الأحد، 2 سبتمبر 2012

د. محمد كشكار: حضرت اليوم افتتاح المؤتمر التأسيسي لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد

أول مرة في حياتي – و أتمنى أن لا تكون الأخيرة – يحصل لي شرف حضور افتتاح مؤتمر حزب يساري تونسي. مواطن العالَم د. محمد كشكار
الخاتمة
بعد قضاء ساعتين تقريبا في سماع خطب ديماغوجية رنانة و محنطة و لا جديد و لا تجديد يُذكر فيها، لا على مستوى الشكل و  لا على مستوى المضمون، تعبتُ من الجلوس و الإنصات و التركيز و الكتابة فقفلت راجعا إلى حمام الشط، هاربا فمنزويا و منطويا داخل عالََمي الافتراضي الآمن – على الأقل حتى الآن – و شرعت في كتابة هذا الهذيان الذي انتهيت من كتابته يوم السبت 2 سبتمبر على الساعة الرابعة  صباحا و 45 دقيقة، ساهرا طول الليل دون فطور أو غداء أو عشاء. تصبحون على خير و رجائي أن تتواصوا  بالصبر و السلوان لكي تستطيعوا أن تكملوا قراءة كل ما كتبت و رقنت إلى الآخر في هذا الموضوع الطويل الواسع المتشعّب العريض.

  1. 1.     ملاحظة منهجية لرفع الالتباس و توضيح رؤيتي النقدية المجردة من كل خلفيات
عند ما وصلتني الدعوة اللطيفة من قِبل صديق منتم سابق إلى حزب الـ »عَوَدِ » و منشق عليه حديثا و منضم جديد إلى حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد (و بالمناسبة أعتذر مسبقا و بكل صدق من هذا الصديق الودود، المناضل اليساري الصادق النزيه الذي دعاني، أعتذر إليه إن قسوت في انتقاد حزبه، فمجاملته و لطفه و كياسته على العين و الرأس و إن شاء الله أردها له في شخصه و أتمنى أن لا ينتظر مني أن أردها له في حزبه)، تمنيت أن لا تعترضني في افتتاح هذا المؤتمر عيوب بارزة، تجرني و تجبرني على نقدها أو انتقادها على صفحات النات، انتقادها بكل استقلالية و موضوعية، دون خلفيات حزبية ضيقة لأنني لا أحمل أجندة سياسية خفية و لا أنتمي لأي حزب منافس أو معاد و لا أملك مشروعا سياسيا مكتملا بديلا لما يطرحون و يعرضون بل أملك رؤيا سياسية انطباعية غير علمية متواضعة و محدودة، أدعي أنها متماسكة من الداخل و الله و اليساريون أعلم بمدى صحة وجهة نظري و أتمنى أن أكون مخطئا و تكذبني الأحداث و نضالات الحزب المتجدد الواعد و المنحاز لمصلحة العمال بالفكر و الساعد و العامل لخير تونس و التونسيين أجمعين، التونسيون العاديون و اليساريون الديمقراطيون و القوميون و الإسلاميون الوسطيون المعتدلون و الليبراليون غير العولميين المتأمركين المنبتين.
هذا انتقاد شخصي لا يلزم أحد غيري، و هو عبارة عن رأي محدود و متواضع من ضيف مدعو نكرة لم يواكب سير المؤتمر من أوله إلى آخره، وجهة نظر تحتمل الخطأ أكثر من مما تحتمل الصواب لأنها غير مبنية على بحث اجتماعي أو دراسة علمية و إنما هي مجرد انطباعات حامية نابعة من ضمير نقابي قاعدي مقموع و مقصي من عائلته اليسارية خاصة من شقها الحزبي المنظم لكن في المقابل لا أنكر بل يشرفني ترحيب اليسار المثقف بأفكاري و آرائي و قد تجسم هذا الترحيب فعليا في « نادي جدل » الثقافي الذي نشطت فيه لمدة عامين بالاتحاد الجهوي للشغل ببن عروس، نقابي مستقل غير منتم، نقابي يساري غير ماركسي يجهل و يتجاهل « التكنبين » و يعادي الحِرَفية و التنظيم الحديدي في العمل النقابي و السياسي.
أنبّه رفاقي و أصدقائي اليساريين المنتمين قديما و المنظمّين حديثا إلى حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد و أخص بالذكر الرفاق النقابيين المنضوين تحت لواء الاتحاد الجهوي للشغل المناضل ببن عروس، الرفاق الذين لا أشك لحظة في وطنيتهم و نضاليتهم و مشاركتهم الفعالة في « ثورة » 14 جانفي تحضيرا و استباقا و تنفيذا، رفاقي الذين خبرت معدنهم و صدقهم و نزاهتهم و نكرانهم لذواتهم و لمست تضحياتهم  لمس اليد. يبدو لي أن تنظيم افتتاح المؤتمر بهذه الكيفية الباهتة و الخالية من كل خلق و ابتكار و خاصة منح رئاسته إلى السيد عبيد البريكي، تنظيم و رئاسة لا يعكسان قدرة الخلق و المبادرة عند مناضلي الحزب النقابيين الذين أعرفهم معرفة جيدة و أحبهم حبا صادقا و أحترمهم و أجلّهم دون مجاملة فارغة أو نفاق مجاني.
  1. 2.     وصف شكلي لافتتاح المؤتمر
المكان: قصر المؤتمرات بتونس العاصمة.
التاريخ: يوم 31 أوت 2012 على الساعة الرابعة مساء.
الحضور: حوالي 5 آلاف، ثلاثة آلاف داخل القاعة و ألفين خارجها.
التنظيم: عادي ككل المؤتمرات و قد حضرت في نفس القاعة منذ مدة قصيرة مؤتمر حزب المؤتمر من أجل الجمهورية. أشك أن تنظيم مؤتمرات الأحزاب أصبحت مهنة حرة مثل متعهد الحفلات و إلا كيف نفسر: اللافتات في نفس المكان و بنفس الحجم، توجد الشاشة أيضا في نفس المكان و تنقل المتدخل صورة و كلمة في المؤتمرين المذكورين، المقدمات ثلاثة و بثلاث لغات و المؤتمرون يحملون قلادة حمراء مثل مؤتمري حزب المؤتمر من أجل الجمهورية.

