السبت، 17 مارس 2012

معنى الشريعة في مجتمع حديث - أبو يعرب المرزوقي

معنى الشريعة في مجتمع حديث 
  أبو يعرب المرزوقي

المسألة الأولى هي تطبيق الشريعة ودلالة المطالبة به في الفكر الإسلامي
الفصل الأول: أزمة الفكر السياسي والحقوقي العربي الإسلامي الراهن
الفصل الثاني: تعدد معاني الدعوة لتطبيق الشريعة وتناقضها.
المسألة الثانية هي مدلول الدعوة إلى تطبيق الشريعة ومفهوم الشريعة
الفصل الأول: الدلالة العامة للدعوة إلى تطبيق الشريعة في المجتمع الدولي
الفصل الثاني: تعريف الشريعة بما هي اجتهاد نظري وجهاد علمي

تقديم:
كما هو شأن الحركات المغالية يكون فعل المنتسبين إليها دائما من جنس الأعراض الدالة على دفين الأمراض في المجتمعات البشرية. وقد كان حدث الحادي عشر من سبتمبر أبرز الأمثلة عن هذه الدلالة. فهو قد نبه إلى أزمة عميقة برزت آثارها السطحية في العلاقة بين العالم الإسلامي الساعي منذ بداية النهضة إلى التحرر من عوائقه الذاتية ومن الهيمنة الأجنبية بينه وبين هذه القوى التي كانت في الأغلب غربية, إذ توالت على استعماره وأحيانا تساوقت بتواطؤ واضح الإمبراطوريات الفرنسية والإنجليزية والسوفياتية والأمريكية والإسرائيلية. فكان لأزمته صلة بهذا الاستعمار وبأزمة الفكر الحديث ورؤية العالم التي نتجت عنه والتي جربت قسرا في عهدي الاستعمار والانبهار الذاتي بالحداثة. وككل الأعراض والعلامات كذلك فإن تأويله ليس بالأمر السهل إذ هو قد أدى إلى قراءة الجانبين لمحددات الظرف ومقومات البنية قراءة خاطئة فضاعف سوء التفاهم بين العالمين الشمالي والجنوبي فزاد الأزمة عمقا والهوة اتساعا.
إن القراءة الأولى التي حاول أصحاب هذه الفعلة ترويجها جعلت المعركة الجارية منذئذ صراعا حضاريا بين المسيحيين والمسلمين. تناسوا أن العدوان الاستعماري على مستضعفي العالم لا يميز بين ضحاياه في كل العالم بما في ذلك في بلاد المستقوين لا يهمه الدين ولا العقيدة ولا الحضارة. وأغفلوا الأزمة الذاتية للحضارة العربية الإسلامية التي هي متقدمة حتى على وجود القوى الغربية التي ينسبون إليها كل الشرور. أما القراءة التي يرد بها الشق الأمريكي فتصور المعركة صراعا حضاريا بين الحضارة والبربرية وتضخم ظاهرة الإرهاب التي لا يخلو منها مجتمع ليركز على عامل خارجي هو إيديولوجية التطرف الديني في العالم الإسلامي ويغفل الأزمة الذاتية للحضارة الحديثة التي لم تنتظر ردود فعل المسلمين على تفشي الظلم لكي تبرز فيها أعراض الحمى الإرهابية التي تعاني منها الحضارة الحديثة ذات الشمولية المستهزئة بكل متعاليات الذات البشرية.
وبين أن كلتا القراءتين لم يغص أصحابها إلى أعماق الأزمة الإنسانية في كلا المجتمعين لكونهم استبدلوها بأزمة مصطنعة بينهما تلهيهما عن الأزمة فيهما كلا على حدة فضلا مما يضاعف أزمة الإنسانية فيضاعفها خمسا, أزمة كل شق والأزمتان اللتان بينهما بحسب القراءتين وأزمة عدم إدراك وحدة المصير الإنساني الذي لم تبق العولمة منه إلا على سلوبه بعد أن ألغت إيجابياته الدينية ( التخلص من المتعاليات الدينية في الأنوار ) والفلسفية ( والتخلص من المتعاليات العقلية في ما بعد الحداثة ) فباتت الإنسانية تعيش وضعية الحرب الأهلية الشاملة, بحيث إن الكونية التي دعت إليها الأديان تحولت إلى عولمة الحرب الأهلية البشرية.
والغريب أن لهذا الهروب من الأزمة الذاتية إلى الأزمة مع آخر مصطنع قد أخذ شكله النهائي في توصيف فلسفة التاريخ الهيجلية للعلاقة بين وجهي العهد الرابع من تاريخ العالم: العلاقة بين الإصلاح والمحمدية في عهد العالم الجرماني. فهو قد أعتبر الإسلام الوجه السالب من الإصلاح أو إن شئنا ما يعتبره الإصلاح الفاشل الذي انتهى دوره في التاريخ والذي حل محله الإصلاح الذي يعتبره ناجحا. وهو قد أسس هذه الرؤية على ما نسبه إلى الإسلام من عيوب وهي بالذات ما ينسب إليه اليوم من تعصب وإرهاب.
ولما كانت الحركات التي ينسب إليها هذا التمثيل عرفت بمفهومين صارا شبه علمين على هاتين الصفتين هما في الداخل مفهوم "تطبيق الشريعة" وفي الخارج مفهوم "ممارسة الجهاد" فإنه بات من الواجب أن ندرس أزمة الإسلام السياسي الذاتية ذات الصلة بنظريتي تطبيق الشريعة وممارسة الجهاد وعلاقة ذلك بأزمة الحضارة الإنسانية الراهنة. والغاية هي البحث في عناصر الأزمة التي تحول دون إدراك المعاني السامية للشريعة بما هي منظومة القيم المتعالية في المجتمع الحديث الإسلامي والعالمي لنحلل دلالتهما الخاصة ودلالتهما العامة في مجتمع حديث معين وفي المجتمع الإنساني ككل. وقد انطلقنا من هذه المنزلة التي تنسب إلى الإسلام والمسلمين لتعديل التأويلين الخاطئين لمفهوم الشريعة والجهاد حتى نؤسس علاقة سوية بين الحضارات البشرية عامة وبين الحضارتين العربية الإسلامية والأوروبية المسيحية خاصة. فتكون دراستنا بذلك متضمنة مسألتين نبدأ بالمسألة الخاصة منهما بالمسلمين ونختم بالمسألة العامة لكل البشر:


تمهيد
المسألة الأولى هي تطبيق الشريعة ودلالة المطالبة به في الفكر الإسلامي
الفصل الأول: أزمة الفكر السياسي والحقوقي العربي الإسلامي الراهن
الفصل الثاني: تعدد معاني الدعوة لتطبيق الشريعة وتناقضها.
المسألة الثانية هي مدلول الدعوة إلى تطبيق الشريعة ومفهوم الشريعة
الفصل الأول: الدلالة العامة للدعوة إلى تطبيق الشريعة في المجتمع الدولي
الفصل الثاني: تعريف الشريعة بما هي اجتهاد نظري وجهاد علمي
خاتمة

المسألة الأولى : تطبيق الشريعة ودلالة المطالبة به في الفكر الإسلامي
الفصل الأول: أزمة الفكر السياسي والحقوقي العربي الإسلامي الراهن
يمكن أن نرجع أغلب الأسباب التي تفسر أزمة العالم الإسلامي الحالية وفشل الأحزاب السياسية عامة والإسلامية خاصة إلى نوعين:

1- أولهما يمكن أن نعتبره متصلا بسوء استعمال مستوى الغايات من فعاليات العمران البشري أعني الوظيفة التي يؤديها المثال الأعلى في صلته بتحقيقاته المتوالية, إذ التاريخ الإنساني ليس هو في حقيقته إلا تحقيق المثال في الواقع المدني والسياسي بتوسط غايات الفعالية الثقافية والفعالية التربوية: أعني إرجاع الاجتهاد الشرعي إلى القوة الأولى من الفقه أو إلى القسر القانوني.

2- والثاني يمكن أن نعتبره متصلا بسوء استعمال مستوى الأدوات من فعاليات العمران البشري أعني الوظيفة التي يؤديها الفعل السياسي في المجتمعات البشرية وصلاته بالفعل الخلقي عامة, إذ الفعل السياسي ليس هو إلا عملية التحقيق المتدرج للمثال في الواقع بأدوات الحياة المدنية وتنظيمها السياسي: أعني إرجاع الجهاد الشرعي إلى القوة الأولى من السياسة أو مجرد القهر الحكمي.

فقد بلغ التقصير بقادة الأحزاب السياسية في العالم الإسلامي والأحزاب الإسلامية منها على وجه الخصوص وبنخبهما إلى حد جعلهم يخلطون بين المستويين فيحصرون الأول في الثاني لكونهم يقصرونه على التعبئة الجماهيرية للوصول إلى الحكم والبقاء فيه إلى الأبد لتطبيق برنامج ثابت لا يتغير بل وغني عن الإعداد المضموني والشكلي والمنهجي لكونه يعد عندهم ناجزا وخارج عن كل اجتهاد يتضمن الخطأ والصواب. فهو عندهم مقصور على تطبيق ما يضفون عليه صفة شرع الله: لكأن الله استخلف آلات وليس بشرا وولاهم عليهم وحباهم بالعصمة التي تجعلهم يصيبون دائما ولا يخطئون أبدا.

فتكون مهمة الدولة التي يريدون تأسيسها وحكمها مقصورة على فرض تطبيق الشريعة بالقوة العامة في مجال ما ردوا إليه القيم الإسلامية إذ تصوروها محددة تحديدا نهائيا وليست مادة لاجتهاد لا يتوقف ( القيم الجمالية والقيم الخلقية والقيم النظرية والقيم العملية والقيم الوجودية ). وبدلا من أن تبقى المثل الإسلامية العليا مثلا لا يمكن لأي تعين أن يستنفد إمكاناتها اللامتناهية وأن يكون هدف العمل الديني والخلقي تحقيق الممكن الإنساني منها من خلال ممارسة الدين عن قناعة ذاتية فإن مؤدى برنامجهم هو تحويلها إلى مجرد ممارسة خارجية تفرضها دولة بدائية لا يكاد يتجاوز بعدها الروحي على شرطة العبادات كما نراه في بعض بلاد العرب أو في أفغانستان.
وقد نتج عن سوء فهم طبيعة العلاقة بين الواقع والمثال وهم قاتل للفكر الديني الموجب وما يتصف به تطبيقه من نسبية وتناسب مع الظرف أعني وهم رفع الفقهاء إلى مقام السلطة التشريعية ظنا بأن الكفاءة التقنية وحفظ المدونات الفقهية وبعض الشواهد الشعرية والأحاديث كافية بديلا مقبولا من الشرعية التمثيلية للإرادة الجماعية ( وهو المدلول الحقيقي من مفهوم الإجماع بما هو مصدر تشريعي مستند إلى عصمة الأمة لا الإجماع الذي حصره الفقهاء في إجماعهم ) التي تطابق مفهوم الانتساب إلى السلطة التشريعية بالمعنى الحديث أعني شرعية البيعة العامة أو الشرعية الديموقراطية التي لا يثبتها إلا الانتخاب الحر والنزيه.

كما نتج عن سوء فهم طبيعة الفعل السياسي وهم قاتل لوجهه الموجب وما يتصف به من مرونة وتدرج خلطه بالفعل الروحي المطلق أعني وهم تطبيق بعض تعينات الشريعة بالقوة وبصرف النظر عن التعامل الفعال مع منطق العصر الذي يتحكم في الرأيين العامين الداخلي والخارجي من خلال توظيف الدولة توظيفا يفرض ممارسة فهم معين للعقيدة والشريعة. وطبعا فإن هذا الفهم ما كان ليحصل لولا الظن بأن ممارسة الشعائر الظاهرة كافية بديلا من القناعة الذاتية, أعني لولا نفي جوهر الإيمان مواصلة لسلوك فقهاء عصور الانحطاط. والغريب أن أصحاب هذا السلوك يرددون القول بان المجتمعات العربية والإسلامية تعيش وضعا أشبه بالوضع الجاهلي ويتناسون أن التربية النبوية اقتضت عشرين سنة لهداية الجاهلية الأولى وكان مجمل تنبيه القرآن للرسول تجنيبا إياه للعجلة الممكنة: دعوته لمجرد التذكير والإقناع ومنبها إياه بأنه لو كان فظا غليظ القلب لانفضوا من حوله.

فكيف تحولت المثل العليا التي حددتها الشريعة الإسلامية بمثل هذه التصورات القاصرة إلى قوانين بدائية يعاقب من
لا يطبقها لا فرق بينها وبين قانون الطرقات؟ وماذا يبقى للتربية الروحية أو للدعوة الدينية أو للتوبة أو للجهاد الأكبر من معنى, إذ كان النفاق العام والرضى باتباع بعض العلامات الخارجية( كاللحية بالنسبة إلى الرجل والزي بالنسبة إلى المرأة ) وبعض العبارات والأفعال للظهور بمظهر المسلم كافيا حتى ولو كان ذلك في تناقض تام مع كل القيم الروحية الحقيقية التي صارت عملة معهودة في مجتمعاتنا مثل الكذب والنفاق وتعاطي المحرمات سرا والتلاعب بمقدرات الأمة والعمالة لأعدائها؟ أليس من دواهي هذا الموقف ما آل إليه دور رجل الدين في الإسلام ؟ فهو قد أصبح أقرب إلى كونه مجرد مهرج منه إلى سلطة معنوية. إنه يتدخل في أتفه الأمور باسم عدم الفصل غير المفهوم بين الدنيا والآخرة وبين السياسة والدين. فهل الدنيا والسياسية ليس فيهما مستويات متعددة وهل الآخرة والدين ليسا قيمتين أعلييين ترفعان مستوى الدنيا والسياسة؟

لقد صارت الدعوة إلى تطبيق الشريعة في كل الحركات الإسلامية دعوة إلى تطبيقها الخارجي وشعارا أقرب إلى استبلاه الجماهير منها إلى توعيتهم الباطنية التي تغنيهم عن السلطة الخارجية بلغة ابن خلدون الذي يميز بين الوزعين وزع الأحكام السلطانية الخارجية ووزع الأحكام الدينية الذاتية. فهي دعوة لا يتقدم عليها السعي الصبور لتربيه الجماهير تربية إسلامية تمتد على أجيال متوالية كما يتبين من التربية النبوية للصحابة والتابعين. إنها ليست دعوة لتربية تؤدي في الغاية إلى الاستغناء عن هذا التطبيق بالفرض الخارجي, بل هي مجرد دعوى ديماغوجية لتطبيق قوانين خارجية لا تنتج عن قناعة عند الخاضعين إليها ولا عند مطبقيها: ذلك أن الكل يعلم أن التلاعب بالقانون ممكن سواء كان سماويا أو إنسانيا واحترامه ممكن سواء كان إنسانيا أو سماويا والأمر في الحالتين رهن تربية المواطنين.
فجميع الحركات الإسلامية تريد تطبيق قيم المؤسسات الاجتماعية الأساسية (أعني الأسرة والمنشأة والمدرسة والدولة والمعبد ) تطبيقا غير تاريخي ودون جهد سياسي مناسب للتدرج التربوي الذي يقتضيه تحقيق قيم الإسلام بمنهج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أعني قيم الأسرة( التي نهتدي بها في تحديد قوانين التربية والأحوال الشخصية ) وقيم المنشأة الاقتصادية ( التي نهتدي بها في تحديد قوانين الاقتصاد والملكية والعقود والإلتزامات ) وقيم المدرسة ( التي نهتدي بها في حديد قوانين التعليم والمعرفة والخبرة ) وقيم الدولة ( التي نهتدي بها في تحديد قوانين السياسة والتشريع والتأسيس ) وقيم المعبد ( التي نهتدي بها في تحديد قوانين الدين العبادة والتربية الروحية ) بحسب ظاهرها في شكل قوانين ميتة وجامدة متناسية شروطها الروحية تحقيقا لذرائعها الموجبة وحيلولة دون ذرائعها السالبة.

