السبت، 7 يناير 2012

في توازنات "الرعب الإعلامي" وشروطها

 
مقال في جريدة الحصاد عدد
17
وصفة لابد منها:
في توازنات "الرعب الإعلامي" وشروطها
د.سالم لبيض

سيقول البعض ما بال الرجل يتحدث عن الرعب وتوازناته وكأن الأمر يتعلق بحرب وسائلها غير تقليدية والحال أن المسألة في منتهى النعومة. ولكن الواقع غير ذلك تماما لأن حيوية الإعلام من حيوية المجتمع نفسه ولأن بعض القوى السياسية المتنفّذة تمارس الرعب الإعلامي بكل ما في الكلمة من معنى ، ولأن السياسة هي لعبة المصالح بامتياز ومن لا يمتلك منبرا إعلاميا لا يستطيع ممارسة السياسة في يوم الناس هذا، ومن لم يدرك تلك الحقيقة فلا باع له ولا ذراع في عالم السياسة حتى وإن توهم غير ذلك، ولأن بقاء أي طرف أو تيار سياسي أصبح مرهونا بحضوره وفعله الإعلامي بدرجة أولى وثانية وثالثة.. حتى أن الإعلام خلق كيانات وشخصيات سياسية لم تكن موجودة وطمس فعل أخرى رغم عراقتها ونضاليتها ومصداقيتها ووطنيتها.

لقد كان الرعب الإعلامي متأتيا من احتكار الدولة للمشهد الإعلامي في تونس وخاصة المرئي والمسموع منه منذ وراثتها للإدارة الاستعمارية، فهي الوسيلة الأكثر نجاعة في نشر أيديولوجيا الحزب المهيمن على الحياة السياسية وهو الحزب الدستوري الحاكم. ولقد تجلى ذلك الرعب في مناسبات عدة انحاز فيها الإعلام جملة أو بالأغلبية الساحقة إلى جانب القوى الحاكمة على حساب المجتمع وقواه الحية لاسيما حركاته الاجتماعية والاحتجاجية التي فجرت انتفاضات عدة عرفتها تونس إبان مراحل عديدة من تاريخها المعاصر ووُصفت بالتمرد والفوضى والخروج عن القانون. وقد تبدّى ذلك الرعب بأكثر وضوح إبان ثورة 17 ديسمبر وخلال التعامل الإعلامي معها إلى حدود سقوط حكومة بن علي يوم 25 فيفري 2011 على وقع اعتصام القصبة الثاني. ولم تتوان كافة وسائل الإعلام المرئية والمسموعة بدون استثناء على استعمال المصطلحات النابية التي وضعها الحاكم السابق والتي هندس لها في واقع الأمر الخبير الوزير الذي لا يشق له غبار في المؤسسة الإعلامية الذي كان يتحكم في المشهد الإعلامي برمته منذ عقود. 

استعمل الجهاز الإعلامي كلمات من قبل الملثمين والمجرمين والقتلة والإرهابيين والمعني بكل أولئك شباب الثورة وشهدائها وجرحاها، ولقد كان ذلك ينسحب على التلفزيونات والإذاعات وبعض المواقع الالكترونية وبعض الصحف العامة والخاصة.
قلة من الإعلاميين واجهوا ذلك الرعب الإعلامي المنظم الذي أنخرط فيه وزراء "تقدميون جدا" و"إعلاميون نزهاء جدا"، وقلة هم الذين تحدثوا عن نزاهة الإعلام وإيطيقاه واستقلاليته ومسؤوليته أمام المجتمع كما هو حال مطالبهم اليوم، وقلة هم الذين دافعوا عن المسؤولية الأخلاقية والإنسانية للإعلام لما كان الناس يموتون بدم بارد في مختلف دواخل البلاد، وبدل ذلك فقد كانت بعض الوسائل الإعلامية تبرر القتل المنظم لكل من جاء في مرمى القتلة طفلا كان أو شيخا امرأة أو رجلا. وفي خضم ذلك نشر مسؤول إحدى المجلات "المستقلة" المعروفة – وهو يملأ الدنيا اليوم باسم الثورة ويخطب علينا صباحا ومساء ويوم الأحد- تحقيقا عن بلدية حلق الوادي خدمة لسيدها الذي يقبع في السجن الآن بسبب فساده وجرائمه، وأدان صراحة احتجاجات أبناء سيدي بوزيد المطالبة بالشغل بوصفه استحقاقا لا أكثر.

ومع سقوط بن علي وزمرته الحاكمة لبس الإعلام المرئي والمسموع جبة الثورة بدون سابق اغتسال وعجت المنابر التلفزية والإذاعية بإعلاميين وحقوقيين كانوا يبحثون عن مخرج لأزمة النظام ليلة 13 من شهر جانفي الذائعة السيط، انتقلوا من لون النظام إلى لون الثورة بدون تردد ولا ترمرم ولا ارتباك ولا خجل، مقالاتهم في الجرائد حول عبقرية بن علي وعقلانيته وحداثته وريادته في مجال حقوق الإنسان لا تزال قائمة، وتشبيههم له بخير الدين وبابن خلدون وبنيتشه وبالعقل لا يزال مسجلا، وحديثهم عن امرأة تونس الفاضلة وعن نظافتها وتقواها لا يزال يجول في أروقة الفايس بوك، ونهبهم للمال العام في وكالة الاتصال الخارجي وفي التلفزة الوطنية مقابل تزييفهم للحقائق السياسة والتاريخ لا يزال مدونا.
وفجأة تحولوا وتحولت معهم القنوات والإذاعات وبعض الجرائد، لكنهم تحولوا بمنطق الغنيمة التي مات أصحابها، فمن يشرف على الوضع الإعلامي بعد سقوط بن علي؟ ومن يرث التلفزة الوطنية التي كانت تعود ملكيتها إلى عبد الوهاب عبدالله؟ ومن يرث موزاييك المملوكة من قبل بلحسن الطرابلسي؟ ومن يرث شمس المملوكة لسيرين بن علي؟ ومن يرث زيتونة وصباح صخر الماطري؟ ومن يصل الأول إلى نسمة وإلى حنبعل؟ ومن يستولي على الاذاعة الوطنية وشقيقتها الثقافية وثالثتهما الشبابية في ظل الانهيار الذي طرأ على الأجهزة السياسية القديمة؟ ومن...ومن .. ومن يُمنح رخص إذاعات وقنوات جديدة؟ ومن يتولى الشأن النقابي لتكتمل الصورة متناغمة لا لبس فيها؟

لقد تشكلت وبسرعة لوبيات إعلامية جديدة على خلفية أيديولوجية وسياسية في مشهد إعلامي مغاير قوامه المحاور التالية:

- المحور اليساري الليبرالي ويتكون من القوى اليسارية التي تنازلت عن الأيديولوجيا البروليتارية ودكتاتوريتها وعن الاشتراكية العلمية وقوانينها الحتمية وعن مقولة الصراع الطبقي المحرك الرئيسي للتاريخ، وتحالفت مع الليبراليين والرأسماليين والدستوريين والبورقبيين والفرانكفونيين وقد أطلقوا على أنفسهم جميعا "الحداثيين". هذه القوى مجتمعة قد تتشكل فيما بات يعرف بالكونفدرالية السياسية الناجمة عن الهزيمة الانتخابية، منبرهم الورقي جريدة المغرب اليومية (المستقلة) -ومن ينكر علينا ذلك فعليه أن يتأمل في الجامع بين مؤسس الجريدة ومجلس تحريرها المكلف بالسهر على خطها الاستقلالي ! - وأضيف لها مؤخرا ورقية ثانية هي التونسية بعد أن كانت إلكترونية، مع بعض الصحف الحزبية التقليدية التي لم تتوقف عن الصدور حتى في أوج قوة نظام بن علي. ويسيطر هذا المحور على تلفزيون نسمة بالكامل وعلى كل من راديو موزاييك وشمس وله مواقع نفوذ في إذاعات كثيرة ويبدو أن التلفزة الوطنية قد استقر حالها في نفس المحور بعد الانتخابات حسب ما تعكسه نوعية البرامج الحوارية والشخصيات المستدعاة وطبيعة التغطيات والمنشطون وتوقيت البرامج وتوزيعها مراعاة لبقية القنوات، ويكفي أن نتأمل في الانتقال السلس الذي بموجبه انزاح glisser منشط برنامج حديث الساعة من قناة نسمة إلى التلفزة الوطنية وما صاحب ذلك من تنقل في الخبرات والشخصيات المتماهية معها أيديولوجيا وسياسيا، لندرك تلك الحقيقة ولنقيس عليها والأمثلة كثيرة.

