عابرة لحواجز الحضارات و الدين و العرق و الجنس و الجنسية و الوطنية و القومية و  الحدود الجغرافية أو الأحزاب و الأيديولوجيات
على كل مقال سيء، نرد بمقال جيد، لا بالعنف المادي أو اللفظي أو الرمزي

تاريخ أول إعادة نشر كشكارية على النات
حمام الشط في 5 سبتمبر 2012

ماذا ننتظر من المشروع الأصولي الإسلامي أو الكمّاشة الخانقة؟ د. محمد كشكار

فكرة قرأتها في كتاب: ماذا ننتظر من المشروع الأصولي الإسلامي أو الكمّاشة الخانقة؟ حلقة عدد 5 من سلسلة علي حرب. نقل دون تعليق مواطن العالَم د. محمد كشكار



كتاب "ثورات القوة الناعمة في العالم العربي. من المنظومة إلى الشبكة."، علي حرب، الدار العربية للعلوم و النشر، الطبعة الثانية 2012، 240 صفحة

نص علي حرب
صفحة 210: الإخفاق و الانتهاك
أصل إلى بيت القصيد: مشاريع النهوض و الإصلاح و التقدم. هنا أيضا، و خاصة، لا يصلح شعار الإسلاميين للنظر و العمل، أو للفهم و التدبير. هذا ما تشهد به الوقائع الناطقة و ما يقوله المنطق الفاضح

من جهة الوقائع، من الملاحظ، أنه حيث كان الإسلاميون أو عملوا بكتلهم و جماعاتهم، بأحزابهم و منظماتهم، بمرشدهم و أمرائهم، إنما استجمعوا مساوئ المشاريع السابقة و الآفلة، القومية التحررية، أو اليسارية الاشتراكية، المتعلقة بحركات التحرر الوطني و مذاهب التقدم الاجتماعي

و الأمثلة ناطقة و فاضحة، سواء في الجزائر و إيران، أو في الصومال و السودان، أو في العراق و لبنان. لم ينجحوا في ما يخص مطالب الحرية و العدالة و المساواة، و لا في مطالب التحديث و النمو و التقدم. بل عادت معهم الأمور إلى الوراء. ففي مجال الحريات تحول الناس من رعايا إلى عبيد و قطعان بشرية، تمارس طقوس العبادة تجاه زعمائها و مرشديها و أمرائها، أو تقدس قضاياها لتقع ضحايا لها أو تُرهب الناس بها، مما جعل الكثيرين من المسلمين المستقلين يترحمون على عهود الاستعمار و المَلَكية

أما على صعيد المطالب الاجتماعية، فهم لم ينجحوا في صنع نموذج تنموي، بل أعادوا إنتاج التخلف و الفقر و الفساد و هدر الثروات. نعم نجح المسلمون في تركيا أو في ماليزيا في صنع نماذج تنموية، لأنهم لم يعملوا بشعار "الإسلام هو الحل"، و لم يسعوا إلى أسلمة الحياة. لم يحمّلوا الإسلام ما لا طاقة له على حمله، بل تبنّوا منطق الدولة الحديثة، و تصرفوا كساسة همّهم تقدم مجتمعاتهم، بالإفادة من التجارب و النماذج الحديثة

و المغزى من الشاهد التركي و الماليزي أن كل مجتمع يخترع معادلته و يصنع نموذجه في مشاريع النهوض و الإصلاح و التحديث، باستلهام مختلف التجارب و النماذج و التراثات الحية، للإفادة منها و البناء بها، بما في ذلك بالطبع، التراث الإسلامي. فلا مهرب من تغيير العقليات و التشريعات، بالتوازي مع تحديث الأدوات و المؤسسات، إذ لا يستقيم حكم اليوم بأفكار الماضين و أحكامهم و وسائلهم

و ما تشهد به الوقائع يؤكده المنطق أيضا، و خاصة، لأن ما يجري على أرض الواقع الملموس، هو ترجمة لما يدور في الأذهان و العقول. فالشعار الإسلامي لا يؤدي إلى تحسين الأحوال بل تزداد معه ترديا، و لا يولّد حلولا للمشكلات، بل تزداد معه تعقيدا و تأزما. ذلك أن الحركات الإسلامية، الأصولية، ليست موجات حضارية، تنويرية، تحررية، مستقبلية، بل هي حركات سلفية، ارتدادية، أُسست بعقل مغلق يعتقد أصحابه بأن الماضين هم أعلم و أجدر و أقدر منّا نحن، المحدثين و المعاصرين، على إصلاح أمورنا، إذ نجد في كتبهم و سيرهم الأجوبة و الحلول لمشكلاتنا و أزماتنا الراهنة