لست أفهم كيف ينسى البعض أن الرسول- وهو من هو- قد قضى عشرين سنة في تربية المسلمين على قيم الإسلام وأن القرآن الكريم مليء بالأدلة القاطعة على عدم اكتمال ذلك بل وعلى تعذره حيث يرد الحديث في النفاق والتلكؤ عن الجهاد حتى بين الصحابة وعدم تطبيق كل تعاليم الإسلام تطبيقا مثاليا لكون البشر ليسوا ملائكة. ولست أفهم الحركات السياسية التي تدافع مثلا عن حق الرجل في الزواج بأربع نساء في المطلق من دون شرط إسلامه الحقيقي ومن دون النظر إلى المبدأ العام للعلاقة بين أفراد الأسرة وتعليل التعدد الوارد في النص وشرطه والتنبيه إلى شبه استحالة تحقيق هذا الشرط. كيف تصبح مسألة إصلاح قانون الأحوال الشخصية موضوعا لمعركة سياسية خاسرة من البداية لمعارضتها مساواة ذاتية من تمثلن نصف المجتمع بذاتية من يمثلون نصفه الآخر ولتناقضها مع روح العصر والشروط الاجتماعية والاقتصادية وتوق النساء والرجال على حد سواء للأسرة الضيقة فضلا عن حطها من الثورة الإسلامية بالدفاع عن تصورات رجعية يندى لها جبين كل مسلم صادق.

هل يمكن أن تعد هذه الحركات صادقة في دعواها أم إن ذلك مجرد غرض سياسي لكونه مؤثرا في الرأي العام الشعبي تمسكا بتقاليد الجاهلية التي عادت فسيطرت على الفقه رغم استنادها الشكلي إلى حجج تبدو قرآنية منتزعة من سياقها تعليلا وشرطا وشرط شرط, انتزاعا جعلها في الحقيقة منافية كلا المنافاة للقيم الإسلامية كما يتبين من مثال تعدد الزوجات ؟ وإلا كيف يحق للرجل ما يزعم الفقهاء من دون ما يتضمنه من واجبات؟ أليس من شروط الحقوق التي يطلب بها المسلم الواجبات المناظرة لها؟ وقبل ذلك وبعده فلا بد لمن يريد تطبيق الشريعة الإسلامية ان يكون مسلما بحق خلقا وسلوكا. أليس أول هذه الواجبات تقدير الأسرة وفهم حقوق المرأة والأبناء وشروط التعدد كما ورد في الآيات الكريمة التي تضبط دواعيه وشروطه؟ أما كان من الأفضل مبادرة حركات الصحوة بوضع لبنات أفضل لإصلاح للأحوال الشخصية بدلا من أخذ موقع المدافع المبدئي عن أشياء منافية لكل قيم الإسلام إذ تنتسب إلى التقاليد لا إلى هذه قيم الإسلام الحنيف؟

ولا أفهم الحركات السياسية التي تدعو إلى تطبيق الحدود في مجتمع لم يتلق التربية الإسلامية الحقيقية إذ لا يكفي الانتساب الجغرافي دلالة على الإيمان بالقيم الإسلامية. فهذه التربية عند تحقيقها بشروطها تجعل من يتعدى على الحدود يتمنى تطبيقها عليه لكونه يؤمن بان العقاب الدنيوي يحرره من العقاب الأخروي. ولا أفهم الحركات السياسية التي تنفي الحرية الدينية دخولا في الملة أو خروجا منها. فليس الدين مجرد انتساب سياسي يدخله المرء بالولاء أو بعدم الولاء للعلامات الخارجية وليس هو إيمانا أهم خصائصه الصدق. وما كانت هذه الحركات تسلك هذا السلوك فتقف مثل هذه المواقف التي هي مواقف فاشلة سياسيا فضلا عن كونها ليست من الدين في شيء, لو كانت حقا تؤمن بجدوى التربية الروحية والدعوة الدينية وقوة الإسلام الذاتية فتؤسس عملها السياسي على تحقيق شروط تجاوز مجتمعات الضرورة إلى مجتمعات الحرية التي تعد الممارسة الحرة للعقيدة أسماها الممارسة الناتجة عن القناعة؟ لو كانت حركات الصحوة تعلم ذلك لركزت في برامجها على العمل لتخليص المجتمع من الذرائع السلبية ( ما يحول دون الحياة الروحية من شروط اجتماعية اقتصادية وسياسية) ولتمكينه من الذرائع الإيجابية ( ما يساعد على الحياة الروحية من نفس الطبيعة ) مما يتعلق به العمل السياسي ولكانت بذلك أكثر تقدمية من كل الحركات السياسية الأخرى: مثل الحقوق السياسية والمدنية والاقتصادية والصحية والتربوية الخ...

بذلك فقط يكون لهذه الحركات برنامج سياسي حقيقي غايته توفير شروط الممارسة الروحية السامية أعني ما به يتجاوز الإنسان الضرورة ليشعر بالحرية فيفكر في الممارسة الروحية السامية دون حاجة إلى الوزع الخارجي. وعندئذ يمكنها أن تعمل مع الحركات السياسية المدنية لكون برنامجها المدني يجعلها أحزابا سياسية: لا وجود لحل آخر يخرج مجتمعاتنا من الحرب الأهلية. كيف لمسلم صادق ولسياسي ذكي أن يعتقد الإيمان قابلا لأن يكون بالإكراه بقاء فيه أو خروجا منه في حين أن القرآن الكريم مليء بالآيات التي تنبه النبي فضلا عن غيره إلى وجوب التخلص من مثل هذا الوهم وفي حين أن المجتمعات البشرية كلها تزداد ضيقا بكل معتقد مفروض من الخارج وخاصة مما يؤدي إليه من حياة منافقة ليس لها من الروح إلا المظاهر الخارجية فيصبح الصدق الديني منعدما ويعوضه التنافس المقيت في ممارسة التقاليد الخارجية ؟

الفصل الثاني: تعدد معاني الدعوة لتطبيق الشريعة وتناقضها
يقتضي التساؤل عن معنى الشريعة في مجتمع حديث سؤالا متقدما عليه - كان ينبغي أن نبدأ به لولا الحاجة لتقديم الكشف عن الداء - هو دلالة المطالبة بتطبيق الشريعة في الفكر الإسلامي الحديث كما في المثال الذي انطلقنا منه في مبحثنا الأول, لعدم إمكان الاقتصار على مجرد الدافع العقدي حتى وإن كنا لا ننكر دوره. فالمعنى السطحي الذي يمكن أن يتبادر إلى الأذهان هو اعتبار هذه الدعوة مجرد حنين إلى الماضي أو مجرد تعويض عن وضع مجتمعاتنا المتدني في الحاضر بالهروب إلى العصر الذهبي كما هو شأن أغلب الأمم المغلوبة. ورغم أن مثل هذا الهاجس لا يمكن نكرانه فإن المعنى العميق الحقيقي لهذه الدعوة هو إرادة التخلص من حكم الأمر الواقع الذي حط القانون الوضعي الذي فرضته عمليات التحديث الفوقية إلى مجرد أحكام تحكمية تعبر عن نزوات الأنظمة المتلاعبة بمصائر الشعوب العربية والإسلامية دون تغيير يذكر بالقياس إلى ما وصفته مقدمة ابن خلدون: فمن المعلوم أنها تفسر انحطاط الحضارات بعدم وجود وازع للوازع. ذلك أن فساد العمران علته الظلم ( اغتصاب الحقوق ) والعسف ( اغتصاب الحريات ). والمعلوم أن قمة الظلم عند ابن خلدون نوعان: اغتصاب حقوق الإنسان المادية ( المال خاصة ) وحقوقه المعنوية ( العرض خاصة ). وإذا كانت غاية اغتصاب الحقوق هي تدخل الدولة المباشر في الحياة الاقتصادية والتسخير وتهديد حق الملكية أو تدخلها غير المباشر بواسطة الضرائب وتحديد الأسعار وتزييف السكة, فإن غاية اغتصاب الحريات هي حكم الشعوب بحاميات المرتزقة ضد الشعب وتربية النشء بالتربية التعسفية التي تفقد الإنسان معاني الإنسانية. لذلك فهو قد اعتبر الدعوة لتطبيق الشريعة تحقيقا لشرط وزع الوازع أو لجعل القانون فوق تحكم الحكام: المطالبة بتطبيق الشريعة هي إذن في الأصل بقصد السعي إلى تحرير المواطنين من سلطان التحكم وليست بقصد إضافة تحكم رجال الدين إلى تحكم رجال الدولة.

لكن هذه الدعوة التحريرية سرعان ما انقلبت إلى عكسها. فالهروب الساذج إلى العدالة السماوية بديلا من هذا التحكم لا يكفي إذا لم يصحبه السعي الحقيقي للحيطة التي تجعل وازع الوازع متحررا من الانحراف الممكن. وتلك هي وظيفة الرأي العام الواعي بمسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ذلك أن وازع الوازع يمكن أن ينحرف هو بدوره إذا حصر في تصورات أحزاب بينت تجربة الحركات الإسلامية أنها من جنس تصورات الأنظمة الرجعية. فليست دعوة ابن خلدون لجعل الشريعة وازع الوازع هي نموذجها بل نموذجها هو ما تسير عليه الأنظمة التقليدية التي أضافت إلى تحكم الحكام التأويل الرجعي للشريعة. ومن ثم فإن مثل هذه الدعوة من دون الشروط التي وضعها ابن خلدون للحد من سلطان الحكام والوازع الخارجي أضافت إلى التلاعب بالقانون الوضعي التلاعب بالشريعة كما هو الشأن في الأنظمة العربية والإسلامية التي تدعي تطبيق الشريعة بأكثر التأويلات مسا بحقوق الإنسان الطبيعية وتحقيقيا لنفس الأغراض التحكمية والنزواتية للأسر الحاكمة والقبائل المناظرة لمافيات الأنظمة التي تدعي الحداثة والعلمانية.

وإذا كانت العلة العميقة للمطالبة بتطبيق الشريعة هي إرادة تحررية من جنس ما حصل في الثورة الدينية ضد الاحتلال الاستعماري في العالم الإسلامي وضد النظام الشيوعي في مستعمرات السوفيات الإسلامية وفي مستعمراتهم المسيحية في أوروبا الشرقية أومن جنس الثورة الدينية ضد ظلم الدكتاتوريات وكبار الملاكين في أمريكا اللاتينية بإضافة نظرية فلسفية تحريرية بنى عليها ابن خلدون نظرية وازع الوازع فماذا يمكن أن تكون الاعتراضات على تطبيقها وهل يمكن أن نجد فيها بعض ما يؤكد التعليل العميق؟ تعود جل الاعتراضات إلى نوعين كلاهما قد كان سبب ازدياد شعبية الدعوة إلى تطبيق الشريعة في حركة التحرر الإسلامي خاصة وفي مثيلاتها من الأديان الأخرى في كل قارات العالم.

فأما النوع الأول فيشمل كل القوانين الوضعية التي أتت بديلا من قوانين شرعية ذات صلة متينة بمقومات الهوية وفرضت تحكميا في عملية التحديث القسري وفوقيا من دون مساهمة شعبية وعمل فكري يطور الفلسفة الدينية الإسلامية: وقد بدأت هذه السياسة مع الاستعمار ثم واصلتها النخب التي سلمها الاستعمار الحكم لكونها قريبة منه ومتأثرة بنظرياته حول ما يسمى بتجفيف المنابع ومستعدة لخدمته.

وأما النوع الثاني فيشمل كل القوانين الوضعية التي نتجت عن التبعية الحقوقية النافية لمقومات السيادة, إذ من المعلوم أن الحداثة نوعان: حداثة ذاتية نتجت عن تطور ذاتي للشعوب, وتحديث قسري فرضته التبعية التي تهمل اعتبار المعطيات الاجتماعية والثقافية وتقتصر على مجرد التقليد القردي.

فمن النوع الأول قانون الأسرة والقانون الجنائي وما يسمى بالحرية الدينية التي تعني عمليا حرية التبشير وفنيات إخراج الشعب من ملته بالمغريات المادية وبالدعاية التمدينية. ومن النوع الثاني كل القوانين التي تقدم بصفة الحقوق الطبيعية للإنسان رغم كونها قوانين وضعية فرضها تصور معين يفرض خصوصية حضارية فيصفها بكونها كونية تسليما بأن التصور الوجودي الذي يجعل الإنسان مركز الكون ومصدر كل تشريع يمكن أن يفرض من دون تمسيح العالم ومن دون تناقض تام مع أساس القانون الوضعي أعني السيادة الشعبية بحيث يجعل سيادة أصحاب هذا التصور بديلا من كل السيادات الأخرى.

فالقانون الوضعي قوميا كان أو دوليا ينبغي أن يكون مبنيا على السيادة الشعبية بديلا من المتعاليات الشرعية لذلك ففرضه كونيا متناقض مرتين. فلا يمكن أولا أن نوفق بين القول بسيادة الشعوب مصدرا للتشريع وفرض سيادة أحد الشعوب على الشعوب الأخرى من دون التسليم الضمني بأن الشعوب التي سبقت في هذه الخيارات الحضارية حددت الأفق الإنساني المطلق وبأنه على البقية الاقتصار على موقف التبعية: لا يمكن لكنجرس الولايات المتحدة ورئيسها أن يحددا مفهوم الإنسان. ولا يمكن ثانيا تصور القانون الوضعي كليا من دون أن نقول ضمنيا بأن القوة هي الأساس الوحيد للقانون فتكون إرادة الأقوياء الذين شرعوه بديلا من الأخلاق والدين أساسين ممكنين للتشريع الكوني طبيعيا كان أو وضعيا. ولما كان هذا الموقف لا يستند لا إلى تأسيس ديني ولا إلى تأسيس ميتافيزيقي يتنكر تحته التأسيس الديني فإن الكلية الحقوقية المزعومة تصبح مستندة إلى حق القوة لا إلى قوة الحق. فالقانون الذي لا يؤمن بتعالي القانون على القوة لا يمكن أن يصبح شريعة للبشرية إلا بالشكل الذي نراه في العولمة الحالية التي تضع القوانين بحسب مصلحة الأقوياء ولا تطبقه إلا عندما يلائم هذه المصلحة: إنه تعال من دون متعاليات روحية وفلسفية تكون مصدر الأخلاق التي تؤسس القانون.

وسواء تكلمنا في الأمر بخصوص مجتمع بعينه أو بخصوص المجتمع الدولي فإنه لا يمكن تصور حقوق الإنسان من دون واجبات تناظرها ومن دون أن تكون هي بدورها طبيعية مثلها مثل الحقوق التي اعتبرت طبيعية: إذ الحقوق الطبيعية وظيفتها أن تحرر الإنسان من تحكم السلط الوطنية والدولية سياسية كانت أو اقتصادية أو ثقافية والواجبات وظيفتها أن تحرر الطبيعة والقيم الأساسية من تحكم الإنسان بحسب هذه المصالح السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية كما يتبين من تهديم الحضارة الحديثة للطبيعة والشريعة بالتلويث الاقتصادي والثقافي.

والجمع بين هذين الوجهين وجه حقوق الإنسان ووجه واجباته هو ما يعتبره المسلمون جوهر الشريعة التي وصفها الإسلام بكونها حقوقا وواجبات طبيعية كما يفيد ذلك مفهوم "الدين- الفطرة". لذلك فلا بد أن نحدد المقصود بمفهوم الشريعة-الفطرية في الفكر الإسلامي لكي نحررها من حطها إلى منزلة القانون الذي من القوة الأولى بدلا من أن تكون كما هي حقا قانون من القوة الثانية أعني قانون القانون الذي يتعالى حتى على الدساتير والإعلانات الدولية لحقوق الإنسان: وهو معنى وازع الوازع.

فالشريعة قد خضعت في الفكر الإسلامي إلى عملية توسيع جعلتها مطابقة للدين وعملية تضييق جعلتها مطابقة للقانون من القوة الأولى. لكنها في الحقيقة غير ذلك وغير هذا. فأما التوسيع فكان مصدره الفكر الفلسفي في سعيه المزدوج للتوفيق بين الفلسفة والدين الذي يسمونه شريعة في عبارة التوفيق بين الحكمة والشريعة وكذلك في سعيه لوضع شرائع فلسفية تنتظم بها المدن الفاضلة. وبين أن الإسلام يميز بين الدين والشريعة بخلاف ما يتصور فلاسفة الإسلام في العصر الوسيط. فالقرآن يعتبر الدين واحدا عند جميع البشر ويعتبر الشريعة متعددة بحسب الأقوام والعصور, لكونها شرعة ومنهاجا للوصل بين فهم الكلي الديني الواحد وممارسته العينية المتعددة. وهو ينسب إلى هذا التعدد وظيفة رئيسية لا يمكن من دونها تحقيق القيم في التاريخ: وظيفة التنوع الشارط للتدافع الذي من دونه لا يمكن للأمم ان تتنافس في التواصي بالحق والتواصي بالصبر أو في منع الفساد في الأرض الحائل دون الحرية الدينية والناشر للظلم. أما التضييق فيعود إلى الفقهاء الذين حصروا الشريعة تقريبا في فقه العبادات والمعاملات أعني في القوة الأولى من القانون المتعلق بالمعاملات البشرية فيما بينهم أو بالعبادات البشرية في تعاملهم مع الله. فهم قد تصوروا الأمثلة المضروبة في القرآن الكريم أو الممارسة الواردة في السنة الشريفة مستنفدة للمعاني والمقاصد الكلية التي تمثل لها تلك الحالات الخاصة. لم ينتقلوا عمليا من فقه الحالات الخاصة مهما وسعوا من القياس إلى فقه المقاصد رغم وضع النظرية الممكنة من ذلك أعني النظرية التي تجعل الشريعة قانونا من القوة الثانية: قانون التقنين وأخلاقه أو أفق التقنين ومبادئه العامة.