  1. 3.     البديل التنظيمي حسب اجتهادي المحدود و المتواضع
ما لاحظته من تشابه أو تطابق في التنظيم بين مؤتمر يساري و مؤتمر يميني أو وسطي يوحي إليَّ بغياب الخَلق و المبادرة بل أجزم أن ما رأيته في مؤتمر اليسار لا يعدو أن يكون سوى نسخة باهتة من مؤتمرات الأحزاب الليبرالية. وددت أن ينتظم المؤتمر اليساري – لو كان اليسار منحازا فعلا، لا قولا، للطبقات العاملة بالفكر و الساعد – في ساحة شعبية أو في مصنع أو في الحوض المنجمي معقل النضال و مهد الثورة التونسية و لماذا التشبث بعقد المؤتمرات الحزبية في العاصمة و في القصور و النزل الفاخرة المنسوبة و المنتسبة إلى الطبقة البورجوازية الحاكمة قبل الثورة و بعد الثورة، ألم يكن من الأجدر عقدها في المناطق المحرومة في عمق تونس حيث الفقر و التهميش بلغ ذروته و ذلك قصد تحسيس هذه المناطق و سكانها بأنهم أهل لاحتضان مثل هذه المؤتمرات و التضاهرات و تشريكهم فعليا في بناء البديل الثوري بعد ما أقصتهم الأحزاب اليمينية الليبرالية من شرف المشاركة في صنع القرار و في تقرير مصيرهم بعقولهم و أيديهم؟ وددت اليوم أن أرى امرأة ثورية تفتتح المؤتمر اليساري و تخطب في الجماهير الحاضرة عوض عبيد البريكي رئيس المؤتمر، عبيد البريكي الذي أحترمه كشخص و قد جاملني في مناسبتين  و ساعدني في الحصول على حق مهضوم كما ساعد جل اليساريين عندما كان في السلطة، لكن أستأذن السيد عبيد البريكي و أقول له بكل لطف و محبة: جاملتني كشخص و أنا سوف أرد لك المجاملة كشخص إن توفرت لي الفرصة – و أظنها لن تتوفر لاستغنائك نهائيا عن خدماتي و مَن أنا حتى أستطيع خدمة أمثالك – لكن لا تطلب مني المستحيل، المستحيل هو أن أجاملك مبدئيا كشخصية اعتبارية عامة و أغض الطرف على مشاركتك في سلطة المكتب التنفيذي، سلطة متواطئة مع النظام القديم البورقيبي و البنعلي، ألم تناشد هيئتكم الإدارية و في مناسبتين ترشح الرئيس بن علي لولاية ثالثة و رابعة؟ ألم تبقوا أنتم أعضاء المكتب التنفيذي في السلطة لمدة عشرين عاما أو أكثر؟ أهذا مطابق أو منافي للفصل العاشر و مبدأ التداول على السلطة؟ أوَ لستم سلطة؟ أنتم كمكتب تنفيذي، أنتم سلطة طفيلية و بيروقراطية نقابية، منتقَدة و مكروهة و مذمومة من جل النقابيين، سلطة « أشوم » و « أدوم » و « أنذل » من السلطة التنفيذية؟ الوزير في حكومة بن علي لا يطوّل و يقال أو يستقيل كرها أما أنتم فبقيتم على صدورنا جاثمين و لأنفاسنا حابسين عقدين من الزمن، تعقدون الصفقات المهينة و المشينة باسمنا و تتخلون عن الدفاع عن مصالحنا في أعز اللحظات النضالية مثل لحظات المفاوضات على الكنام و الضمان الصحي و مفاوضات مجلة الشغل و مفاوضات الزيادة في الشهرية حتى أصبحت الزيادة السنوية تُنعت على حق بـ »زيادة الحاكم ». و بعد كل هذا الماضي « النضالي المجيد »، تريد منّا أن نقبلك زعيما ثوريا بعد 14 جانفي؟ ألا تخجل من انتمائك للمكتب التنفيذي الذي ترأسه عبد السلام جراد، اليد اليمنى الناعمة و « المسمامة » لبن علي، و العصا الغليظة المسلولة ضد مصالح العمال بالفكر و الساعد، و الممثل المتستر لمصالح الرأسماليين على حساب مصالح الطبقة العاملة التي من المفروض خُلقتم و نشأتم للذود عن مصالحها؟  وددت أن لا أراك (مع العلم أنك كشخص عادي لا أعاديك و أكن لك كل الاحترام و التبجيل و أثمن فيك غزارة الثقافة السياسوية و حسن البلاغة في خطاباتك الحماسية التجييشية الديماغوجية الشعبوية و لا أشك لحظة في ذمتك المالية لعدم توفر الأدلة و لا في دماثة أخلاقك التي اشتهرت بها و لا في مبادئك النظرية اليسارية لكن أشك فيك بل أكاد أقترب من اليقين، أشك فيك كما أشك في كل سياسي محترف، هذه الطائفة المشتركة بين كل الأحزاب مهما اختلفت مرجعياتها، طائفة متذبذبة انتهازية تدوس أوّل ما تدوس على المبادئ السامية من حرية و كرامة و عدالة و تداول على السلطة و نكران الذات، مبادئ تحاول هذه الطائفة أن توهمنا يوميا بالدفاع عنها)، وددت أن لا أراك كشخصية اعتبارية تترأس مؤتمرا يساريا بعد « ثورة » 14 جانفي، و هي لو كانت ثورة حقيقية مكتملة و لو كان حزبك حزبا يساريا ثوريا، لمَا قبلا انتماءك إليهما. وددت أن أراك مواطنا مدعوا مسكينا « ذليلا » (أقصد بالذل، التواضع الفكري المنفصل عن كرامتك الشخصية التي أنأى بنفسي عن الاقتراب منها أو المساس بها قيد أنملة لأنني أعي جيدا منزلتي الاجتماعية المتواضعة مقارنة بمنزلتك الاجتماعية العالية في الساحة النقابية النضالية المعاصرة و أعترف و لا أنكر إيجابياتك التي أحتفظ بها لنفسي إلى حين يحين موعد ذكرها، الذل الذي أقصده هو ذل المناضل اليساري الذي يمارس عن قناعة نقده الذاتي علنا و ليس ذل الرجال المبتذل الذي لا أتمناه لعدو فما بالك بصديق مثلك و في منزلتك و معزتك الشخصية عندي)، فكرامتك الذاتية كمناضل يساري محفوظة عندي و عند كل اليساريين، تمنيت لو رأيتك نادما عما فعلت أو شاركت في فعله و لو بالصمت أو التغيب، عند ذلك فقط قد أصدّق أنها ثورة بحق و أن حزبكم الجديد حزبا ثوريا يساريا بأتم معنى الكلمة. عندما أراك و كأنني رأيت الباجي قائد السبسي، هو يتباهى بثلاثة عشر سنة و نصف، قضاها في أروقة وزارة الداخلية، و أنت تتباهى بعشرين سنة قضيتها في أفسد مؤسسة عرفتها في حياتي و هي مؤسسة المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل (أخصها بالاسم الكامل حتى لا أُتهَمَ خطأ أنني أهاجم الاتحاد، و مَن أنا و مَن أكون و ما هو وزني النضالي، حتى أهاجم الاتحاد العام التونسي للشغل، قلعة النضال بقواعده و ليس بقيادته العميلة للنظام البورقيبي و النظام البنعلي)، المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل هو المؤسسة الأخت من الرضاعة لمؤسسة التجمع الدستوري الديمقراطي، الاثنان رضعا ظلما و بهتانا من دم العمال بالفكر و الساعد و تاجرا بمصالحهما و تلاعبا بمصيريهما كيفما يحلو لهما اللعب و الدمغجة و الكذب الذين يتقنانهما كما لا يتقنهم أحد. لكي لا أنجرّ في الانتقاد « الشخصاني » للسيد عبيد البريكي، أذكّر ببدايته النضالية على رأس النقابة العامة للتعليم الثانوي و التي من أجلها سانده اليسار و رشحه لعضوية المكتب التنفيذي في أوائل التسعينات، لكن مع الأسف، منحه صكا على بياض و أعطاه سلطة مطلقة غير مقيدة بأجل، سلطة استعملها و استغلها داخل مكتب تنفيذي انتهازي معروف بعدائه للطبقة العاملة و مشهور بتواطئه المفضوح مع الأعراف و السلطة القائمة، فخيب أوّل ما خيب  أمل مرشحيه و منتخبيه من « الوطد » و العائلة الوطنية الديمقراطية عموما و خان الأمانة و العهد اللذان أنيطا بعهدته و مرشحوه و منتخبوه لا يزالون على العهد محافظين. و لتخفيف وقع الانتقاد على شخصك، سيدي عبيد البريكي، و لأنني أحترم شخصك و لا أخلط بينك كذات بشرية و بين مهمتك السياسية المشبوهة التي حادت كثيرا عن المسار اليساري المنتظر منك عند ترشيحك و انتخابك، و بكل لطف أقول لك: لا تحزن يا « ولدي » فكل الثوريين و كل الثورات تبدأ في أوّلها ثورية و تنتهي في آخرها رجعية، كل ثورة، حتما – و لا أؤمن بالحتمية إلا في هذا المجال – سيتوقف نبضها التقدمي عند اكتمالها فتتحجر و تتكلس و تتحنط، كما قال سارتر، يرحم والديه فيما قال و أحسن القول و أغنى البلاغة اللغوية الفرنسية بهذا القول:
.Les idéologies sont liberté quand elles se font, oppression quand elles sont faites
  1. 4.     الشعارات الشفهية و المكتوبة و المعلقة في الجدران
-         لاحظت في البهو و قبل افتتاح المؤتمر جلبة لم أعهدها من قبل في افتتاحيات مؤتمري النهضة و المؤتمر من أجل الجمهورية اللذان حضرتهما هذه السنة 2012، شباب متحمس بلباس أبيض فوقي موحد، شباب يردد شعارات معادية للحزب الحاكم، حزب حركة النهضة: « وكلاء الاستعمار…نهضاوي رجعي صمصار » و التعميم هنا و في كل مقام و مقال منهج غير علمي و أنا أعرف على الأقل عشرين صديقا نهضاويا مناضلا صادقا غير صمصارة و غير رجعيين بالمفهوم غير اليساري للكلمة.
-         « المجد…المجد للوطد…أبناء الشعب المضطهد » (و كأنهم المضطهدون  الوحيدون في هذا البلد و كأن أبناء الأحزاب الأخرى غير مضطهدين من نظام بورقيبة و نظام بن علي و النظام الحاكم حاليا و النظام القادم مستقبلا، كان و سيبقى أبناء الشعب مضطهدين عقودا و عقودا إلى أن يأتي ما يخالف ذلك و لا أخال هذا الفرج – المعجزة قريبا و أتمنى دائما أن يكذبني التاريخ أو تكذبني نضالات المضطهدين المستقبلية من جميع أطياف الشعب التونسي السياسية و الاجتماعية).
-         « نتحد من أجل الجمهورية الديمقراطية الاجتماعية » (و هل توجد جمهورية غير اجتماعية؟ كيساري، أعرف أنهم يقصدون العدالة الاجتماعية الاشتراكية و أعرف أن اليساريين يمثلون أقلية في تونس و سيبقون أقلية لعقود قادمة لكن سيبقون كأقلية فكرية نيرة و مؤثرة و تنويرية و ليس كأقلية سياسية محتقرة كما يتمنى لهم أعداؤهم و مناوئوهم أو منافسوهم السياسيون).
-         « نتحد من أجل قضاء سيد مستقل ».
-         « أرض حرية كرامة وطنية » (الشعار الذي يتردد كثيرا قولا و كتابة. أتساءل: لماذا يربطون الحرية و الكرامة بالأرض؟ ألا يتمتع المهاجرون و اللاجئون السياسيون بحريتهم و كرامتهم في غير أرضهم بعد ما حرموا عقودا و عقودا من التنفس في أرضهم و وطنهم؟).
-         « إرساء منظومة تعليمية وطنية المحتوى ديمقراطية المناهج و التسيير منفتحة على القيم الإنسانية التقدمية » (في هذه الحالة، فاقد الشيء لا يعطيه، و هل لنا إنتاج علمي وطني حتى نجعل منه محتوى وطني لمنظومتنا التعليمية؟).
-         « تحقيق أهداف الثورة و انتصار الشعب الكادح » (آمين يا رب العالمين! و متى انتصر الشعب الكادح في تاريخ البشرية؟ بقي و سيبقى دوما كادحا حتى و لو تغير أفراده و تغيرت أصول تركيبته الاجتماعية. أتمنى مثلكم أن ينتصر يوما و أؤمن مثلكم أن وضعيته البروليتارية ليست حتمية مادية أو تاريخية و أؤمن أيضا أنه قادر على صنع و نحت مصيره بنفسه لو توفرت له الظروف و سنحت له الفرصة).
-         « من أجل مساواة كاملة تضمن للمرأة شراكة فعلية للثروة و القرار و السلطة » (ملاحظات د. م. ك: 1. أنا أؤمن إيمانا جازما أن المرأة التونسية تشارك فعليا في الثروة و القرار و السلطة، لكن أي سلطة؟ السلطة التي أقصدها أنا ليست السلطة التي يتحدث عنها و يتكالب من أجلها كل السياسيين المحترفين رغم اختلاف مرجعياتهم. هم يرون السلطة في السلطة التنفيذية و التشريعية و القضائية و يريدونها مناصفة بين المرأة و الرجل و أنا أؤيدهم في مطلبهم هذا أما السلطة التي أقصدها أنا فهي السلطة بمفهوم الفيلسوف الفرنسي فوكو بعد ما شرحها لي زميلي في الفلسفة، يعني السلطة المبثوثة في المجتمع. لنأخذ مثلا عن هذه السلطة: الأسرة التونسية بعد قانون مجلة الأحوال الشخصية و قبله بقليل و أنطلق من نفسي و من أصدقائي و أقاربي و جيراني و « حومتي » في مسقط رأسي جمنة وفي موطني الحالي حمام الشط: على حد علمي غير العلمي بالأسَرِ التونسية، يبدو لي أن الزوجة تشارك فعليا الزوج مناصفة في ثروة العائلة و في قرار العائلة و في سلطة العائلة حتى و لو لم تكن هذه المشاركة مقننة أو موثقة أو معلنة. كيف؟ الزوجة التونسية تشارك زوجها مناصفة في مصاريف الأكل و الشرب و اللباس. الزوجة التونسية تشارك زوجها مناصفة في كل القرارات المصيرية العائلية مثل شراء عقار أو بيع عقار أو اختيار خطيب أو خطيبة لأبنائهم. الزوجة التونسية تشارك زوجها مناصفة في السلطة فهي تتمتع بتأثير على أبناءهما، و في أغلب الحالات يساوي تأثيرها أو يفوق تأثير زوجها، إلا أمي التي تزوجها أبي – من حسن أو سوء حظها – في سن الرابعة عشرة و هو قد تجاوز الخمسين من عمره بعد ما تربت في حجره و هو زوج المرحومة أختها، من حسن حظها أنها لم تعش معه كثيرا، هو الزوج الاستثناء في « حومتنا » في جمنة، الزوج السيد الديكتاتور على زوجته و أبنائه و جيرانه و معارفه، ربما لأنه أكبرهم سنا، مع العلم أن هذه الحقيقة المؤلمة لا تغير شيئا من احترامي و محبتي الغريزيتين لأبي. أنهي هذه الفقرة و أقول: و اليساري الذي لا يعامل زوجته بالمساواة، عليه أن يلوم نفسه قبل أن يلوم المسلم التونسي المعتدل و يحاكمه على نواياه أو يشده إلى الوراء استنادا إلى قراءة رجعية لنصوص مرجعيته الفقهية البشرية غير المقدسة. 2. لو كانت الأحزاب اليسارية التونسية صادقة في مسعاها و في طموحها إلى المساواة التامة و الكاملة بين المرأة و الرجل لبدأت بتطبيق مبدأ المساواة على تنظيماتها و هياكلها، يعني أن تكون لجانهم المركزية مناصفة بين الرجال و النساء و أن يقع التداول على الأمانة العامة و على مهمة الناطق الرسمي مناصفة بين الرجال و النساء و أن يقع التناوب على الخطابة في مؤتمراتهم العلنية و السرية مناصفة أيضا بين الرجال و النساء و إلا فكيف يطالبوننا بتصديقهم و نحن نرى مثلا حمة الهمامي ناطقا رسميا باسم حزب العمال منذ تأسيسه منذ ثلاثين سنة. 3. لو كانت الأحزاب اليسارية التونسية صادقة في مسعاها و في طموحها إلى تحقيق مبدأ التداول على السلطة لرأينا تسييرا جماعيا للسلطة مثل الذي يحدث منذ زمان في سويسرا و السويد، البلدين الرأسماليين الليبراليين اللذان يُتهمان من اليسار بعدم توفر العدالة الاجتماعية في أنظمتهما و يُتهمان أيضا باعتبار المرأة سلعة تباع و تشترى أم تراهم يعملون بمبدأ « حرام عليكم حلال عليَّ »).
-         « لا كرامة دون الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية للشعب » (مَن هو الشعب؟ كلمة ديماغوجية و مفهوم فضفاض، يتسعان لمن هب و دب، كان الأجدر بحزب يساري أن يحدد انحيازه التام و الواضح إلى الطبقات المسحوقة، و بالتحديد إلى طبقتي العمال بالفكر و الساعد بما فيهم العمال الفلاحيين و طبقة صغار التجار و صغار الرأسماليين الوطنيين و يعلن عداءه الطبقي و العقائدي و الأيديولوجي إلى طبقة البورجوازية الليبرالية المتوحشة و النهمة و الفاسدة، مصاصة دماء الفقراء أمثالي و أمثالك، الطبقة الانتهازية و العميلة و المتواطئة مع رأس المال الأجنبي الاستعماري الأمريكي الصهيوني و الأوروبي و الخليجي).
-         « الجبهة الوطنية الديمقراطية، أداة للتحرر الوطني و الانعتاق الاجتماعي و الوحدة القومية » (أنا أعرف – على الأقل – من خلال اطلاعي الواسع على أدبيات اليسار الماركسي  اللينيني أن هذا الأخير يؤمن بالأممية رغم أن النشطاء السياسيين اليساريين ضيقي الأفق تخلّوا عن هذا المبدأ الماركسي الإنساني الرائع،  لا أدري تخلّوا تكتيكيا أو استراتيجيا، أما أنا، كيساري غير ماركسي، فلا زلت إلى اليوم متمسكا بالأممية و نتيجة لهذا الإيمان بالذات، أمضي مقالاتي بصفة « مواطن العالَم » و للتذكير و المقارنة -  ذكّر لعلّ الذكرى تنفع اليساريين الماركسيين- فإن الإسلاميين لم يتخلوا عن أمميتهم و عالمية رسالتهم الموجهة إلى العالمين رغم الترغيب و الضغوط السياسية و رغم سيادة القومية في عهد عبد الناصر و صدّام).
-         « من أجل تسيير ديمقراطي للمؤسسات العمومية يضمن تمثيلا حقيقيا للعمال و عموم الأجراء » (و هل مثلتم أنتم كأحزاب يسارية، الفلاحين و العمال بالساعد و المرأة العاملة بالفكر و الساعد في لجانكم المركزية و في قياداتكم؟).
  1. 5.     افتتاح المؤتمر
افتتح المؤتمر وقوفا بالنشيد الوطني الرسمي « حماة الحمى ». بعد النشيد رفع شعار « أرض حرية كرامة وطنية » و شعار « المجد…المجد للوطد…أبناء الشعب المضطهد » و شعار « وكلاء الاستعمار…نهضاوي رجعي صمصار ».
-         كلمة السيد عبيد البريكي، رئيس المؤتمر