- المحور النهضوي: يبدو أن حركة النهضة تعاني من عدم احتلالها لمواقع متقدمة في الأجهزة الإعلامية العمومية والخاصة على المستوى المحلي بما ينسجم مع حجمها السياسي، ولكنها مع ذلك استطاعت أن تنفذ إلى المشهد الإعلامي بقوة وخاصة التلفزي، وذلك من عدة منافذ، مرتكزة على الأخطاء التي ارتكبها المحور الأول، فقد كان أباطرته يعتقدون أن الدخول في صراع مفتوح مع حركة النهضة ورموزها ودعوتهم إلى السجالات السياسية المتلفزة سيمكنهم من هزمها هزيمة ساحقة على المستوى الإعلامي وسينعكس ذلك لا محالة سياسيا، ولكن العكس هو الذي حصل فقد ظهرت النهضة في المنابر الإعلامية التي يسيطر عليها أو يديرها اليسار الليبرالي وانهزم خصومها في العملية السياسية. لكن مع ذلك هناك استراتيجية نهضوية إعلامية بدأت خارجيا بالتسرب إلى قناة الجزيرة منذ تأسيسها والتي قدمت خدمات جليلة للنهضة والنهضويين توظيفا ودعاية سيكون لها كبير الأثر في المشهد السياسي اللاحق، وكذلك قناة الحوار ذات التوجه الإسلامي الإخواني التي مكنت حركة النهضة من مساحة إعلامية محترمة. وهذه الإستراتيجية بدأت ملامحها محليا تتبلور في مستوى الصحافة الورقية من خلال جريدة الفجر، وبالعمل الدؤوب والكرنفالي في الإعلام الالكتروني عبر الفجرنيوز وغيرها وخاصة في فضاء الفايس بوك حيث يشتغل جيش من الناشطين النهضويين الذين بات لهم كبير الأثر في جمهور الفضاء العام الافتراضي الذي يتسع يوما بعد يوم. وتدعم هذا المحور بوكالة أنباء بناء نيوز القريبة التي أصدرت جريدة الضمير، ولاشك أن قناة نهضوية أو قريبة من النهضة ستكون من ضمن الأولويات للمقارعة الإعلامية وللردع الإعلامي في مستقبل الأيام.

- المحور الثالث : ينتمي إلى هذا المحور كافة القوى المحرومة من الإعلام وذلك بسبب موقف من مؤسسات الدولة والعمل بها خاصة ذات الطابع السياسي زمن بن علي، أو بسبب إقصائها المخطط من الحضور الإعلامي زمن الثورة إلا ما جاء تكرّما من منشطي بعض القنوات والإذاعات والصحف. وتأتي في مقدمة هذا المحور القوى القومية والعروبية مثل حركة الشعب الوحدوية التي وصلت إلى حد إرسال عدل تنفيذ إلى مدير التلفزة الوطنية بسبب إقصائها من الإعلام المرئي العمومي بعد أن تضررت كثيرا في المشهد الانتخابي، وبعض المجموعات اليسارية الراديكالية مثل حزب الشعب الوطني الديمقراطي(حشود) سليل حزب الشعب الثوري . ولم تستطع القوى المشكلة لهذا المحور وغالبيتها من العروبيين -وإن التقت فيما بينها عفويا وبدون سابق تنظيم- وضع إستراتيجية إعلامية تقطع بها حبل الإقصاء الممنهج الممارس ضدها في وسائل الإعلام العمومية والخاصة لتعكس بذلك مستوى فعلها في الشارع السياسي الذي هو أفضل بكثير من أحزاب ناشئة احتلت مكانا في المجلس التأسيسي بفضل الدعاية الإعلامية، لكن الإعلام حرمها من تحقيق هكذا فرصة. ولا يقتصر غياب القوميين والعروبيين على المشهد المرئي والمسموع وإنما يشمل الصحافة المكتوبة حيث لا توجد صحف تنطق باسمهم ظاهرا أو باطنا بعد أن توقفت جريدتا الكرامة وحركة الشعب عن الصدور، إلا إذا استثنينا جريدتي الحصاد الأسبوعي والرسالة اللتين لا تخفيان ميولاتهما العروبية بالرغم من استقلالية خطهما التحريري، وكذلك جريدة عُرابيا التي يُحيل اسمها على شيء من ذلك الانتماء. أما في المستوى الإلكتروني وفضائه العام فلا يزال الفعل العروبي والقومي محدودا جدا ولا يرتقي إلى صنع الحدث ويقتصر في غالبه على الشعارات والخطب لزعماء تاريخيين وبذلك يستجيب للغرور الخاص ولا يخلق من حوله جمهورا واسعا ورأي عام ذي تأثير في العملية السياسية كما هو شأن المحورين السابقين.وهو ما ظهر جليا في نتائج الانتخابات الأخيرة.
بعد هذا التشخيص لابد من الإشارة إلى أن القوانين التي تنظم المشهد الإعلامي السياسي والحزبي خاصة والتي وُضعت على المقاس في زمن بن علي، تتصف بالعتاقة. فالصحف الحزبية وبقطع النظر عن التمويل الذي توفره لها الدولة والذي يصل إلى حد 180 ألف دينار سنويا بالنسبة للصحف الأسبوعية التي كانت تتمتع بذلك الامتياز، لم يعد له معنى بسبب العزوف عن الصحافة الحزبية المتأتي بدوره من تشويه النظام السابق لأحزاب المعارضة ومن تحجيم دورها. وقد تنامى ذلك التهميش بسبب الانفجار الإعلامي الحاصل بعد الثورة مما زاد في نفور الناس من الصحافة المكتوبة المتكاثرة وبسبب هيمنة الإعلام المرئي بدرجة أولى وبدرجة ثانية المسموع منه. ولقد بات ضروريا على الأحزاب السياسية والتيارات الفكرية والشخصيات الوطنية لاسيما المقصية منها من الحضور الإعلامي أن تطرح إعادة النظر في الإعلام السياسي والحزبي بما يحد من الإقصاء والتهميش وبما يعطي الفرص المتساوية أمام جميع القوى التي يتشكل منها المجتمع السياسي والمدني ويضعها على قدر المساواة، وأن ترتب ذلك في أولوياتها المطلبية والنضالية. كما حان الوقت لتطالب تلك القوى المهضومة الحقوق بمراجعة القوانين التي تنظم العملية الإعلامية برمتها فمن الضيم اليوم أن يستمر القانون الذي يقتصر على تمكين الأحزاب من جرائد فقط في حين يمنح الأفراد رخص لإقامة إذاعات وتلفزيونات، فأيهما أكبر تأثيرا وأهمية بالنسبة للمجتمع أهو الفرد أم الحزب الذي قد يعد آلاف أو مئات الآلاف من الأفراد، ومن الضيم أن تبقى قوى محرومة من الإعلام وأخرى تسيطر على المشهد بسبب عدم الاستقلالية واللاّحياد الذي يتميز به المشهد الإعلامي التونسي.
ولا حل لذلك المأزق إلا في تشريع قوانين تسمح بإقامة التلفزيونات والإذاعات للأفراد والأحزاب على حد السواء بدون قيد أو شرط، فإذا تحقق ذلك استفادت شرائح كبيرة من العاطلين سواء كانوا صحفيين أو تقنيين مما سيحد من تفاقم البطالة في هذا القطاع وستُفتح سوق إعلامية حقيقية قوامها المنافسة الحرة يمكن أن تكون في شكل مدينة إعلامية مثلما هو سائد في تركيا أو دبي أو المملكة المتحدة، وستسود على تلك الأرضية فكرة توازنات "الرعب الإعلامي" فلا احتكار ولا عدوان بعد ذلك، ولا شك أن البقاء سيكون للأصلح وليس للأقوى كما هو حال إعلامنا اليوم.

الجمعة، 6 يناير 2012

إلى إعلام آخر، في بلاد أخرى بقلم أ.عدنان المنصر


 هل من جديد تحت شمس السلطة الرابعة؟ قليل من الجديد، وكثير من القديم. لا يفتأ المواطن يكتشف يوما بعد يوم طول المسافة التي يتوجب على الإعلام قطعها حتى يصبح جديرا بكرسيه الرابع. هذا مسار طويل، ولن نجتازه في القريب العاجل مهما كنا متفائلين. يلاحظ المتابع كثرة في عناوين الصحف، وتعددا في البرامج السياسية على الإذاعات والقنوات التلفزية، ويذهب في ظنه للوهلة الأولى أننا نعيش عصر ثورة الاعلام، وأن الثورة، أو ما اصطلحنا على تسميتها كذلك، أمنت جانب هذه السلطة وأن بإمكانها اليوم الالتفات إلى ما هو أهم. ولكن كثيرا من التهيؤات لم تعد تنطلي على أكثر المتفائلين.