بل إن هذه الحركات قد أُطلقت لتكون ردّة فعل على العالم الحديث أو انتقام منه. و ليس صدفة أن تسمي إحدى الحركات السلفية الأصولية دولتها، في الصومال، باسم "المحاكم"، لكي تولّد العبث أو الإرهاب و الخراب

هذه هي الثمرة السيئة للدعوات السلفية و التيارات الأصولية التي تفاجئ و تصدم، بانتهاكها و أعمالها البربرية، المسلم العادي الذي لا ينتمي إلى تيار سلفي أو تنظيم أصولي. بل هي تفاجئ أحيانا بعض العلماء و الدعاة، بقدر ما تشهد على جهلهم بالأسس التي يبنى عليها المشروع السلفي الذي لا يُطبّق إلا على نحو ما تفعل الحركات الأصولية، بصورة متحجرة، عدوانية، إرهابية

و لا غرابة. فمن المستحيل إدارة بلد بعدة العقيدة الدينية و الشريعة الإسلامية. إذ لكل زمن مشكلاته و أزماته التي تحتاج إلى ابتكار المقاربات و المعالجات، لتجديد المفاهيم و القواعد و الأساليب...من غير ذلك نحسب المشكلة حلا. و بالعكس، بل نحوّل علاقتنا بالدين إلى مشكلة لأهله و للناس جميع، تعصبا و تطرّفا و إرهابا

بهذا المعنى فالمشروع الأصولي الإسلامي، هو الوجه الآخر للنظام الديكتاتوري القومي. كلاهما يريد من الناس أن يكونوا عبيدا لا أحرارا. هذا شأن الطاغية الذي ينسب إليه  بلده و يتعامل معه بوصفه ملكه الذي يتصرف فيه كما يشاء. و هذا شأن الناطقين باسم الواحد الأحد من الدعاة الذين يريدون من الناس أن يكونوا أدوات تصدع لأوامرهم و تنفّذ فتاواهم من غير جدال أو نقاش. و لذا، كلا المشروعين مآلهما الإخفاق: الأول (المشروع الأصولي الإسلامي) لا يصلح للإقامة في هذا العالم، و الثاني (النظام الديكتاتوري القومي) غير قابل للإصلاح

صفحة 27
يُضاف إلى ذلك أن صعود الأصوليات الدينية، التي استفادت من إخفاق المشروع القومي و البرنامج الاشتراكي، أدى إلى مزيد من التردّي و التراجع. و لا غرابة. لأن الأصوليات هي موجات ارتدادية تحكمها الذاكرة الموتورة و العقائد الاصطفائية التي يفكر أصحابها بعقلية الثأر و الانتقام مما هو حديث و وافد، و لذا، فما بوسعها أن تفعله هو تقويض نظام أو تخريب عمران. و لكنها لا تقدر على الإصلاح أو تحسين البناء، بقدر ما تعتبر أن المستقبل هو وراءنا لدى الماضين، لا ما نقدر على إنجازه لكي نضيف على ما حققه المحدثون، و لأن أصحابها يفكرون بمنطق الإقصاء و الاستئصال للمختلف و الآخر، فإنها تشتغل بنصب المتاريس و خلق الأعداء، و لا تولّد إلا الحروب الأهلية التي تفتك بغير مجتمع عربي

الكمّاشة الخانقة
         و الأصوليات هي كالديكتاتوريات تأخذ من الغرب التقنيات و التجهيزات و الأسلحة التي تستثمرها في حروبها، كما تفيد من انتفاخ الأسواق غير المحدود لجمع الثروات الطائلة غير المشروعة، فيما هي ترفض القيم و المفاهيم و النظم التي يمكن استثمارها في أعمال التحديث و الإنماء، أو تجسيدها في احترام الحقوق و إطلاق حريات التفكير و التعبير و التنظيم

         بذلك جمعت الأصوليات مساوئ المشاريع السابقة، القومية و اليسارية، فأضافت الإرهاب و الفتن المذهبية إلى الفقر و التخلف و الاستبداد. ممّا وضع المجتمعات العربية بين فكّي الكمّاشة الخانقة: استبداد مضاعَف و فساد منظّم، ثراء فاحش و فقر مدقع، جزر أمنية و مافيات مالية، جحيم المخابرات و جهنم الإرهاب