بدأ السيد عبيد البريكي، رئيس المؤتمر بإلقاء كلمته المطولة، تقريبا 40 دقيقة، ذكّر في مستهلّها و نبّه الحاضرين – و كأنهم غير منتبهين لهذا الخطر الواضح – من خطر أعداء الثورة و من خطورة الالتفاف عليها فذكرني بخطبه الرنانة في ساحة محمد علي ساعيا دون جدوى إلى امتصاص غضب المتظاهرين و هم يتظاهرون أساسا و يرفعون شعارات – لا يريد البريكي و زملائه في المكتب التنفيذي أن يسمعوها فيغطيها بدمغجته المعهودة – شعارات على شكل صيحات فزع خارجة من حناجر العمال بالفكر ضد المكتب التنفيذي و البيروقراطية النقابية التي يمثلها و يحمي مصالحها على حساب مصالح منخرطيه من العمال بالفكر و الساعد. تردّ القاعة على خطاب البريكي مستجيبة طيعة مرددة شعار « عاش…عاش…الاتحاد…أكبر قوة في البلاد »، مع العلم أنه يعي جيدا أن المقصود بالاتحاد هي القواعد المناضلة و ليست القيادة المتواطئة مع أعداء العمال بالفكر و الساعد، القيادة التي انحاز إليها البريكي بالكامل على مدى عقدين من الزمن الردئ، زمن بورقيبة و زمن بن علي، زمن سنوات الجمر بالنسبة لنا، نحن العمال بالفكر و الساعد،  و زمن النهب و المحسوبية و الرشوة و الإثراء الفاحش و الفاسد بالنسبة لجل أعضاء المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل. تحمس الحاضرون لكلمة البريكي و ردودوا شعار « عاش…عاش الاتحاد…أكبر قوة في البلاد » (يبدو لي أن أكبر قوة في البلاد و في كل البلدان حسب الأبجديات الماركسية هي الطبقة العاملة و ليست النقابات التي صنعتها الطبقة الرأسمالية للسيطرة و تأطير الطبقة العاملة و تدجينها و هذا ما وقع فعلا على الأقل عندنا في تونس منذ الاستقلال على يد أحمد بن صالح و الحبيب عاشور و  الطيب البكوش و الطيب السحباني و عبد السلام جراد و حسين العباسي و القادمون لن يكونوا أرحم من الأوائل).
دعا البريكي إلى تأسيس جبهة وطنية ديمقراطية موحدة و دعا إلى التكتل من أجل مواجهة قوى الردة و الظلامية.
بدأ بالترحيب بالضيوف المحليين و الأجانب: « حمة الهمامي و حركة الشعب و حركة المسار ( الجنيدي)  و حزب البعث و الحزب الجمهوري و رابطة اليسار العمالي و حزب تونس الخضراء و منير كشوخ و حزب الطليعة و الجبهة الشعبية و الاتحاد العام التونسي للشغل (ردد الحاضرون شعار « عاش… عاش الاتحاد… أكبر قوة في البلاد ») و اتحاد المعطلين عن العمل (ردد الحاضرون شعار « شغل حرية كرامة وطنية »، هل توجد كرامة وطنية و كرامة غير وطنية؟) و شباب دستورنا و الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان و عدنان الحاجي (تصفيق كبير من الحضور و قال أحدهم عاليا: أسد المناجم) و راضية النصراوي و عمادة المحامين و عياض بن عاشور (زلَّ لسان البريكي فقال أولا عياض الودرني و استدرك و أضاف أن لا مقارنة بين الشخصين) – لما بذله من « نضال » داخل الهيئة العليا و ما أظهره من تنسيق دائم مع الاتحاد العام التونسي للشغل – و المختار الطريفي (الرئيس السابق للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان) و غازي الغرايري و الصادق بلعيد و يوسف الصديق (تصفيق كبير من الحضور) و الحزب الوطني الاشتراكي و ممثله جمال لزهر (لمن لا يعلم، تأسس هذا الحزب منذ يومين أو ثلاثة بعد عقد مؤتمر تأسيسي سري – أجهل لماذا السرية و العمل الحزبي سيكون لاحقا في العلنية و للوطد في سريتهم حكمة لا يعلمها إلا هم، أتحدث بصدق و لا أتهكم، صدقوني إن شئتم أو لا تصدقوني إن لم تشاؤوا، أنتم أحرار، لكم سريتكم المفرطة و لي علنيتي الفاضحة – و هو التيار اليساري « الوطد » السري سابقا و ليس حزب حركة الوطد العلني المعترف به لشكري بلعيد) و عبد الجليل التميمي و سفير فلسطين (ردد الحاضرون شعارات: « فلسطين عربية… لا حلول استسلامية »، « الشعب يريد تحرير فلسطين »، « الشعب يريد إسقاط النظام »، « الشعب يريد إسقاط الحكومة »، أي نظام و أي حكومة، يريدون إسقاطهما؟ هل هو نظام السلطة الفلسطينية و حكومتها العميلة أو النظام التونسي الحالي و حكومته الشرعية، شرعية باعتراف حزبهم هم و ليس باعترافي أنا!) و العياشي الهمامي و زملائي المخلوعين (ضاحكا) محمد سعد و اليعقوبي و سفير الجزائر و النهج الديمقراطي بالمغرب و جوهر بن مبارك و حزب العمال الجزائري و رفيقنا الشهيد الفاضل ساسي و محمد الهمامي و نبيل بركاتي (شهيد حزب العمال) و محمد منصف العياري الملقب بالطبيب (و هو مؤسس الوطد التي أسست بدورها الحزب الوطني الاشتراكي، لُقب بالطبيب لأنه يعمل كشف كالطبيب على كل مترشح جديد لعضوية الوطد و هو الوحيد على ما أظن الذي يقيم نضالية المترشح فيقبله أو يرفضه أو يتركه تحت التمرين في انتظار كشف طبي ثان).
ثم أكمَل: « ثورتنا، سُميت ثورة الياسمين خطأ و اسألوا محمد علي الحامي و فرحات حشاد و سُميت ثورة الجياع، ليست ثورة جياع بل لأن الشعب التونسي وعى أن ثورتنا ثورة كرامة و حرية و تنمية و عدالة و الحق في الشغل و الثروة ».
و استطرد قائلا: « كفى محاولات تشويه بتقديم حجة الشرعية، حجتكم لن تكون مقبولة ما لم تكن مقرونة بحق النقد، اِتْهِزُّوا في البلاد إلى التراجع في وضعية المرأة و تتنصلوا من تاريخ 23 أكتوبر 2012″، ثم تكلم عن الأوساخ المتراكمة في المدن و عن غلاء الأسعار و ذكّر بفزّاعة المؤامرة و فزاعة الإعلاميين و فزّاعة الأمن و قال: « الأمن هم من أبناء الشعب و لا يُحاسَبون كأفراد و التعليمات هي تعليمات انتقائية » (لعلمك يا سيد البريكي أن جرائم التعذيب التي ارتكبها بعض هؤلاء أو أبناء الشعب كما يحلو لك تسميتهم تعاطفا معهم دون تمييز، تعاطفا سياسويا ديماغوجيا، هي جرائم ضد الإنسانية، جرائم لا تموت بالتقادم و يُحاسب عليها قضائيا مرتكبها كفرد مهما كان نوع التعليمات التي أُعطِيت له من رؤسائه، أكانت انتقائية أو جماعية، شفهية أو مكتوية).
أضاف: « المرأة لا يكملها واحد و لا تكمل واحد » (ردد الحاضرون شعار « مساواة… مساواة في الحقوق و الواجبات ». أتساءل هنا: لماذا المرأة لا يكملها واحد و لا تكمل واحدا؟ هل هي مستقلة بذاتها تماما عن أخيها في الإنسانية، الرجل؟ خذ مثلا، الحيوان المنوي الذكري و البويضة الأنثوية، ألا يكملان بعضهما بعضا و يتحدان من أجل خلق أول خلية في جسم الإنسان الجنين؟ أليس الإنسان، رجلا كان أو امرأة، نصفه أنثوي و نصفه ذكري منذ عملية التلقيح التي ينتج عنها تكوين الخلية الأم الأولى في قناة فالوب و لأن الجنين، ذكرا كان أو أنثى، يرث عن أمه 23 كروموزوم و عن أبيه 23 كروموزوم أيضا؟ ألا تكمل المرأة الرجل و يكمل الرجل المرأة داخل الأسرة النووية؟ ألا يكملان بعضهما البعض في تربية البنين؟ ألا يكملان بعضهما بعضا في الفراش؟ أم ستعترضون على حكم البيولوجيا و الفيزيولوجيا أيضا؟).
ثم شرح جملته السابقة بمثال « بليغ »: « المرأة التونسية ليست محرزية » و ذكّر بليلى خالد (« المناضلة الفلسطينية اليسارية التي ارتأت المقاومة المسلحة عن طريق خطف الطائرات و ترويع الركاب المدنيين من كل الجنسيات إسرائيليين و عرب و غير عرب »، الهدف سامِ و الوسيلة غير ناجعة و الدليل عن عدم نجاعتها أن الجبهة الشعبية و كل المنظمات الفلسطينية المقاومة تخلت عنها منذ عقود و على حد علمي لم يستعمل هذه الطريقة غير العرب من المقاومين) و سناء المحيدلي و أمهات الشهداء.
نوّه بنضالات الاتحاد العام لطلبة تونس اليساري (ردد الحاضرون شعار « ثقافة وطنية … تعليم ديمقراطي » (حسب رأيي المتواضع: الثقافة و الفكر و الفن، كونيون أو لا يكونون!).
توجه إلى نقابة الصحافيين ناصحا: « رُدُّوا بالكم اتْفَرْطُوا في شبر واحد فَكِّيتُوه و واجبكم يتمثل في نقد الكل دون استثناء من الرئيس إلى المرؤوس ».
عبّر عن موقفه و موقف حزبه المناهض للتدخل الأجنبي في الوطن العربي و المناهض لتدخل الناتو و الأمريكان في ليبيا و سوريا و أنا لأول مرة أضم صوتي لصوته. ثم قال: « على أنظمتنا أن لا تخجل من قول لا للتطبيع و لا لأمريكا ». أوافقه أيضا. ثم واصل: « فَلَّتْنَا برشَة محطات في التاريخ، فلتناها على الشعب التونسي و فلتناها على الشعب العربي » (و أضيف أنا قائلا للبريكي و صارخا في وجهه و في وجه جميع أحزاب اليسار السرية و العلنية في عهد بن علي: فوتّم على أحزابكم فرصة المشاركة في الثورة كمؤسسات حزبية منظمة، صحيح أنكم شاركتم كأفراد يساريين و يساريات في الثورة و أبليتم البلاء الحسن و كنتم من أشجع الناس فيها بل مهدتم لها استباقا  بنضالاتكم النقابية القاعدية في الحوض المنجمي و في عديد المحطات النضالية و التجمعات و الاعتصامات و المظاهرات الصعبة لكن مثلكم مثل الأحزاب اليمينية، لم تشاركوا تحت لواء أحزابكم اليسارية و كان الأجدر بكم أن تفعلوا ما دمتم منظّمين تنظيما حديديا و ملتزمين التزاما عقائديا و تصوروا لو فعلتم، أي كسب جماهيري ستكسبون و على نتيجة الصفر فاصل، كم ستبتعدون! مع الإشارة أن المؤسسة الوحيدة التي شاركت في الثورة كمؤسسة هي مؤسسة الاتحاد العام التونسي للشغل و هنا لا أستطيع أن أنكر – و قد يكون الاعتراف الوحيد لصالح عبيد البريكي و مكتبه التنفيذي و لصالح المكتب التنفيذي في عهد الحبيب عاشور – أعترف بانحياز المكتب التنفيذي بجميع أعضائه إلى ثورة 14 جانفي 2011 و أذكّر بقرار الهيئة الإدارية للاتحاد المتمثل في إقرار الإضراب الجهوي التداولي و الذي تُوج بإضراب ولاية صفاقس يوم 12 جانفي 2012، الإضراب الذي دق المسمار الأخير في نعش المخلوع لكن مع الأسف الشديد بقيت كل أركان نظام بن علي سليمة بعد الثورة بما فيها ركنه الأساسي المجسم في المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل، لا غرابة أن تنضم قيادة الاتحاد الرجعية إلى صفوف الثورة في آخر لحظة أو إذا كثر عليها الضغط الجماهيري و هذا دليل ضدها و ليس معها، دليل جبنها و خوفها و انحيازها الانتهازي إلى القويّ مهما كان جنس هذا القوي، ثوري عند اندلاع الثورة أو رجعي عند استتباب الأمن و سيطرة بوليس نظام بن علي القمعي على مدى 23 سنة).
واصَل البريكي مؤكدا بنبرة وثوقية و ديماغوجية، لا أحبّذها عند اليسار و غير اليسار: « نحن اليسار، سنتحد و نكوّن جبهة »، ثم ذكر خالد الفالح و ذكر تاريخ 78 و جريدة الشعب السرية ثم توجه بالنقد – و يا ليته لم يفعل، احتراما لحلفائه المحتملين في اليسار و احتراما للشعار التوحيدي الذي يرفعه هذا المؤتمر التأسيسي الموحد – توجه بالنقد إلى الشق الذي لم يلتحق من حزب العمل الوطني الديمقراطي (للأسف، سمعت هذا النقد اللاذع و الذي لم أستسغه و لم يعجبني، سمعته بأذنيَّ من بعض المنشقين أنفسهم و لم يفت على انشقاقهم شهرا أو شهرين بعدُ، سمعتهم يقولون أنه لم يبق في  حزبهم القديم الـ »عَوَدِ » إلا رئيسه و مؤسسه عبد الرزاق الهمامي و عائلته الضيقة و سمعتهم يقولون أيضا أن عبد الرزاق الهمامي لم ينضم إلى المسار التوحيدي مع حركة شكري بالعيد من فرط حبه في الزعامة، أنا لا أنتمي إلى حزب الـ »عَوَدِ » و قد سبق و أن اختلفت مع رئيسه و مؤسسه نقابيا عندما كان كاتبا عاما لنقابتنا الجهوية للتعليم الثانوي ببن عروس و قد كنت من أشد منتقديه بل تستطيع أن تقول أنني كنت المعارض العلني الوحيد له و أختلف حاليا معه فكريا، رغم كل هذا الخلاف أحترم عبد الرزاق الهمامي و لا أتجرأ على قول ما قاله فيه رفاق و أصدقاء الأمس و ربما أصدقاء و رفاق الغد).
-         كلمة السيد شكري بلعيد الأمين العام لحزب حركة الوطنيين الديمقراطيين
بدأ بالترحيب بالضيوف ثم أضاف قائلا: « نتج هذا المؤتمر عن نقاشات و مئات الاجتماعات و نضال 35 سنة، فيه قوافل من الشهداء و شارك فيه المعطلون عن العمل و المثقفون. خطنا الوطني كان و لا يزال في الحقل الطلابي و النسوي و الحقوقي في الوطن و المَهاجر و حمادي زلوز عنوانا لمرحلة و فاضل ساسي و أبناء التيار الوطني الديمقراطي خاضوا ملحمة الانتفاضة الشعبية في الحوض المنجمي. أبناء التيار الوطني الديمقراطي خطبوا في الجماهير يوم 17 ديسمبر أمام الولاية في سيدي بوزيد. أبناء التيار الوطني الديمقراطي كانوا حاضرين في صفاقس و في القصبة 1 و 2 و فرضوا القطع مع حكومات التجمع. أبناء التيار الوطني الديمقراطي، كوكبة من الرفاق الذين عُذّبوا و سُجِنوا. هذا المؤتمر ينهي مسارا و يفتح مسيرة (ما الفرق بين الكلمتين؟ لا أعرف و هذا لا يعني أن الخطيبَ مخطئ و بصدق، قد أكون أنا هو الجاهل باللغة العربية و تعقيداتها). نحن ضد مصادرة القرار الوطني و مع تحقيق التحرر الوطني (و مَن المجنون الذي يخالفك في هذين المبدأين الرائعين المتكاملين؟). نحن ضد مساندة الناتو في ليبيا و لسنا مع القذافي. هم يستهدفون القضاء الموحد و يريدون الرجوع إلى الأحباس، البلاد فيها: 1. حراك اجتماعي. 2. و فيها جبهة تتعزز و تتشكل و تطرح نفسها بديلا لقوى الثورة المضادة، ليس لنا الحق في الخطأ (و متى أخطأتم أنتم أصلا؟؟!!)، سنبني جبهة في كل دشرة (بدأ اللسان الخشبي ينبئ عن حاله). 3. و فيها حكومة خانت كل عهودها: تحديد تاريخ لنهاية كتابة الدستور و تحديد تاريخ لنهاية الفترة الانتقالية. نقول لهم: لن تمروا… لن تمروا. حكومة انتقالية و بخطابها المزدوج تريد أن تحول نفسها إلى حكومة دائمة و كل مَن تخلى على الشغل و الحرية فلا شرعية له. واجبنا نكون مع شعبنا في إضراباته و تجمعاته، نؤطّره و لن نخجل من ذلك. نقف ضد الحكومة و ضد مساندتها لثوار سوريا. نحن ضد منوال تنموي طبقي، يعمّق الفقر و يخدم الرأسمال الأجنبي. نحن أمام نفس الوضع القديم. نحن ضد اللجوء إلى الحل الأمني و توظيف القضاء. نحن ضد الميليشيات التي تمارس العنف ضد الحقوقيين و الفنانين و لا حساب و لا مراقبة. نحن ضد استهداف الحقل النقابي و الحق النقابي، ضد استهداف قلعة النضال، ضد استهداف الإعلام، ضد استهداف التعليم الموحّد. نحن ضد حزب يلتفّ على الثورة و يكوّن حكومة تلتفّ أيضا على الثورة. نحن مع المساواة التامة و الكاملة بين النساء و الرجال. لقد سقطت هذه الحكومة أخلاقيا و عمليا و عليهم أن يرحلوا، أصابتهم اللعنة فتفتتوا و تفرّقوا.
ثم ذكّر بمؤتمرات اليسار و منها مؤتمر حزب العمال و أردف قائلا بنبرة قيادية آمرة: التوجه نحو جبهة واحدة. ثم أضاف قائلا: ينعقد مؤتمرنا هذا و أمتنا العربية مستهدفة من قبل مشروع صهيوني يدعمه اليمين المتستر بالدين في العراق المحتلة أمريكيا و خليجيا، مستهدفة في لواء الإسكندرون و في سبتة و مليلة. هذه الأمة فيها ممانعة و مقاومة مسلحة في العراق و فلسطين و مقاومة سلمية في تونس و مصر و إن شاء الله المقاومة غدا في ليبيا. من حق هذه الأمة أن تبني كيانها ضد الإمبريالية و الصهيونية و الرجعية العربية. الطبقة العاملة تنتفض في وول ستريت و في اليونان و اسبانيا و التلاحم الأممي يظهر من جديد. أنتم حركة يسارية منحازة إلى الطبقات المضطهدة لأن معركة الإنسان واحدة.
و أنهى خطابه بقوله: عندي ثلاث رسائل:
أ‌.        رفاقي في الجبهة: ليس لنا الحق في الخطأ، تونس، نستنهض ذاكرتنا، نستنهض ماضينا، نستنهض لنتّحد ثم نتّحد.
ب‌.   رسالة إلى رفاقي في حزب العمال: هذا المؤتمر، نريده منطلقا لبناء الحزب اليساري الكبير، الحزب العمالي الكبير.
ت‌.   الرفاق الذين نظفوا و نظموا هذا المؤتمر و دفعوا من أموالهم و الشباب في الجهات و أصدقاء هذا الحزب: تونس جديرة أن تحيا تحت الشمس جمهورية ديمقراطية (أتمنى من كل قلبي أن لا تكون جمهورية شعبية ديمقراطية اشتراكية على شاكلة الجمهوريات أو بالأحرى الديكتاتوريات السابقة و المنقرضة في أوروبا الشرقية و الاتحاد السوفياتي و ألبانيا).
إمضاء د. م. ك
على كل مقال سيء، نرد بمقال جيد، لا بالعنف اللفظي أو المادي أو الرمزي.
تاريخ أول نشر على النات
حمام الشط في 2 سبتمبر 2012.