في البلدان التي يحترم فيها الإعلاميون مواطنيهم، تكون مهمتهم هي الإعلام أولا، وبعد ذلك بإمكانهم أن يبلغوا المضمون الذي يريدون، وأن يوصلوا الأفكار التي يؤمنون بها. أما في البلدان الأخرى، فإن الخبر يختلق ويلوى عنقه منذ البداية، أو يقع تجاهله تماما، ولا يحضر إلا الاستغلال غير الحرفي له، ككرة في ملعب بدا خاليا من المدافعين وحارس المرمى. يكفي أن ننظر في هذا السياق إلى صحافة يوم الاثنين 2 جانفي، تاريخ بداية زيارة الرئيس منصف المرزوقي إلى ليبيا. لوهلة ظننت أن الزيارة ألغيت، أو أنها زيارة صداقة، أو أنها زيارة علاج خاصة. تصفحت معظم جرائد الصباح، ولم أجد فيها شيئا، أو تقريبا. في نشرة الأخبار المسائية على القناة الأولى بدا لي أن هذه الزيارة لا تستحق أن يهتم بها أحد فعلا، لذلك أخر الحديث عنها إلى المرتبة الثالثة أو الرابعة في أحداث اليوم. نشرة أخبار الثامنة، وترتيبها العجيب الغريب للأحداث، أمر محير فعلا. ولكن لعل في الأمر إبداعا من نوع جديد ما زلنا قاصرين عن إدراك طرافته وعمقه. يحدث أحيانا أن يتأخر وعي المواطنين المتابعين للإعلام عن فهم التقنيات والمنهجيات المستجدة في هذا العالم المتحول بسرعة، عالم الإعلام، فيحتفظ دائما بحسن النية، وينتظر.

نفس الابداع حصل في نشرة أخبار المساء، على نفس القناة، يوم تسلم الحكومة الجديدة مهامها، فكان ذلك الخبر هو الطبق الرئيسي على عدة قنوات، إلا على قناتنا الوطنية الأولى. ربما تكون تلك الحكومة قد تسلمت مهامها في بلد آخر، لتسيير دواليب دولة أخرى. وبما أننا شعب آخر، فإن اهتماماتنا، وأولوياتنا، أخرى ! كان بإمكاننا أن نتفهم ترتيبا مماثلا للأخبار لو تعلق الأمر بقناة خاصة، يديرها باعثها كما يريد ويشتهي، ولكن الأمر يتعلق هنا بقناة عمومية، ينفق عليها من أموالنا جميعا. هذا هو "المرفق العمومي" كما يحلو للبعض أن يسميه اليوم، وهم بالصدفة نفس أولئك الذين جعلوا منه ولعقود طويلة مظلمة، مرفقا خصوصيا للرؤساء وزوجاتهم، وأصهارهم.

في الديكتاتوريات، وكذلك في بعض الديمقراطيات الناشئة، ليس ضروريا أن يكون هناك إشراف مباشر من الحكام والمستبدين بالحكم على الصحفيين. في كثير من الحالات يتحول الصحفي بدوره إلى ديكتاتور صغير، لا يرينا إلا ما يرى، أو يتوهم أنه يرى. المشكل أن ذلك ينطلي عليه أحيانا، فيذهب في ظنه أنه يصوغ الرأي العام من منطلق الحرية، في حين أنه ينحرف به، أو يسعى لينحرف به، من منطلق آخر مختلف تماما هو منطلق رفض الحرية إذا ما تضاربت مع ما يرى، وليته كان يرى !
 
في الأصل، تتمثل مهمة الإعلامي في أن يعلم بالخبر، وحتى لا يتحول إلى بوق للأحداث فحسب، فإنه يحاول أن يستقرئ أبعاد الخبر، وأن يحترم المتلقي، ووعي المتلقي، الذي يتضح في كثير من الأحيان أنه لا يعول على تلك الوسيلة الإعلامية فحسب لتلقي المعلومات، والاطلاع على التحليلات. في كثير من الأحيان، ينسى الصحفي أن يحترم جمهوره، فيفقد مصداقيته، وحينئذ ينهار البيت على كل ساكنيه.

يذهب في ظن الكثيرين، مع ذلك، عندما يرون عشرات العناوين الجديدة تغزو أكشاك الصحف، أن عصر حرية الإعلام قد بدأ فعلا. يستفيق بعد ذلك مباشرة على أن كثيرا من العناوين التي صعقته جرأتها في "كشف" الحقائق ليست في نهاية الأمر إلا محلات مرخص فيها للابتزاز الرخيص. يتعلق الأمر هنا بعناوين أوراق جعل منها أصحابها مصدر رزق غير شرعي عن طريق نشر ملفات يفترض أن تكون تحت نظر القضاء. المشكل أن هؤلاء، وأكثرهم تاريخيا من تجار الذمم وأعوان المخابرات، يعلقون جرأتهم على شماعة الثورة وانطلاق الحريات، وهو ما يسمح لهم بالحصول على أموال كثيرة ممن يقومون بمهاجمتهم من المسؤولين وكبار رجال الأعمال الفاسدين. فساد يحطم آخر ولكنه لا يقضي عليه، طبعا. 

أما البكائيات المتلفزة والمذاعة، فحدث ولا حرج. اختصت بعض القنوات والصحف كثيرة الألوان والأضواء والأموال، والتي تقع تحت إدارة من سامنا طيلة سنوات عديدة كل صنوف التعذيب النفسي وإهانة الذكاء الجمعي، في نوع جديد من الإعلام، تجد فيه كل شيء، عدا الإعلام. المشكل أن هؤلاء، الذين بنوا ثروات طائلة من السخرية من ذكائنا، يعتقدون أن طريقة العمل التي ينتهجونها مثمرة، ولكنهم لم يجرؤوا مرة واحدة على النظر إلى وجوههم في المرآة. يذهب في ظن هؤلاء، وقد جاؤوا إلينا مدججين بالأموال والأدران، أنهم إعلاميون دورهم رفع الغشاوة عن أعيننا، ولو رفعوها عن أعينهم لكان أفضل لهم، ولنا. في حديث لأحد رؤساء التحرير الورقيين مع من ظن أنهم زملاء له، صرح الرجل بأن كل الصحفيين قذرون بدرجة أو بأخرى، وأنهم لعبوا طيلة عهد ابن علي أدورا قذرة ضد ذكاء الناس، وأنه من المفيد عدم فتح هذا الملف لأن الجميع سيخسر من فتحه. أخطأ الرجل مرتين، بالقول أن كل الصحفيين قذرون أولا، وبالقول أنه من المفيد ألا يفتح أحد هذا الملف. أما الخطأ الآخر، فاعتبار نفسه صحفيا، وقد كان باستمرار عون مخابرات لديكتاتورية حمقاء !

الديمقراطية لا تلائم الجميع حتما، لأن من تربى على أيدي الديكتاتورية، لا يمكن أن يكون حرا. الانتخابات ونتائجها المحبطة بالنسبة إليهم هي مربط الفرس، وهم لا يخجلون من التصريح بذلك فيما بينهم. ودوا لو زورت، أو أنها لم تتم. المشكل أنهم كانوا من المساهمين الرئيسيين في نتائجها التي صارت معلومة، وأن تلك النتائج صفعتهم هم بالذات قبل أن تصفع غيرهم. ولأنهم تربوا في أحضان المستبدين واللصوص، فلا خيار لهم غير مواصلة الهرولة في المنحدر.

في المقابل يعتقد البعض أن الحل يكمن في جعل الإعلام حكوميا، وهؤلاء ربما كانوا في مثل العمى الذي أصاب غيرهم. لا معنى في عالم اليوم لإعلام حكومي، بل لإعلام حرفي تسوس العاملين فيه أخلاقيات العمل الصحفي التي يجب أن تضبط، ولن يضبط تلك الأخلاقيات من افتقدها حتما. في الساحة كثير من الصحفيين الشبان الذين يودون أن يفسح لهم مجال، وأن ينالهم من الأضواء ما نال غيرهم دون وجه حق. هؤلاء هم مستقبل الصحافة في بلاد تعيش تحولا نحو الديمقراطية، وليس العجلات المهترئة. الآن بدأت "عربات الأجرة" تلك في التسويق لإبداعات جديدة، ولأنها لا تفهم أن لكل طريق العجلات التي تتلاءم مع طبيعتها، فإنها ستبقى مصرة على عدم إتباع إجراءات السلامة الدنيا، وعلى الاتجاه إلى الخلف عندما يتوجب السير إلى الأمام. أيها "القايد"، رجاء، هل تستطيع حقا إنقاذهم؟! 

الاثنين، 26 ديسمبر 2011

إصدارات


"أزمة الجامعة التونسية" سيكون في مكتبة الكتاب شارع بورقيبة تونس العاصمة مع مطلع شهر جانفي 2012
_______________________________________________________________________



يعتبر احمد المستيري رجل السياسة والقانون أن إعادة كتابة تاريخ تونس من جديد أمر ضروري اليوم بعد سنوات احترقت خلالها البلاد بجمر الاستعمار و وتكبدت فيها عناء البناء والتحديث مثلما شهدت رسوخ الديكتاتورية في أكثر من موقع.