         هذا الإخفاق المتواصل، تجربة بعد تجربة، و مرحلة بعد أخرى، قد وجد ترجمته في ما وصلت إليه الأوضاع العربية من انسداد الأفق و استهلاك الأفكار و استنفاذ الوسائل و فشل البرامج و سقوط الدعوات، سواء على جبهة الديكتاتوريات أو على جبهة الأصوليات، حيث المعسكران المتناحران متواطئان على ما يشهده العالم العربي من العجز و التخلف و التقهقر و سوء السمعة في الخارج. يستوي في ذلك ديناصورات التراث و عجزة الحداثة. و كما أن الأُوَل يتخيلون مستقبل العرب كماضيهم في صدر الإسلام، فإن الآخرين يتخيلون مستقبل العرب كماضي أوروبا منذ ثلاثة قرون. كلا الفريقين لا يحسن الانخراط في المناقشات العالمية من أجل تطوير المفاهيم و تجديد العناوين، في عالم يتغير بأدواته و مفاهيمه و قيمه و قواه... و مآل ذلك، الهُزال الوجودي و القُصور العقلي و المأزق الحضاري

البصمة الفكرية الكشكارية 
بكل شفافية، أعتبر نفسي ذاتا حرّة مستقلّة مفكرة  و بالأساس مُنتقِدة، أمارس قناعاتي الفكرية بصورة مركبة، مرنة، منفتحة، متسامحة، عابرة لحواجز الحضارات و الدين و العرق و الجنس و الجنسية و الوطنية و القومية و  الحدود الجغرافية أو الأحزاب و الأيديولوجيات
على كل مقال سيء، نرد بمقال جيد، لا بالعنف المادي أو اللفظي أو الرمزي

Mes deux principales devises dans la vie, du moins pour le moment :
-         Mohamed Kochkar : faire avec les conceptions non scientifiques (ou représentations) pour aller contre ces mêmes conceptions et en même temps auto-socio-construire à leurs places des conceptions scientifiques.
-         J. P. Sartre : Les idéologies sont liberté quand elles se font, oppression quand elles sont faites.

إمضاء جديد و محيّن للـ د. محمد كشكار
مواطن العالَم (أعتذر لكل المواطنين في العالَم غير الغربي على فعله و يفعله بهم حتى الآن، إخوانهم في الإنسانية، المواطنون في العالَم الغربي)، مسلم (أعتذر لكل المواطنين غير المسلمين على ما فعله بهم أجدادي المسلمون)، عربي (أعتذر لكل المواطنين غير العرب على ما فعله بهم أجدادي العرب) تونسي (أعتذر لكل المواطنين التونسيين على ما فعله بهم نظام بورقيبة و نظام بن علي طيلة سنوات الجمر الخمسة و خمسين)، "أبيض- أسود" البشرة (أعتذر لكل المواطنين السود في  العالَم  علىِ ما فعله بهم أجدادي البيض)، يساري غير ماركسي (أعتذر لكل المواطنين غير اليساريين و لليساريين غير الماركسيين في  العالَم  علىِ ما فعله بهم رفاقهم الماركسيون اللينينيون الستالينيون الماويون)، و غير منتم لأي حزب أو أي أيديولوجيا ( أعتذر لكل المواطنين غير المنتمين حزبيا أو أيديولوجيا في العالَم عن كل خطأ ارتكبته في حقهم الحكومة و المعارضة و المتعاطفين معهما

تاريخ أول إعادة نشر كشكارية على النات
حمام الشط في 8 سبتمبر
 2012

هل الإسلام واحد أو متعدّد و هل المسلمون متماثلون أو مختلفون؟ د. محمد كشكار

كرة قرأتها في كتاب: هل الإسلام واحد أو متعدّد و هل المسلمون متماثلون أو مختلفون؟ حلقة عدد 4 من سلسلة علي حرب. نقل دون تعليق مواطن العالَم د. محمد كشكار



كتاب "ثورات القوة الناعمة في العالم العربي. من المنظومة إلى الشبكة."، علي حرب، الدار العربية للعلوم و النشر، الطبعة الثانية 2012، 240 صفحة

نص علي حرب
صفحة 208: مأزق الهوية الإسلامية
من حيث العلاقة مع المختلِف في الداخل، لا يحسن الإسلاميون سوى الإخفاق في ترجمة شعارهم. هنا بيت الداء و مكمن العلّة، إذ الهوية الدينية تتحول إلى مشكلة لأصحابها بالدرجة الأولى، كما يتجسم ذلك في الفتن المذهبية الناشبة بين المسلمين و التي هي أشد فتكا من الحروب بينهم و بين الطوائف الأخرى، و كما تشهد حروب النصوص و الأحاديث و خطب الجوامع النارية التي تأجج الذاكرة و تذكي فتيل الفتنة