الأحد، 26 أغسطس 2012

ملاحظات حول المديونية


تمهيد:                                                                                                                
إن نقد اليمين قد استهلك نفسه، وذلك على اعتبار أن هذا اليمين لم يعد له شيء جديد يقدمه. أما اليسار فانه قد تحول إلى ملاذ لليمين لتجديد نفسه وتزيين خطابه بالتوابل اليسارية. لذلك فقد أصبح شرط كل نقد جذري هو الاتجاه لنقد اليسار، ليس "لإصلاحه" أو "تثويره" بل للخروج من ثنائية يمين/يسار نفسها. وهذا لكونه قد برز جليا أن اليمين واليسار لا يمثلان سوى وجهان لعملة واحدة هي عملة النظام الرأسمالي وهو يجاهد من أجل مواصلة جثومه على رقاب البشرية.                                           
أما نقد اليسار الليبرالي فلم يعد يتسم بشيء ذو خصوصية. بما أن هذا الأخير قد اندمج كليا في منظومة الخطاب البورجوازي الكلاسيكي. وبالتالي فنقده إنما هو نقد الليبرالية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية القديمة المتجددة.                                                                                             
لذلك لم يبق للنقد الجذري سوى الاتجاه صوب اليسار الذي لايزال يحافظ على طابع راديكالي، ولو أن ذلك يقتصر في الغالب على الخطابات والشعارات فقط. وهذا ليس بوهم خلق "يسار ثوري" لن يوجد أبدا، بل بغاية إبراز الجوهر الإصلاحي لمقولاته "الثورية" البراقة.                                            
أما نقد المناضلين والمجموعات الثورية الصغيرة التي ظهرت بمفعول تطور الحركة الثورية نفسها، والتي هي بصدد قطع خطوات مهمة باتجاه حسم أمرها مع أوهام اليسار واليمين معا، فهو بالأحرى نقد ذاتي علني. أي أنه بمثابة نقد الحركة الثورية لنفسها وهي تستخلص الدروس التاريخية من خلال تجربتها الخاصة من خارج وضد كل الأحزاب السلطوية.                                                  
ومن هذا المنطلق وفي هذا الإطار نقدم هذه الملاحظات النقدية حول موضوع "المديونية".         
* * *
تقوم بعض الأحزاب والمجموعات اليسارية بحملة تحت شعار "إلغاء الديون الخارجية". فحزب مثل حزب العمال "الشيوعي" التونسي يعتبر "تعليق تسديد الديون الخارجية" بمثابة الوصفة السحرية لفض الأزمة الاقتصادية التي يعيشها النظام الرأسمالي في تونس، ويضع هذه "المهمة الثورية" في مركز حملته التي أطلق عليها اسم "آش تبدل". بل إن مجموعات ثورية صغيرة تضع شعار "القطع مع المديونية" كيافطة من يافطات دعايتها اليومية. وحتى حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، قبل أن يتحول إلى أحد مكونات الائتلاف الحاكم، ظل طيلة الحملة الانتخابية يندد بسياسة التداين التي اعتمدتها الحكومة السابقة ويعتبر "المديونية" "ضربا لاستقلالية القرار الوطني". وحزب حركة النهضة نفسه، ورغم أن برنامجه لا يتضمن دعوة صريحة لتعليق تسديد الديون الخارجية، فان زعماءه كانوا خلال كل الأشهر التي سبقت الانتخابات يوجهون النقد اللاذع لحكومة الباجي قايد السبسي على اعتمادها "إغراق البلاد بالديون" و"رهن القرار الوطني للمؤسسات المالية العالمية"، بل إنهم يتهمون الحكومة السابقة بكونها قد تركت لهم إرثا ثقيلا من الديون. طبعا هذا لم يمنعهم الآن من إطلاق حملة استجداء للقروض والهبات في أكبر عملية تسول مذلة، مضحين في ذلك بكل الشعارات التي حشدوا بها أنصارهم من نوع "مقاومة قوى الاستكبار العالمي" و"مواجهة الهيمنة الصليبية على البلدان الإسلامية"، لتتحول الولايات المتحدة الأمريكية من "الطاغوت الأكبر" إلى الضامن لتونس عند اقتراضها من السوق المالية. إضافة للتضحية بأهم مطلب رفعوه بمعية كثير من الأحزاب الأخرى والمتمثل في "المطالبة باسترجاع بن علي وعائلته وأصهاره من دول الخليج لمحاكمتهم".                                                                               
لكن ما هي المديونية؟ وهل يمكن لأي دولة أن تقطع مع التداين الخارجي؟ وهل حقا أن "رفض تسديد الديون الخارجية" هو الكفيل بالخروج من الأزمة الاقتصادية الراهنة؟ وهل أن عدم تسديد ديون الدولة سيكون له انعكاس ايجابي حتمي على وضعية الطبقات المسحوقة؟ ثم لماذا لم يجد شعار "القطع مع المديونية" صدى له في الحركة الاحتجاجية الراهنة ولم يتحول إلى شعار جماهيري مثلما حدث لبعض الشعارات الأخرى مثل "التشغيل استحقاق يا عصابة السراق" أو الشعارات المتعلقة "بالتنمية" و"التوزيع العادل للثروة الاجتماعية"..الخ؟ وهل يمكن لمطلب إلغاء الديون الخارجية أن يكون مدخلا للنضال ضد النظام الرأسمالي مثلما يعتقد بعض المناضلين الثوريين؟ وأخيرا لماذا يقف هذا المطلب عند حدود ديون الدولة الخارجية ولا يضع ديون الأجراء وعموم الفئات الاجتماعية المسحوقة لدى المؤسسات المالية المحلية موضع السؤال؟                                                                           
* * *
هناك اعتقاد شائع، حتى في أوساط المناضلين الثوريين، أن "المديونية" هي علاقة بين الدول، أو علاقة دولة بصناديق التسليف العالمية مثل صندوق النقد الدولي والبنك العالمي. وأن الدول الصناعية المتقدمة تسعى لإغراق الدول المتخلفة بالديون من أجل السيطرة عليها ونهب خيراتها من خلال الفوائض المرتفعة. وأن هذه الدول "الكبيرة" هي الدول المقرضة بينما الدول "الصغيرة" هي الدول المقترضة في علاقة دائمة بين دائن ومدين. وعلى أساس هذا الاعتقاد السطحي يعتقد هؤلاء أن "المديونية" هي عبارة عن علاقة ابتزاز تسير بالتوازي ومن خارج دائرة الإنتاج الفعلي للثروة الاجتماعية، أي أن "المديونية" في التصور العام عند هؤلاء هي أقرب لنظام الربا القديم الذي يقوم على ابتزاز المنتجين المباشرين بدون أن يكون هو نفسه عنصرا من عناصر الإنتاج. وهذا ما يجعل هؤلاء يعتقدون أن "المديونية" تمثل عبئا على "الاقتصاد الوطني" وعقبة أمام تطوره، وأنه بمجرد إلغاء هذه "المديونية" فان "قوى الإنتاج" ستتحرر وسيحصل ازدهار عام، وستتراكم الثروات وسيفتح ذلك الآفاق من أجل تحسين ظروف الفئات المسحوقة.
 كذلك فطريقة النظر السائدة هذه حول موضوع "المديونية" تدفع إلى التصور بكون التداين الخارجي للدولة هو السبب العميق "لتبعية" البلاد للقوى العظمى وارتهان ما يسمى "القرار الوطني" للإملاءات الخارجية. وهناك عديد المجموعات اليسارية التي تعتبر "الخضوع للمديونية" هو أكبر تعبير عما يسمونه "الاستعمار الجديد" الذي تخضع له الدول "المتخلفة". وإذا تابعنا هذا التصور إلى آخره فان العالم ينقسم إلى فئتين من الدول: الفئة الأولى تلعب دور المرابي الذي يستعمل ثروته المالية للتسليف وجني الفوائض، والفئة الثانية تلعب دور المنتج الذي يضطر للتخلي عن جزء هام من إنتاجه (الدخل القومي الخام) لتسديد ديون المرابي وفوائضها المتعاظمة.                                                      
إن هذا التصور العام "للمديونية" هو بالفعل تصور سطحي. إذ أنه في طريقة نظره لهذه الظاهرة إنما يتجه إلى مظاهرها الخارجية والنتائج التي تقود إليها، بدون أن ينفذ لآليات اشتغالها الداخلية. ومثلما يقال: لو كان ظاهر الأشياء يطابق باطنها لانتفت ضرورة العلم.                                                 
إن الخطأ العام الذي تقوم عليه هذه التصورات يتمثل في النظر "للمديونية" كمجرد علاقة بين دائن ومدين، ولا يتم النظر لها كنظام، وهو بالتحديد النظام الائتماني المعاصر. وهذا الخطأ يقود إلى المماثلة الوهمية بين نظام القرض الحديث ونظام العلاقات الربوية القديم والسابق في وجوده التاريخي لظهور الرأسمالية كأسلوب انتاج عالمي.                                                                                     
والمماثلة بين هذين النظامين (نظام القرض الحديث ونظام الربا القديم) تطمس الاختلاف الجوهري في طبيعتهما التاريخية. وفي الوقت الذي تركز فيه على بعض المظاهر الخارجية المتماثلة (الفوائض، هيمنة الدائن على المدين...) فإنها تتغافل عن الاختلاف في الميكانيزمات الاقتصادية الداخلية لكلا النظامين والأساس التاريخي المميز لكل منهما. وبعزل النظام الائتماني الحديث عن شروط وجوده التاريخية يتم الإيهام بالقدرة على الخروج من هذا النظام بدون الخروج المسبق عن الشروط التاريخية لتحققه.                                                                                                                    
إن الفاصلة التاريخية بين نظام القرض الحديث والنظام الربوي القديم، هي بالضبط الفاصلة التاريخية بين أسلوب الإنتاج الرأسمالي المعاصر وأساليب الإنتاج التقليدية القديمة. وهذه الفاصلة هي بين الطبيعة التاريخية للرأسمال الربوي القديم (بالمعنى التاريخي للكلمة) وبين الطبيعة التاريخية  للرأسمال الحامل للفائدة (الرأسمال البنكي، الرأسمال المالي...) والذي هو بكل المقاييس ظاهرة تاريخية جديدة، أي يتعلق وجودها بولادة النظام البورجوازي ومراحل تطوره التاريخي.                          
وطمس هذه الفاصلة التاريخية يقود إلى النظر للرأسمال الحامل للفائدة ليس كعلاقة اجتماعية (فالرأسمال هو علاقة اجتماعية وليس مجرد كمية نقدية) بل كعلاقة ربوية بسيطة يمكن إلغاؤها بدون تغيير في أسلوب الإنتاج الذي لا يمثل الرأسمال الحامل للفائدة إلا المظهر التاريخي الذي يتخذه هذا الأسلوب الإنتاجي بالذات. وهذا الأمر لا يضاهيه سوى القول بإمكانية إلغاء التبادل التجاري بدون إلغاء مسبق للإنتاج البضاعي، أو إلغاء النقد (المال) بدون إلغاء مسبق لقانون القيمة-العمل الذي تتحدد قيمة البضائع بمقتضاه بكمية العمل الاجتماعي المتبلور فيها، ويمثل النقد بمقتضاه المعادل العام للقيمة، أو إلغاء الربح بدون إلغاء العمل المأجور...الخ.                                                                     
وهكذا فلا يمكن النظر "للمديونية" كعلاقة خارجية، أو كعنصر طفيلي في أسلوب الإنتاج الرأسمالي بحيث يمكن إنهاؤها بينما تواصل الآليات الاقتصادية الرأسمالية الأخرى سيرها الطبيعي. "فالمديونية"، أي النظام الائتماني العالمي، هي كنظام التبادل التجاري ونظام المنافسة ونظام العمل المأجور، ليست سوى النظام الرأسمالي نفسه كعلاقة اجتماعية شاملة ومترابطة في جسم اقتصادي واحد. بل إن النظام الائتماني يمثل ما تمثله شبكة الشرايين الدموية بالنسبة للجسم البشري، بحيث من غير الممكن مجرد تخيل تدمير هذه الشبكة الحيوية بدون أن يكون ذلك تدميرا لهذا الجسم وانهاء لوجوده التاريخي.                                                                                                                
إن نظام القرض هو تعبير عن الطبيعة الفعلية للرأسمال كرأسمال اجتماعي، وعن البورجوازيين بصفتهم المتصرفين الاجتماعيين في هذا الرأسمال. واقتسام هؤلاء البورجوازيين لفائض الثروة الاجتماعية (أو ما اصطلح عليه بفائض القيمة الاجتماعي) إنما يعبر عن حصة كل قسم من أقسام هذا الرأسمال. فإذا كان الربح الصناعي هو التعبير التاريخي عن حصة القسم الخاص من البورجوازيين المباشرين لإدارة الإنتاج المباشر، فان الريع هو التعبير عن حصة القسم الآخر من البورجوازيين الملاك العقاريين، بينما الفائدة على الرأسمال الذي تم تسليفه فإنها تمثل حصة البورجوازيين مالكي الرأسمال النقدي، والضرائب هي حصة جهاز الدولة والتي يذهب قسط منها لقسم البورجوازية المتمثل في البيروقراطية الإدارية العليا، وقسط آخر لتسيير الشؤون العامة للنظام الاجتماعي والاقتصادي ككل. وهكذا فنحن لا نتحدث عن عنصر خارجي يبتز قيمة ربوية من خارج دائرة أسلوب الإنتاج الرأسمالي نفسه، بل عن علاقة اجتماعية لا تمثل الأقسام المختلفة للبورجوازية سوى الطرف المتصرف في إدارة الرأسمال الاجتماعي. والفائدة هي كالربح والريع والضرائب...الخ ليست سوى التعبير التاريخي عن نظام اجتماعي تستولي فيه طبقة اجتماعية على فائض القيمة الاجتماعي الذي تنتجه الطبقة الكادحة. واحتساب حصة كل قسم من أقسام الرأسمال في هذه الغنيمة لا يتحدد إلا وفق القوانين الاقتصادية الرأسمالية نفسها، أي المنافسة/الاحتكار، العرض والطلب، حجم هذا القسم أو ذاك من الرأسمال الاجتماعي...الخ. لذلك فان نظام التسليف (المديونية) هو في الواقع يمثل السير الطبيعي للنظام الرأسمالي ذاته، وليس حادثة طارئة عنه ، أو جسم غريب سيتعافى البدن بمجرد التخلص منه.                     
وهكذا "فالمديونية" لا تعبر عن علاقة دول صناعية بدول متخلفة، والفوائض لا تمثل ابتزاز دولة لدولة، إنما الأمر يتعلق بنظام رأسمالي عالمي حيث الطبقة البورجوازية، كطبقة عالمية، تستثمر جهد المنتجين الحقيقيين للثروة الاجتماعية. وميدان هذا الاستغلال الطبقي ليس الدولة بل السوق العالمية. وإذا كان هناك طرف بورجوازي ممثلا في شركة أو دولة وطنية يأخذ نصيبا أكبر من طرف آخر فهذا ليس لأن الطرف الأول "يستغل" الطرف الثاني، بل لأن قانون المنافسة هو النظام الوحيد الذي تعيش به الرأسمالية العالمية ويتحدد وفقها نصيب كل طرف من الربح الاجتماعي، ومهما كانت نزاعات البورجوازيين في السوق العالمية، فان أحدا منهم لا يستغل الآخر، بل الحقيقة أن جميعهم يستغل طرفا آخر هو الشغيلة. ومن هذه الزاوية في النظر يتبين لنا أن النزاعات التي تقوم حول "المديونية" لا تعبر إلا عن نزاعات المنافسة بين البورجوازيين، تماما مثل النزاعات حول الأسواق ومواقع النفوذ. أي أن موضوع "المديونية" هو موضوع بورجوازي خالص يتعلق بنصيب كل فريق في ثمرة استغلال العمال. ومن نافل القول أن انجرار الشغيلة وعموم الفقراء والمهمشين وراء هذه النزاعات هو في الحقيقة الفعلية لعب دور الوقود في حرب هي ليست حربهم، بل هي حرب ضدهم. ومن هذا المنظور فتعويض المطالبات الحيوية للشغيلة بمطالبات من نوع "رفض تسديد الديون الخارجية للدولة" أو "التخلي عن الديون الكريهة" أو حتى "إلغاء المديونية" إنما هو تخل عن الميدان الطبقي للصراع لصالح ميدان المنافسة البورجوازية.                                                                                               
أما مطالبة الدولة (البورجوازية) بإلغاء التداين الخارجي فهو لا يعني سوى مطالبتها بالانقطاع عن النظام الرأسمالي العالمي، باعتبار وأن النظام الائتماني، مثلما أسلفنا، لا يعدو أن يكون النظام الرأسمالي ذاته وهو يدير نفسه وفق آلياته الاقتصادية الخاصة. وهذا إضافة لكونه يبث الوهم حول طبيعة الدولة، وكأن الدولة هي شيء آخر غير الأسلوب السياسي في إدارة الاقتصاد الرأسمالي، فانه يبث الوهم حول إمكانية القطع مع الرأسمال، كعلاقة اجتماعية عالمية، من خلال الدولة وفي الحدود الوطنية.          
أما المطالبات الجزئية من نوع "تعليق الديون لمدة زمنية محدودة" أو "التدقيق في ديون الديكتاتورية" فانه يدخل في باب المطالبة بتسويات من داخل النظام الائتماني، أي من داخل النظام الرأسمالي وليس مثلما يروج له البعض كإجراء ثوري أو "تحقيق أهداف الثورة" أو "تغيير منوال التنمية"... ويصور هؤلاء هذه المطالبات باعتبارها الحل السحري و"البديل الثوري" للخروج من الأزمة الخانقة. فهل حقا أن "المديونية"، أو التداين الخارجي للدولة، هو السبب الكامن وراء الأزمة الاقتصادية؟ لو تحدثنا بلغة اقتصادية بحتة، وعلى عكس النظرة السائدة في الأوساط اليسارية، فان درجة الانخراط في النظام الائتماني العالمي هي تعبير عن مستوى تطور "الاقتصاد الوطني" ومدى اندماجه في السوق الرأسمالية العالمية. فازدهار نشاط الرأسمال الحامل للفائدة ليس سوى مظهر من مظاهر الازدهار الاقتصادي وتطور الإنتاج الرأسمالي وتراكم الثروة الاجتماعية. إذ أن تطور السوق المالية المحلية (بنوك، بورصة، تأمين...) وانخراطها في النظام المالي العالمي، وارتفاع حجم المبادلات المالية (قروض، تبادل أسهم...) هو انعكاس لتطور فعلي في أسلوب الإنتاج الرأسمالي. فكلما تعاظم انتاج فائض القيمة الاجتماعي في بلد معين أو قطاع إنتاجي معين إلا ودفع الرأسمال المالي بمختلف أشكال ظهوره إلى الاتجاه نحو التوظيف المكثف في ذلك البلد أو القطاع. وهذا ليس غريبا، بما أن الآلية العامة لتوجه الاستثمار الرأسمالي هي آلية ارتفاع نسبة الأرباح أو انخفاضها.                                            