ومن خلال كتابه 'شهادة للتاريخ' الذي تم تقديمه اليوم الجمعة باريانة في إطار سلسلة مسالك الإبداع التي تنظمها المندوبية الجهوية للثقافة،أمكن التعمق في فكر مناضل من الرعيل الأول ورجل دولة تقلد مسؤوليات جسام سياسية ونقابية وحزبية ليستوي التاريخ من وجهة نظره أحداثا متعاقبة انطلقت معه من المرحلة الأخيرة لمعركة التحرير /1952-1954/عندما وجد نفسه مع قلة من أصدقائه في الكفاح مهندسا للمقاومة السرية ومن ثم واثر الاستقلال رجل سياسة محنك تقلد مناصب وزارية مهمة /العدل ,الدفاع والمالية...../ في عهد الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة حيث ترك أياديه البيضاء تخط أوجه الحداثة والانفتاح للمجتمع التونسي من خلال مساهمته في إعداد مجلة الأحوال الشخصية وإدخال الإصلاحات اللازمة للدولة الجديدة في مجالات التشريع القضائي والمالية والتأسيس لرؤية تونسية صرفة في الميدان الاقتصادي بعيدا عن التبعية الفرنسية.

واعتبر الإعلامي صالح عطية الذي قدم لتأليف المستيري ان الرجل دافع في كتابه عن عدة قضايا إنسانية وجوهرية في حياة الشعوب من ذلك قضية الهوية في صراع الشعب الجزائري ضد الاستعمار والصراعات الخفية التي طبعت علاقة بورقيبة بالمناضل صالح بن يوسف ودور المؤسسة العسكرية في البناء السياسي. كما أكد ان احمد المستيري بما لديه من حنكة وقدرة على نقد الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في فترة الستينات تمكن من رصد جوانب التصدع التي رافقت علاقة الرجلين / بورقيبة وبن يوسف /بالسياسة.

وأضاف ان استقالة احمد المستيري من الحزب الحر الدستوري وتأسيسه لأول حزب معارض نهاية الستينات وهو حركة الديمقراطيين الاشتراكيين كان بوعي منه بأهمية التغيير مع بداية ممارسة بورقيبة للحكم الذاتي كما أن انسحابه من الحياة السياسية سنة 1992 يحيل إلى ما يتمتع به الرجل من رؤية واقعية ثاقبة للراهن السياسي وهو ما يجعله بمواقفه ونقده وتقديره للأمور من أهم الشخصيات المعاصرة والمرجعيات التاريخية المهمة حاليا.

_____________________________________________________

نسمة : زواج المتعة بين رأس المال الإعلامي والأيديولوجيا القديمة

نسمة : زواج المتعة بين رأس المال الإعلامي والأيديولوجيا القديمة
د.سالم لبيض
مقال منشور في جريدة الحصاد الاسبوعي العدد

لست أعلم هل انتصرت الأيديولوجيا على رأس المال هذه المرة ، فوقعت الإمبراطورية الإعلامية الناشئة في الخطيئة وسقطت في أول اختبار حقيقي، ولست اعلم هل أن زواج المتعة بين مؤسسات قروي الإعلانية ومؤسسة بن عمار السينمائية الذي أفرز تلك القناة المعروفة بنسمة التي وجدت نفسها تصنع الرأي العام بعد الثورة، يمكن أن يصمد بعد أن إهتز العرش وظهر علينا مدير القناة مضطربا مهتزا مصفرّ الوجه ولسان حاله يريد أن يقول لنا "غلطوني" ويقدم اعتذاراته على الهواء لتلك الحشود من الشباب المنتفض. ولست أعلم هل أن ملاك النصيب الأكبر من القناة التونسيين والأجانب يمكن أن يسمحوا بإنفاق أموالهم على لعبة أيديولوجية قديمة ثبت عقمها في منشئها الأصلي، وضعت القناة في مواجهة الجمهور الواسع من التونسيين وبقية المسلمين في أصقاع الدنيا تلبية لفنتازمات حداثية لا تحمل من الحداثة إلا اسمها. لكني أعلم أن الفلم الإيراني – الفرنسي الكرتوني المدبلج بالعامية التونسية في ورشة نسمة قد أعدت له سيناريوهات كثيرة كان سيطال بعضها قنوات أخرى احترز أولي الأمر فيها على بثه، وفضاءات عامة منها ما هو تربوي لتلقين النشء وتعويده على أن لا مقدس في حياتنا فالله يمكن أن يستوي كائنا عاديا نخاطبه ويخاطبنا ونمازحه ويمازحنا ونصيح في وجهه فيهرب من أمامنا وقد يصل الأمر إلى أن نصارعه مصارعة حرة فنهزمه وتنتهي الأسطورة إلى غير رجعة. إن الرسالة الموجهة من خلال تشخيص الذات الإلهية هي القول للناشئة بان الله والأديان هي مجرد أساطير قد عفّ عنها الزمن وأن لا فرق في حياتنا بين المقدس والمدنس فالكل اختلقه الإنسان وهذا هو جوهر الأيديولوجيا القديمة التي ينتصر لها الفلم.
ولكن لا مكان للصدفة في عالم المال والإعلام والسياسة اليوم، فكل شيء يدرسه خبراء محنكون يعلمون ما يفعلون، لذلك جاءت النسخة التونسية من الفلم رديئة جدا تجد الأسر المحترمة حرجا في مشاهدتها جماعيا. أو لنقل هي الدبلجة التونسية الركيكة التي اختيرت بدقة هي التي أفرغت الفلم من المضامين التي احتواها وهي مضامين أيديولوجية بامتياز، فقد احتوى ألفاظا سوقية ومكنة اصطلاحية من نوع "يا قواد" و"العاهرة" و"الكلبة" و"..." ومصطلحات أخرى كثيرة وإيحاءات جنسية وبذاءة لسانية وسقوط أخلاقي لا أظن أن النسخة الفرنسية المنقول نصها إلى الدارجة التونسية قد احتوتها كلها ناهيك عن النص الأصلي المستمد من الثقافة الإيرانية. ولكن الفلم لا يشيطن المصير الذي انتهت إليه الثورة الإيرانية فقط وإنما يضعها في موضع المساءلة التاريخية بسبب تحكم رجال الدين فيها، تحكما يقوم عن طريق جهاز عسكري قمعي ينتهك حرمات الرجال والنساء لمجرد أنهم مختلفون أو لنقل لمجرد أنهم شيوعيون، وهنا مربط الفرس فنسمة القناة الليبرالية الممولة من كبار رجال المال والإعلام في تونس وخارجها تختار لنفسها أو يتم الاختيار لها للترويج للنموذج الشيوعي على أنه الجنة الموعودة وأن الديمقراطية والحرية لا وجود لها خارج تلك النمطية المجحفة ليضعنا الفلم في ثنائية قديمة مدمرة ليس للمرء أن يختار خارجها وهي أن يكون شيوعيا وهو بذلك حداثيا وديمقراطيا -والفلم يصوره بأنه ينتج الخمر ويحتسيها في مجالس سرية-، أو أن يكون متدينا وهو بذلك رجعي معاد للحداثة، فتنبني المعادلة برمتها على تلك الثنائية المقيتة، وتتشكل أحداث الفلم منتصرة للنموذج الشيوعي الحداثي على حساب النموذج الديني التيوقراطي الرجعي ويصبح الشيوعي هو المناضل الوحيد ضد الدكتاتورية في دولة مثل إيران متعددة المذاهب والإثنيات والقوميات والأيديولوجيات ومنها من كان له نصيب كبير في النضال ضد نظام آيات الله وتقديم التضحيات الكبرى مثل العرب الأحوازيين والأكراد الذين لا يشار لهم بكلمة واحدة، ويتم الترويج لذلك الاتجاه بمعزل كامل عمّا انتهت إليه بعض الأنظمة الشيوعية من فشل ذريع في قضيتا الحرية والديمقراطة ولسنا في حاجة إلى تقديم الأمثلة على ذلك وآسترجاع "الأيام الستالينية المجيدة !!!"، فقد بات الأمر معلوما اليوم للعارفين بالتاريخ ولغير العارفين به.
لكن الفلم احتوى رسائل أخرى كثيرة لا تخلو من مفارقة، من ذلك الحنين إلى نظام الشاه الذي أسقطته الثورة الإيرانية بوصفه نظاما حداثيا وهنا نجد أنفسنا أمام معادلة شبيهة بالثورة التونسية حيث يحن الكثير من "مثقفينا الحداثيين" إلى نظامي بورقيبة وبن علي على أنهما كرّسا الحداثة خاصة وأن القاسم المشترك بين نظام الشاه والنظام التونسي بحقبتيه متوفر في مستويات كثيرة منها العمالة للقوى الخارجة والاستبداد السياسي والفساد بأصنافه. ومن هذه الرسائل أيضا الترويج للنموذج الفرنسي عن طريق الدراسة في المدرسة الفرنسية واستهداف السامية بسبب سقوط صاروخ على بيت يهودي في طهران وكأنه المستهدف، وهي رسائل كسب ود تجاه الغرب الذي صورّه الفلم جنان الله الموعودة مصدر القيم الكبرى التي يحلم بها رفاقنا المضطهدون في إيران.
الفلم يدوم ساعة ونصف ويحتوي قضايا كثيرة تستحق النقاش والمجادلة، ولكن من حسن حظ نسمة أن الجمهور الواسع لم يشاهده وإنما سمع عليه فقط وإلا لا كان رد فعلهم أكبر بكثير. فقد جمع الفلم أعداء لنسمة من شرائح اجتماعية قلّ ما تلتقي، جمّع ضدها المحامون والطلبة والأساتذة والتجار وكل ذلك قد يكون عاديا ولكن غير العادي الذي فاجأ الجميع هو انحياز الجمهور الواسع من الكوارجية وتهديدهم نسمة بالمنع والاعتداء إن هي قامت بتغطية مباريات كرة القدم، حتى أن بعض رؤساء النوادي من الرأسماليين التقليديين قد انحازوا ضدها. انحاز ضد نسمة جمهور واسع من الشباب غير الملتحين ومن النساء غير المحجبات على الرغم من الترويج إلى أنها معركة ضد السلفية. وخلاصة كل ذلك هو أن نسمة اختارت أوهم أيديولوجيوها هم الذين اختاروا لها معركتها لتكون ضد السلفية وما شابهها، لكن الرمية أصابت مجتمعا بكامله أصابته في معتقداته والمعتقدات كما هو معلوم في تاريخ البشرية جمعاء مقدسة ولا تمس وقد نشبت لأجلها حروب كثيرة ومات في سبيلها أناس كثر حتى تلازمت التضحية والشهادة بالدين والمعتقد. فأي مصاب جلل أصيبت به القناة بسبب ما اقترفت أيادي أيدلوجيوها ومهندسو برامجها لاسيما الحوارية والنقاشية منها. لقد قرأنا في كتب الأيديولوجيا العتيقة أن رأس المال لا وطن له ولا صديق فكيف يتحول زواج المتعة بين رأس المال الإعلامي والأيديلوجيا القديمة إلى زواج دائم؟ والإجابة نجدها في الايدولوجيا القديمة نفسها وهي أن خيانة طبقية وقعت في مكان ما أدت إلى مثل هذا الزواج لم تكتشف بعد!!!