و علة ذلك أن الإسلام لم يعد واحدا، بل لم يكن يوما واحدا، منذ وفاة المؤسس. نحن إزاء عالم إسلامي متعدد المذاهب و المدارس، الفقهية و الكلامية، إلى حد التناقض. و لو أخذنا الفرقتين الرئيسيتين، السنّة و الشيعة، نجد أنفسنا أمام شرخ عميق يكاد يتجاوز كونه خلافا بين اجتهادين أو مذهبين، لكي يتحول إلى خلاف بين ديانتين لكل منهما عالمها و رموزها الخاصة التي هي عندها أولى من الأمر الجامع (الله القرآن، النبي). و الدليل هو علاقة النفي المتبادل بينهما، تكفيرا أو تبديعا، إذ كل فرقة تقدس رموزها الخاصة و تجحد ما عند سواها. من هنا من التبسيط الكلام على وجود أمة إسلامية واحدة

لنعترف بالحقيقة كي نحسن معالجة المشكلة. فالطوائف الإسلامية، و كذلك المسيحية. كانت تعيش في عوالم منعزلة، و إن متجاورة، بعد الصراعات الطويلة و الحروب الأهلية التي أدت إلى الانشقاق و القطيعة. و إذا كانت هذه الطوائف قد فكت عزلتها و خرجت من قوقعتها، المجتمعية و الفكرية، على سبيل التواصل و التبادل، فبفضل الحداثة بفضاءاتها و قيمها و مؤسساتها التي أتاحت لها التعبير عن معتقداتها و ممارسة طقوسها في الفضاء العمومي

صفحة 212: أعرف أن المسلمين ليسوا كلهم إسلاميين سلفيين أو أصوليين. فالكثيرون منهم يعيشون زمنهم و ينخرطون في العالم الحديث، بالإفادة من منجزاته أو تبنّي قيمه و نظمه في الحرية و الديمقراطية، أو في الاشتراكية و الليبرالية، أو في التعددية و الشفافية، أو في العولمة و التنمية

بل إن السلفيين و الأصوليين، تأثروا بمنجزات الغرب و استثمروها، و لو لم  يعترفوا بذلك. و اليوم و بعد اندلاع الثورات التي غيرت المشهد و قلبت الموازين، حدث تغير في مواقف الإسلاميين جعلهم يتخلون عن ثوابتهم و يقبلون بالدولة المدنية و العَلمانية. بالطبع مع تأكيدهم، بنوع من الالتفاف و الخداع، بأن ذلك لا يتعارض مع تعاليم الدين الإسلامي

و من هنا نشأ صراع داخل الجماعات الإسلامية بين المحافظين و الإصلاحيين، بين التيار السلفي الذي لا ينتج سوى منظمات تكفيرية، و بين التيار الليبرالي المنفتح على حقائق العصر و قيم الحداثة، و يشبه أن يكون الفرق بين الاثنين كالفرق بين حمادي الجبالي الذي تحدث عن "الخلافة السادسة"، و بين راشد الغنوشي الذي بدا ذا منزع حداثي ليبرالي في موقفه، على نحو يقربه من نموذج مهاتير محمد أو رجب أردوقان، في موقفه من بعض القضايا المتعلقة بالحريات، و خاصة في مجال الاقتصاد. فالإسلاميون هم ليبراليون إلى أقصى الحدود في هذا المجال، و هو الذي يجمعهم مع أميركا و العالم الرأسمالي، كما جمعهم من قبل عداؤهم المشترك للمعسكر الاشتراكي



البصمة الفكرية للـد. م. ك
بكل شفافية، أعتبر نفسي ذاتا حرة مستقلّة مفكرة  و بالأساس مُنتقِدة، أمارس قناعاتي الفكرية بصورة مركبة، مرنة، منفتحة، متسامحة، عابرة لحواجز الحضارات و الدين و العرق و الجنس و الجنسية و الوطنية و القومية و  الحدود الجغرافية أو الأحزاب و الأيديولوجيات
على كل مقال سيء، نرد بمقال جيد، لا بالعنف المادي أو اللفظي أو الرمزي