وهكذا فان "المديونية" (أي الانخراط في السوق المالية العالمية) لبلد معين لا تعبر عن "تخلف" اقتصادي بل عن ازدهاره، بالمعنى الرأسمالي الحصري للكلمة. وأكبر مثال على ذلك أن الولايات المتحدة الأمريكية (أكبر قطب رأسمالي في العالم) هي في نفس الوقت أكبر دائن وأكبر مدين، أي أن هذا البلد يملك أكبر حصة في التبادل المالي العالمي.                                                            
رغم أن هذا الأمر يمثل حقيقة بديهية لدى الاقتصاديين البورجوازيين، فانه يمثل لغزا محيرا في الأوساط اليسارية. لذلك نرى كيف أن الدول والشركات وكل التجمعات الرأسمالية تسعى للانخراط أكثر فأكثر في النظام المالي العالمي، بل إنهم يعتبرون ازدهارهم مشروط بهذا الانخراط في دائرة التبادل الرأسمالي، إذ أنهم يعرفون أن الرأسمال الحامل للفائدة هو العنصر الحيوي للتنشيط الاقتصادي والممول الأكبر للمشاريع الإنتاجية، وبدونه ستتعطل آلة الإنتاج، بل إن أي رأسمالي في السوق العالمية، مثل أي رأسمالي في السوق المحلية يعتبر أن وقف تمويله من طرف المؤسسات المالية، أو صعوبة هذا التمويل وارتفاع كلفته، إنما يعني وقوعه في الأزمة، بينما نجد يساريينا يفكرون بطريقة المنتج الحرفي الصغير أو فلاحي القرون الوسطى الذين يعتبرون القرض الربوي عبئا عليهم وطريقة متحيلة للاستيلاء على ملكيتهم التافهة. ويرون في المؤسسات المالية الحديثة، والتي هي أكبر دعامات الإنتاج الرأسمالي، في صورة اليهودي المرابي الذي يمثل عائقا أمام تطور إنتاجهم. لذلك فإنهم يعيدون الأزمات الاقتصادية والاختلالات والفوضى التي تعرفها المجتمعات المعاصرة إلى "المديونية". ويعتقدون أن "رأسمالية صافية"، "رأسمالية نموذجية"، هي تلك الرأسمالية (أو ما يسمونه الاقتصاد الوطني) التي تتخلص من "المديونية". ويرون في البورصات وعالم التبادل المالي (تبادل الأسهم، تبادل أوراق التأمين...) كعالم الشر، أو كلعنة أصابت البشرية، وفي مقابله يقومون بتمجيد أسطوري لما يسمونه "الإنتاج الحقيقي"، وكأن هذا الإنتاج الحقيقي يمكن له أن يتقدم خطوة بدون انخراطه في النظام المالي، أي في "المديونية" بالذات، أو كأن هذا وذاك يمثلان عناصر متعارضة كتعارض مزارع الأحقاب التاريخية القديمة مع المرابي اللعين.                                            
وحتى لو تحدثنا بلغة مالية صرفة، أو البحث في موارد ونفقات الدولة (البورجوازية)، فان حجج اليساريين حول كون التداين الخارجي هو السبب في الانخرام المالي، وأن الامتناع عن تسديد ديون الدولة الخارجية سيخلق موارد جديدة يمكن توجيهها فيما يسمى التنمية (و"التنمية" ليست سوى كلمة مهذبة للتعبير عن الإنتاج الرأسمالي) أو تحسين الأوضاع الاجتماعية للطبقات المسحوقة، كلها حجج تنم من جهة عن وهم حول الدولة المافوق طبقية، والدولة "الراعية لشؤون المواطنين"، أو الدولة التي تقف من خارج أسلوب الإنتاج السائد ومن خارج المصالح الطبقية المتضاربة. وتعبر من جهة أخرى عن لغة حزبية انتخابية لا علاقة لها بإدارة الدولة البورجوازية. فلو نظرنا لأي ميزانية دولة لوجدنا أن الديون هي مجرد كتابات حسابية في سجل الدولة، حيث القسم الخاص بنفقات تسديد الديون يقابله القسم الخاص بموارد الديون. وهكذا لو حذفنا كلا القسمين فلن نعثر على موارد إضافية كما لن نخفض من النفقات شيئا، فعدم تسديد الدين يعني في المقابل عدم الحصول على دين جديد. وحتى العجز الذي يمثل هو أيضا كتابة حسابية لا أكثر، فانه وفي حدود التوازنات العامة يمثل عنصرا قارا ودائما في كل ميزانيات الدول الصناعية منها والمتخلفة.                                                                                                
أما الحجة المقدمة حول كون ديون الدولة في عهد بن علي قد ذهب الجزء الأكبر منها في جيوب فئة من "الفاسدين" ولم يستفد منها "الشعب التونسي"، فإنها حجة مضحكة وهي تصدر على أفواه من يقدمون أنفسهم كمناضلين ضد الرأسمالية. ذلك أن الأمر يبدو وكأن لهؤلاء وهم بأن الديون (والدين هو الرأسمال في شكله النقدي) يمكن لها أن تستثمر في شيء آخر غير جني الأرباح لصالح فئة دون أخرى، بل لصالح فئة عبر استغلالها لجهد فئة أخرى من خلال الديون بالذات، ومهما كان مجال استثمار تلك الديون. وهذا ما يعادل القول بأن هناك رأسمال شرير تستفيد منه البورجوازية ورأسمال خير يستفيد منه "الشعب التونسي". إضافة لهذا فان جعل الموضوع برمته موضوع فساد الأفراد، أو فساد الحكام، إنما هو ببساطة تحويل موضوع "الفساد" من حالة اقتصادية، أي أسلوب انتاج وتوزيع الثروة الاجتماعية، إلى موضوع أخلاقي، بحيث، وحسب هذا المنطق، فان وضع أحد زعماء اليسار أو أحد الزعماء "الذين يخافون الله" مكان بن علي وعائلته سيجعل من النظام الاقتصادي وديونه موجه لصالح "الشعب التونسي". وما هي الضمانة على ذلك؟ لا شيء.... لاشيء غير النية الطيبة والأخلاق الرفيعة لهؤلاء الزعماء.!                                                                                                                 
لكن أكثر ما يجلب الانتباه في الحملة ضد "المديونية" هو أنها تقف عند حدود الديون الخارجية للدولة، ولا نسمع مطالبات برفض تسديد ديون الأجراء وعموم الفئات المسحوقة لدى النظام البنكي المحلي، برغم أن هذه الديون تعبر بشكل مباشر على استيلاء الرأسمال المالي على جهد الشغيلة بطريقة فجة لا تعتمد إلا على أساس قوة هذا الرأسمال في مقابل انهيار القدرة الشرائية الفعلية "للشعب التونسي" واضطراره إلى بيع ليس قوة عمله الحالية بل قوة عمله في المستقبل، أي أن العامل لا يبيع قوة عمله للرأسمالي فحسب بل يضطر لرهنها عند البنوك والمؤسسات المالية من أجل ضمان مواصلة بقاءه في حلبة المنافسة العامة، منافسة الكل ضد الكل، ومواصلة انخراطه في الدائرة الجهنمية للاستهلاك المصطنع في أغلبه بمفعول الهرسلة الاشهارية اليومية.                                                       
طبعا لا يمكن إعادة ذلك إلى مجرد سهو أواغفال، بل هو يعبر عن وجهة نظر تضع الدولة "كدولة الجميع"، ومصلحة الدولة "كمصلحة عامة"، لذلك فان هؤلاء المتباكين على تضخم الديون الخارجية للدولة يعتبرون أن إلغاء هذه الديون سيعود بالنفع على "الشعب التونسي"، وأن قضية الديون الخارجية هي "قضية وطنية"، أما تكبيل الأجراء ورهن مستقبلهم ومستقبل أولادهم للبنوك "الوطنية" فانه أمر "طبيعي" لا يمكن مجرد وضعه موضع السؤال. وحتى المطلب الجزئي الذي يرفعه حزب العمال "الشيوعي" التونسي (وفي الحقيقة فليس هذا الحزب هو الوحيد الذي يرفع هذا المطلب بل هناك أحزاب ليبرالية تشاركه في ذلك) والمتمثل في إعفاء الفلاحين الصغار من الديون، إنما يعبر عن وجهة نظر المنتجين الصغار الذين يسحقهم التطور الرأسمالي ويدفعهم نحو الجحيم البروليتاري أكثر مما يعبر عن وضع الدين نفسه (أي الرأسمال ذاته) موضع النقد والتساؤل.                                                
أما الجناح الأكثر راديكالية في هذا اليسار، فانه يقول بأن رفع شعار "القطع مع المديونية" هو المدخل نحو النضال ضد النظام الرأسمالي برمته. وما دليلهم على صحة هذه المسلمة؟ لا شيء، لا من الناحية التاريخية والعملية، ولا من الناحية النظرية الصرفة. وكل ما نعثر عليه هو مجرد شعارات فضفاضة وتحاليل سطحية لا تغادر ميدان التحليل الاقتصادي البورجوازي في أكثر أشكاله ابتذالا.      
أما المدخل الفعلي للنضال ضد النظام الرأسمالي، وكما بينته التجربة التاريخية للحركة الثورية، فليس سوى المطالبات الاجتماعية لعموم ضحايا هذا النظام. فالمطالبات بالزيادة في الأجور والتشغيل وتوفير الخدمات الاجتماعية والمرافق العمومية الضرورية لتحسين شروط حياة الطبقات المسحوقة والاحتجاج على التلوث الذي هو بصدد تدمير الوجود الطبيعي للبشرية، كذلك المطالبة بتخفيض ساعات العمل وتحسين ظروفه ورفض الامتيازات في الوظائف السياسية والإدارية، كما رفض سيطرة أجهزة الدولة القمعية على المجتمع وكتمها لكل نفس متمرد والتململ ضد مؤسسات الضبط الاجتماعي من المدرسة إلى المسجد إلى الأحزاب والنقابات والجمعيات السلطوية، كل هذه المطالبات تمثل بالفعل المدخل الضروري لتطور الحركة من طابعها الاحتجاجي باتجاه وضع النظام الاقتصادي والاجتماعي ككل موضع السؤال والتغيير الثوري. وكل انجرار إلى ميدان غير هذا الميدان الاجتماعي سيكون معناه قطع الطريق أمام تطور الحركة الاحتجاجية وتحويل وجهتها نحو مجال الإصلاحات، بمعنى بث الوهم في أن تغييرا في شكل الدولة أو في طريقة إدارتها الاقتصادية (القطع مع "المديونية" مثلا) سيجعل من هذه الدولة "دولة اجتماعية"، أي دولة تعمل لصالح "الشعب التونسي"، وليس لصالح الرأسماليين.     
والمطالبات الاجتماعية لا يمكن لها أن تتحول إلى حركة ثورية ضد الدولة البورجوازية ونظامها الرأسمالي بدون الخروج من منطق الدولة ومنطق النظام الاجتماعي السائد نفسه. أي أن لا تضع "مصلحة الدولة"، أو "المصلحة الوطنية"، أو "مصلحة الاقتصاد الوطني" كحد يحدها ويلجمها، بل الأحرى أن تضع مصالحها الطبقية الخاصة، أي حاجاتها الإنسانية الحيوية المباشرة، في التعارض مع "المصلحة العامة" والتي هي ليست سوى مصلحة الطبقة السائدة وقد تحولت بطريقة تمويهية إلى "مصلحة عامة". ومن هذه الزاوية تصبح "المديونية" قضية خاصة بالدولة وبالنظام الرأسمالي الذي تديره. والإجابة الوحيدة والدائمة التي يجب أن تتمسك بها الشغيلة ومن ورائها كل المفقرين والمهمشين هي رفض دفع كلفة أزمة الدولة وأزمة الاقتصاد الرأسمالي ككل، ورفض تأجيل مطالباتها تحت أي مبرر، وخاصة تحت مبرر محدودية موارد الدولة أو ارتفاع النفقات المسماة زورا "عمومية". أما مهمة المجموعات الثورية داخل الحركة، فليس البحث عن حلول للدولة (البحث عن موارد إضافية، أو البحث عن طريقة لتخفيض النفقات...) بل إبراز طبيعتها التاريخية بصفتها المتصرف العام في شؤون الطبقات السائدة، والمساهمة في تطوير الحركة من طابعها الدفاعي (رفع المطالبات) إلى طابع هجومي يخلق أمرا واقعا جديدا يوفر الشروط العملية والواقعية لاستبدال هذا الأسلوب الرأسمالي في الإنتاج بأسلوب انتاج تعاوني جديد.                                                                                                        
قد يبدو هذا الأمر لغزا محيرا بالنسبة للساسة والمثقفين، لكنه ليس كذلك بالنسبة للحركة الجماهيرية. فهذه الأخيرة، وبكل بساطة، لا تلتفت للمواضيع التي تعرف أنها تندرج ضمن ميدان أعدائها الطبقيين، ومنها موضوع "المديونية". بل توجه حركتها بهذا الشكل أو ذاك صوب حاجاتها الحيوية. وبغض النظر عن نضج أو ضعف هذه الحركة، فان شروط تقدمها تكمن في رفضها لمنطق الدولة البورجوازية وتوازناتها المالية وحذلقة سياسييها، ورفض المنطق الاقتصادي السائد القائم على "المردودية الاقتصادية" و"الجدوى المالية" و"المحافظة على القدرة التنافسية" و"تشجيع الاستثمار"...الخ، والاتجاه نحو فرض منطقها الخاص، أي فرض مطالباتها الخاصة من خارج وضد "الاقتصاد الوطني" و"المصلحة الوطنية". فالاقتصاد ليس سوى اقتصاد البورجوازية و"المصلحة الوطنية" ليست سوى مصلحتها الأنانية و"الاستثمار" ليس سوى استثمار جهد العمال، و"المردودية الاقتصادية" و"القدرة التنافسية للمؤسسة" لا تعني سوى مزيد الضغط على الأجور وتسريع وتيرة الإنتاج بما يحول البشر إلى روبوتات خاضعة للبرمجة. و"المديونية" إنما هي مشكل الدولة البورجوازية تحاول إظهاره في ثوب "المشكل الوطني"، أي أنها تريد إقناع الفقراء بالقبول بسياسات التقشف وربط الأحزمة للحفاظ على "التوازنات المالية للدولة".                                                                                            
لكننا لا نريد علاج أمراض الدولة. إننا نريد إنهاء وجودها الطفيلي لصالح الإدارة التعاونية التي يساهم فيها كل أفراد المجتمع بطريقة مباشرة، وحيث يقرر الناس أسلوب إدارة حياتهم المادية والروحية بدون أجهزة بيروقراطية فوقية، ويواجهون مشاكلهم بشكل جماعي متضامن وليس كذرات فردية متنافسة.                                                                                                                      
* * *
خاتمة:                                                                                                               
إن أخطر أسلوب يحافظ به النظام الاجتماعي السائد على ديمومته هو إخضاع ضحاياه من خلال إقناعهم بأنه الأفق التاريخي الوحيد الممكن، وأنه نظام طبيعي. وحين يستبطن المضطهدون هذه المسلمة، فإنهم، حتى في غمرة نضالهم الثوري ضد هذا النظام، لا يصوبون نظرهم نحو مشاكلهم الخاصة، بل يتجهون للبحث عن حلول لمشاكل النظام الذي يضطهدهم.                                                        
و"المديونية" مثلها مثل التبادل التجاري والمنافسة الاقتصادية والاحتكار الناتج عنها، أي كل الأصناف الاقتصادية الخاصة بالنظام الرأسمالي، هي بالفعل تطرح على البورجوازيين كأفراد وكتجمعات في شكل شركات أو دول وطنية مشاكل تزداد صعوبة إيجاد حلول لها مع كل تطور رأسمالي وتطور تناقضاته وأزماته. ومن الطبيعي أن كل دولة بورجوازية تجد نفسها في كل مرة أمام اختلالات صارخة وهي تبحث عن الملاءمة بين السير "الطبيعي" للنظام الاقتصادي الذي تحرسه وبين المطالبات المتزايدة لضحايا هذا النظام بالذات، بل تجاوز تلك المطالبات للقدرة الفعلية للاقتصاد الرأسمالي على تلبيتها. ولكي لا تقود هذه الاختلالات إلى الانهيار الكلي، فان الدولة تصور مشكل إدارتها العامة لأسلوب الإنتاج السائد في صورة "مشكل وطني"، أي أنها لا تحدد مسبقا ميدان الإجابات والحلول والمطالبات بل تحدد الدائرة التي تقع فيها الأسئلة نفسها. وسؤال "المديونية" هو سؤال النظام الاجتماعي القائم، أي أننا حين ننظر له باعتباره سؤالا عموميا، يهم كل أفراد المجتمع، أو أن كل أفراد المجتمع مكلفون بإيجاد حل له، فهذا دليل على أننا مازلنا مندمجين (أو عالقين) في هذا النظام وفي أسئلته التي لا حل لها. وحتى عندما نقدم إجابة "راديكالية" عن هذا السؤال، من نوع "القطع مع المديونية"، فان هذه الإجابة، رغم ما تبدو عليه من "حلة ثورية"، تبقى إجابة عن سؤال النظام السائد وليس عن أسئلتنا الحقيقية والخاصة والمناقضة لهذا النظام.                                                                           
 وهكذا فالقبول "بالمديونية" أو المطالبة بالقطع معها يمثلان إجابتان لسؤال واحد، سؤال يطرحه النظام على نفسه بشكل يكاد يكون تلقائيا، إذ أنه سؤال يتعلق بكيفية إدارة هذا النظام بالذات وليس غيره. ومن الطبيعي، وطالما أننا نبحث سؤالا يقع في ميدان إدارة والتصرف في النظام الرأسمالي، فستظهر المطالبة بالقطع مع "المديونية" كحل أقصى ضمن حلول أخرى "أكثر واقعية" مثل "الحد من التداين الخارجي" أو تعليق تسديد الديون لمدة معينة" أو "التدقيق في ديون النظام السابق" أو "إلغاء الديون المسماة كريهة"...الخ. وليس هناك أسهل من تقديم البراهين والحجج المقنعة، من زاوية نظر النظام والدولة، على "شطط" هذا الحل، وإمكانية الحل الآخر،وصولا إلى القول بضرورة إقناع المؤسسات المالية العالمية بضخ الأموال اللازمة "لإقامة المشاريع التنموية" و"إقامة البنية التحتية" و"تنشيط الدورة الاقتصادية"...الخ وهذا بالفعل ما تقوم به أي دولة بورجوازية تريد الانخراط أكثر في السوق العالمية وتحقيق نمو اقتصادي وأخذ موقع أفضل في ميدان المنافسة مع الدول والأقطاب الرأسمالية الأخرى.  
إن القطع مع النظام السائد لا يتعلق بالقطع مع أجوبته وحلوله فحسب، بل ،أيضا وخاصة، القطع مع أسئلته. فليست "المديونية" استغلال دولة لدولة ولا نهب أمة لأمة، ولا "مؤامرة" بين "الامبريالية" و"عملائها المحليين" ضد "الشعب التونسي"... "فالمديونية" هي ببساطة السير العادي لنظام عالمي يقوم بمقتضاه مالكي الثروة ووسائل القوة المادية والروحية باستغلال جهد المنتجين الحقيقيين للثروة. فإما القبول بهذا النظام، وبالتالي القبول بكل آليات اشتغاله الاقتصادية، وإما النهوض الثوري ضده. أما القول بالقطع مع "المديونية" في عالم يقوم على نظام التسليف، فلا يضاهيه سوى القول بالقطع مع التجارة في عالم كل شيء فيه معروض للبيع والشراء.      