فمن سيُعيد إلى سيدي بوزيد رمزيتها.. د. سالم لبيض

فمن سيُعيد إلى سيدي بوزيد رمزيتها؟

د. سالم لبيض


لا أحد يستطيع أن يزايد على المحكمة الإدارية، ولا أحد يستطيع اتهام قضاتها بقلة النزاهة أو بانعدامها، ولا أحد يمكنه وصمهم بالمحاباة والمحسوبية، ولا أحد بوسعه أن يعتبرهم من أنصار العريضة الشعبية وصاحبها الحامدي وحزبه حزب المحافظين التقدميين، أيديولوجيا أو سياسيا. فالمتداول لدى الطبقة السياسية والحقوقية في تونس هو نزاهة تلك المحكمة وإنصافها لكل من تقدم لها عارضا أمره عليها في زمن ما قبل الثورة. كثر هم الذين استرجعوا حقوقهم المهنية المادية والمعنوية من قبل المحكمة الإدارية ومنهم من كان مصنفا ضمن أعداء بن علي ونظام حكمه وحزبه الدستوري المستبد بالسلطة. ولهذه الأسباب مجتمعة كان من طبائع الأمور أن تُنصف قائمات العريضة التي أسقطتها الهيئة المستقلة للانتخابات ويستعيد أصحابها مكانهم الذي اختاره لهم الناخبون ضمن أعضاء المجلس التأسيسي. وقد يختلف المرء مع العريضة وصاحبها وحزبه ويصفه بما يشاء من النعوت في حدود ايطيقا الأعراف السياسية المتفق عليها أو حتى خارجها، لكن القبول بنتائج العملية الانتخابية بما في ذلك الأحكام القضائية للمحكمة الإدارية لا يُعد البتة من باب مساندة هذا الحزب أو ذاك وإنما هو مطمح قديم ونصر كبير في معركة الديمقراطية التي لم تنته بعد، من أجل إقامة النظام الديمقراطي التداولي السلمي كآلية في التسيير السياسي وفي التطور الاجتماعي. إن صعود هذا الحزب أو ذاك المرشح الذي قد نختلف معه أو نتناقض هو جزء لا يتجزأ من آليات العمل الديمقراطي وضروراته.
ووفق تلك الرؤية قامت المحكمة الإدارية بإصلاح ما أفسدته الهيئة المستقلة للانتخابات حيث أخطأت بصفة عفوية أو بسابق الإضمار والترصد في اللحظة التي من المفترض أن تنهي تلك الهيئة عملها الذي أنجزته بحِرفية عالية. فالقرار المتخذ بإسقاط قائمات العريضة لاسيما في سيدي بوزيد موطن الحامدي التقليدي وموطن عشيرته التي تحميه وموطن عصبيته التي تنصره وتأويه، لم يقبله الكثير من أنصاره كسلوك عفوي ناتج عن تطبيق القانون، ناهيك أنه يوجد مستفيدون مباشرون من الأحزاب السياسية التي احتلت المقاعد الشاغرة مباشرة، وحجتهم في ذلك هو أن ما ينسحب على القائمات المسقطة ينسحب أيضا على بقية قائمات العريضة وعلى كثير من الأحزاب السياسية الأخرى من الكتل والمجموعات المتصدرة للمشهد الانتخابي.
لا نريد القول بأن قرار الهيئة المستقلة للانتخابات الذي تضمن كثيرا من العشوائية في تطبيق المرسوم الانتخابي، كان وراء ما حدث في سيدي بوزيد من حرق ودمار للمنشآت العمومية بما في ذلك ذات الدور السيادي مثل المحكمة والبلدية والمؤسسات الأمنية وغيرها، ولكن لابد من الإقرار بأن بعض الهيئات القيادية سواء في هذه المرحلة الانتقالية الحساسة أو في غيرها من المراحل لا تمتلك هامشا للخطإ في قراراتها وسلوكياتها ومواقفها وهذا الأمر ينطبق أيضا على تصريحات قادة الأحزاب السياسية التي قد تلعب دور المذكي لتلك النيران المشتعلة.
لا بد من الإقرار أيضا بأن سيدي بوزيد لم تخسر منشآتها الاقتصادية والإدارية التي تضمّن بعضها أرشيفات ووثائق نادرة تمثل ذاكرة المجتمع المحلي والسجل المدني ومحاضر المجلس البلدي للمنطقة برمتها، وإنما خسرت رمزيتها التي وهبتها لها تضحيات أبنائها، خسرت رمزيتها التي أعطتها إياها انتفاضة 17 ديسمبر التي انتهت ثورة 14 جانفي.
إن سيدي بوزيد ليست إسما لمدينة عادية تشبه بقية المدن، سيدي بوزيد هي مدينة استثنائية في قاموس التسميات الذي يجب إعادة صياغته على وقع الثورة العربية والعالمية المستمرة في عالم اليوم التي حلُم بها يوما المناضل اليساري تروتسكي وكرّس حياته منظّرا لها، وتمنّى منظرو الثورة العربية أن يعيشوها ولكن الزمن لم يسعفهم. إن سيدي بوزيد هي رمز تلك الثورة الدائمة، فلا أحد ينكر اليوم دور سيدي بوزيد في إسقاط النظام الذي لا يكاد يوصف في حجم الاستبداد والفساد والعتو في تونس، ولا أحد يجب عليه أن يتنكر لدور سيدي بوزيد وثورتها في إسقاط نظام مبارك شديد الفساد والنسخة الأخرى لنظام بن علي، ولا أحد عليه أن يتنكر للحالة الثورية العربية المستشرية تسفيها لمقولة الاستثناء والخنوع الأبدي العربي، وإلى العالم الذي انتفض تحت أقدام الرأسمالية المتوحشة بسبب انتفاضة سيدي بوزيد.
إن رمزية سيدي بوزيد أكبر من توصّف في مقال معدود الكلمات مثل هذا. ولكن التذكير بها في كل مرة هو من مروءة الأخلاق ومن باب الاعتراف بحقائق التاريخ.
لقد كان على نخبتنا أن تتجاوز هذه المرحلة أي مرحلة الاعتراف إلى ما هو أسمى وأعزّ أي إلى تحويل المدينة التاريخية ذات الأفضال الكبيرة إلى رمز لكافة المدن والقرى، كان من الواجب وضع اسمها في السجلات والموسوعات العالمية، كان يجب أن تخلّد ذكراها من قبل الألسكو والإيسسكو واليونسكو المنظمات الثقافية الدولية المعروفة، كان يجب أن يطلق هذا الاسم على الشوارع وعلى الأزقة وعلى الأنهج وعلى الساحات في كافة مدن العالم وفي صدارتها مدننا وقرانا، فسيدي بوزيد الآن لا تقل أهمية عن قرطاج والقيروان وغرناطة وفاس ...، وجب على نخبنا السياسية القادمة إلى هرم الحكم بفضل سيدي بوزيد ورمزها المرحوم الشهيد محمد البوعزيزي الذي لولاه لما أتاها الحُكم صاغرا مطيعا، أن تقيم التماثيل لذلك البطل في ساحات المدن وتضع صوره في كافة المؤسسات التربوية والجامعية والثقافية والشبابية، وتجعل من ذكراه يوم عطلة رسمية، ليس للتبرك به كما قد يعتقد بعض الغلاة، وإنما لتثبيت رمزيته التي لا تأبى الانفصال عن رمزية ثورتنا ورمزية هذا الربيع العربي ورمزية التمرد على هذه المنظومة الاقتصادية والسياسية والعسكرية المتوحشة التي تحكم عالم اليوم، .. فمن سيعيد لسيدي بوزيد رمزيتها؟ أو لنقل من أضاع لسيدي بوزيد رمزيتها؟