إمضاء جديد و محيّن للـ د. محمد كشكار
مواطن العالَم (أعتذر لكل المواطنين في العالَم غير الغربي على فعله و يفعله بهم حتى الآن، إخوانهم في الإنسانية، المواطنون في العالَم الغربي)، مسلم (أعتذر لكل المواطنين غير المسلمين على ما فعله بهم أجدادي المسلمون)، عربي (أعتذر لكل المواطنين غير العرب على ما فعله بهم أجدادي العرب) تونسي (أعتذر لكل المواطنين التونسيين على ما فعله بهم نظام بورقيبة و نظام بن علي طيلة سنوات الجمر الخمسة و خمسين)، "أبيض- أسود" البشرة (أعتذر لكل المواطنين السود في  العالَم  علىِ ما فعله بهم أجدادي البيض)، يساري غير ماركسي (أعتذر لكل المواطنين غير اليساريين و لليساريين غير الماركسيين في  العالَم  علىِ ما فعله بهم رفاقهم الماركسيون اللينينيون الستالينيون الماويون)، و غير منتم لأي حزب أو أي أيديولوجيا ( أعتذر لكل المواطنين غير المنتمين حزبيا أو أيديولوجيا في العالَم عن كل خطأ ارتكبته في حقهم الحكومة و المعارضة و المتعاطفين معهما

تاريخ أول نشر على النات
حمام الشط في 7 سبتمبر 2012

هل لا يحسن الإسلاميون سوى الجحود و الإنكار أو الالتفاف و الزيف؟ د. محمد كشكار

فكرة قرأتها في كتاب: ماذا ننتظر من المشروع الأصولي الإسلامي أو الكمّاشة الخانقة؟ حلقة عدد 5 من سلسلة علي حرب. نقل دون تعليق مواطن العالَم د. محمد كشكار



كتاب "ثورات القوة الناعمة في العالم العربي. من المنظومة إلى الشبكة."، علي حرب، الدار العربية للعلوم و النشر، الطبعة الثانية 2012، 240 صفحة

نص علي حرب
صفحة 210: الإخفاق و الانتهاك
أصل إلى بيت القصيد: مشاريع النهوض و الإصلاح و التقدم. هنا أيضا، و خاصة، لا يصلح شعار الإسلاميين للنظر و العمل، أو للفهم و التدبير. هذا ما تشهد به الوقائع الناطقة و ما يقوله المنطق الفاضح

من جهة الوقائع، من الملاحظ، أنه حيث كان الإسلاميون أو عملوا بكتلهم و جماعاتهم، بأحزابهم و منظماتهم، بمرشدهم و أمرائهم، إنما استجمعوا مساوئ المشاريع السابقة و الآفلة، القومية التحررية، أو اليسارية الاشتراكية، المتعلقة بحركات التحرر الوطني و مذاهب التقدم الاجتماعي

و الأمثلة ناطقة و فاضحة، سواء في الجزائر و إيران، أو في الصومال و السودان، أو في العراق و لبنان. لم ينجحوا في ما يخص مطالب الحرية و العدالة و المساواة، و لا في مطالب التحديث و النمو و التقدم. بل عادت معهم الأمور إلى الوراء. ففي مجال الحريات تحول الناس من رعايا إلى عبيد و قطعان بشرية، تمارس طقوس العبادة تجاه زعمائها و مرشديها و أمرائها، أو تقدس قضاياها لتقع ضحايا لها أو تُرهب الناس بها، مما جعل الكثيرين من المسلمين المستقلين يترحمون على عهود الاستعمار و المَلَكية

أما على صعيد المطالب الاجتماعية، فهم لم ينجحوا في صنع نموذج تنموي، بل أعادوا إنتاج التخلف و الفقر و الفساد و هدر الثروات. نعم نجح المسلمون في تركيا أو في ماليزيا في صنع نماذج تنموية، لأنهم لم يعملوا بشعار "الإسلام هو الحل"، و لم يسعوا إلى أسلمة الحياة. لم يحمّلوا الإسلام ما لا طاقة له على حمله، بل تبنّوا منطق الدولة الحديثة، و تصرفوا كساسة همّهم تقدم مجتمعاتهم، بالإفادة من التجارب و النماذج الحديثة

و المغزى من الشاهد التركي و الماليزي أن كل مجتمع يخترع معادلته و يصنع نموذجه في مشاريع النهوض و الإصلاح و التحديث، باستلهام مختلف التجارب و النماذج و التراثات الحية، للإفادة منها و البناء بها، بما في ذلك بالطبع، التراث الإسلامي. فلا مهرب من تغيير العقليات و التشريعات، بالتوازي مع تحديث الأدوات و المؤسسات، إذ لا يستقيم حكم اليوم بأفكار الماضين و أحكامهم و وسائلهم