الاثنين، 20 أغسطس 2012

تهنئة لمؤسسة راند!

 تهنئة لمؤسسة راند!

حمزة المزيني

٢٠١٢/١/١٩


يتذكر القارئ الكريم الضجة العارمة التي كانت تثيرها التقارير الدورية التي تصدرها مؤسسة «راند» البحثية اليمينية الأمريكية، ذات الصلة بوزارة الدفاع وتيار «المحافظين الجدد».
فقد كانت تلك التقارير من أهم الأدوات الاتهامية التي استخدمها تيار «الإسلام السياسي» والوعاظ و»الدعاة»، في المملكة خاصة، في معركتهم «الوهمية» مع مواطنيهم الذين كانوا يدعون إلى الإصلاح السياسي والثقافي والاجتماعي والتعليمي. فكانوا يتخذون ما تهذي به تلك التقارير عن «الخطر» الذي تدعي أن «الإسلاميين» يمثلونه على الولايات المتحدة، والتوصيات التي تقدمها للإدارة الأمريكية لمقاومة هذا الخطر، دليلاً على تبني الإدارة الأمريكية للتيارات الأخرى وبرهاناً على تجنيدها لها في صفها ضد «الإسلاميين».
وكان ذلك اعتماداً على توصياتها التي تدعو الإدارة الأمريكية «اليمينية» إلى دعم بعض الجماعات والتيارات العربية والإسلامية التي تزعم أنها أقل عداءً للسياسات الأمريكية في مواجهة الجماعات والتيارات «الأكثر تشدداً». ومن تلك التيارات التي ينبغي دعمها، كما يرى معدو التقارير، «العلمانيون» و»الليبراليون»، و»المسلمون التقليديون»، و»الصوفيون».

وكنت كتبت مقالاً بعنوان «الثرثرة الراندية» (الوطن،2/ 4/ 1428) عن تقرير المؤسسة الذي أصدرته في 2007 بعنوان «بناء شبكات من المسلمين المعتدلين في العالم الإسلامي»، أشرت فيه إلى زعم «راند» أن «الصراع الحالي في العالم الإسلامي في الأساس «حرب أفكار» تدور بين التيارات المتطرفة من جهة والتيارات الليبرالية والعلمانية والتيارات الإسلامية المعتدلة من جهة أخرى.
وأشرت إلى أن من أمضى الأسلحة التي يوصي بها التقرير تجنيدُ التيارات المحلية «غير الراديكالية» لتدخل في «شراكة» مع الولايات الأمريكية. وأن هذا «التحالف» مفيد لهذه التيارات لأنه سينقذها من مخاطر المتطرفين، ويسهم في بناء مجتمعاتهم على أسس ديمقراطية حديثة، تتمتع بصداقة راعية الديمقراطية في العالم.
ووصفتُ تلك التقارير بالتفاهة والثرثرة، خاصة أنها يمكن أن تُستخدم لتشويه المثقفين، ومنهم المثقفون السعوديون، وكأنها ستتحقق فعلاً.