أرشيفات البوليس السياسي ملكية وطنية لا يجوز التصرف فيها.. د.سالم لبيض


رسالة إلى السيد وزير الداخلية المكلف بالإصلاح:
أرشيفات البوليس السياسي ملكية وطنية لا يجوز التصرف فيها
د.سالم لبيض

منذ زمن ليس بالبعيد طلع علينا السيد وزير الداخلية المكلف بالإصلاح في مشهد احتفالي وهو يستقبل مجموعة من الأطفال الأبرياء تحت أضواء الكاميرات وهم يرسمون ما يدور بخلدهم على جدران بيضاء، اكتشفنا بعد حين أنها جدران دهاليز وزارة الداخلية أو هو مجمّع الزنازين الموجودة أسفل تلك الوزارة. لقد كانت الوسائل المستخدمة ناعمة، فنية، جمالية، إنه الرسم في أرقى تجلياته. وفي زمن آخر صرّح الوزير نفسه إلى إحدى الصحف بأن أرشيف البوليس السياسي ستُعيّن له لجنة متعددة الاختصاصات من عسكريين وأمنيين وقضاة ومؤرخين لمعالجته بعد أن تُزال منه كافة المعطيات الشخصية المتعلقة بالذوات.
ولست أدري إن كان السيد الوزير قد أذن بطمس معالم الزنازين بحسابية السياسي ! أم بخشية رجل القانون ! أم بحذر رجل الأمن ! ولست أعلم هل أن السيد الوزير كان يستحضر حسّا متميزا لحماية ذاكرة شعب وحافظة هوية، كثيرا ما تعرضت للطمث في مراحل تاريخية ومفصلية من تاريخ تونس لفائدة مصالح ضيقة وحسابات شخصية، أم قادته رؤية أمنية محدودة لم تر في ذلك الرأسمال الرمزي من الرسوم على حيطان زنزانات الوزارة سوى أشكالا لا معنى لها ولا دلالة هذا في أفضل الحالات، أو هي عناصر إدانة، وفي ذلك الكم الهائل من الوثائق والتقارير الأمنية السياسية سوى معطيات قد تدين هذا الشخص أو تدعم ذاك.
السيد الوزير، اسمح لي بالتذكير بحقيقة بسيطة من المفترض أنها مشاعة بين كافة العارفين بعلوم الإنسان من التونسيين ومن غيرهم وهي أن للأرشيف علما قائما بذاته يدرّس للطلبة في معهد مختص ينفق عليه التونسيون من دافعي الضرائب، ويمنح شهادات علمية من الإجازة إلى الماجستير إلى الدكتوراه ويلتحق منهم العشرات بسوق الشغل سنويا. وللأرشيف كذلك مركزا وطنيا تعود نواته الأولى إلى زمن تولي خير الدين الوزارة الكبرى سنة 1874 تحت اسم خزينة مكاتيب الدولة ويسمى حاليا الأرشيف الوطني التونسي، يضم ملايين الوثائق الإدارية بما في ذلك الأمنية للفترتين الحسينية والاستعمارية والنزر القليل من الفترة البورقيبية. والأرشيفات في تونس بما في ذلك المؤسسة التي تنظم الأرشيف الوطني وتصونه وتحميه وتضعه على ذمة كافة المهتمين لاسيما الباحثين منهم، منظّمة بواسطة قانون يعتبر من أهم قوانين الأرشيفات ودور الوثائق والمخطوطات في العالم، كان أشرف على وضعه رجل من أفضل الخبراء في هذا المجال، بعد أن كان استفاد من الدول التي تعلمت كيف تحمي ذاكرتها بوصفها مصلحة وطنية عليا تحتل المرتبة السابقة على مصالح الأفراد.
السيد الوزير، إن الإجراء الذي اتخذتموه في شأن زنازين وزارة الداخلية يعد طمسا لتاريخ كافة المساجين السياسيين المنتمين إلى تيارات أيديولوجية وسياسية مختلفة تركوا بصماتهم على حيطان تلك الأقبية، بداية بالقوميين العرب من اليوسفيين في الخمسينيات والستينيات والبعثيين وحزب الشعب الثوري ثم سجناء الجبهة القومية التقدمية في بداية السبعينيات مرورا بجماعة قفصة من نفس الجبهة ومن الحركة الثورية لتحرير تونس وصولا إلى الثمانينيات وتحديدا القوميين اليساريين المعروفين بحركة التحرير الشعبية العربية التي كان يشرف عليها الكاتب الفلسطيني ناجي علوش، ثم اليساريين الماركسيين من حركة آفاق في الستينيات وإفرازاتها من عامل تونسي وشعلة ثم حزب العمال الشيوعي، وبعد ذلك جاء الدور على الإسلاميين في وسط الثمانينيات وطيلة عشرية التسعينيات والجماعات الإسلامية الأخرى من حزب تحرير وسلفيين وجهاديين وغيرهم، وحتى من حركات ليبرالية نشأت من صلب الحزب الدستوري نفسه. وبالتوازي مع ذلك كانت تزور دهاليز الوزارة مجموعات طلابية من مختلف الاتجاهات السياسية، من الطلبة العرب التقدميين الوحدويين والطلبة القوميين والطليعة الطلابية العربية ومن الوطنيين الديمقراطيين بفصائلهم ومن النقابيين الثوريين واتحاد الشباب الشيوعي والمناضلين الوطنيين الديمقراطيين والتروتسكيين، ومن مجموعات يسارية أخرى، ومن طلبة الاتجاه الإسلامي ثم حركة النهضة، ومن ناشطي التنظيمات النقابية الطلابية (اتحاد طلبة تونس والاتحاد التونسي للطلبة). وحظي الكثير من النقابيين (اتحاد الشغل ونقاباته) والحقوقيين(الرابطة التونسية لحقوق الإنسان) والإعلاميين والسياسيين المستقلين باستقبال مميز في تلك الزنازين. وإن الطمس الذي طال الأقوال والأشعار والتناهيد والبكاء والآلام والتعذيب والقهر وكافة أنواع الاعتداء الجسدي بما في ذلك اغتصاب الرجال والنساء، والقتل، الذي كان مرسوما بأشكال تعبيرية مختلفة، لم ينل من ذاكرة السجناء المنتمين إلى مختلف أطياف المجتمع السياسي والنقابي والطلابي فقط وإنما نال من الذاكرة السياسية لمجتمع بأكمله، فأولئك المساجين كانوا ولا يزالون يمثلون نخبة تونس السياسية على اختلافها وتنوعها وتناقضها.
السيد الوزير، إن أصحاب الشعارات والأقوال والأشعار الذين أعدمتم ذاكرتهم من على حيطان الزنازين وحرمتموهم من حقهم في أن يكونوا محتوى للدراسات والبحوث ومادة للأفلام الوثائقية، هم أنفسهم الذين تضجّ بهم ملفات وتقارير البوليس السياسي أحياء وأمواتا، لا فرق بين حياتهم الخاصة وحياتهم السياسية أو الثقافية أو العسكرية أو النقابية أو الطلابية أو النضالية، فهي تشكل كلا متكاملا لا يحق لأي كان طمسه بالكامل أو إتلاف جزء منه أو مسخه بأي وسيلة أو أي خلفية كانت. فإذا كان هناك حقوق وجب إرجاعها إلى أصحابها فإن المعطيات الخاصة ستدعم تلك الحقوق وإذا كان هناك علم سيُكتب بالاستناد إلى تلك الوثائق سيستفيد حتما من كل ما تحتويه الملفات من معلومات مهما بدا صغرها وعدم أهميتها. وللتذكير فقط يوجد نوع من البحوث السوسيو- تاريخية والانثروبولوجية يسمى الدراسات السيريةBiographique كثيرا ما تُعتمد فيها المعطيات الشخصية في تفسير الوقائع السياسية أو غير السياسية الكبرى والأدوار المتعلقة بالأفراد.
السيد الوزير، إن أرشيفات البوليس السياسي مثل غيرها من الأرشيفات بما فيها الأفلام المصورة وجب أن تخضع في تنظيمها لقانون الأرشيف فتوضع أولا في مكانها الطبيعي أي الأرشيف الوطني التونسي. ووفق ذلك القانون توجد آجال محددة في الإطلاع على الوثائق والمعطيات وتوظيفها للأغراض العلمية أو حتى الشخصية التي ليست الإدانة بالضرورة وإنما التثمين أيضا، منها ما يتم فتحه بعد 30 سنة وآخر بعد 50 سنة وثالثا بعد 100 سنة، وأن استعمال المعطيات الشخصية في الثلب والتشهير والتحقير والاعتداء الرمزي يخضع لأحكام قانونية تبت فيها المحاكم. ولذلك لا مناص من ترك هذه المسألة الهامة لأهل الذكر من المختصين وعلماء الإنسانيات بفروعها المتصلة بعلم الأرشيف وليس للمؤرخين فقط.
السيد الوزير، إن الأرشيفات لاسيما السياسية منها تمثل ثروة هامة في حياة الشعوب والأفراد وقد رأينا كيف أبدت الولايات المتحدة الأمريكية استعدادها لدفع ملايين الدولارات للحصول على نسخة الكترونية من أرشيف الحزب الشيوعي السوفياتي بعد سقوطه سنة 1991. ونعلم كذلك حجم الصعوبات التي تعترض المؤرخين والسوسيولوجين في جامعاتنا والأموال التي تنفق للإطلاع على الوثائق الإدارية والعسكرية التونسية التي ظلت محتكرة من قبل الإدارة الفرنسية في أرشيفات جيش البر بنانت وقصر فانسان وأرشيفات ما وراء البحار في مدينة أكس، وندرك المداخيل التي تدرها أرشيفات الدولة العثمانية التي كانت تونس من بين رعاياها على الحكومات التركية سواء بطريقة مباشرة عن طريق دفع معاليم محددة مقابل الإطلاع على الوثائق أو تصويرها ورقيا وإلكترونيا أو بطريقة غير مباشرة عند التنقل والإقامة والاستهلاك والتسوق، ويمكن أن نقدر الأهمية السياسية الآنية لبعض الوثائق الأرشيفية التي اعتقدنا أن دورها قد انتهى مثل تلك المتعلقة باغتيال الزعيمين الشهيدين فرحات حشاد وصالح بن يوسف إذ تمثل حججا لإدانة الحكومتين الاستعمارية والبورقيبية، ومادة على درجة قصوى من الأهمية في مجال الاستثمار الإعلامي والسينمائي والوثائقي، وبالإضافة إلى كل ذلك ندرك الميزانيات الضخمة التي تخصصها بعض الحكومات الغربية في صيانة وترميم الوثائق والمخطوطات لكي لا يصيبها التلف الطبيعي وفي تكوين المختصين للقيام بمهام الصيانة ، فكيف لنا أن نفكر مجرد التفكير في التخلص من جزء من أرشيفنا الوطني مهما كان حجم خطورة مضامينه؟
السيد الوزير، لقد عاشت النخب النقابية والمشتغلون بالوثائق تجربة مريرة في التعامل مع الأرشيف النقابي إبان أحداث الإضراب العام المعروف بالخميس الأسود سنة 1978 أو أثناء الاعتداء على مقرات الاتحاد العام التونسي للشغل سنة 1984 واحتلالها من قبل الميليشيات الدستورية. ففي تلك الأحداث تم إتلاف الوثائق النقابية فدُمرت ذاكرة الإتحاد وعثر على بعض وثائقه مستعملة في محلات العطرية و"الحماصة" بعد أن توزعت وتفتت وذهب ريحها، ونأمل أن يكون بعضها الآخر محفوظا بأرشيفات البوليس السياسي. ولكن الأهم هو الدرس المستفاد من وراء تلك التجربة وهو العمل قدر الإمكان على صيانة الأرشيف وحفظه، فالقاعدة العلمية في هذا المجال تقوم على أن لا وثيقة ميتة طالما هي موجودة ولم تتلف وإنما توجد وثيقة قيد الاستعمال والمقصود هنا الوثيقة الإدارية الحية وأخرى تنتظر الاستعمال لتنبعث فيها الحياة من جديد والمقصود هنا الوثيقة الأرشيفية مهما طالت مدة حفظها. ونأمل أن يعي المشرفون على الأرشيف السياسي وكافة الأرشيفات الإدارية لاسيما الأمنية منها والعسكرية أن الحفاظ على مخزوننا الوطني من الوثائق كما هي ودون تغيير أو تزييف أو طمس وتدمير هو مسؤولية تاريخية لاسيما في ظل هذه الثورة التي نأمل أن تكون قد أعادت تونس لأبنائها بعد أن كانت حديقة خلفية لغيرهم طيلة القرون الماضية.