ويتأكد هذا المعنى بجلاء في سورة المائدة.فهي تحتوي محاولة نسقية لتحديد علاقة الأديان السماوية الثلاثة بعضها بالبعض فتضمنت تمييزا واضحا بين الدين والشريعة وتعليلا دقيقا لتعدد الشرائع وتواليها. ونجد فيها دعوة صريحة للتعامل المتسامح بين الأديان المختلفة وختم الوحي بتحقيق الوحدة بين الدين الطبيعي والدين المنزل في ذروتيهما عند الوصول إلى علم الحق بالعقل الطبيعي من خلال التجربة الطبيعية غير المتنكرة لقيم الأخرى (الفلسفة) أو التجربة التاريخية غير المتنكرة لقيم الدنيا (الدين). لذلك فقد جمع القرآن الكريم الاعتبار والتدبر بالآية الكونية والآية الأمرية حسب اصطلاح ابن تيميه في تعينهما العام ( الطبيعة والتاريخ ) ثم في تعينهما الشخصي في الفرد الإنساني والجماعي في الإنسانية وفي أصل الآيات جميعا اعني القرآن الكريم. فكيف حصل الخلط بين الشريعة من حيث هي منهاج لعيش الدين وممارسته يكون بالضرورة متعددا بتعدد التجارب ( بمعنى الطرق الصوفية إلى معنى الدين العميق ) التي لا يوحد بينها إلا الدين من حيث هو أفق متعال عليها ومحررا مما قد يصيبها من انحطاط يجعلها ترتد إلى التحيز والانغلاق؟

المسألة الثانية : مدلول الدعوة إلى تطبيق الشريعة ومفهوم الشريعة
الفصل الأول: الدلالة العامة للدعوة إلى تطبيق الشريعة في المجتمع الدولي

إن التمييز بين الشرائع بما هي مناهج متعددة والدين الواحد بما هو اشرئباب إلى الأفق المطلق هو الذي يمكن أن نعتبر فقدانه مرض العولمة الذي تعاني منه الإنسانية. فالشرائع بوصفها أفقا جمعيا وإطارا للمتعايشين من البشر قد تحد من كلية القيم والمعاني الروحية بتحديد مواقفهم من الحوار ومن علاج موضوعاته لكونها معرضة لضربين من التصور. فهي قد تعتبر أفقا مطلقا يقتصر على الأفق الجمعي التاريخي ويتحدد به ولا يتعالى عليه فتصبح حيزا منغلقا يحول دون السعي الدائب لتجاوز الجزئي إلى الكلي والنسبي إلى المطلق من أجل تقريب حاصل الواقع من ممكن المثال الذي هو واجب الواقع. وقد تعد الشرائع كما هو الشأن في الآية 48 من المائدة أفقا نسبيا يتضمن بالطبع الميل إلى أفق أسمى منه يتجاوزه لكونه سعيا دائبا نحو المثال سعيا مشدودا إلى أفق كلي هو أفق القيم المتعالية التي سماها القرآن الحق المعنيين المعرفي والخلقي والتي لا تقبل الرد إلى الأفق الجمعي مهما بلغ من كمال.

وتبين التجربة التاريخية أن الاقتصار على الأفق الجمعي يحول بصيغتيه المتلازمتين في كل الحضارات دون التعايش السلمي بين الأمم ويمنعها من الحوار السوي. وقد تأكد ذلك في غاية صيغتي هذه التجربة غايتها القصوى التي اكتملت في عقيدتي العولمة:

الأولى: تنسب المطلق فتزعم أنه قابل للتعين في النسبي بالحلول فيه. ويجعل هذا التعين الحضارات عامة وشرائعها خاصة كليات عينية بلغة هيجل ممثله لتحقق الروح الكلي كما هو الحال في نظرية أرواح الشعوب التي صاغتها الفلسفة الهيجلية أكثر الصيغ صراحة لتفسير التاريخ الإنساني.

والثانية تطلق النسبي نفي المطلق كما هو الحال في نظرية مراحل العقل التي صاغتها الفلسفة الوضعية أكثر الصياغات صراحة لتفسير التاريخ الإنساني في فلسفة أوغست كونت وانتهت إلى أن الأخلاق ليست شيئا آخر غير سلطة الضمير الجمعي.

والصيغتان متلازمتان, رغم أن الأولى مصدرها تحريف الفكر الفلسفي بإخضاعه لنظرية الحتمية التاريخية العملية وأن الثانية مصدرها تحريف الفكر العلمي بإخضاعه لنظرية الحتمية التاريخية النظرية. لكن التلازم الذي لا يظهر بجلاء إلا في الأفق الحضاري الذي يؤسسان له قابل للتعليل المنطقي المتين. فإطلاق الأفق الحضاري الجمعي عامة والعملي والنظري خاصة واحد سواء حصل نفي التعالي بجعل الآفاق الجمعية آفاقا مطلقة وسلب كل ما يتعالى عليها إذ إن النسبي يصبح في غياب المطلق مطلقا ( تحريف الفكر العلمي في الوضعية وبراغماتية الرأسمالية ) أو حصل بتحييث المطلق في النسبي تحييثا يرد الأفق الكلي الحال إلى الأفق الجمعي المحل سلبا لكل ما يتعالى عليه إذ إن ما يقوم به لا يمكن أن يكون أسمى منه وهو لا يقوم إلا به ( تحريف الفكر الفلسفي في الهيجلية وبراكسيسية الماركسية ).

ومن ثم فأساس الموقفين واحد. فليس تحريف الفكر الفلسفي وتحريف الفكر العلمي إلا سعي كلا الفكرين لتحريف الفكر الديني بإلغائه حصرا لأفقه في أفقهما من خلال تصور التعالي أو ما يفضل به الكليُ الجزئيَ والمطلقُ النسبيَ في مجال العمل ( التحريف الفلسفي ) وفي مجال النظر ( التحريف العلمي ) مجرد وهم بحيث يصبح مجرى التاريخ بحسب البراكسيس السياسي والبراغماتسم العلمي ( الممثلين للأفق الحضاري عامة ولشرائع الأفق الجمعي النظرية والعملية كما يتعين في روح الشعب ) في حل من الأخلاق كما أسلفنا في الإحالة السابقة إلى هيجل.
إن استيعاب الجزئي للكلي والنسبي للمطلق ونفي التعالي بوصفه الفضالة الوهمية في العمل والنظر هو عين مرض العصر وهو عين القول بالحلول سواء أكان المحل عاما أعني العالم والطبيعة أو خاصا أعني المجتمع والتاريخ. وفي هذه الحالة يصبح التعايش بين البشر والحوار بين الحضارات أمرين ممتنعين: فلا يكون الحوار عندئذ إلا حوارا كاذبا بالطبع وظيفته الأساسية وظيفة الخداع الحربي بين الأعداء وبخلاف الدعوة إلى التعارف التي بنت عليها الأديان رفضها لهذين الموقفين الإرجاعيين.

فلا يمكن تنسيب المطلق بتحييثه في الجزئي من دون إطلاق هذا الجزئي المحل إطلاقا يؤدي إلى التنافي الجدلي الهجيلي الذي هو عنف رمزي يؤسس فلسفيا ومنطقيا للعنف المادي حيث يصبح التنافس العسكري أفضل الطرق لتحقيق الاعتراف المتبادل وتصبح علاقة السيد بالعبد السبيل الوحيدة للتحضير الإنساني والتربية الخلقية. فهذا التصور يجعل تراث كل شعب أو روحه وجودا عدميا يضع نفسه بسلب غيره. كما أن نفي المطلق لا يمكن أن يؤدي إلا إلى إطلاق النسبي الذي عوضه بمفرده إطلاقا يؤدي إلا التنافي التقني الكونتي الذي هو عنف مادي يؤسس لعنف رمزي حيث يصبح الاستغلال الاقتصادي أفضل الطرق لتحقيق الاعتراف المتبادل وتصبح علاقة المستغل بالمستغل السبيل الوحيدة للتحضير الإنساني والتربية الخلقية: وتكون في هذا التصور ثروة كل شعب أو قيامه طاقة عدمية تحقق قيامها بسلب قيام الغير.

وبين أنه لا فرق بين العدميتن إلا بالترتيب بين العنفين الرمزي والتقني. فالأولى تنطلق من السلب الروحي لتذهب إلى السلب المادي والثانية تعكس فتذهب من السلب المادي إلى السلب الروحي. وقد اجتمع السلبان ضربين من الاجتماع لا يختلفان إلا بهذا التقابل وفيهما مجتمعين تتجسد العولمة الحالية بما هي جوهر التعين التاريخي لتحريف الفلسفة للدين في الاشتراكية التي تجمع بين عملية تنسيب المطلق الهيجلية وعملية إطلاق النسبي الوضعية وذلك هو جوهر المادية الجدلية الماركسية وهي جوهر التعين التاريخي لتحريف العلم في الرأسمالية التي تجمع بين إطلاق النسبي الوضعية وتنسيب المطلق الهيجلية وذلك هو جوهر المادية البراجماتية. لذلك فلا عجب أن نكتشف بعد سقوط الشق الأول ( الشيوعية ) من هذه المعادلة أن الشق الثاني ( الرأسمالية ) بدأ يعترف في تأسيسه العولمة على هاتين الحقيقتين: حقيقة الصلة بنظرية أرواح الشعوب أو مميزات الحضارات الهيجلية التي بلغت تمها في الشكل النهائي الذي يزعمون التاريخ قدانتهى عنده ( فوكوياما ) ونظرية التنافي المطلق بين الحضارات الذي يؤسس لصدامها ( هنتجتون ).

وفي الحالتين أصبحت الصلات السلمية الممكنة بين الشعوب المختلفة ممتنعة لكون الآفاق الحضارية صارت بحسب هذين التصورين آفاقا متنافية بالطبع وحائلة دون أي لقاء حواري سلمي. فوجودها المتساوق يصبح ممتنعا من غير صراع دام وتوازن رعب استنادا إلى منطق التنافي الجدلي أو التسالب التقني. ووجودها المتوالي يصبح مشروطا تحققه بنفي خالفها لسالفها وابتلاعه. ولا عجب فالموقفان الذي ينسب الأفق المطلق بتحييثه في أرواح الشعوب والذي يطلق النسبي بنفي ما يتعالى عليه متلازمان: إذ هما صورتان من الموقف الحلولي أعني من تحريف الفلسفة والعلم للدين تحريفا ينفي الفرق بين الأفقين الجمعي التاريخي والمتعالي ما بعد التاريخي. وقد جمعت العولمة بين التحريفين الفلسفي والعلمي فكانت التحقيق الفعلي للشمولية المستندة إلى آليات العولمة السياسية الإيديولوجية التي كانت مميز الشيوعية وآليات العولمة الاقتصادية التقنية التي كانت مميز الرأسمالية. وكلتا الآليتين لا يمكن أن تسيطر من دون هيمنة دولة مطلقة ذات أجهزة بوليسية واستعلامية وعسكرية تستعبد الجميع دون استثناء بمن فيهم مواطنيها قبل غيرهم بهمجية عارية في الأولى وبهمجية مبطنة في الثانية ومزية حدث الحادي عشر من سبتمبر الوحيدة هي فضح هذه الآليات وبيان أن طبيعتها واحدة في كلتا الشموليتين.

الفصل الثاني: تعريف الشريعة بما هي اجتهاد نظري وجهاد عملي
فهل الشريعة في معناها الإسلامي هذا يمكن أن تكون نسبتها إلى الأزمة الإنسانية هي عين نسبتها إلى الأزمة التي تعيشها الحضارة الإسلامية كما حددها ابن خلدون مما يفسر شغل الأزمة الإسلامية قلب المعادلة الدولية وارتهان الحلول بفهم علاقة الأزمتين في اللحظة التاريخية الكونية الحالية خاصة ومنذ القرون الوسطى عامة كما يتبين من تحديد هيجل لمنزلة اللحظة العربية الإسلامية في علاقتها باللحظة الرابعة من فلسفته التاريخية؟

كاد الفقه أن يلغي معاني الشريعة العميقة وهو ما أضطر الغزالي في غاية محاولات تخليصها من حصرها في صورة التوسيع الذي جعلها عين الملة ( في الفكر الفلسفي والشيعي ) وفي صورة التضييق الذي جعلها عين القانون المباشر لتنظيم الحياة في العمران ( في الفكر الكلامي والسني ) إلى تأليف كتابين في دحض هذين الإرجاعين للشريعة وعلومها. فأما الكتاب الأول فهو كتاب فضائح الباطنية الذي يرفض التوظيف السياسي الدين توظيفه الذي حصر الشريعة في فنيات التأثير السياسي والتنظيم السري: فأحيا البعد العقلي والتاريخي من العمل الشرعي وحرره من ذهنية العمل السري والانقلابي عند الحشاشين. وأما الكتاب الثاني فهو كتاب أحياء علوم الدين ويمكن أن نطلق عليه أسم فضائح الظاهرية مثلما يمكن أن نطلق على فضائح الباطنية اسم إحياء علوم الدين كذلك: فأحيا البعد الصوفي والروحي من العمل الشرعي وحرره من ذهنية الشكليات الخارجية للعبادات والمعاملات السطحية عند الظاهريين.

وبذلك يتبين أن الأزمة التي تعاني منها الأمة الإسلامية ليست جديدة وليست خاصة بالمسلمين. إنما الجديد إسلاميا هو اجتماع وجهي الأزمة اللذين كانا متقابلين في الإسلامين السني والشيعي فصارا متقابلين في الإسلام الرسمي والإسلام المعارض. والجديد في نظر غير المسلمين التوحيد بينهما لاجتماع ذهنية الحشاشين الباطنية وذهنية النصيين الظاهرية في الحركات الإسلامية التي ينسب إليها الإرهاب. والجديد أخيرا من الوجهين هو صيروة هذا الأمر عرضا لأزمة كونية سيتحدد خلالها دور الشرائع والدين في الوجود الإنساني التاريخي. فكيف يمكن أن نخلص الشريعة من الانحراف الذي حلله الغزالي وابن خلدون لنرجع إليها وظيفتها التي تتمثل في الوصل بين الأفقين التاريخي الحضاري وما بعد التاريخي الروحي أو بين الدنيا والأخرى بحسب الدور الذي ينسبه إليها هذان المفكران ؟

وهذه الوظيفة الوصلية تستند بالأساس إلى التحرر من الفصام الذي يريد الإسلام تحرير الإنسان منه بتجاوز الفصل المرضي بين الدنيا والآخرة وبين السياسة والدين أعني للمقابلة الميتة بين الظاهر والباطن وبين قانون الضرورة الطبيعية وقانون الحرية الخلقية: فالوظيفة الوصلية هي التوتر الروحي الذي يحدد معنى الدنيا بقيم الآخرة ومعنى السياسة بقيم الأخلاق فيرفض أن يكون الإنسان منقسما إلى حياة خاصة أخروية ودينية وحياة عامة دنيوية وسياسية كما يدعو إلى ذلك أصحاب العلمانية الفرنسية المتطرفة وكما تأسست في النتائج القصوى للمثنوية الكنطية التي تقابل بين عالم الظاهرات النظري وعالم الباطنات العملي وفشل الحل الوسط بينهما في نقد ملكة الحكم من دون التسليم الضمني باللجوء للحل الديني أعني بالذات هذه الوظيفة الوصلية المخلصة من الفصام.