و ما تشهد به الوقائع يؤكده المنطق أيضا، و خاصة، لأن ما يجري على أرض الواقع الملموس، هو ترجمة لما يدور في الأذهان و العقول. فالشعار الإسلامي لا يؤدي إلى تحسين الأحوال بل تزداد معه ترديا، و لا يولّد حلولا للمشكلات، بل تزداد معه تعقيدا و تأزما. ذلك أن الحركات الإسلامية، الأصولية، ليست موجات حضارية، تنويرية، تحررية، مستقبلية، بل هي حركات سلفية، ارتدادية، أُسست بعقل مغلق يعتقد أصحابه بأن الماضين هم أعلم و أجدر و أقدر منّا نحن، المحدثين و المعاصرين، على إصلاح أمورنا، إذ نجد في كتبهم و سيرهم الأجوبة و الحلول لمشكلاتنا و أزماتنا الراهنة

بل إن هذه الحركات قد أُطلقت لتكون ردّة فعل على العالم الحديث أو انتقام منه. و ليس صدفة أن تسمي إحدى الحركات السلفية الأصولية دولتها، في الصومال، باسم "المحاكم"، لكي تولّد العبث أو الإرهاب و الخراب

هذه هي الثمرة السيئة للدعوات السلفية و التيارات الأصولية التي تفاجئ و تصدم، بانتهاكها و أعمالها البربرية، المسلم العادي الذي لا ينتمي إلى تيار سلفي أو تنظيم أصولي. بل هي تفاجئ أحيانا بعض العلماء و الدعاة، بقدر ما تشهد على جهلهم بالأسس التي يبنى عليها المشروع السلفي الذي لا يُطبّق إلا على نحو ما تفعل الحركات الأصولية، بصورة متحجرة، عدوانية، إرهابية

و لا غرابة. فمن المستحيل إدارة بلد بعدة العقيدة الدينية و الشريعة الإسلامية. إذ لكل زمن مشكلاته و أزماته التي تحتاج إلى ابتكار المقاربات و المعالجات، لتجديد المفاهيم و القواعد و الأساليب...من غير ذلك نحسب المشكلة حلا. و بالعكس، بل نحوّل علاقتنا بالدين إلى مشكلة لأهله و للناس جميع، تعصبا و تطرّفا و إرهابا

بهذا المعنى فالمشروع الأصولي الإسلامي، هو الوجه الآخر للنظام الديكتاتوري القومي. كلاهما يريد من الناس أن يكونوا عبيدا لا أحرارا. هذا شأن الطاغية الذي ينسب إليه  بلده و يتعامل معه بوصفه ملكه الذي يتصرف فيه كما يشاء. و هذا شأن الناطقين باسم الواحد الأحد من الدعاة الذين يريدون من الناس أن يكونوا أدوات تصدع لأوامرهم و تنفّذ فتاواهم من غير جدال أو نقاش. و لذا، كلا المشروعين مآلهما الإخفاق: الأول (المشروع الأصولي الإسلامي) لا يصلح للإقامة في هذا العالم، و الثاني (النظام الديكتاتوري القومي) غير قابل للإصلاح

صفحة 27
يُضاف إلى ذلك أن صعود الأصوليات الدينية، التي استفادت من إخفاق المشروع القومي و البرنامج الاشتراكي، أدى إلى مزيد من التردّي و التراجع. و لا غرابة. لأن الأصوليات هي موجات ارتدادية تحكمها الذاكرة الموتورة و العقائد الاصطفائية التي يفكر أصحابها بعقلية الثأر و الانتقام مما هو حديث و وافد، و لذا، فما بوسعها أن تفعله هو تقويض نظام أو تخريب عمران. و لكنها لا تقدر على الإصلاح أو تحسين البناء، بقدر ما تعتبر أن المستقبل هو وراءنا لدى الماضين، لا ما نقدر على إنجازه لكي نضيف على ما حققه المحدثون، و لأن أصحابها يفكرون بمنطق الإقصاء و الاستئصال للمختلف و الآخر، فإنها تشتغل بنصب المتاريس و خلق الأعداء، و لا تولّد إلا الحروب الأهلية التي تفتك بغير مجتمع عربي