الجامعة والثورة والسلفية.. د.سالم لبيض

الجامعة والثورة والسلفية
د.سالم لبيض
ما من شك في أن أحد أكبر المكاسب التي عرفتها تونس خلال السنوات الخمسين المنقضية هي الجامعة التونسية، وما من شك كذلك في أن تلك الجامعة قد أُنشأت من عرق الفقراء ودافعي الضرائب من مختلف الطبقات والشرائح الاجتماعية وبالتالي فإن وجودها ليس مزية من النظام السياسي أو من هذا الشخص أو ذاك ممن تولى أمر البلاد كما يحلو للبعض ترويجه. ولكن من حقائق الأمور اليوم هو أن الجامعة التونسية التي تنامى عدد طلابها في السنوات الأخيرة إلى أكثر من 350 ألف طالب تحتضنهم ما يناهز 200 مؤسسة جامعية لم تبرز منها إلا تلك المعطيات الكمية التي كثيرا ما افتخر بها نظام بن علي وتباهى، مع أن جامعاتنا المحدثة لم تكن لتجد لها مكانا في خارطة التصنيفات العالمية أو هي مصنفة خارج الترتيب، وهذه حقيقة كان يعرفها كافة المهتمين بالشأن العام في تونس وخارجها (انظر تصنيف جامعة شنغهاي 2010 حيث تحتل أفضل الجامعات التونسية وهي جامعة سوسة الرتبة 6719 عالميا). وبعيدا عن سياسة التزييف التي مارسها النظام السابق والذي لم ينج منها حتى تاريخ تأسيس الجامعة حيث جاء في مؤلف خمسينية الجامعة التونسية الذي أصدرته وزارة التعليم العالي أيام الوزير البوعوني أن بعث الجامعة كان سنة 1958 وهو ما خوّل له زورا الاحتفال بخمسينيتها سنة 2008 ولم يكن له من هدف من وراء ذالك الإجراء سوى ترسيخ ذكراه إلى جانب ذكرى المؤسسة الجامعية والتقرب بذلك من ولي نعمته بن علي الذي ناله شرف كتابة رسالة خاصة نشرت بخط يده في أولى صفحات الكتاب وهو الرجل الأمي قراءة وكتابة، في حين أن التاريخ الحقيقي لتأسيس الجامعة التونسية إما أن يكون سنة 1956 مع بعث دار المعلمين العليا أو سنة 1960 مع صدور قانون إحداث الجامعة. وبعيدا عن تلك السياسة الدعائية التي كانت توظف كل شيء لصالح السياسي، لا بد من الاعتراف بأن جامعاتنا كانت تعيش خلال العقود المنقضية أزمة مزمنة شبيهة بأزمة الجامعة الفرنسية بوصفها مستنسخة منها (انظر العدد الهام من مجلة موس
- Revue du Mauss ; L’université en Crise Mort ou Résurrection n 33
Premier semestre 2009 ; 384 p )
إن مظاهر أزمة الجامعة التونسية كثيرة جدا، منها ما هو متعلق بجمهرة Massification الجامعة بسبب الصبغة السياسية لامتحان الباكالوريا بعد أن حاد عن وظيفته العلمية، ومنها ما هو متعلق بالبنية الأساسية الضعيفة أو المنعدمة خاصة في المؤسسات الناشئة حيث تُفتقد المكتبات والتجهيزات، ومنها ما هو متعلق بظروف الطالب المتردية جدا في مستويات السكن والمعيشة والمنحة(50 دينار شهريا)، ومنها وما هو متعلق بنظام التكوين لاسيما النظام المعروف بأمد المستنسخ من التجارب الأروبية ودولها المانحة، والمدعوم بقروض البنك الدولي، الذي أعطى نتائج كارثية فيما يتعلق بنوعية الخريجين وأفقد الحياة الجامعية صبغتها الأكاديمية وحوّل الجامعة إلى مؤسسة للمهننة وتعلُم بعض الحرف والصنائع على غرار مدارس التكوين المهني ولكن بأكثر سوء. ومن مظاهر الأزمة المستعصية والمعقدة نوعية الجامعي ففي السنوات الأخيرة ولسد الفراغ الذي سبّبه العدد الكبير من الطلبة وقع الاستنجاد بالموظف السامي للتدريس ووصلنا إلى مرحلة تدريس الطالب للطالب، هذا ناهيك عن أنظمة الترقية الجائرة والأجور الجامعية المصنفة في أسفل السلم العالمي حيث يتقاضى أستاذ التعليم العالي في حدود 1000 أورو وهو ما يتقاضاه الطالب في شكل منحة، ويتقاضاه صاحب الأجر الأدنى في أروبا، ولا يتجاوز أجر مساعد التعليم العالي وهي أدنى رتبة في السلم الجامعي، سوى 600 أورو(اعتمدنا الأورو وليس الدينار في القياس لأن المتطلبات الجامعية لا تصنف محليا وإنما عالميا)، وهذه الأجور الضعيفة مقارنة بالجامعيين على مستوى عالمي ومقارنة بكوادر الدولة وما يتمتعون به من امتيازات، تعكس المقدرة الشرائية المتدنية للجامعي وتدفعه إلى القيام بأعمال أخرى موازية لسداد نفقات حياته المرتفعة من كونه ينتمي نظريا إلى الطبقات المترفهة، ويدفعه كذلك إلى الارتماء في أحضان حزب التجمع الحاكم الذي اشترى منه كرامته وحريته واستقلالية موقفه مقابل المنصب والمرتبة الإدارية التي تحصل عليها هذا الأستاذ أو ذاك(2772 استاذ تجمعي سنة 2002 انظر كتاب زهير مظفر من الحزب الواحد إلى حزب الأغلبية).
لم تكن أزمة الجامعة سوى جزء لا يتجزأ من أزمة مجتمع بكاملة عمل نظام بن على تعطيل ديناميته الاجتماعية والسياسية ومن ثمة الهيمنة عليه بواسطة مؤسسات الدولة التي اخترقها الفساد والاستبداد فتحولت جهازا معاديا للمجتمع الذي تنظمه. وقد جاءت ثورة 14 جانفي تتويجا لحركة احتجاجية بدأت بمضامين اجتماعية في 17 ديسمبر سرعان ما أخذت أبعادا سياسية تطالب بتغيير النظام. لكن المفارقة تكمن في أن الثورة لم تقدها الشرائح الجامعية والنخب التي تمتهن الفكر وهي الأكثر وعيا من بين مختلف الشرائح وإنما فجّرتها وقادها وانتصرت فيها شرائح أخرى أقرب من عامة الناس رغم أنها أقل وعيا مقارنة بالجامعيين. المفارقة أيضا في أن الجامعيون لم يعيشوا الثورة الملتهبة في سيدي بوزيد والقصرين منذ 17 ديسمبر 2010 إلا في 12 جانفي 2011 وذلك من خلال التجمع الذي لم يتجاوز بضع مئات من الأشخاص في كلية