فكيف حدد الإسلام وظيفة الشريعة من حيث عين هذا التوتر الذي يصل بين البعد الدنيوي ومعناه الأخروي وبين البعد السياسي ومعناه الخلقي من حياة الإنسان الشخص والجماعة الأسرية أو الوطنية أو الملية أو النوعية ؟ ذلك هو ما عبرت عنه الشريعة الإسلامية بمفهومين لهما نفس المادة اللسانية: الاجتهاد في مجال النظر أعني فهم آيات الوجود الطبيعي والتاريخي والجهاد في مجال العمل أعني تحقيق قيمه فيهما معا. وقد جمعت سورة العصر هذه المعاني جميعا في آيتها الثالثة والأخيرة بوصفها الشروط المحررة من الخسر الذي حددته الآية الثانية: " والعصر* إن الإنسان لفي خسر* إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر".

فالاجتهاد الذي يفهم معاني الوجود فيصل بين النسبي والمطلق وبين الدنيا والأخرى يعرفه القرآن الكريم بالإيمان في مجال الضمير الشخصي وبالتواصي بالحق في مجال تعاون الضمائر في طلب الحق وذلك هو جوهر النظر في آيات الله الطبيعية والتاريخية لعلم قوانينها بحسب مستطاع الإنسان.

والجهاد الذي يحقق قيم الوجود فيصل بين النسبي والمطلق وبين السياسة والدين يعرفه القرآن الكريم بالعمل الصالح في مستوى السلوك الشخصي وبالتواصي بالصبر في مجال تعاون الإرادات على تحقيق الحق وذلك هو جوهر العمل جوهر العمل بتلك القوانين بحسب مستطاع الإنسان.

التواصي بالحق والتواصي بالصبر الخاليان من التأثيم بلغة ابن خلدون هما المبدآن اللذان يرد إليهما جهد الاجتهاد والجهاد بوصفهما وجهي الشريعة بما هي اشرئباب دائم نحو الدين الواحد رغم تعدد الشرائع لكون التواصي بالحق والتواصي بالصبر يعنيان الطلب المتعدد ومن ثم عدم ملكية أي إنسان للحقيقة وهو ما تشير إليه صيغة المشاركة في كلا التواصيين والتخلص من سلطة الوسطاء بين الإنسان والله. ومعنى ذلك أن الجهاد الذي قصرته الحركات الغالية على القتال يحط الشريعة إلى أدنى مستويات السياسة فيفقدها معناها الخلقي وأن الاجتهاد الذي حصروه في الفقه يحط الشريعة إلى أدنى درجات القانون فيفقده معناه الروحي فيصبح الوجود الإنساني كما نراه في الحركات السياسية الإسلامية جمعا بين المرضين اللذين أصابا الشريعة في القرون الوسطى: سياسة بلا أخلاق وقانون بلا روح فيصبح المجتمع آلة ميكانيكية تروض الإنسان بالتأثير الخارجي المستند إلى فعل القوة المادية في جسده أو إلى فعل القوة الرمزية في وعيه الباطن. وتلك هي ممزات عصرنا الحالي في العالم كله وفي العالم العربي والإسلامي خاصة لكونه يجمع بين المرضين كما تعينا في العصرين الوسيط والحالي وبصورة مضاعفة من خلال السلط الداخلية والسلط الاستعمارية التي نوبتها في إدارة مصالحها.

فظاهرة السياسة المتخلصة من الأخلاق والقانون المتحرر من القيم الروحية صارت ظاهرة عامة في العالم كله بحجة علمية المعرفة السياسية ونجاعة العمل السياسي مما أدى إلى الاستغناء عن الشرائع السماوية والأديان. وما حصل في الحركات الإسلامية كان استغناء عنهما غير صريح إذ كاد دور الشريعة أن يحصر في وظيفة المؤثر الإيديولوجي. كما أن السياسة بلا معنى خلقي والقانون بلا معنى روحي هما أداتا العولمة على الأقل كما نعيش وطأتها في العالم الإسلامي وكما بدأت تبرز على حقيقتها حتى للمواطن الغربي بعد شعوره بأثر السلط الخفية التي استحوذت عليها الشركات المتجاوزة للحدود الوطنية وحركات رأس المال والمضاربات فصار الحكم في غاية التحليل مجهول الهوية وديست المصالح الوطنية والخدمات العامة.

ويمكن أن نستنتج من بعض مبادئ الإسلام إشارات واضحة إلى هذين الدائين اللذين يصيبان المؤسسة السياسية والقانونية عندما تفقدان ما تستندان إليه أعني القيم الخلقية والروحية. وقد كانت صياغته لهذين الدائين صياغة سلبية: نقد مؤسسة الربا الروحي التي يمثلها سلطان موظفي البعد النظري من الشريعة ونقد مؤسسة الربا المادي التي يمثلها سلطان موظفي البعد العملي من الشريعة. ويمكن أن نقيس عليهما بدائهلما الحديثة بدائلهما التي هي الذهاب بهما إلى الغاية القصوى. لذلك كانت مضمون القصص القرآني المتعلق بمضمون التحريف كما يتبين لكل من قرأ القرآن الكريم بإمعان السعي إلى تخليص العمران البشري من صورتيه الأساسيتين:

*- السلطان الروحي الذي يدعي العلم المحيط ليكون وسيطا روحيا يغني عن الاجتهاد والتواصي بالحق لكونه يستعبد الإنسان بسلطانه على الرزق الروحي أعني الوساطة المزعومة بينه وبين المدد الإلهي روحيا فيؤسس هذا السلطان على الربا الروحي أو سلطان رجال الدين,
*- والسلطان المادي المحيط الذي يدعي العمل المحيط ليكون وسيطا ماديا يغني عن الجهاد والتواصي بالصبر لكونه يستعبد الإنسان بسلطانه على الرزق المادي أعني الوساطة المزعومة بينه وبين المدد الإلهي ماديا فيؤسس هذا السلطان على الربا المادي أو سلطان أصحاب المال.

وهذان السلطانان عندنا أو بدائلهما في الحضارة الحديثة هما جوهر الآلية العولمية التي استبدلت السلطان الروحي بالتلويث الثقافي أو الاستعباد الرمزي للعقل الباطن من كل إنسان ( الإعلام والفنون الجميلة الموظفة ) واستبدلت السلطان المادي بالتلويث الاقتصادي أو الاستعباد المادي لجسد الإنسان الذي صار لعبة في يد الأيادي الخفية التي تتلاعب بالطبيعة ( المال والفنون التقنية الموظفة ).


الخاتمة
إن القصد الأساس من توسيع مسألة تطبيق الشريعة في العالم الإسلامي إلى ما يناظرها في العالم كله هو إبراز العلاقة الوطيدة بين أزمة الحضارة الإنسانية في لحظة العولمة والعلل التي جعلت الفلسفة الغربية الحديثة, وخاصة بعد كنط, تصبح مجرد علم كلام يوفق بين الإصلاح الديني والثورة العلمية علم كلام متنكر لفرض رؤية فصامية للعالم باسم مزاعم ظاهرها تأليه الإنسان وتقديسه وباطنها استعباده وتحويله إلى ما آل إليه مجرد لولب أو برغي في الفاشية والنازية والماركسية والرأسمالية. لذلك كانت مناقشة الأزمة الناتجة عن التطبيق غير المفهوم للشريعة في الحضارة الإسلامية وعن نفي الحاجة إليها في العالم الحديث مرتبطة ضرورة بمناقشة المواقف التي نتجت عن تحريف الفكرين الفلسفي والعلمي غايتين لفلسفة التنوير. فهذه الفلسفة بدأت في لحظتها الأولى أو الحداثة بسلب المبادئ الدينية المتعالية وانتهت في لحظتها الثانية أو ما بعد الحداثة التي ذهبت بها إلى غاياتها بسلب المبادئ العقلية المتعالية التي وضعتها بديلا منها فانتهت إلى الدولة الجهاز المادي والرمزي المدجن للإنسان والمستبعد له بزعم تأليهه ورفع حقوقه إلى السماء.

وقد اعتبرنا ما حددته فلسفة كنط من حلول غير قابلة للاستقرار آلت في المثالية الألمانية وردود الفعل عليها إلى تأثيرات ضارة في الفكر الإنساني الحالي عامة وفي الفكر العربي التحديثي خاصة وذلك لتأثره السطحي بالماركسية والوضعية سابقا وبشروعه السريع بالاستناد إلى عموميات الفكر ما بعد الحديث للقول بالنسبية الخلقية ومحاولة التحلل من القيم الإنسانية السامية حقوقا وواجبات. لذلك فالعودة إلى فلسفة كنط بعد تخليصها مما يمكن أن يؤول إليه عدم توازن حليها النظري والعملي يمكن أن يكون مخرجا فلسفيا من الأزمة. فجمع الفلسفة الكنطية بين تعالي موضوع النظر على النظر ( التمييز بين الظاهرات والشيء في ذاته ) وعدم تعالي موضوع العمل على العمل ( زوال هذا التمييز بينهما ) قد يجعلها تكون منطلقا جيدا للوصول إلى مركز الإشكال القيمي وبؤرته وإدراك صلتهما بالاستخلاف فتصبح منبع التوفيق بين القطبين النظري أو الاجتهاد والعملي أو الجهاد في حد وسط قريب من مفهوم الشريعة الذي حدده الإسلام خاصة ونقد الحكم قد أولى لإدراك الجمال والجلال ما أولاهما إياه الإسلام إذ جعلهما أسلوبي آيته الرئيسية أعني القرآن الكريم وجوهر تعبيره عن التجربة الروحية.

ومن ثم فإن الفكر الكنطي يمكن أن يكون منطلقا لفهم الاستخلاف الذي هو أساس الدعوة لتطبيق الشريعة بمعنى الاجتهاد النظري والجهاد العملي إذا خلصنا هذا الفكر مما جعل ثمرتيه في المثالية الألمانية والوضعية تصبحان من بعده أمرين شبه ضروريين فيحولان دون فهم حضارة الاستخلاف مذهبيا( بنية تصوراتها ) وتاريخيا ( دورها في التاريخ الإنساني ) وجوبا ( منزلة الإنسان أو علاقته بالمطلق ) ويعودان إلى حضارة تأليه الإنسان التي تؤدي إلى قتل الإله بتأليه وهمي لمحله حقيقته التاريخية الحاصلة فعلا هي استعباده بآليات سياسية بوليسية في الوضعية العملية الماركسية تعويضا للمعبد بالحزب ( الشيوعية ) وتأليه وهمي للإنسان الناظر حقيقته التاريخية الحاصلة فعلا هي استعباده بآليات اقتصادية تقنية في الوضعية النظرية الذريعية تعويضا للبنك بالبورصة ( الرأسمالية الحداثية غير المفهومة ).

http://www.almultaka.net/ShowMaqal.php?module=0e8d5d43c08e0fa01583b5f80fcea3d2&cat=18&id=264&m=d7fda2e1fdc6e6c941bb2239a407bef5

السبت، 10 مارس 2012

نقاط حول العلمانية و علاقة الدين بالدّولة - ندوة كلمة الشيخ راشد الغنّوشي

تونس"الفجرنيوز" ابراهيم روابح:
حضر العديد من الشخصيّات الدبلوماسيّة مثل سفير المغرب نجيب زروالي وريتي, و القائم بالأعمال في سفارة الجزائر غربي زين الدين, و القنصل المصري محمّد محمود, و المستشار السيّاسي للسفير الأمريكي إيّن ماك كاري, و كذا عدد كبير من الأسماء الوطنيّة مثل رئيس المجلس التأسيسي مصطفى بن جعفر, و رئيس الألكسو محمد العزيز بن عاشور, و رئيس الهيئة الوطنيّة لحقوق الإنسان نور الدّين حشّاد,  و كذا مجموعة من رؤساء الأحزاب من بينهم: محمد القوماني, و مراد الرويسي, و محمد البصيري البوعبدلّي, و عبد الوهّاب الهاني, و ياسين ابراهيم, و خالد الطراولي.

شارك في الحوار المفتوح الذي تلى كلمة الشيخ راشد الغنّوشي  كل من الناشطة الحقوقيّة بشرى بلحاج حميدة, و الأستاذة أمال قرامي, و إصلاح الدين الجورشي, و سعاد حاجي قوسامي و غيرهم من الأكاديميين و النّاشطين و ممثلين عن المجتمع المدني.
 نصّ مقدّمة الدكتور رضوان المصمودي و تعريفه بالشيخ راشد الغنّوشي

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
حضرات السّادة و السيّدات, حضرات الضّيوف الكرام

مرحبا بكم جميعا في مركز دراسة الإسلام و الدّيمقراطيّة, نشكركم على حضوركم لهذه النّدوة و تلبيتكم لهذه الدّعوة للمشاركة في هذا اللّقاء الذي نطمح من خلاله لتعميق الحوار و تدعيم الوفاق الوطني من أجل إنجاح الإنتقال الدّيمقراطي في تونس. كما تعلمون, إنّ تونس الآن أمام مرحلة تاريخية و إمتحان تاريخي سيحدّد, ليس فقط, مصير بلادنا بل ربّما مصير المنطقة و البلاد العربيّة ككل في الفترة القادمة. و كل الأنظار الآن متّجهة إلى تونس, أنا عدت منذ بضعة أيّام فقط من جولة إلى الأردن و مصر و كنت قبلها في الجزائر, و صدّقوني حين أقول أنّ كل الأنظار متّجهة إلى تونس و ينتظرون الكثير بما أنّ تونس هي من بدأ الرّبيع العربيّ من أجل الحريّة و الكرامة, و هي كذلك البلد الذي خطى خطوات متقدّمة على جيراننا و إخوتنا في باقي الدول العربية. الكل ينتظر منّا الكثير و يتساءل:"هل ستنجح تونس في بناء ديمقراطية حقيقية تجمع بين الكرامة و حقوق الإنسان و العدالة و القيّم العربيّة و الإسلامية؟"

موضوع علاقة الدّين بالدّولة, إذن, من أصعب و أهمّ المواضيع التي تواجهنا الآن و نحن في مرحلة بناء دستور و نظام جديدين, نطمح أن يكون نظاما ديمقراطيا يحترم حقوق الإنسان. لذلك نحن سعداء جدا لإستضافة الأستاذ راشد الغنّوشي, رئيس حزب حركة النّهضة و هو في الحقيقة غنيّ عن التّعريف, و لكن فقط للتذكير, راشد الغنّوشي من مؤسسيّ حركة الإتّجاه الإسلامي ثم حركة النّهضة ثم حزب حركة النّهضة بعد الثّورة و هو رئيس هذا الحزب منذ فترة, و أحد مفكريّ الحزب و الحركة. و هو أيضا من أهمّ مفكري الحركة الإسلامية في العالمين العربيّ و الإسلاميّ ككل. له كتابات كثيرة و معمّقة حول موضوع الحريّات و الديمقراطية و حقوق الإنسان و علاقتها بالإسلام

لذلك نحن جدّ سعداء لإستضافته في هذا اللّقاء الذّي نطمح أن يكون تحاوريّا. كان بإمكاننا عقد هذا اللّقاء في مكان أكثر إتساع و لكن رأينا أن يكون إجتماعا مضيّقا و حوارا مضيّقا لكن عميق. في نظرنا, لو إنعقد هذا الإجتماع في مكان أكبر لأثر ذلك سلبا على نوعية الحوار. و لهذا الغرض إستدعينا خيرة المفكرين من شتّى التيّارات و الإتّجاهات و الأحزاب, و نطمح أن يكون الحوار حقيقيا و معمقا لدراسة هذا الموضوع و إيجاد الحلول الملائمة له بعد الإستماع إلى كلمة الأستاذ راشد الغنّوشي الذي ناضل من أجل الدّيمقراطية و الحريّة و وقف وقفة شرسة ضد الإستبداد حيث دفع تضحيّات كبيرة جدّا في هذا المجال مثل الحكم عليه بالإعدام, و الحمد للّه اللّه سبحانه شاء غير ذلك, فالشيخ راشد الغنوشي الآن معزّز و مكرّم في بلاده و الذي حكم عليه بالإعدام لاجئ في بلد آخر

من مؤلفات راشد الغنّوشي: طريقنا إلى الحضارة, نحن و الغرب, حقّ الإختلاف و واجب و حدة الصّف, القضيّة الفلسطينيّة في مفترق الطّرق, المرأة بين القرآن و واقع المسلمين, من الفكر الإسلامي في تونس, الحريّات العامّة في الدّولة الإسلاميّة, القدر عند ابن تيميّة, مقاربات في العلمانية و المجتمع المدني, الحركة الإسلاميّة و نقاط التغيير, من تجربة الحركة الإسلاميّة في تونس, تمرّد على الصّمت

إذن, أكتفي بهذا القدر و نرحّب بشيخنا الأستاذ راشد الغنّوشي, مرحبا بك
 


 