وكان مفاجئاً أن يشير ذلك التقرير نفسه إلى أن بعض التيارات «الإسلامية» المعتدلة كالإخوان المسلمين يمكن أن يكونوا «شركاء» لأمريكا كذلك.
وقد تجاوز الأمر تلك الإشارة العجلى لـ»الإخوان المسلمين»، ليصير الحديث عنها علنياً، من خلال توكيد الباحثين الأمريكيين «اليمينيين» المتنامي، في السنوات الأربع الماضية، عن (اعتدال) «الجماعات الإسلامية» عموماً، و»الجماعة» خصوصاً. فقد بدأ أولئك الباحثون يركزون على أهليتها لتكون «شريكاً» للولايات المتحدة ضد «المتطرفين الإسلاميين»، وربما الليبراليين!

ومن أولئك الباحثين جوشوا مورافشيك، الباحث بمعهد أمريكان إنتربرايز (وهو من أكثرهم تطرفاً) وتشارلز بي. سزروم، الباحث المساعد بالمعهد نفسه، اللذان كتبا دراسة بعنوان «محاولة للبحث عن الإسلاميين المعتدلين» نُشرت في عدد فبراير 2008 لمجلة «كومنتري» الأمريكية (اليهودية المتطرفة)، (ونشر ترجمتها «موقع إيلاف»، 15/ 12/ 2008) أكدا فيها «أن هناك تنوعاً في جماعات الإسلام السياسي، التي تتباين ما بين من يؤمن بالعنف مثل القاعدة، ومن يتحاشاه، ومن تخلي عنه بعد أن اعتنقه».

ويستشهد الباحثان ببعض الباحثين المصريين مثل سعد الدين إبراهيم وعمرو حمزاوي على «أن الإسلاميين الذين لا يؤمنون بالعنف يمكن أن يتواجدوا بين المعتدلين الأصليين. وهؤلاء في أغلب الأحيان هم قوة المعارضة الأقوى في دولهم. وغالباً ما يعتنقون الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهم الأكثر قدرة علي الفوز في انتخابات حرة. لذا فإنهم من الناحية النظرية يبدون كحلفاء معقولين لأمريكا».
ويصف إبراهيم «الإسلاميين عموماً بأنهم أكثر العناصر ديمقراطية بالمنطقة». ويرى حمزاوي «أن الإسلاميين هم الحركات الجماهيرية في القرن الحادي والعشرين، ويشير إلى تشديد حركة الإخوان المسلمين في بياناتها على «احترام التعدد الحزبي، والانتخابات الحرة، وتداول السلطة « بالإضافة إلى «مساواة كاملة في الحقوق والواجبات» لأقباط مصر والمرأة».
ومن الباحثين الأمريكيين الآخرين الذين انخرطوا في الدعاية للإخوان المسلمين في دوائر البحث الأمريكية (القناة المثلى للتواصل مع الإدارة الأمريكية) «جوشوا ستاشر، المتخصص في الشؤون المصرية في جامعة سيراكيوس. فيشير إلى أن الإخوان ملتزمون بالسلم المدني، وبالرغم من أنها جماعة محافظة اجتماعية فإنها أيضاً براجماتية من الناحية السياسية، تؤمن بالتطور المؤسساتي».
ويشير ليكن وستيفن بروك، من مركز نيكسون، في دراسة نشرتها مجلة «شؤون خارجية» في عددها عن شهري مارس ــ إبريل 2007م، تحت عنوان «الإخوان المسلمون المعتدلون» إلى «أن إسلاميي مصر لن يُسرِّعوا فقط الدمقرطة لكن أيضاً سيخدمون أهداف السياسة الأمريكية الأخرى. وقد جاءت هذه الدراسة بناء على تقرير عُرض في حلقة نقاشية في وزارة الخارجية، أشار إلى مصلحة رسمية «أمريكية» جديدة بالانفتاح على الإخوان المسلمين».
ولم يقتصر الأمر على الباحثين الأكاديميين في تلك المراكز البحثية المشبوهة، بل صار «تبييض» صفحة الجماعات الإسلامية، ومن أخصها الإخوان المسلمون، موضوعاً أثيراً خلال السنة الماضية عند كبار كتّاب صفحات الرأي في الصحف الأمريكية القومية الكبرى. ومن أبرز هؤلاء توماس فريدمان المعروف بميوله الإسرائيلية، في صحيفة نيويورك تايمز.

والسؤال الآن: أيمكن الظن بأن فوز الأحزاب «الإسلامية» في الانتخابات الأخيرة نتيجة لـ»المخططات!» التي تضعها مؤسسة راند وغيرها من مراكز الأبحاث الأمريكية المشابهة؟!
أيمكن أن نعد التصريحات «المعتدلة»، التي أدلى بها بعض زعماء الأحزاب الإسلامية الفائزة، عن القضايا الاجتماعية والدينية والعلاقات مع إسرائيل – بشكل أخص، تطمينات لتلك المراكز، خاصة أنها قيلت في مراكز بحثية أمريكية يمينية متعاطفة مع إسرائيل؟!
أيمكن أن نعد اتصالات زعماء تلك الأحزاب بالإدارة الأمريكية والإدارات الغربية الأخرى، والاحتفاء بالزوّار الأمريكيين الكبار وغيرهم، أدلة على نجاح «التدجين» الذي عملت عليه الإدارات الأمريكية طويلاً، تنفيذاً لتوصيات مؤسسة راند وأشباهها؟!
أيمكن أن نعد، الآن، زعماء تلك الأحزاب من «زوّار السفارات»، بل من زوّار دول تلك السفارات، لتقديم «التطمينات!»، شخصياً، دليلاً على صداقتها «التاريخية» للغرب، وللولايات المتحدة خاصة؟!
أيمكن أخيراً أن نهنئ مؤسسة راند على نجاح تخطيطها، ونتراجع عن وصفنا لها بـ»الثرثرة»!
أنا لا أؤمن بنظريات المؤامرة؛ لكن ذلك كله يدعو إلى التأمل في أقدار الله!

http://www.alsharq.net.sa/2012/01/19/91845

دراسة أميركية: بناء شبكات من المسلمين المعتدلين في العالم الإسلامي

Print Article
دراسة أميركية: الإسلام المعتدل هو الحل الوحيد
تقرير واشنطن GMT 5:30:00 2008 السبت 15 مارس


واشنطن:
تنامي اهتمام الأميركيين بعد أحداث 11سبتمبر 2001 بالإسلام عموما، ً وبما يُسمي بـ "الإسلام السياسي" علي وجه الخصوص. ولذا بدأت العديد من مركز الأبحاث والرأي الأميركية في دراسة الحركات والجماعات الإسلامية بمختلف أنواعها وتوجهاتها. كما بدأ الحديث عن كيفية التعامل الأميركي مع هذه الحركات خاصة وأن بعضها يلعب دوراً مهماً علي الساحة السياسية في بلادها بالنظر إلي تمتعها بقدر من الشعبية.


في هذا الصدد كتب جوشوا مورافشيك الباحث بمعهد أمريكان إنتربرايز وشارلز بي. سزروم الباحث المساعد بالمعهد نفسه، دراسة تحت عنوان "محاولة للبحث عن الإسلاميين المعتدلين" نُشرت في مجلة كومنتري الأميركية عدد فبراير 2008. ولم تكن تلك الدراسة الأولي التى تسعي لإيجاد تيار إسلامي معتدل ولكن تعدد الدراسة، فقد أصدرت مؤسسة "راند" ـ على سبيل المثال ـ دراسة شاملة حول " بناء شبكات من المسلمين المعتدلين في العالم الإسلامي". تناولها التقرير بالعرض على حلقتين.

ما هو الإسلام المعتدل وأين نجده؟
تشير كلمة "معتدل" إلي كمية أو درجة أقل من الشيء. فعلي سبيل المثال فإن اليساري المعتدل، ليس بعيد جداً عن اليسار. فهل "المسلم المعتدل" ليس مسلم تقي ورع ؟. أخذ الأمر علي هذا النحو يعني الإقرار بأن الإسلام يتناقض مع الغرب. وأن القضية هي الكراهية الشديدة. وبذلك يمكن أن نقبل ضمناً أن الإرهاب هو نتيجة طبيعية للولاء التام للعقائد الإسلامية وهو القياس الذي من المفترض أن نرفضه حسبما أشار الكاتبين في صدد دراستهما.

 ويضيفان، إذا كانت معركتنا ضد الإرهاب تقوم علي أن المسلمين يجب أن يصبحوا أقل إيماناً وتقوي، فإن فرص النجاح ستكون ضئيلة وسيئة. ما نريده لا يتعلق بحماس المسلمين لقناعاتهم الدينية وإنما يتركز علي أرضية قبول أو رفض التعددية. 

وفي إطار الإجابة على تساؤل "أين نجد الإسلام المعتدل؟" أشار الكاتبان إلي أربعة أنواع من المسلمين المعتدلين:
المجموعة الأولي:- تشمل المواطنين العاديين في البلدان الإسلامية الذين يمارسون شعائر دينهم دون أن تتمركز السياسة في حياتهم. ولا يشاركون في أعمال العنف، وفي الغالب لا يدعمونها.
المجموعة الثانية:- للمعتدلين تشمل الأنظمة، مثل مصر والأردن، حيث يتضمن "الاعتدال" التحالف مع الغرب.
المجموعة الثالثة:- تضم ليبراليين علمانيين يتعاطفون مع القيم السياسية والثقافية للغرب؛ مثل الروائي المصري الراحل نجيب محفوظ والكاتب العراقي كنعان مكية.
المجموعة الرابعة:- تضم مجموعات متنوعة من الإسلاميين الذين يصفون أنفسهم بأنهم ضد العنف.

ويريان أنه على الرغم من أهمية المجموعتين الأولي والثانية فإنهما لا يلعبان دوراً مهماً في محاربة الإرهاب. وربما يتواجد بين المجموعتين الثالثة والرابعة مصادر قوة جديدة في هذه الحرب حيث يُعتبر الليبراليون العلمانيون المجموعة ذات الصلة الأكبر بالديمقراطية والقيم الغربية. ويضيفان أنه لسوء الحظ، لا تحظي وجهات نظرهم بالولاء، خصوصاً عندما تقف ضد قوة الحركات الإسلامية الصاعدة والمتزايدة بقوة. ويتضح ذلك في مصر وفي السلطة الوطنية الفلسطينية (خسارة فتح في انتخابات 2006 لصالح حماس).

جماعات الإسلام السياسي. تحالف مع أميركا؟
ينطلق الكاتبان في دراستهما من أن هناك تنوعاً في جماعات الإسلام السياسي، والتي تتباين ما بين من يؤمن بالعنف مثل القاعدة، ومن يتحاشاه، ومن تخلي عنه بعد أن اعتنقه. وحسب بعض الليبراليين مثل الدكتور سعد الدين إبراهيم والدكتور عمرو حمزاوي فإن الإسلاميين الذين لا يؤمنون بالعنف يمكن أن يتواجدوا بين المعتدلين الأصليين.وهؤلاء في أغلب الأحيان هم قوة المعارضة الأقوى في دولهم. وغالباً ما يعتنقون الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهم الأكثر قدرة علي الفوز في انتخابات حرة. لذا فإنهم من الناحية النظرية يبدون كحلفاء معقولين لأمريكا.

يُشير إبراهيم إلي إيمانه بإمكانية ظهور الأحزاب الإسلامية الديمقراطية حقاً، التي تقترب من الأحزاب الديمقراطية المسيحية في أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية. وبعد حرب 2006 في لبنان، وُصف الإسلاميين عموماً بأنهم أكثر العناصر ديمقراطية بالمنطقة. مشيراً إلي حزب العدالة والتنمية في تركيا، وبالاسم نفسه في المغرب، الإخوان المسلمين في مصر، حماس في فلسطين، وحتى، حزب الله في لبنان.
أما حمزاوي الباحث بمعهد كارنيجي للسلام الدولي فيقول أن الإسلاميين هم الحركات الجماهيرية في القرن الحادي والعشرين حيث تمكنوا من أن يحولوا الفكر الفلسفي المعقد إلى شعارات بسيطة حلت بسرعة محل الوحدة العربية والاشتراكية. وأشار حمزاوي إلي أداء الإخوان المسلمين في انتخابات 2005 البرلمانية وإلي "مبادرة الإصلاح" التي أصدرتها الجماعة، والتي شددت فيها علي "احترام التعدد الحزبي، الانتخابات الحرة، وتداول السلطة " بالإضافة إلى ( كما جاء علي لسان الناطق باسم الجماعة) "مساواة كاملة في الحقوق والواجبات" لأقباط مصر والمرأة.
بالإضافة إلي إبراهيم وحمزاوي هناك من يتبع نهجهما من المفكرين الأميركيين ومنهم جوشوا ستاشر ، المتخصص في الشئون المصرية في جامعة سيراكيوس. فيشير إلي أن الإخوان ملتزمون بالسلم المدني، وبالرغم من أنها جماعة محافظة اجتماعية فإنها أيضاً برجماتية من الناحية السياسية، تؤمن بالتطور المؤسساتي.
وبنفس هذا المنظور نُشرت دراسة بمجلة شؤون خارجية في عددها عن شهري مارس – ابريل 2007، تحت عنوان "الإخوان المسلمون المعتدلون". وطبقاً لكاتبيها، روبرت إس . ليكن وستيفن بروك، وكلاهما من مركز نيكسون، فإن إسلامي مصر لن يُسرعوا فقط الدمقرطة لكن أيضاً سيخدمون أهداف السياسة الأميركية الأخرى. وقد جاءت هذه الدراسة بناءاً على تقرير عُرض في حلقة نقاشية في وزارة الخارجية أشار إلي مصلحة رسمية "أميركية" جديدة بالانفتاح علي الإخوان المسلمين.