الحقوق بتونس قبل أن يتجهوا في ذلك اليوم إلى مقر جامعة تونس المنار الذي لا يبعد سوى مئات الأمتار، بل هناك من يتحدث آنذاك عن حياده تجاه ما يجري في البلاد يوم سقوط العدد الأكبر من الشهداء في القصرين وتالة ويوم أن سقط زميلنا حاتم بن طاهر شهيدا في موطنه مدينة دوز فنالت معه شرف الشهادة ولم تنلها معه الجامعة لأنها لم تكن مسرحا للإحداث الاحتجاجية كما كانت زمن أوجها. وبعد يومين فقط من ذلك التاريخ سقط بن علي ولكن الرسالة التي وُجهت للجامعيين أن مجيئكم قد جاء متأخرا جدا أو هو منعدم إذا ما استثنينا المشاركات الفردية لبعض الجامعيين المنخرطين في بعض أحزاب المعارضة وعددهم كان قليلا جدا أو البعض الآخر من المهتمين بالشأن العام. ولعل تلك المشاركات المحتشمة جدا في مستوى مقالات الرأي الداعمة للانتفاضة الشعبية التي عمت مختلف مناطق البلاد وهذا من وظيفة الجامعي الأساسية، وفي مستوى التظاهر والاحتجاج في الشوارع، أو هو الغياب شبه الكلي للجامعة هو الذي أقصاها من النقاش السياسي الذي تعيشه البلاد منذ 17 ديسمر 2010 إلى اليوم وحرم الكثير من الجامعيين من الوصول إلى المجلس التأسيسي بعد أن اعتقدوا أن ذلك الأمر يسيرا بالنسبة إليهم، بينما نال شرف الانتماء إلى المجلس أشخاص من شرائح اجتماعية ابعد ما تكون عن النخبة الجامعية ولكنها أقرب إلى عامة الناس وهمومهم. ومن غير المبالغة القول أن الجامعة التونسية حُيدت أو حيدت نفسها عما يجري في البلاد بسبب هذا التمشي الفوقي الذي انتهجته أو انتهجه جامعيوها، وكنا ننتظر طيلة الفترة المنقضية لاسيما بعد الثورة أن يثير الجامعيون ونقاباتهم ومختلف الأطر المنظمة للحياة الجامعية القضايا الحقيقية للجامعة وخاصة التفقير المنظم الذي مارسه بن علي على الجامعيين والتهميش الممنهج الذي أقصى الجامعة من لعب أي دور في الحياة العامة وأن تتحول إلى منبر للنقاش السياسي والفكري والأكاديمي لكل ما يدور فيها ومن حولها إضافة إلى دورها في التدريس والبحث كما هو حال أغلب جامعات الدنيا، ولكن الذي حدث غير ذلك بالمرة، فقد تحولت الجامعة إلى مؤسسة بفلوفية لا تتقن إلا رد الفعل تجاه مثير خارجي يسمى السلفية، حدث ذلك في سوسة وفي قابس وفي الزيتونة وفي القيروان ومنوبة اولا وفي منوبة أخيرا ولا نعتقد أن هذا المسلسل سينتهي قريبا فكلما حضرت السلفية تحركت في مواجهتها الجامعة وكلما غابت السلفية عن المشهد أعفى الجامعيون أنفسهم من عناء التحرك. لقد انخرط الكثير من الجامعيين في الاحتجاج تجاه الخطر الداهم المسمى بالسلفية وظاهرة النقاب وخطورتها على الحريات الشخصية، وتعالت الأصوات المنادية بتحييد الجامعة وعدم تسييسها وانتضمت الإضرابات والاعتصام وتوجه الجمع إلى المجلس التأسيسي، وما من شك في أن كل ذلك مشروعا في مناخ الحريات الذي وفرته الثورة لمن شارك فيها ولمن لم يشارك، وأن النقاش والاحتجاج والاعتصام والتظاهر الذي لا يصل درجة ممارسة العنف على الغير بأي مسوغ كان هو أمرا طبيعيا بل وضروريا في مشهد متعدد متنوع وهو من مقتضيات لعبة الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة، وأن القبول بكل مكونات المشهد السياسي والفكري والأيديولوجي في الجامعة هو من طبيعتها بوصفها مؤسسة تنتج الأفكار والمعرفة ولعلها تحتكر ذلك وهو في رأيي أمرا ضروريا وحيويا . وإن هذا المناخ المفتوح داخل الجامعة من النقاش والحوار وتبادل الأفكار وتصحيح المفاهيم سواء كان في الأطر الشكلية أو على هامشها هو وحده الذي سيصلح السياسات الجامعية الفاسدة التي اقترفتها أيادي القائمين على الجامعة زمن بن علي والتي أدت من ضمن ما أدت إليه بروز الظواهر المتطرفة الدينية وغير الدينية التي انتصرت على ما يبدو على ما أنتجته المؤسسة التعليمية الجامعية وغير الجامعية التي روجت يوما للعقلانية والحداثة والتسامح. ولنا من تاريخ الحركة الطلابية دروس، فقد كانت تلك الحركة تشكل مجتمعا فكريا وايديولوجيا موازيا للمجتمع العلمي منذ الستينيات وحتى بداية التسعينيات، ولقد تربى أغلب كوادر الأحزاب والتنظيمات السياسية والنقابية والحقوقية المشتغلة اليوم في تلك المدرسة. إن النقاش السياسي والفكري الحر والمفتوح في الجامعة هو الوحيد القادر على الإقناع على سبيل المثال بأن لون الإسلام لم يكن يوما السواد القاتم وإنما هي الألوان المتعددة للشعوب وألسنتها وبالتالي ثقافاتها المختلفة وأن أشكال اللباس هي جزء من عادات الشعوب وتقاليدها وثقافاتها التي تنتجها ألسنتها متفاعلة مع محيطها الاجتماعي والثقافي والبيئي، وأن الإسلام لا يميل إلى العنف والدليل أن أكبر الشعوب الإسلامية في أندونيسيا ونيجيريا وغيرها لم يدخلها فارس مقاتل واحد وإنما دخلها تجار ينشرون الكلمة التي كانت أكثر وقعا من السيف والمدفع، وأن العلم فريضة تطلب ولو كانت في الصين وسكان الصين زمن الرسول لم يكونوا من المسلمين أو المؤمنين ومع ذلك فإن طلب علمهم واجب متأكد مع أنه علم وضعي وليس علما دينيا ...إلخ ، وخلاصة القول هو أن الجامعة مطالبة بالخوض في قضايا حقيقية تهمها وتهم المجتمع ومطالبة بأن تكون مفتوحة للجميع بدون إقصاء وبعيدا عن ممارسة أي شكل من أشكال العنف وأن تحييدها عن التوظيف السياسي لهذا الطرف أو ذاك من الطلبة أو الأساتذة أمر بات متأكدا.