نصّ كلمة الشّيخ راشد الغنّوشي

بسم اللّه و الصلاة و السّلام على رسول اللّه و على آله و صحبه و من والاه
أيّها السّادة و السيّدات, الإخوة و الأخوات, السّلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته

أشكر مركز دراسة الإسلام و الديمقراطية أن وفّر لي في هذه الأمسيّة فرصة للحديث لهذه الصفوة المتميّزة من رجال و نساء تونس و حتّى من خارجها. أنا لست بصدد أن أعلّمكم شيئا, فالموضوع الذي نتحاور فيه ليس فيه تعاليم تقدّم و إنّما هو مطارحات تعمّق و مساعي للإقتراب قدر المستطاع من أرضية مشتركة يمكن لنخبتنا, في المرحلة التي تمرّ بها بلادنا, أن تجد فيها عونا على إستعادة الإجماع أو قليلا من الإجماع

الموضوع إشكالي, يتناول العلاقة بين الإسلام و العلمانية. هل هي علاقة تضارب و تخارج أم هي علاقة تداخل. متداعيات هذا السؤال هي العلاقة بين الإسلام و الحكم, الإسلام و القانون, و كلّ هذه إشكاليات. يبدو أننا عندما نتحدّث عن العلمانية و الإسلام, كأنّنا نتحدّث عن الواضحات البيّنات. بينما قدر من الغموض غير القليل و قدر من التعدّد في الفهم غير قليل أيضا يواجهنا بحيث نحن لسنا أزاء علمانية واحدة بل أزاء علمانيّات, و كذا الإسلام ايضا بحكم ما هو مطروح في الساحة نحن أزاء أكثر من إسلام واحد أي أكثر من فهم.
تبدو العلمانيّة و كأنّها فلسفة, و كأنّها ثمرة تأمّلات فلسفية جاءت لمناقضة و محاربة التصورات المثالية و الدّينية. الأمر ليس كذلك, العلمانية ظهرت و تبلورت في الغرب كحلول إجرائيّة و ليست فلسفة أو نظرية في الوجود بقدر ما هي ترتيبات إجرائية لحل إشكالات طرحت في الوسط الأوروبي. أهمّ هذه الإشكاليات ظهرت بفعل الإنشقاق البروتستنتي في الغرب, و الذي مزّق الإجتماع الذي كان يدور في إطار الكنيسة الكاثوليكية بما فرض الحروب الدّينية في القرن السادس و السابع عشر. هكذا بدأت العِلمانيّة أو العَلمانية, حتّى اللّفظ العربيّ ليس مُتَّفَق عليه, فاللّفظ الأوّل يبدو و كأنّه من العِلم و الأمر ليس كذلك, أمّا الثّاني فهو من العَالم و يشير إلى كلّ ما هو دُنيوي و هو الإستخدام الأقرب

قلت أنّ العلمانيّة جاءت بإعتبارها ترتيبات إجرائيّة لإستعادة الإجماع الذي مزّقته الصراعات الدينيّة. من هنا يأتي السّؤال: هل نحن في حاجة للعلمانيّة بإعتبارها ترتيبات إجرائيّة؟ ربّما أهمّ فكرة في خلاصة هذه الإجراءات هي فكرة حيّادية الدّولة, أي الدولة محايدة إزاء الديانات و لا تتدخّل في ضمائر الناس. الدولة مجالها" العام" بينما الدين فمجاله "الخاص". هذا ما إنتهت له هذه الإجراءات رغم أنّها إختلفت في علاقتها بالدين. في الولايات المتّحدة تدخّل الدين في المجال العام تدخل واضح, فرغم أنّ هنالك تمايز إلا أنّه يبقى هنالك تأثير كبير. فخطب الزعماء مشحونة بالتصوّرات الدينيّة, و خلال الحملات الإنتخابية الدين مطروح و كذلك الصلاة في المدارس موضوع مطروح , موضوع الإجهاض و علاقته بالدين, و ذلك في الحقيقة لأنّ أمريكا أنشاها المهاجرون الإنجيليّون الهاربين بدينهم من الإضطهاد الكاثوليكي في أوروبا و لذلك يُنظر إليها على أنّها أرض الميعاد, الأرض التي تتحقق فيها الأحلام التي وردت في التوراة و الإنجيل
بينما العلمانية, حتى أن المفكر الأمريكي الفرنسي توكوفيل الذي قال أنّ أقوى حزب في أمريكا هو الكنيسة. بطبيعة النفوذ الكبير الذي تتمتع به الكنيسة, و الحال ليس كذلك في أوروبا. فبينما الذين بإمكانهم أن يؤمّوا الصلاة في أمريكا يفوق عددهم 50%, في أوروبا قد لا يتجاوز عددهم 5% ففيه تراجع. و في أوروبا هناك إختلاف في علاقة الدولة بالدين بين المنطور و الإرث الفرنسي و الإرث الأنجلوسكسوني, حيث يصل الأمر في المملكة البريطانية أن تجمع الملكة بين السلطتين الزمنية و الدينية. الفصل الكامل و الكبير هو الذي يعرفه الإرث الفرنسي بسبب المصادمات التي حصلت في تاريخ فرنسا بين الدولة التي أنشأها الثّائرون و الإرث الكنسي الكاثوليكي. حتّى في أوروبا إذن, نحن لسنا إزاء تجربة واحدة في العلمانية و ربّما لقدرنا نحن بما أنّ نخبتنا أكثر تأثّر بعلمانيّة خصوصيّة في الحقيقة حتّى في المنظور الغربي هي خصوصية فرنسية, حيث يُقصَى الدين من المجال العام و تعتبر الدولة نفسها حارسة الهويّة. و لذلك الديني بكل رموزه لا ينبغي أن يتدخّل في المجال العام, و هذا الذي جعل فرنسا البلد الوحيد مثلاً الذي لم يقبل غطاء الرأس بالنسبة للمرأة المسلمة, بينما لا نر هناك أزمة في أيّ بلد أوروبي آخر حول موضوع الفولار (الحجاب). و ما ذلك ألاّ بسبب خصوصية العلاقة بين الدولة و الدين في خصوصية التجربة الفرنسيّة في هذا الموضوع

نحن بدورنا لسنا إزاء مفهوم واحد, ربّما أهمّ إجراء أبدعه النظر العلماني على هذا المستوى هو حيّادية الدولة, أي أنّ الدولة هي الضّامنة لكلّ الحريّات الدينيّة و السيّاسية و لا ينبغي أن تتدخّل لصالح هذا الطرف أم ذاك. نحن نتساءل ما إذا كان الإسلام في حاجة لمثل هذا الإجراء؟ أي حيّادية الدولة إزّاء الديانات

الإسلام منذ نشأ جمع بين الدين و السيّاسة, بين الدّين و الدولة. فالرّسول عليه السّلام هو مؤسس الدين و مؤسس الدولة في نفس الوقت, و كانت البيعة الأولى لمجموعة المدينة الذين قدموا إلى مكّة بيعة دينيّة أن يؤمنوا باللّه و رسوله, لكن البيعة الثّانية كانت أن يحموا الجماعة المسلمة حتى بسيوفهم إن هوجمَت المدينة. المدينة, و هذا التعبير مهمّ جدّاً كون هذا المكان كان يُطلقُ عليه إسم يثرِب و أصبح يحمل إسم المدينة بما يدلُّ بوضوح غلى أنّ الإسلام ليس ديناّ فقط و إنّما يحمل معنى حضارياً. فهو نقلة للنّاس من مستوى الباديّة إلى المستوى المدينيّ أو الحضاريّ, و لذلك أُعتُبِرَ من الكبائر التبدّيِ بعد تحضُّر بمعنى أنًه أصبح يعتبر إثماً على الذين تحضَّروا أن يعودوا إلى الباديّة و لذلك لا عجب أنّ الإسلام مصَّرَ الأمصار, حيثما حلّ الإسلام ألاّ و أنشأ المدن و بلادنا تحضى بأقدم مدينة أنشأها الفاتحون العرب. فحيثما إتّجه الإسلام أنشأ المدن, و المدينة التي أنشأها الرّسول عليه السّلام تدُلُّ عن أنّ الإسلام دين حضارة و ليس دين بداوة و لذلك فإنّ أوّل مدينة أنشأها سُمِّيت ب: ال مدينة و التي تستحق هذا الإسم بجدارة, و بجدارتها لحمل هذا الإسم أن نقلت تلك القبائل المتناحرة من مستوى بدوي إلى مستوى حضاري أي مستوى الدولة
و كان النبيّ هو الذي يصلّي بالنّاس في المسجد, كان إماماَ للدّين و في نفس الوقت كان إماماً للسيَّاسة يقضي بين النّاس و كان يقود الجيوش و يعقد المعاهدات و يقوم بكلِّ الإجراءات. من أهمّ و أوّلِ الإجراءات في هذا الصّدد و التي تهمُّنا هو أنّهُ أوَّل ما نزل في المدينة أن أنشأ المسجد و الإجراء الثاني هو أن أنشأ دستوراً إسمه الصحيفة. سي مصطفى! ( في إشارة إلى مصطفى بن جعفر رئيس المجلس التأسيسي الذي كان ضمن الحضور) عندكم سوابق. هذه الصحيفة التي هي ربّما من أقدم الدّساتير في العالم تضمّنت جملة مواثيق بين المهاجرين و الأنصار بمختلف قبائلهم و الذين إعتبرتهم أُمَّة و القبائل اليهوديّة من سكّان المدينة الذين إعتَبرَتهم كذلك أُمَّة يشكِّلون أمَّةً من دون النّاس و هنا الحديث ليس عن أمّة الدين و إنّما عن أمّة السيّاسة. و هذا أهمّ مصطلح طرحه الفكر الإسلامي الحديث عن طريق محمّد سليم العوّى و محمّد عمر و هو التمايز بين الديني و السيّاسي مقابل مفهوم الفصل بين الدين و السيّاسة

ففي هذه الصحيفة التمايز واضح بين الديني و السياسي, فالمسلمون أمة عقيدة و اليهود أمة عقيدة أمّا جمعهم و ما تبعهم من المشركين يمثلون أمّة من دون النّاس و هذا مفهوم الأمّة السياسي. و ظلّ هذا التمايز واضحاً في سلوك النّبي عليه السّلام حتى إذا إختلط الأمر أحياناً بين ما هو ديني سبيله التقيّد و الإلزام و بين ما هو سياسي و هو مجال للإجتهاد. أحياناً كان الأمر يختلط على الصحابة فيسألون النبي عليه السلامّ هل هذا وحي ملزم أم هو رأي و مشورة؟ فإذا كان الأمر وحياً قال ذلك و إذا كان سياسي كان يقول هو مجال للرأي و المشورة و عندئذ قد يختلفون معه في الرأي. ففي أكثر من مرّة الأصحاب خالفوا الرّسول (ص) بإعتباره رئيس للدولة و الشيخ الطاهر بن عاشور فصّل تفصيلاً جيّداً بين ما سمّاه مقامات النبي. للنبي مقامات, فإن كان في مقام النبوة فهذا مقام التلقّي و الطّاعة, أمّا إذا كان في مقام قائد الجيش و السياسة فقد يختار للجيش موقعا و يأتي صحابي يقول له واللّه أرى أنّ الموقع الآخر أفضل, و بالفعل النبي يتنازل عن رأيه و يأخذ برأي هذا الصحابي

مرّة مرّ النبي (ص) على قوم في المدينة و هم يتبرون النخل, فقال(بحكم أنه قادم من مكّة و ليس في تجربته شيء من الزراعة) ما أرى هذا مفيداً أن تضعوا هذا الشيء. فظنّ أهل المدينة أو قسم منهم أنّه وحي فلم يتبِّروا النخل تلك السنة فأتى شيصاً أي مُراً. فسألوه: لماذا أمرتنا بهذا؟ فقال: أنتم أعلم بأمور دنياكم. فليس من مهمة الدين تعليمنا أساليب الزراعة و أساليب الصناعة و حتى أساليب الحكم و كيف ندير الدولة لأنّ كل هذه تقنيّات, و العقل مؤهل فيها إلى أن يصل إلى الحقيقة من خلال تراكم التجارب. مهمّة الدين أن يجيبنا عن القضايا الكبرى التي تتعلّق بوجودنا, أصلنا, و مصيرنا و الغاية التي خُلقنا لأجلِها و أن يعطينا نظام قيم و مبادئ التي يمكن تمثل توجيهات لتفكيرنا و سلوكنا و لأنظمة الدولة التي نسعى إليها
إذن الإسلام منذ نشأته و عبر إمتداده التاريخي لم يعرف هذا الفصل بين الدين و الدولة بمعنى إقصاء الدين عن الحياة. و ظلّ منذ العهد النبوي و حتى يومنا هذا المسلمون متأثّرون قليلاً أو كثيراً بنظرتهم إلى أنفسهم على أنّهم مسلمين و ينبغي أن يستلهموا من الإساتم و تعاليمه موجهات لحياتهم المدنيّة مع بقاء التمييز واضحاً. هذا التمييز بين ما هو ديني و ما هو سياسي واضح حتى عند الفقهاء, فالفقهاء ميّزوا بين نظام المعاملات و نظام العبادات حيث إعتبروا الأخير مجال التقيّد (الصلاة, الصوم, لماذا نصلّي 5 صلوات؟ لماذا بعضها فيه 3 ركعات و البعض الآخر 4؟) هذا مجال الثوابت و التقيّد و العقل غير مؤهّل في هذا المجال, ففي مجال العقائد و العبادات العقل غير مؤهّل لأن يدرك الحقيقة. ولكن مجال المعاملات هو مجال البحث عن المصلحة, لأنّ الإسلام جاء لتحقيق مصالح العباد كما أقرَّ الفقهاء الكبار من الشّاطبي إلى ابن عاشور أنّ المقصد الأسنى لنزول الرِّسالات هو تحقيق العدل و مصالح النّاس, هذه المصالح تتحقق من خلال إعمال العقل في ضوء موجِّهات, مقاصد, مبادئ و قيم الدّين. لذلك ظلّ هنالك مجال للمعاملات يعرف تطوّراً مستمراً و منه نظام الدول و هذه تمثل المتغيّرات, بينما ما هو عقائدي و شعائري و ما هو قيمي أخلاقي يمثل الثوابت

إذن عبر التاريخ الإسلامي كانت الدولة متأثِّرة بالإسلام على نحو أو آخر في ممارساتها, و القانون يسنُّه البشر في ضوء القيم الإسلامية كما يفهمونها, و مع ذلك ظلّت الدول إسلاميّة لا بمعنى أنّ قوانينها و مسالكها و تراتيبها وحييّة, و إنّما هي إجتهاد بشري قد يوافقه إجتهاد و يخالِفُه آخر. مع ذلك ظلّت الدولة تمارس قدراً من الحيّاد حتّى أنّه حدث في الدولة العبّاسيّة أن أرادت الدولة أن تتدخّل في فرض فهم للإسلام على الأمّة. يذكرون أنّ الإمام مالك طلب إليه المنصور و قال له: لقد كثُرَت الإختلافات و الإجتهادات المنبثقة من الدّين الواحد حتّى خُشِيَ على تشتُّت الأمّة, و طلب منه المنصور جمع كل هذه الأقوال في منظور واحد, و فعلاً كتب كتاب الموطّأ جمعاُ بين مختلف الأقوال. فأعجب به المنصور أيّما إعجاب حتى أراد أن يكون القانون المُلزِم لكلِّ الأُمّة الإسلاميّة. لو أنّ مثقّفاً من مثقّفينا في هذا العصر إرتضت الدولة إجتهاده قانونا لها لكان أسعد النّاس, ليس كل المثقّفين بطبيعة الحال حتّى نسلم. الإمام مالك فزع و هاله الأمر و قال: لا تفعل يا أمير المؤمنين! فقد تفرّق أصحاب رسول اللّه في الأمصار و معهم علم كثير و هذا ما بلغني أنا فدعِ النّاس و ما يختارون. فظلّ لشمال إفريقيا مذهب, و لأهل مصر مذهب, و لأهل الشّام موقف آخر