الكمّاشة الخانقة
         و الأصوليات هي كالديكتاتوريات تأخذ من الغرب التقنيات و التجهيزات و الأسلحة التي تستثمرها في حروبها، كما تفيد من انتفاخ الأسواق غير المحدود لجمع الثروات الطائلة غير المشروعة، فيما هي ترفض القيم و المفاهيم و النظم التي يمكن استثمارها في أعمال التحديث و الإنماء، أو تجسيدها في احترام الحقوق و إطلاق حريات التفكير و التعبير و التنظيم

         بذلك جمعت الأصوليات مساوئ المشاريع السابقة، القومية و اليسارية، فأضافت الإرهاب و الفتن المذهبية إلى الفقر و التخلف و الاستبداد. ممّا وضع المجتمعات العربية بين فكّي الكمّاشة الخانقة: استبداد مضاعَف و فساد منظّم، ثراء فاحش و فقر مدقع، جزر أمنية و مافيات مالية، جحيم المخابرات و جهنم الإرهاب

         هذا الإخفاق المتواصل، تجربة بعد تجربة، و مرحلة بعد أخرى، قد وجد ترجمته في ما وصلت إليه الأوضاع العربية من انسداد الأفق و استهلاك الأفكار و استنفاذ الوسائل و فشل البرامج و سقوط الدعوات، سواء على جبهة الديكتاتوريات أو على جبهة الأصوليات، حيث المعسكران المتناحران متواطئان على ما يشهده العالم العربي من العجز و التخلف و التقهقر و سوء السمعة في الخارج. يستوي في ذلك ديناصورات التراث و عجزة الحداثة. و كما أن الأُوَل يتخيلون مستقبل العرب كماضيهم في صدر الإسلام، فإن الآخرين يتخيلون مستقبل العرب كماضي أوروبا منذ ثلاثة قرون. كلا الفريقين لا يحسن الانخراط في المناقشات العالمية من أجل تطوير المفاهيم و تجديد العناوين، في عالم يتغير بأدواته و مفاهيمه و قيمه و قواه... و مآل ذلك، الهُزال الوجودي و القُصور العقلي و المأزق الحضاري

البصمة الفكرية الكشكارية 
بكل شفافية، أعتبر نفسي ذاتا حرّة مستقلّة مفكرة  و بالأساس مُنتقِدة، أمارس قناعاتي الفكرية بصورة مركبة، مرنة، منفتحة، متسامحة، عابرة لحواجز الحضارات و الدين و العرق و الجنس و الجنسية و الوطنية و القومية و  الحدود الجغرافية أو الأحزاب و الأيديولوجيات
على كل مقال سيء، نرد بمقال جيد، لا بالعنف المادي أو اللفظي أو الرمزي

Mes deux principales devises dans la vie, du moins pour le moment :
-         Mohamed Kochkar : faire avec les conceptions non scientifiques (ou représentations) pour aller contre ces mêmes conceptions et en même temps auto-socio-construire à leurs places des conceptions scientifiques.
-         J. P. Sartre : Les idéologies sont liberté quand elles se font, oppression quand elles sont faites.

إمضاء جديد و محيّن للـ د. محمد كشكار
مواطن العالَم (أعتذر لكل المواطنين في العالَم غير الغربي على فعله و يفعله بهم حتى الآن، إخوانهم في الإنسانية، المواطنون في العالَم الغربي)، مسلم (أعتذر لكل المواطنين غير المسلمين على ما فعله بهم أجدادي المسلمون)، عربي (أعتذر لكل المواطنين غير العرب على ما فعله بهم أجدادي العرب) تونسي (أعتذر لكل المواطنين التونسيين على ما فعله بهم نظام بورقيبة و نظام بن علي طيلة سنوات الجمر الخمسة و خمسين)، "أبيض- أسود" البشرة (أعتذر لكل المواطنين السود في  العالَم  علىِ ما فعله بهم أجدادي البيض)، يساري غير ماركسي (أعتذر لكل المواطنين غير اليساريين و لليساريين غير الماركسيين في  العالَم  علىِ ما فعله بهم رفاقهم الماركسيون اللينينيون الستالينيون الماويون)، و غير منتم لأي حزب أو أي أيديولوجيا ( أعتذر لكل المواطنين غير المنتمين حزبيا أو أيديولوجيا في العالَم عن كل خطأ ارتكبته في حقهم الحكومة و المعارضة و المتعاطفين معهما

تاريخ أول إعادة نشر كشكارية على النات
حمام الشط في 8 سبتمبر 2012


ما الفرق بين المسلم و الإسلامي؟ د. محمد كشكار

فكرة قرأتها في كتاب: ما الفرق بين المسلم و الإسلامي؟ حلقة عدد 1 من سلسلة علي حرب. نقل دون تعليق مواطن العالَم د. محمد كشكار

كتاب "ثورات القوة الناعمة في العالم العربي. من المنظومة إلى الشبكة."، علي حرب، الدار العربية للعلوم و النشر، الطبعة الثانية 2012، 240 صفحة.