إلي أي مدي يمكن أن تعتنق جماعة مستبعدة من قبل السلطة الديمقراطية؟
في محاولة للإجابة على هذا التساؤل المحوري يقتبس الكاتبان مقولة عبد الرحمن الراشد الكاتب الصحفي السعودي "المشكلة ليست في إعطاء السلطة إلى الإسلاميين، المشكلة [بعدئذ] ستكون استحالة أخذها من أيديهم بالوسائل الديمقراطية.". وهناك سبب قوي لاحترام تحذير الراشد وهو حقيقة أن جماعة الإخوان المسلمين ذاتها ليست ديمقراطية في داخلها. ولا يبدو موقف الجماعة من المرأة والأقباط واضحاً، فالموقف من المرأة يتمثل في أن "الرجال أعلي منزلة من النساء." وبالنسبة إلي الأقليات، رفض الإخوان حكماً صدر في أبريل 2006 يسمح للبهائيين بوضع ديانتهم في بطاقات الهوية. وفي مقابل تظاهرهم بالتمسك بالمبدأ الديموقراطي تؤكد المحاضرات التي يُلقيها بعض قادة الجماعة أن هدفها هو خلق خلافة جديدة في العالم الإسلامي.

وصحيح أن الجماعة لم تتورط في العنف وأدانت بشدة التفجيرات الإرهابية في مصر وبعض الدول العربية الأخرى. لكنها في المقابل استحسنت قتل الإسرائيليين عموماً والأميركيين في العراق علي اعتبار أن ذلك واجب "ديني" ولأن هاتين الدولتين (فلسطين والعراق) تقبعان تحت الاحتلال ولذا فلابد من طرد الاحتلال بأي طريقة ممكنة. ولا تعترف الجماعة بإسرائيل.علاوة علي ذلك تستمر الجماعة في التأكيد علي أهمية الجهاد. الذي هو، “بالطبع، لزوم استخدام القوة متى كانت الوسائل السلمية غير ناجحة."
ويري الكاتبان أن هذا الأمر ينطبق علي الفروع الأخرى للإخوان مثل الفرع السوري الذي وإن بدا الأكثر اعتدالاً لانتقادها مسودة البرنامج الحزبي للإخوان المسلمين في مصر. وفي المقابل تبدو النسخة الفلسطينية حماس. فقد كشفت الحركة عن توجهها الحقيقي تجاه الديمقراطية من خلال عصيانها المسلح في غزة وطموحها السريع والعلني لتكرار السلوك ذاته في الضفة الغربية. وإصرارها علي تدمير إسرائيل واعتبار أرض فلسطين "وقف" إسلامي مخصص للأجيال الإسلامية القادمة حتى يوم الحساب (القيامة). ولا ترغب حماس في التوقف عند رمى اليهود في البحر. فيضيف ميثاقها: " نفس الأمر ينطبق علي أي أرض، فتحها المسلمون بالقوة." بكلمات أخرى، بعد تل أبيب تأتي الأندلس، وضواحي فينا.
وبالإضافة إلي الإخوان ظهرت مجموعات إسلامية أخرى من بينها حزب العدالة والتنمية الذي يُعد المثال النادر لجماعة إسلامية وصلت إلي السلطة من خلال الديمقراطية. وبالرغم من أن أداء الحزب حتى الآن يُقوي من أطروحة أن هناك القليل للخوف من الإسلاميين الذين يصلون إلي السلطة بواسطة الانتخابات فإنه لا ينبغي تجاهل حقيقة أن الحزب ليس حرأ تماماً في توجهاته إذ عليه قيدان أحدهما خارجي حيث تفرض معايير العضوية في الإتحاد الأوربي قيوداً على تطبيق الأسلمة، والآخر داخلي هو الجيش . فهل يُظهر الحزب وجهاً مختلفاً إذا تحرر من هذه القيود؟.

إلي جانب ذلك ومن ضمن العوامل الأخرى التي تجعل من عملية التحالف مع الجماعات الإسلامية أمراً صعباً أن هذه الجماعات تمتلك تاريخاً مؤكداً من الخداع. فهناك التلاعب باللغة بل وبالألفاظ ذاتها. فبينما تعلن هذه الجماعات أنها تدين "الإرهاب" فإنها تصفق لقتل الأطفال الإسرائيليين كنوع من" المقاومة" حسب رؤية الكاتبين.

http://www.elaph.com/Web/WebForm/PrinterFriendlyVersion.aspx?isArchive=False&ArticleId=312582

طارق رمضان يكتب: المعادلة السلفية


 في الوقت الذي نتابع فيه التطورات السياسية في كل من غرب وشمال إفريقيا وكذا في منطقة الشرق الأوسط، لا بد لنا من أخذ "المعادلة السلفية" بعين الاعتبار، والتي لعلها تكون من بين التحديات الدينية والسياسية الأكثر مصيرية في السنوات القادمة. بعد مضيّ عام من انتفاضات الصحوة العربية، أخذت التنظيمات والأحزاب السلفية تلعب دوراً نشيطا بشكل متزايد في كامل منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
ويلاحظ أن المنظمات السلفية السعودية والقطرية نشيطة جداً على المستويين الوطني والدولي. إذ أنها تدعم تنظيمات سلفية أخرى في جميع أنحاء العالم، في دول غرب إفريقيا (كالسنيغال، مالي، النيجر، ونيجريا ..) وكذا في دول شمال إفريقيا (كالمغرب، الجزائر وتونس) كما تدعمها في الشرق الأوسط وآسيا (في مصر، لبنان، أندونيسيا، ماليزيا). ويمتد هذا الدعم ليشمل الدول الأوروبية والأمريكية نفسها. ويبقى دعم هذه المنظمات بالأساس إيديولوجيا وماليا، هدفه نشر خطاب إسلامي من نوع خاص عن طريق كتب، منشورات ومؤتمرات، وعبر بناء مساجد ومؤسسات.

كل التنظيمات السلفية تجمعها مقاربة شديدة الحرفية للنصوص الشرعية، مع إيلاء الأهمية عادة للتمظهرات المرئية للمرجعية الإسلامية في الحياة اليومية (أحكام شرعية وفقهية): السلوكات المباحة وغير المباحة (حلال أو حرام). نظام اللباس، والطقوس وغيرها.
أصبحت المقاربة السلفية النقلية تنتشر في الكثير من الدول (حتى في الغرب نفسه) كما تنتشر في أوساط الشباب لأنها تشجع فهماً للإسلام يُختزل في رؤية الأمور بالأبيض أو الأسود: (حلال ـــــ حرام). على المسلمين، كما يؤكد السلفيون، اعتزال التجمعات المحيطة الفاسدة وتجنب النشاط السياسي.

هذه الرؤية الثنائية للعالم (المسلمون ضد غيرهم، الشر ضد الخير، النقاء الديني المــحفوظ ضد النشاط السياسي المفسد) صاغت مع مر السنين موقفاً فكرياً يتأسس على الانعزالية، واتخاذ وضع دفاعي وإصدار تقييمات حادة (من ينتمي إلى الإسلام في مقابل من هو مبتدع خطير، أو حتى مطرود من الملة).

لم تذهب الغالبية العظمى من السلفيين إلى أبعد من مثل هذه التقييمات الفقهية: هناك أقلية جدُّ صغيرة ( تطورت في شبكات مغلقة ومهمشة) لها نفس الموقف الفكري الثنائي، قامت بتغيير موقفها الدفاعي إلى حركية سياسية عدوانية، وأحياناً عنفية، مانحة لنفسها اسم "السلفية الجهادية".
ليس هناك بشكل واضح أي علاقة إيديولوجية أو تنظيمية ما بين السلفيين النقليِّين والسلفيين الجهاديين، ولكن هؤلاء حملوا في الأوساط السياسية نفس الموقف الفكري الذي نجده منتشراً في صفوف النقليِّين فيما يخص القضايا التي تهم السلوكات (مع إضافة تبرير العنف ضد الأنظمة غير الإسلامية و"الفاسدة").

غير أنه بإمكاننا أن نسجل، في السنوات والشهور الأخيرة، تحولا في النشاط السياسي للسلفيين النقليِّين. فبعد أن كانوا يرفضون خلال عقود المشاركة السياسية رابطين الديمقراطية بالكفر (رفض الإسلام)، أصبحوا الآن ينشطون في السياسة.
شكلت أفغانستان في التسعينيات تجربة حاسمة حيث صار الطالبان (وهم تقليديون عارضوا أيضا في البداية المشاركة السياسية) القوة الرئيسية المقاومة للهيمنة الروسية، مدعومين من قبل النظام السعودي والولايات المتحدة الأمريكية.

واليوم، أصبحنا نُعايِن في كل من مصر وتونس، صعود تنطيمات سلفية نقلية نشيطة بل فعالة، مثلما هو عليه الحال مع الأحزاب السياسية التي تلعب دوراً نقدياً عبر إثارة النقاش وتعديل التوازن السياسي داخل الدول المعنية.

ليس للولايات المتحدة الأمريكية كما ليس للدول الأوروبية مشكل في التفاوض مع هذا النوع من الإسلام السياسي الذي طوره السلفيون النقليُّون، والذي نجده عند الكثير من إمارات النفط الخليجية: هذه الأنظمة تستطيع بكل تأكيد أن تعارض الديمقراطية كما تستطيع أن تعارض التعددية. لكنها رغم ذلك لا تعرقل بأي وجهٍ المصالح الاقتصادية والجيوستراتيجية الغربية في المنطقة أو على المستوى الدولى. بل إنها تعتمد على الدعم الغربي لها حتى تستمر في الوجود: هذه التبعية النافعة تكفي الغرب كي يعلل تحالفا واقعيا- مع الديمقراطية أو بدونها.

تعرف كل من إدارة الحكومة الأمريكية، وكذلك دول أوروبية أخرى، تمام المعرفة أن المنظمات السلفية المتمركزة في المملكة السعودية أو في قطر أو في دول أخرى من الشرق الأوسط، تستثمر الملايين في "الدول المُــحَـــرَّرة" وخصوصاً في تونس وليبيا ومصر. في الآونة الأخيرة (هناك تقرير لمؤسسة راند "RAND" ذكر رقما لافتاً: ثمانون مليون دولار أمريكي تم استثمارها قبل الانتخابات في مصر وحدها).

لماذا يا تُرى تقوم الدول الغربية بتقديم الدعم المباشر وغير المباشر للإيديولوجيات الإسلامية التي يظهر جلياً تعارضها مع إيديولوجياتها؟
بعد قرن تقريبا من الحضور الفعلي في الشرق الأوسط وبالخصوص بعد الحرب العالمية الأولى، فهمت الإدارات الأمريكية المتتالية جـــيّداً،كما فهمت مثيلاتها الأوروبية، كيف يمكنها أن تسيِّر وتستفيد من علاقتها بإمارات النفط الخليجية وكذا بالإيديولوجية السلفية التي تنتجها وتنشرها هذه الأخيرة. وتتحدد مزايا ذلك في ثلاثة أمور:

أولاً: إمارات النفط الخليجية وإيديولوجياتها مهتمة أولا وقبل كل شيء بالسلطة السياسية والمصداقية الدينية. فهي تولي الأهمية، على نحو محافظ وصارم، إلى المظاهر السياسية والتفاصيل الاجتماعية والشرعية، ولكنها تبقى من الناحية الاقتصادية رأسمالية ليبرالية لا تهتم كثيرا بالتقييم الأخلاقي الإسلامي للنظام الإقتصادي العالمي النيوليبرالي. بل إنها تساهم في حقيقة الأمر في تقدمه.

ثانيا: تشجيع الميولات السلفية في قلب المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة يساعد، في آن واحد، على خلق انقسامات داخلها، ومنع التيارات والحركات الإصلاحية القادرة على اتخاذ موقف نقدي تجاه السياسات الغربية (إسلاميين إصلاحيين، يساريين أو حتى بعض الدوائر الصوفية التقليدية) من أن تكتسب المصداقية الدينية المباشرة والطبيعية (وبالتالي أن تحصل على أغلبية معتبرة داخل مجتمعاتها).
بدل أن يدخل الغرب في صراع مباشر (الشىء الذي سيؤدي على العكس، إلى توحيد المسلمين) تكمن الاستراتيجية الأكثر فعالية بالنسبة له في تقسيم المسلمين حول الشرط الديني ذاته: الشيء الذي يعني تحويل التنوع الطبيعي بين المسلمين إلى أداة للتفرقة الفعالة والنافعة.

ثالثا: الانبعاث السلفي يخلق مشاكل وتوترات داخل المرجعية السنية، وكذلك بين المسلمين السنة والشيعة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هؤلاء يُعَدُّون منحرفين من طرف السلفيين النَّقليِّين. الشرخ السني ـــ الشيعي في الشرق الأوسط هو عنصر فعال في المنطقة، وبالخصوص عندما نقوم بتحليل الطريقة التي يعلن بها الغرب وإسرائيل تهديداتهما ضد إيران وطبيعة القمع المتواصل في سورية.
وحتى فيما يخص المقاومة الفلسطينية التي وحدت المسلمين تحت مسمى المقاومة الشرعية على مر السنين، صار الانقسام عميقا. من الآن فصاعدا أصبح الانقسام هو القاعدة في الداخل كما في الخارج، مع العلم بأن الحركية السلفية (التي لا تولي كبير اهتمام للقضية الفلسطينية) تحتد وتيرتها في صفوف المسلمين السنة، وكذا بين المسلمين السنة والشيعة.

يبقى هذا التحالف الاستراتيجي مع السلفيين النَّقليِّين في كل من الحقل الديني والحقل السياسي ضروريا بالنسبة للغرب، لأنه الوسيلة الأكثر فعالية للتحكم في الشرق الأوسط. حماية إمارات النفط الخليجية وحماية إيديولوجياتها الدينية مع تقسيم القوى السياسية القادرة على توحيد الصفوف ( مثلما هو الشأن بالنسبة للتحالفات بين العلمانيين والإسلاميين الإصلاحيين أو بالنسبة لخلق جبهة موحدة ضد السياسة الإسرائيلية) يستدعي تلغيم الدول ذات الأغلبية المسلمة من الداخل.

تواجه دول الشرق الأوسط الجديد، كما هو الحال بالنسبة لدول شمال وغرب إفريقيا، أخطاراً مهولة. ويلعب العامل الديني في ذلك دوراً أساسياً. وإذا كان المسلمون، والعلماء، والقادة الدينيون والسياسيون لا يعملون من أجل مزيد من الاحترام المتبادل والوحدة والتنوع المقبول فمن البديهي أنه لن يكون هناك ربيع عربي أو إفريقى متوج بالنجاح.

إن التدبير السيء والضعف الداخلي للمسلمين، سيتم استغلالهما لحماية إسرائيل من جهة وللتنافس مع الصين والهند من جهة ثانية. لذلك على الدول ذات الأغلبية المسلمة أن تبحث عن وجود لها كمجتمعات مستقلة لا أن تستمر في الاستجابة لأهداف عابثة مبيتة. يتحمل المسلمون مسؤولية تبني هذا الخيار، حتى لا ينتهوا منقسمين باسم الدين نفسه الذي يدعوهم إلى أن يتحدوا.

http://hespress.com/orbites/53765.html