لأنّه في غيّاب كنيسة في الإسلام لا يبقى سوى حريّة الإجتهاد, و ستتعدد بطبيعة الحال هذه الإجتهادات المنبثقة عن نفس المنبع و لا ضير في ذلك غير أنّنا إذا أحتجنا إلى سنِّ قانون في ظِلِّ هذا التعدُّد لا بدَّ لنا من آليّة, و لعلّ أفضل آليّة توصّل إليها البشر اليوم هي الآلية الديمقراطية و الآليّة الإنتخابيّة التي تفرز ممثِّلين للأمّة بما يجعل الإجتهاد اليوم ليس إجتهاداً فردياً و إنّما جماعياً يقوم به ممثلو الأمّة المنتخبون و ذلك في غيّاب كنيسة تمثل المقدّس فوق الأرض, و ليس هناك من ناطق بإسم القرآن و الإرادة الإلهية. الإرادة الإلهية تجلّيها الوحيد في الأمّة التي تعبِّر عن الإرادة الإلهيّة من خلال تدافعها و ليس من خلال إحتكار إمام أو حزب أو دولة. و لذلك الإمام أحمد كانت له ثورة معروفة أنّه في عهد الإمام المأمون و هو مثقّف كبير فكّر في جمع الأمّة على رأي واحد بعد أن لاحظ تشتُّتها و كان قد تأثّر بمدرسة المعتزلة و التي رغم أنّها إشتهرت على أنّها مدرسة عقلية و لكن كثيراً ما أصحاب العقول تغرّهم عقولهم و يريدون أن يفرضوا منتوجات عقولهم على النّاس, و فعلاً المأمون قرّر أن يفرض تفسيراً معيّناً للقرآن على النّاس و فهماً معيّناً للعقيدة الإسلاميّة. و كانت ثورة الإمام أحمد أن رفض تسلُّط الدولة على الدّين, فأضطُهِدَ و عُذِّب و لكن في النهاية إستطاع أن يؤلِّب الرأي العام على الدولة حتى تراجع المأمون عن فكرته و ظلَّ العالم الإسلامي اليوم عالَماً لا تسيطر عليه أيُّ كنيسة, و ظلّت أقطار تتبع هذا المذهب و أخرى ذاك دون أن يسلَّم للدولة بأنّ لها سلطان على الدّين

لذلك الإشكال الغربي تمحور حول كيفيّة تحرير الدولة من الدّين ممّا أدّى إلى ثورات كبيرة لنيل هذه الغاية, بينما وجه من وجوه الإشكالية عندنا هو كيف نحرِّر الدّين من الدولة و نمنعها من التسلُّط على الدّين و أن يظلَّ هذا الأخير شأناً مجتمعيّاً متاحاً لكل المسلمين بأن يقرأوا القرآن و يفهموا ما شاؤوا و لا بأس في التعدد الذي يفرض قدراً كبيراً من التسامح. أمّا إذا إحتاج المسلمون إلى قانون فالآليّة الديمقراطيّة المعاصرة هي خير تجسيد لقيمة الشّورى في الإسلام بحيث الإجتهاد حينئذ لا يكون فردياً بل جماعيّاً من قبل ممثّلي الشّعب

مهمٌّ جداً في تراثنا غيّاب الكنيسة, ربّما إخواننا الشّيعة فقط هم الذين عندهم فكرة المؤسّسة الدّينيّة, في العالم السنّي لا توجد مؤسسة دينية و توجد فقط مؤسسة علماء و هؤلاء بطبيعتهم مختلفون و آراؤهم مختلفة. و بالتّالي نظلُّ نحتاج إلى آليّة لسنّ القوانين و لانحتاج إلى عالم واحد و إنّما إلى جملة العلماء و المثقفين يتداولون في مناخ من الحريّة و في النهاية مؤسّسة التشريع هي الوحيدة المخوَّلة لسنّ القانون لأنّها منتخبة

هذا الحوار الجاري اليوم في بلادنا بين تيّارات علمانيّة قد ننعتها بالمتشدّدة و تيّارات إسلاميّة أيضا قد تنعت بنفس الإسم و الصِّفة, أحدهما يريد فرض إجتهاداً في الإسلام من فوق و بأدوات الدولة أمّا التيّار الآخر يريد تجريد الدولة من كلّ تأثّر بالإسلام, و يريد تجريد القانون و برامج التربية و الثقافة من كل تأثير ديني في مجتمع, أغرب ما في الأمر, كمجتمعنا الذي لا يتّجه إلى الإنحصار الديني. كما هو الحال في العالم كله حيث يعرف صحوة دينيّة, و ليس بعيد عنّا ما قامت به الكنيسة الكاثوليكية من دور في تطوير أوروبا الشرقيّة إنطلاقاً من القس البولوني البابا جون بول الثاني و دورالدين في إيصال بوتين إلي منصب الرّئاسة حيث يحتاج إلى دعم القس الأكبر للأرثوذكس. ففي زمن يشهد فيه العالم صحوة دينيّة, و لا سيما العالم الإسلامي هناك من يعترض لأيّ تأثير للدين على سياسات الدولة التعليمية و الثقافية. في الحقيقة, نحن لسنا بحاجة لأن يفرض الإسلام لأنّه دين شعب و ليس دين نخبة و لم يبق بسبب نفوذ الدولة و لكن بسبب ما يتمتّع به من قبول عام لدى معتنقيه, و الدولة في كثير من الأحيان كانت كلاً على الإسلام. فكما قلت, الكثير ممن ينتمون للتيّار الإسلامي و غيرهم يخشون من تحرر الدّين من الدولة و أن يترك الدين شأناً شعبياً. لماذا الدولة تعلِّم الأئمة؟ لماذا تتحكم في المساجد؟

فموضوع حيّاد الدولة فيه قدر غير قليل من المغامرة, إذا كان المقصود من موضوع فصل الدين عن السياسة هو أن الدولة منتوج بشري و الدين تنزُّلٌ إلهي كما كان التمييز واضحاً عند المسلمين الأوائل بين ما هو وحي و ما هو سياسي, لكن إذا أردنا الفصل بالمعنى الفرنسي أو تبعاً للتجربة الماركسيّة فقد نقدم على مغامرة تضرُّ بالإثنين. إن تحرّر السياسة من الدين هو تحويل الدولة إلى مافيا و الإقتصاد في العالم إلى نهب, و السياسة إلى نوع من الخداع و الدجل و هذا ما إنتهى إليه الأمر في التجربة الغربيّة, رغم بعض إيجابيّاتها, فالسيّاسة العالمية أصبح يتحكّم فيها مجموعة من السماسرة الماليّين المالكين للمال و بالتالي للإعلام و يسيطرون في النهاية على السيّاسيّين

حاجة النّاس إلى الدّين حاجة عميقة لأنّ الإنسان في حاجة إلى موجهات روحيّة و موجّهات قيميّة, عندما تختلط عليه الأمور يحتاج إلى مفهوم الحلال و الحرام و أن يميّز بينهما. و في غيّاب كنيسة تحتكر النطق بإسم الحلال و الحرام يبقى المجال للتداول بين الشعب و النخب, عبر المفكرين و وسائل الإعلام

عندما يتحرّر الدين من السياسة و الدولة هذا التحرر أيضا قد يكتسي خطورة لأنّه قد تقع إنفلاتات و يخرج الأمر عن محاله. عن دورات الإنتغام في المجتمع فالسبيل إذا إلى معادلة تضمن فيها حرّيات الناس و حقوقهم، لأن الدين جاء من أجل ضمان حقوق الناس و حرّياتهم، فلتحقيق ذلك نحتاج إلى الرجوع إلى موضوع التمييز بين الدين و السياسة و نحتاج إلى ضبط ماهي ثوابت الدين و ماهي متغيّراته؟ نحتاج إلى أن يكون المشرّعون متشبّعين بقيم الدين حتى إذا أرادوا أن يشرّعوا فلا يحتاجون إلى وصاية من وزارة الأوقاف و لا وصاية من علماء لأنّهم متشبعون بهذه القيم. و كذلك سائر السياسيين فهم كلّهم يصدرون لا عن الإكراه الخارجي و إنّما عن قناعتهم لأنّه لا قيمة لأي ممارسة دينية تصدر عن الإكراه. لا فائدة من تحويل الناس عبر أدوات الدولة القهرية من عصاة إلى منافقين فالله سبحانه و تعالى خلق الناس أحرارا فيمكن السيطرة على ظواهر الناس لكن لا فعل ذلك على بواطنهم

لذلك رأينا نموذجين في موضوع الحجاب مثلا، حجاب تمليه الدولة و أخرى تمنعه. و قد حصل معي في بلد إسلامي حينما كنا في المطار كلّ النسوة في الطائرة كنّ محجبات و بمجرّد إقلاع الطائرة سقطت الأحجبة. فهذا فشل تربوي حقيقي لأنّ وسائل التربية في تلك الدولة لم تستطع أن تضمن التديّن إلاّ عبر وسائل القهر. في بلد آخر مثل الذي كنّا نحياه كانت المرأة تمنع بوسائل الدولة أيضا القهرية من أن تعبّر عن نفسها في المظهر الذي تريد فهذا فشل و ذاك فشل

الدين مداره الأساسي ليس أدوات الدولة و إنما القناعات الشخصية، أمّا الدولة فمهمّتها تقديم الخدمة للناس قبل كلّ شيء كمواطن الشغل و الصحة الجيّدة و المدرسة الجيّدة أمّا قلوبهم و تديّنهم فأمرها لله. و لذلك أنا عارضت كلّ سبيل لإكراه الناس على أيّ أمر و طرحت موضوعا شائكا في بعض المواطن و هو ما يسمّى بالردّة بمعنى أنّ مهمّة الدولة أن تحدّ من حرّية الناس في الإعتقاد. إذا كان مبدأ لا إكراه في الدين متفقا عليه فقد دافعت عن مبدأ الحرّية في الإتّجاهين: حرّية الولوج في الدين و مغادرته لأنّه لا معنى لتديّن يقوم على الإكراه، لا حاجة للأمّة الإسلامية بمنافق يبطن الكفر و يظهر الإيمان و الإسلام لأنّه لم يتعزّز صفّها بإضافة من هذا القبيل. فالحريّة هي القيمة الأساسية التّي يلج بها الإنسان دار الإسلام، فالناطق بالشهادتين يعبّر عن قرار إختياري و فردي يقوم عن وعي و بيّنة. و لذلك فالدولة منتسبة للإسلام بقدر ما تحرص على أن تتماثل بقيمه دون وصاية من مؤسسة دينية لأنّه ليس هناك مثل هذه المؤسسة في الإسلام بل هناك شعب و أمّة يقرّران لنفسهما عبر مؤسساتهما ماهو الدين، فأعظم قيمة في الإسلام هي قيمة الحرّية

لذلك عندما أعرض أهل مكّة عن الدين إقترح عليهم النبّي خيارا آخر أن أخلو بيني و بين الناس و لو فعلوا ذلك لما إحتاج أن يهاجر و يغادر وطنه بما أنّ دعوته كانت بتلك القوة و النفوذ ما إستطاعوا أن يواجهوها بأطروحة أخرى و لذلك يعتبر المسلمون حجّة الإسلام قوّية و لا يحتاج أن يمارس الإكراه على النّاس فعندما يقول صوت الإسلام هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، هذا التحدّي لا يقال في واد لا أنيس له و إنّما يطرح هذا المسلم تحدّيه في قلب الصراع الفكري و السياسي

فجانب كبير من المناقشات و الجدل الذي يدور في بلادنا اليوم هو إلتباس في المفاهيم حول العلمانية و حول الإسلام في نفس الوقت. و لو إستبنّا أن العلمانية ليست بالفلسفة الإلحادية و إنّما هي إجراءات و ترتيبات لضمان حريّة المعتقد و الفكر و لذلك عبد الوهاب المسيري في كتاباته ميّز بين علمانية جزئية و علمانية شاملة مثل النموذج اليعقوبي في تاريخ فرنسا و الذين شنّوا حربا على القساوسة و رفعوا شعار:"إشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس". و هذه خصوصية فرنسية و ليست العلمانية بإعتبارها ترتيبات إجرائية لضمان الحريّة في المجتمع و هناك كذلك غموض في الإسلام بحيث هناك من يعتقد كأنّ الإسلام سينتصر إذا صادر حرّيات النّاس و فرضت الصلاة و الصيام و الحجاب بالقوّة، فهذا فشل و ليس نجاح لأنّ الله سبحانه و تعالى إعتبر النفاق أكبر جريمة، بحيث المنافقين في الدرك الأسفل من النار و هو أسوأ فئة من الناس

بما أنّ ثورتنا نجحت في الإطاحة بدكتاتور ينبغي علينا نقبل مبدأ المواطنة و أن هذه البلاد ليست ملكا لزيد أو لعمر أو لهذا الحزب أو ذاك و لكنّها ملك لكلّ مواطنيها و هم جميعا بغضّ النظر عن معتقداتهم أو أجناسم إن كانوا ذكورا أو إناثا، الإسلام يمتّعهم و أعطاهم الحقّ أن يكونوا مواطنين يتمتعوّن بنفس الحقوق: بأن يعتقدوا بما شاءوا ضمن إطار إحترامهم لبعضهم البعض و أن يتصرّفوا وفق القانون الذي هم يسنّونه عبر ممثّليهم في البرلمان

هذا مبلغ فهمي و تقديري للعلاقة بين الإسلام و العلمانية و أرجو أن أكون قد لامست بعض القضايا الأساسية و شكرا جزيلا
مساء يوم الجمعة  
02/03/2012

http://www.alfajrnews.net/news/index.php/component/content/article/3290


أهم ما جاء في مداخلة الأستاذ راشد الغنوشي : الشيخ راشد الإسلام و العلمانية : علاقة تداخل أو تخارج ؟؟؟


 


في ندوة مركز الإسلام و الديمقراطية بعنوان العلمانية و علاقة الدين بالدّولة من منظور حركة النهضة 2/ مارس /2012 : الشيخ راشد الغنوشي في موقفه من " حكم الردّة " : يتساءل مستنكرا هل باب الإسلام يُدخل و لا يُخرج ؟؟؟ و يجيب : ليس من مهام الدولة أن تحدّ من حرية النّاس في الاعتقاد / حريّة الدّخول في الدّين و حريّة مغادرته مضمونة / لا حاجة للأمّة الإسلاميّة في منافق يُكره على الإيمان / الحريّة القيمة الأساسيّة التي يلج بها المرء دار الإسلام / الدولة تكون منسوبة للإسلام بقدر تمثلها لقيم الإسلام دون وصاية مؤسسة دينيّة تكره الناس على الإيمان / حجّة الإسلام قويّة فلا حاجة لممارسة القوّة و الإكراه / الإكراه في الدّين و الوصاية فشل و ليس نجاحا / أكبر خطيئة هي النفاق الناتج عن الإكراه في الدّين ...
 