نص علي حرب
صفحة 202: فالمسلم هو الذي يتعاطى مع ثقافته الدينية كمرجعية للمعنى، كمشروع خلاص فردي، كنسق رمزي من القيم و المثل يمكن استلهامه في حياته و مهنته و عمله العام، أو في برنامجه السياسي إذا كان حاكما، كما فعل قادة كمهاتير محمد و رجب أردوغان و راشد آل مكتوم، و سواهم من الحكام الذين لم يقدموا أنفسهم كدعاة إسلاميين، و لكن نجاحهم في إدارة بلدانهم و تنمية مجتمعاتهم يحسب لمصلحة هويتهم الوطنية أو الدينية، من غير ادعاء أو تنظير.
و على هذا النحو يتعامل المسيحي مع ثقافته الدينية و تراثه اللاهوتي، سيما و أن "المسيحية" مرّت بمصفاة العَلمنة، بعد الثورة الفرنسية، و لم تعد وصية على الدول و الأوطان، و لا على العقول و الأفكار، و أعتقد أن هذه هي حال فكرة "الاشتراكية"، بعد فشل مشاريعها و تحولها إلى أصوليات عَلمانية أو معسكرات فكرية أو أنظمة ديكتاتورية. لقد أصبحت مجرد مرجع ملهم أو مبدأ موجّه للفكر و العمل لا أكثر.
صفحة 211: المسلم العادي، هو المسلم الذي لا ينتمي إلى تيار سلفي أو تنظيم أصولي، و هو المسلم الذي تفاجئه و تصدمه انتهاكات الدعوات السلفية و التيارات الأصولية و أعمالها البربرية.

صفحة 203: أما الإسلامي فهو، على خلاف المسلم، يتعامل مع ثقافته الدينية كمشروع خلاص جمعي لإصلاح الأمة و نهوض المجتمعات. و منهم مَن يدعي إنقاذ البشرية جمعاء، كما هي دعوى بعض الجماعات و الأحزاب و المنظمات الإسلامية.
و هذا ما تشهد به شعارات الحاكمية و الخلافة الإسلامية و ولاية الفقيه، و هذا ما يؤكده إصرار الإسلاميين على أن الشريعة الإسلامية هي "المصدر الرئيسي" للتشريع. بذلك يصبح الدين بمثابة هوية أو دولة أو نظام سياسي أو نسق حقوقي أو برنامج اقتصادي أو نموذج تنموي... و هذا هو مفاد شعارهم: الإسلام هو الحل و البديل: أسلمة شاملة للحياة بمختلف جوانبها و وجوهها.

إمضاء د. م. ك.
بكل شفافية، أعتبر نفسي ذاتا حرة مستقلّة مفكرة  و بالأساس مُنتقِدة، أمارس قناعاتي الفكرية بصورة مركبة، مرنة، منفتحة، متسامحة، عابرة لحواجز الحضارات و الدين و العرق و الجنس و الجنسية و الوطنية و القومية و  الحدود الجغرافية أو الأحزاب و الأيديولوجيات.
على كل مقال سيء، نرد بمقال جيد، لا بالعنف المادي أو اللفظي أو الرمزي.

تاريخ أول إعادة نشر على النات
حمام الشط في 4 سبتمبر 2012.

إضافة بسيطة للمقال من الـد. م. ك: 1. كل إسلامي يهاجر إلى الدول الغربية حرا أو قسرا، يصبح غصبا عنه مسلما غير إسلامي في الدول المضيفة. 2. و كل مسلم غربي، أكان أصيلا أو وافدا، لا يمكن أن يكون إسلاميا حتى و لو أراد. 3. كل المسلمين المقيمين في ا
لغرب، مهاجرين أو مجنسين، أثبتوا جديتهم و مشاركتهم في الإنتاج الغربي، العلمي و الثقافي و الاقتصادي، لأنهم تأقلموا مع الحضارة أو الثقافة الغربية و حافظوا في الوقت نفسه على إسلامهم و تخلوا مختارين أو مجبورين عن إسلاميتهم.