http://fr.justin.tv/tawasoltv/b/310358947

العَلمانية في الغرب ترتيبات إجرائيّة لاستعادة الإجماع الذي قسمته الصراعات الاجتماعية ... حيادية الدّولة إزاء الدّيانات ... الدين مجاله العام ... الدّولة مجالها الخاصّ ... بتفاوت بين التجارب حيث يتدخل الدين في الشّأن العام في الولايات المتحدة الأمريكيّة ... أقوى حزب في أمريكا هو الكنيسة ... تراجع التدين في أروبا ... اختلاف المنظور الفرنسي عن المنظور الأنجلوسكسوني ...
نخبتنا أكثر تأثرا بالمنظور الفرنسي حيث الدولة حامية للهوية ...
أهم إجراء أبدعته العلمانية هو حياديّة الدّولة ...
هل الإسلام في حاجة إلى هذه الترتيبات و الإجراءات ؟
الإسلام جامع بين الدين و السياسة ... الدين و الدّولة ... البيعة الأولى دينية ... دين المدينة : انتقال من البداوة إلى الحضارة ... التبدّي بعد التحضر إثم ...
الإسلام دين حضارة لا دين بداوة ... الرسول إمام دين و إمام سياسة ...
أوّل إجراء نبوي : إنشاء مسجد / إنشاء دستور الصّحيفة الذي تضمن مواثيق بين المسلمين " اكتساب وضع الأمّة " و اليهود " اكتساب وضع الأمّة " أمّة السياسة لا الدّين ... الانتقال من وضع القبيلة إلى وضع الأمّة ... الصحيفة تميز بين العقيدة و السياسة ... أمّة المسلمين " أمّة عقيدة " و أمّة اليهود " أمّة عقيدة " يشكلان أمّة " أمّة سياسة "
ليس من دور الدّين تحديد نظام الحكم و الصناعة و الفلاحة ... الإسلام نظام قيم يوجه تفكيرنا في مجال الحكم ... الإسلام لا يقصي الدّين عن الحياة : تمييز الدّيني عن السياسي مع استلهام قيم الدّين في السياسة ... التمييز بين العقائد و العبادات و الشعائر و القيم الأخلاقيّة من ناحية و تنزع للثبات و من ناحية أخرى المعاملات و مجالها العقل و المصلحة و هو متطور باستمرار ... الدّولة في التاريخ الإسلامي اجتهاد بشري يختلف باختلاف العصر يستلهم من قيم الإسلام ... القانون اجتهادي و أفضل آلية توصل إليها الإنسان هي الديمقراطية... لا ناطق باسم الإرادة الإلهية... الأمّة صاحبة الإرادة ... لا سلطان للدولة على الدّين و لا سلطان للدّين على الدّولة ... الدّين شأن مجتمعي ... الدّيمقراطيّة المعاصرة خير تجسيد لقيمة الشّورى ... في العالم السني لا وجود لمؤسسة دينية على خلاف العالم الشيعي ... مؤسسة التشريع الوحيدة المخولة لسن القوانين هي المؤسسة التشريعية المنتخبة ...
الخلاف الراهن :
طرف أول متشدد من يريد فرض الإسلام من فوق
طرف ثان متشدد يريد تجريد القانون و برامج التربية من كلّ تأثير ديني في زمن العودة للدّين و الصحوة الدّينيّة العالميّة ...
الإسلام لا يحتاج أن يفرض لأنّه دين الشّعب
فصل الدّين عن الدّولة و السياسة إذا قصد به التمييز بين العقدي و المدني فهذا من قيم الإسلام ... أمّا الفصل على الطريقة الفرنسية فهذه مغامرة تضر بالدين و السياسة ... انفلات الدّين من ضرورات الانتظام في المجتمع... تحويل السياسة إلى مافيا و خيانة و دجل ... يتحكم في العالم سماسرة المال ... حاجة السياسة للدين و الأخلاق " الحلال و الحرام " خاصة مع غياب كنيسة تنطق باسم الحلال و الحرام.
التمييز لا الفصل /ضبط ثوابت الدين و متغيراته / التشبع بقيم الدين لدى المشرعين دون وصاية أو إكراه / دور الدّولة تقديم الخدمات للناس لا الوصاية على التدين /
الردّة : مهمة الدولة أن تحدّ من حرية النّاس في الاعتقاد / حريّة الدّخول في الدّين و حريّة مغادرته ... لا حاجة للأمّة الإسلاميّة في منافق يكره على الإيمان / الحريّة القيمة الأساسيّة التي يلج بها المرء دار الإسلام / الدولة تكون منسوبة للإسلام بقدر تمثلها لقيم الإسلام دون وصاية مؤسسة دينيّة / حجّة الإسلام قويّة فلا حاجة لممارسة القوّة و الإكراه ...
التباس المفاهيم ... العلمانية ليست فلسفة إلحاديّة هي ترتيبات و إجراءات
علمانية شاملة : النموذج اليعقوبي : اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس
غموض في الإسلام : الإكراه في الدّين و الوصاية فشل و ليس نجاحا ... أكبر خطيئة هي النفاق ...
القبول بمبدأ المواطنة ... الإسلام يعطي الناس الحق في المواطنة على اختلاف اعتقاداتهم الحق في الاعتقاد و المساواة أمام القانون ...

السبت، 18 فبراير 2012

المدخلية .. تيار ديني ينصّب نفسه ممثلا حقيقياً للسلفية (الحلقة الأولى)


المدخلية .. تيار ديني ينصّب نفسه ممثلا حقيقياً للسلفية (الحلقة الأولى)

المصدر موقع الإسلاميون وهو موقع صوفي (لذلك نضع في الحسبان علاقة الصوفية بالسلفية ومدى موضوعية وحيادية المقال)

ظهر تيار "المدخلية" في المملكة العربية السعودية إبان حرب الخليج الثانية 1991 كتيار مضاد للتيارات المعارضة لدخول القوات الأجنبية للجزيرة العربية- كالإخوان والسرورية- بعد غزو العراق للكويت؛ بل ذهب منظروه أبعد مما ذهبت إليه مؤسسات الدولة الرسمية مثل "هيئة كبار العلماء السعوديين" التي أفتت بجواز دخول القوات الأجنبية على أساس أن فيها مصلحة، إلا أنهم لم يجرموا مَن حرَّم دخولها، أو أنكر ذلك، فجاء "المدخلية" واعتزلوا كلا الطرفين، وأنشئُوا فكرا خليطًا يقوم على القول بمشروعية دخول القوات الأجنبية، ومعاداة من يحرم دخولها أو ينكر على الدولة ذلك، مؤسسين رأيهم على مرجعية سلفية تتمترس وراء أدلة من القرآن والسنة.
وسُمي هذا التيار في السعودية بـ"الجامية"؛ نسبة لمحمد أمان الجامي الأثيوبي الأصل، وهو المؤسس الحقيقي لهذا التيار، كما يُلقبون بـ "المدخلية" نسبة إلى ربيع بن هادي المدخلي، وهو أحد رموزهم في السعودية، كما يسمون بتسميات أخرى.
وهذه التسميات غير معترف بها من التيار الجامي أو المدخلي الذي ينسب نفسه إلى السلفية الخالصة، والذي يقوم أساس منهجه على رفض الطائفية والفرقة والتحزب، ومن ثَم كان من الأولى رفضه إطلاق مسمى على نفسه، لاسيما إذا كان يرجع إلى شخص مهما كانت مكانته .
وتحولت هذه المسميات من ألقاب تعطي توصيفات لتيار بعينه - تمييزًا له عن باقي التيارات - إلى لقب يعده الآخرون تهمة أو سبة تجرح من يتصف به؛ إلا أن رموز هذا التيار وعت ذلك؛ وقامت بالرد عليه وقبلت ضمنا بهذا المسمى، وحاولت أن "تبيض وجهه" بدلا من تجاهل التعامل معه ونكرانه.
وأبرز رموز هذا التيار السلفي في مصر محمود لطفي عامر وأسامة القوصي ومحمد سعيد رسلان وطلعت زهران وأبو بكر ماهر بن عطية وجمال عبد الرحمن وعلي حشيش وعبد العظيم بدوي.
التعريف والتمايز
لم يختلف المدخلية عن غيرهم من التيارات السلفية غير الجهادية الأخرى في اعتقادهم بعدم الخروج على الحاكم المسلم وإن كان فاسقا؛ ولا يختلفون عن غيرهم أيضا في أنهم اعتبروا أن الخروج على الخليفة عثمان بن عفان (رضي الله عنه) كان سبب الفتنة التي وقعت بين صحابة رسول الله(صلى الله عليه وسلم)، وأن الخروج على ولاة الأمور هو سبب الفرقة والضعف والخوار الذي أصاب الدولة الإسلامية.
إلا أن المدخلية - خلافا لكثير من التيارات السلفية - تعتبر أنه لا يجوز معارضة الحكم مطلقًا، ولا حتى إبداء النصيحة له علناً، وتعتبر ذلك أصلاً من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة؛ ومخالفة هذا الأصل تعتبر خروجا على الحاكم المسلم(2).
والخروج مصطلح يطلق على إحدى الفرق الضالة التي تخرج عن نطاق أهل السنة والجماعة، وهو مصطلح تاريخي أيضاً يطلق على الطائفة أو الفرقة التي خرجت على الإمام علي (رضي الله عنه) وكفرته؛ متهمة إياه بالحكم بغير شرع الله، كما كفرت تلك الفرقة كل من لم يؤمن بما تعتقد به؛ وشنت حروبا على نظم الحكم على مر التاريخ الإسلامي.
كما أن المدخلية تعتبر أن الاعتراف بالحاكم والولاء له وحده لا يكفي إذا لم يتم الاعتراف بمؤسسات الدولة الأخرى، كمنصب المفتي مثلاً أو بمؤسسة الأزهر، كما أنه ليس لأحد أن يخرج عن فتوى علماء البلاد الرسميين، فإذا حلل هؤلاء العلماء فوائد البنوك فإنه على الرعية المسلمة في هذا البلد الإذعان لتلك الفتوى وعدم مخالفتها، ومن يخالف ذلك فإنه على طريق "الخوارج".
وتتمايز المدخلية عن غيرها من التيارات السلفية في أنها تعتبر أن الجماعة المسلمة هي الدولة والسلطان؛ ومن ثم فهي تشن هجوماً حاداً على أي عمل جماعي، وتناهض الجماعات الإسلامية والحزبية؛ لأنها ضد مفهوم الجماعة في رأيهم؛ ومن ثم فهم "خوارج" على النظام، ومبتدعون في الدين، وهجومهم عليهم يهدف إلى إنهاء الفرقة في الأمة والتفافها حول سلطانها.
ويعرف المدخلية أنفسهم من خلال نقاط أساسية، تقول إن المدخلي هو:
- كل من يدعو إلى السمع والطاعة لولاة الأمور في المعروف، ويدعو لهم بالصلاح والعافية والتوفيق وحسن البطانة، سواءٌ في مجالسه الخاصة أو في خطب جمعة أو في محاضرة أو في مقالة.
- من يحذر من الخروج على ولاة الأمور، وينهى عن شق عصا الطاعة. ومن يحذر من الفكر التكفيري ورموزه.
- من ينشر فتاوى العلماء ومؤلفاتهم التي تحذر من الجماعات الحزبية كجماعة الإخوان المسلمين، وجماعة التبليغ وأمثالهم. والفتاوى التي تحذر من الطرق المخترعة المبتدعة في الدعوة إلى الله؛ كالأناشيد المسماة بالإسلامية، والتمثيل، والقصص وأمثالها، وردود العلماء ومؤلفاتهم التي تكشف عن أخطاء الجماعات، أو أخطاء الدعاة التي تمس العقيدة أو تمس منهج الدعوة إلى الله تعالى.
- كل من يحذر الشباب من الانخراط في الفتن التي لبست بلباس الجهاد، وهي لم تستوف شروط الجهاد الشرعي.
- من يحذر من استغلال الأنشطة الخيرية المشروعة لتحزيب الشباب وضمهم إلى التيارات التكفيرية التدميرية.
· من لم يرتض أن ينضم تحت لواء أي فرقة من الفرق، وإنما اكتفى باسم الإسلام والسنة والانتماء إلى السلف الصالح لا يتعصب لفرقة، ولا يتعصب لرأي، ولا يسير على منهاج دعوي مخترع.
- من يحرص على التوحيد دعوة وبياناً، ويحرص على بيان الشرك تنبيهاً وتحذيراً، ويعتني بنشر العلم الشرعي وبيان البدع حسب استطاعته.
- من يوقر العلماء العاملين الذين بذلوا أنفسهم لنشر العلم الشرعي، وبذلوا أنفسهم لرد البدع والتحذير من أهلها، يحبهم في الله ولا يطعن فيهم ولا يسميهم علماء حيض ونفاس، ولا علماء سلاطين، ولا يلمزهم بشيء من صفات النقص، مع اعتقاده أنهم بشر يخطئون ويصيبون، لكن يكفيهم فضلاً ونبلاً أنهم في غاية الحرص على موافقة الكتاب والسنة ومنهاج السلف الصالح.
خصوم المدخلية
أما خصوم المدخلية فيقولون إنهم:
- يعتبرون أن الحكم بما أنزل الله أمرًا فرعيًا، وليس أصلاً من أصول العقيدة، وبذلك فان من يحكم بغير ما أنزل الله ويشرع القوانين الوضعية المخالفة للنصوص الإلهية لا يكون قد ارتكب ناقضاً من نواقض الإسلام بأي حال من الأحول.
- يرون أن أي اعتراض بأي وسيلة على أفعال الحكام هو من فعل الخوارج المارقين.
- يرون أن كل من وقع في بدعة "أو ما يظنونه بدعة" سواء كان قاصداً أو متأولا أو مخطئا أو ناسيا فهو مبتدع لا يقبلون منه صرفا ولا عدلا ولا يأخذون عنه كلمة حق قالها، ويرون من واجبهم تحذير الناس منه ونبذه بالكلية.
- يعتبرون من ارتكب فعلا من أفعال الكفر هو كافر، دون إقامة حجة أو انتفاء موانع التكفير وتحقق شروطه.
- يسبون علماء الأمة ودعاتها من كل التيارات والتوجهات المخالفة لهم، ويصفونهم بالمبتدعين والزنادقة والخوارج وغيرها من الألفاظ، وهم متفاوتون في هذه المسألة؛ فمنهم من يجاهر بذكر أسماء من يتهمهم؛ ومنهم من لا يجرؤ على ذلك، حتى لا ينصرف عنه الطلبة والأتباع.
- يعتبرون العمل الجماعي في الإسلام من الفتن التي تجب محاربتها، وبذلك فإنهم يصنفون أي جماعة تعمل في الدعوة إلى الله كجماعة مبتدعة بدءًا من جماعة الإخوان المسلمين، مرورًا بجماعة التبليغ والدعوة، وصولا إلى كافة الجماعات المجاهدة والدعوية في العالم.
- يرون أن تسلط اليهود والنصارى على المسلمين هو أمر قدري لا حيلة لنا فيه، وأنه مع تفوق المشركين على المسلمين في كل الجوانب المادية فإن جهادهم يعد مهلكة، فلا يجوز جهادهم بحال من الأحوال إلا إن أذن "ولي الأمر" بذلك.
- يعتبرون أنهم وحدهم الممثلون الحقيقيون للمنهج السلفي، وأن كل من عداهم مبتدعون، ويصطادون الأخطاء ولي عنق الكلام لكل من خالفهم، كما أنهم يستدلون على أقوالهم باستدلالات باطلة فاسدة، ويحاولون اقتناص ما يوافق آراءهم من كلام الأئمة الكبار المشهود لهم من السلف والخلف، واجتزاء كلام العلماء لتبرير منهجهم، ويستدلون لكلامهم بنقل مغلوط عن شيوخ كبار كابن باز وابن عثيمين والألباني وغيرهم.
- يحملون عقيدة المرجئة، باعتبار أن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط ولا يلزمه عمل، وبذلك فإن من ارتكب عملا يناقض الإيمان في عقيدة أهل السنة فانه لا يكفر إلا إذا كان يعتقد الكفر بقلبه!.
- يسيئون للمنهج السلفي بأفعالهم وكلامهم، حتى نفر كثير من الناس من المنهج السلفي لما حسبوا أن هذا هو المنهج السلفي.
- يلغون الأخذ عن كثير من علماء المسلمين سلفا وخلفا، بسبب بعض أخطاء هؤلاء العلماء-وفق رأيهم- كالنووي وابن حزم وابن حجر العسقلاني وغيرهم.
- يتنابزون حتى بين بعضهم البعض ممن يحملون نفس المنهج، فيبين كل منهم بدع وأخطاء بعضهم البعض.. وهذا حصل مع أسامة القوصي وفالح الحربي وغيرهم.
المدخلية والإخوان
كان الإخوان على أجندة هجمات المدخلية المصرية، التي زادت قوة وشراسة على الإخوان بسبب قوتهم في الساحة المصرية وانتشارهم العددي والفكري وتوغلهم في المجتمع المصري.
بالإضافة إلى أن السلفية المدخلية ظهرت على السطح كتيار يحارب العمل الجماعي المنظم عموما، والمعارض للدولة على وجه الخصوص، والذي "ينازع الأمر أهله" بشكل أدق، والإخوان تتوافر فيهم كل هذه الصفات؛ ومن ثم ينزل عليهم حكم المدخلية بأنهم "خوارج" و"مبتدعة في الدين" وإحدى الفرق الضالة".
فأسامة القوصي - أحد رموز المدخلية في مصر - وصف في محاضرة له جماعة الإخوان المسلمين بأنها "أخطر جماعة في مصر" وبأنها "فكرة شيطانية"؛ ومن تحت عباءتها خرجت جماعة التكفير والهجرة، وحزب التحرير والجماعة الإسلامية. ودعا الرجل في أكثر من موضع إلى حظرها عمليا، إضافة إلى حظرها قانونياً لمنع أسباب الإرهاب الفكري، إلا أن الرجل التمس للنظام العذر في عدم استئصالها نهائياً لأن الإخوان مخترقون – حسب تعبيره – لكل مؤسسات الدولة؛ ولذا فليس من السهل أن يقتلعوا من البلد "لأنهم أخطبوط وسرطان"، لكنه دعا الجميع للتعاون في استئصال حركتهم.
وفي المحاضرة ذاتها أصَل القوصي لهجومه على جماعة الإخوان قائلاً: "الدعوة السلفية النقية هي جماعة أفهام لا جماعة أبدان، وهي جماعة ربانية أسسها محمد (صلى الله عليه وسلم) وليست جماعة بشرية كجماعة الإخوان المسلمين التي وضعها بشر لا عصمة له حتى لو غررت بالشعارات الإسلامية".
وذكر بمقولة النبي "دعوها فإنها منتنة" – يعني العصبية القبلية والحزبية – كما استشهد القوصي بأن المهاجرين والأنصار رغم أن أسماءهم منزلة من عند الله فإنهم كادوا أن يتحزبوا على أساسها، لولا أن النبي حذرهم، كما أن الجماعة المسلمة جماعة واحدة لا جماعات.
ويخلص القوصي في محاضرته إلى أن الجماعة المسلمة هي الدولة والسلطان؛ ومن ثم فإنه سيحارب أي عمل جماعي خارج على النظام الدولة، وسيناهض الجماعات الإسلامية والحزبية؛ لأنها في رأيه ضد مفهوم الجماعة، وحربه ضدهم تهدف إلى إنهاء التفرق في الأمة والتفافها حول سلطانها(8).
وأخذ الهجوم المدخلي على الإخوان محورين:
المحور الأول المنطق العقلي الذي يتتبع أخطاء الإخوان السياسية والعلمية والتاريخية من وجهة نظر هذا التيار، وفي أحيان كثيرة من وجهة نظر خصوم الجماعة من العلمانيين واليساريين والليبراليين ليصل في النهاية إلى نتيجة مؤداها أن وجود جماعة الإخوان جعل من الواقع أكثر مرارة، وزاد الفرقة والانحراف عن النهج السلفي القويم، فعلى سبيل المثال كانت هناك مشكلة فلسطين، والآن زاد عليها مشاكل في أفغانستان والشيشان وكشمير وغيرها، كما أن فتق الفرقة اتسع بتعدد الجماعات والاتجاهات والزعامات، ولم يستطع الفكر الإخواني أن يعالج انحراف الأمة في العقيدة أو في السياسة أو في السلوك أو حتى في مشاكلها الحضارية التي تئن بها. بل ذهب المدخلية إلى أكثر من ذلك، بالقول إن سبب هذا الانحراف هو الفكر الإخواني نفسه.
والمحور الثاني عَرْض الجماعة بأفكارها وتجربتها على شرعية سلفية من وجهة نظرهم، ويؤكد رموز هذا التيار على أنها عين الكتاب والسنة بفهم السلف الصحيح والنقي، ليصل إلى نتيجة مؤداها أن جماعة الإخوان المسلمين جماعة بدعية لا سلفية شرعية، وأنها خارجة على منهج أهل السنة والجماعة.
حيث ألف محمود لطفي عامر – أحد رموز المدخلية المصرية – كتابا تحت عنوان "تنبيه الغافلين بحقيقة فكر الإخوان المسلمين" شن فيه هجوماً شرساً على جماعة الإخوان، بالإضافة إلى عدد كبير من المقالات والمحاضرات الصوتية والمرئية التي اتهم فيها جماعة الإخوان المسلمين بأنها جماعة تكفيرية خوارجية؛ تتبنى مفاهيم العمل السري، بل إن الرجل تعرض إلى رموز الإخوان بالنقد العنيف من خلال تتبعه لسيرهم ومذكراتهم وأقوالهم؛ لإثبات أنهم مبتدعة يخالفون شرع الله، وخصص عامر فصلاً في كتابه يتهم فيه حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين بأنه صوفي وحزبي، وهو اتهام من وجهة نظر الكاتب يجرح المتهم به ويسقطه.
ويكاد يكون اتهام حسن البنا بأنه صوفي اتهامًا يشترك فيه معظم رموز المدخلية المصرية، فهذا الاتهام له حساسيته عند منتمي الفكر السلفي بشكل عام، فقد هاجم الشيخ محمد سعيد رسلان حسن البنا- مؤسس جماعة الإخوان- واتهمه بأنه صوفي، مستشهدا بفقرات من كتاب البنا "مذكرات الدعوة والداعية"، أكد فيها البنا بأنه أسس جماعة الإخوان المسلمين خلفا لجمعية الطريقة الحصافية الشاذلية الصوفية التي أنشأها في بلدته في المحمودية إحدى قرى محافظة البحير.
وفي المحاضرة ذاتها هاجم رسلان عدداً من رموز جماعة الإخوان المسلمين، مستندا إلى بعض كُتب تلك الرموز، أو تصريحات للصحف؛ لإثبات انحراف مناهج الجماعة.
واعتبر رسلان أن ما قاله حسن البنا من أن خصومة الأمة مع اليهود ليست دينية- لأن القرآن حث على مصاهرتهم ومصادقتهم، وأن الإسلام شريعة إنسانية قبل أن تكون شريعة قومية- هو انحراف عن عقيدة أهل السنة والجماعة، وفهم مغلوط وغريب.
وفي المحاضرة نفسها هاجم رسلان المرشد الثالث لجماعة الإخوان عمر التلمساني؛ لأنه اعترف في كتابه "ذكريات لا مذكرات" بأن في حياته بعض ما لا يُرضي المتشددين من الإخوان وغيرهم، مثل حبه للرقص الإفرنجي والموسيقى؛ وحبه للانطلاق في حياته بعيداً عن التزمت الذي لم يقر به دين.
كما هاجم رسلان الشيخ يوسف القرضاوي معتبرًا إياه من الإخوان المسلمين؛ وذلك لأنه امتدح الديمقراطية الإسرائيلية في خطبة جمعة له نشرت في مجلة الوطن الكويتية.
وانتقد رسلان بحدة وغضب ما قاله القرضاوي في برنامج "الشريعة والحياة" الذي تبثه قناة الجزيرة الفضائية، ناعيا بابا الفاتيكان يوحنا بولس الثاني، ووصفه له "بأنه علم من أعلام المسيحية.. والحبر الأعظم.. وأنه كان مخلصا لدينه، وناشطا في نشر دعوته والإيمان برسالته.. فنحن ندعو له بالرحمة ويجزيه بقدر ما قدم للإنسانية من خير ومن عمل صالح.. نسأل الله أن يعوض الأمة المسيحية فيه خيراً".
وهاجم محمد سعيد رسلان شعار الإخوان المسلمين الشهير "الإسلام هو الحل"، وقال: "كل شعار يرفع لابد أن يكون صحيحا في ذاته؛ وأن يكون مرفوعاً على حقيقة صحيحة؛ وأن يكون مناسبا للزمان الصحيح والمكان الصحيح"، وتساءل رسلان مستنكراً: "هو الحل، لكن ما هو الذي هو الحل؟، يقولون نحن البديل، أي بديل؟!، البديل في كتاب الله وسنته، هي التقوى والتقوى تحتاج إلى علم نافع وعمل صالح، والعلم النافع ينبغي أن يكون مقيداً بما جاء به رسول الله كتاباً وسنة، والعمل الصالح ينبغي أن يكون على قدر ما جاء به الرسول كتابا وسنة".
---------------
صحفي مصري - عن موقع إسلام أون لاين.نت 9 سبتمبر 2010 

الأحد، 12 فبراير 2012

Quand l’Islande réinvente la démocratie

Dimanche 12 février 2012
Révolution démocratique en Islande, que Vive l'Islande !
 
revolution_en_islande.jpg
 
Aussi incroyable que cela puisse paraître, une véritable révolution démocratique et anticapitaliste a lieu en Islande en ce moment même, et personne n’en parle, aucun média ne relaie l’information, vous n’en trouverez presque pas trace sur « Google » : bref, le black-out total. Pourtant, la nature des évènements en cours en Islande est sidérante : Un Peuple qui chasse la droite au pouvoir en assiégeant pacifiquement le palais présidentiel, une « gauche » libérale de remplacement elle aussi évincée des « responsabilités »  parce qu’elle entendait mener la même politique que la droite, un référendum imposé par le Peuple pour déterminer s’il fallait rembourser ou pas les banques capitalistes qui ont plongé par leur irresponsabilité le pays dans la crise, une victoire à 93% imposant le non-remboursement des banques, une nationalisation des banques, et, point d’orgue de ce processus par bien des aspects « révolutionnaire » : l’élection d’une assemblée constituante le 27 novembre 2010, chargée d’écrire les nouvelles lois fondamentales qui traduiront dorénavant la colère populaire contre le capitalisme, et les aspirations du Peuple à une autre société.

Alors que gronde dans l’Europe entière la colère des Peuples pris à la gorge par le rouleau-compresseur capitaliste, l’actualité nous dévoile un autre possible, une histoire en marche susceptible de briser bien des certitudes, et surtout de donner aux luttes qui enflamment l’Europe une perspective : la reconquête démocratique et populaire du pouvoir, au service de la population.
 
Musique: L'Islande nous souhaite "Bon courage"
 
 
Quand l’Islande réinvente la démocratie
Le 16 décembre 2010 par Jean Tosti
Depuis le samedi 27 novembre, l’Islande dispose d’une Assemblée constituante composée de 25 simples citoyens élus par leurs pairs. Son but : réécrire entièrement la constitution de 1944 en tirant notamment les leçons de la crise financière qui, en 2008, a frappé le pays de plein fouet.
Depuis cette crise dont elle est loin d’être remise, l’Islande a connu un certain nombre de changements assez spectaculaires, à commencer par la nationalisation des trois principales banques, suivie de la démission du gouvernement de droite sous la pression populaire. Les élections législatives de 2009 ont amené au pouvoir une coalition de gauche formée de l’Alliance (groupement de partis composé des sociaux-démocrates, de féministes et d’ex-communistes) et du Mouvement des Verts de gauche. C’était une première pour l’Islande, tout comme la nomination d’une femme, Johanna Sigurdardottir, au poste de Premier ministre.
Très vite, le nouveau gouvernement se trouve face à un problème épineux : le règlement aux Pays-Bas et au Royaume-Uni d’une dette de 3,5 milliards d’euros suite à la faillite d’Icesave, banque en ligne dont les opérations étaient tournées principalement vers ces deux pays. Sous la pression de l’Union européenne, à laquelle les sociaux-démocrates souhaiteraient adhérer, le gouvernement fait voter en janvier 2010 une loi autorisant ce remboursement, ce qui reviendrait, pour chaque Islandais, à débourser pendant huit ans une somme d’environ 100 euros par mois. Mais le président de la République refuse de ratifier la loi, dont le texte est alors soumis à un référendum. À plus de 93%, les Islandais votent contre le remboursement de la dette (6 mars), et depuis le problème reste en suspens.
C’est dans ce contexte que l’Islande décide de modifier sa constitution, qui en fait n’a jamais été vraiment rédigée : lorsqu’en 1944 la république avait été proclamée, on s’était contenté de recopier dans les grandes lignes la constitution du Danemark, pays dont l’Islande dépendait depuis plusieurs décennies, en remplaçant simplement le terme de “roi” par celui de “président de la République”. C’est donc une nouvelle constitution qu’il s’agit d’écrire entièrement, et pour cela on a décidé de faire confiance au peuple souverain. Il y a eu d’abord un appel à candidatures (tout le monde pouvait se présenter à l’exception des élus nationaux, à condition d’avoir dix-huit ans révolus et d’être soutenu par au moins trente personnes) auquel ont répondu 522 citoyennes et citoyens. C’est parmi eux qu’ont été élus les 25 constituants.
Ces derniers commenceront à se réunir à la mi-février et rendront leur copie avant l’été. Parmi les propositions qui reviennent le plus souvent, on peut noter la séparation de l’Église et de l’État, la nationalisation de l’ensemble des ressources naturelles et une séparation claire des pouvoirs exécutif et législatif.
Certes, l’Islande n’est qu’un petit pays d’environ 320 000 habitants. Elle donne cependant là une belle leçon de démocratie aux grands États dont la France : songeons que, dans notre pays, la réforme constitutionnelle de 2008 a été entièrement rédigée à l’Élysée, et que les parlementaires ne l’ont adoptée qu’à deux voix près après avoir été soumis pendant des semaines à des pressions intolérables de la part du chef de l’État.
(source: cadtm.org)

Quand l’Islande réinvente la démocratie
 
l’Assemblée constituante a été élue en novembre
Un jour, il y a quelques mois, un anglais passant par Paris, rencontré à la librairie Lady Long Solo, nous alertait sur la révolution en Islande. Quelle révolution ? On n’en entend parler nulle part. Une rapide recherche google ne donne rien du tout, aujourd’hui, ni en associant le mot « révolution », ni même « crise », où l’on ne trouve que des détails sur la crise financière, effectivement à l’origine de cette révolution, qui a eu lieu en 2008, dans ce pays d’à peine plus de 300 000 habitants, classé au deuxième rang mondial sur l’indice du développement humain, l’IDH, derrière la Norvège, à la veille de cette crise, en 2006.
Confronté alors à la faillite brutale du système bancaire, le peuple était descendu dans la rue. Du jamais vu au pays des jeysers d’eau chaude. La droite avait aussitôt dû céder la place à la gauche. Et, pour commencer, les banques avaient été nationalisées. Notre informateur anglais en avait entendu parler pour les projets législatifs de liberté totale pour internet, tels que des sites anglais pensaient à s’héberger là. Plus encore, il insistait pour parler d’une véritable révolution, sans pouvoir la décrire plus, mais s’étonnant qu’on n’en ait jamais entendu parler.
Cherchant alors avec obstination, on a fini par voir des images du palais présidentiel assiégé par une foule qu’on qualifierait ici sans hésiter d’anarcho-autonome. En plus des drapeaux noirs, on pouvait deviner dans la foule une forte composante de citoyenneté de type écologiste. Et on comprenait que le pauvre malheureux flic, tout seul devant le palais présidentiel, ait rapidement dû se rendre sous la pression de la foule. Celle-ci, néanmoins pacifique, n’usait que de casseroles et autres objets bruyants, selon la méthode argentine du cacerolazo, qui a su s’avérer très payante aussi là-bas.
Le président avait plié bagage. Un nouveau gouvernement s’était institué. Mais, quelques temps plus tard, celui-ci avait la mauvaise idée de proposer le remboursement de la dette des banques vis-à-vis du Danemark ou de la Grande Bretagne. Le peuple est de nouveau descendu dans la rue. Un référendum sur la question était imposé par volonté populaire, et une petite majorité de 93% rejetait l’accord prévu par les gentils gouvernants.
Parmi les informations glanées, cette image saisissante de l’agora dans les bains publics chauds, où le peuple s’assemble tous les matins pour débattre de comment refaire le monde.
Consécration de cette révolution, l’élection d’une Assemblée constituante, le 27 novembre 2010, événement peut-être plus considérable que la nuit du 4 août 1789 où était votée l’abolition des privilèges, dont on ne se serait pas aperçu sans la vigilance de Truks en vrac, de notre ami B.Bec, du Gers, relayant le CADTM, ou de Jean-Luc Mélenchon, qui trouve là une similitude avec ses propres thèses constitutionnalistes, mais ne semble pas voir plus loin que le bout de son nez anti-capitaliste.
Merveille de la désinformation. Un événement aussi considérable qu’une véritable révolution démocratique, telle qu’on n’en a jamais vue en Europe, peut se produire sans que la presse, ni google, ne permettent d’en savoir quoi que ce soit. C’est sûr qu’à l’heure de la consolidation anti-démocratique que vivent la plupart des pays européens, l’exemple islandais ne fait pas vraiment l’affaire de nos régimes policiers, qui montrent là encore leur aptitude à verrouiller rigoureusement la conscience collective.
On aimerait assurément en savoir plus sur cette révolution islandaise. Voilà des mois que Paris s’éveille rêve de téléporter sa rédaction pour un reportage approfondi au pays des chasseurs de baleines et d’utopie. S’immerger dans les bains chauds de la révolution démocratique fait certes envie, surtout vu du cœur de notre hiver sécuritaire.
Il faut s’imaginer les 25 « simples citoyens » qui vont plancher sur la constitution idéale. Le souffle de l’humanité devrait se retenir. Où l’on verra probablement qu’il n’est pas difficile de faire mieux que toutes les figures de pseudo-démocraties qui se sont déclinées jusqu’ici sur les cinq continents.
Cet article se voudrait un appel à qui aurait plus d’informations sur cette extraordinaire histoire islandaise. On peut m’écrire à: michelsitbon@gmail.com, et je relayerai avec plaisir. Un dossier sur la révolution islandaise tente de rassembler les articles qu’on peut trouver sur le sujet.
(source: parisseveille.info) et les moutons enragés.

lien: http://www.wikistrike.com/article-revolution-loin-des-medias-l-islande-reecrit-entierement-sa-constitution-99142021.html

Islande Revolution Project: http://www.parisseveille.info/voyage-au-pays-de-la-revolution,2820.html