الاثنين، 26 ديسمبر 2011

الأدب السياسي الساخر: حدث ثقافي مدهش في حضارتنا..


الأدب السياسي الساخر: حدث ثقافي مدهش في حضارتنا.. يؤشر ازدهاره إلى انتعاش مناخ الحرية
د. كفاح درويش
2011-12-23


الأدب الساخر أدب عالمي لا يخلو منه تراث أمة حية؛ فهو يسجل أحداث العصر تسجيلا أمينا وهو النافذة التي تطل منه الشعوب على أنماط الحياة ويرصد من خلالها الواقع الإنساني بأدق تفاصيله... وهكذا فإن أدب السخرية لا يقل في أهميته عن الألوان من الكتابات الأدبية الجادة، فهو يغني في بعض الأحيان عن مقالة كاملة أو قصيدة كاملة، فالأدب الساخر أرقى ألوان الفكاهة، خاصة المصبوغ منه بالصبغة السياسية؛ لذا فقد وجده الكتاب أداة ملائمة ووسيلة صالحة للنقد والتهكم والتقريع فيبدو في مظهره كوميدي المشهد وفي تأثيره مضحكة الواقع، ولمن يعنيه أشد من الموت الزؤام، إنه من أشكال النقد الواعي الممزوج بالإحساس الفطري المتجذر في أعماق الشعب المهموم والمستضعف.
إن فن السخرية وإن صنف ضمن أدب الفكاهة لاشتماله عنصر الإضحاك، إلا إنه يمكننا إدراجه ضمن أرقى أشكال التعبير الأدبي؛ خاصة لما يحمله في طياته من مواقف انتقادية تظهر إحساسنا بالمفارقة الدلالية المرفقة بانفعال الضحك، وهذا ما عبر عنه الأديب الفلسطيني الراحل غسان كنفاني بقوله: 'إن السخرية ليست تنكيتا ساذجا على مظاهر الأشياء، ولكنها تشبه نوعا خاصا من التحليل العميق، إن الفارق بين صاحب النكتة والكاتب الساخر يشبه الفارق بين الحنطور والطائرة، وإذا لم يكن للكاتب الساخر نظرية فكرية فإنه يضحى مهرجا'. والأدب الساخر رسالته أقوى من الكلمات الجادة ويصل لغايته بطريقة أسهل وأيسر، ويتناقله الناس بناء على إعجابهم بجماله وذكائه ومهارته وخفته، فهو مركب بالغ التأثير في إيصال الأفكار وتوجيه المجتمعات، كما يستطيع صاحبه اصطياد المفارقة التي تثير الضحك بأسلوب التلميح لا التصريح، سواء كان ذلك عن طريق النكتة الشفوية أو الكاريكاتير أو القصة الساخرة، ومنها الفن المسرحي والدراما والسينما في العصر الحديث وغير ذلك كثير. وتحتوي السخرية على ألم ممض فهي قمة الألم، فكما أن قمة الحزن تتحول إلى غناء، فإن قمة الألم تتحول إلى سخرية، وقديما قالت العرب: 'شر البلية ما يضحك'.
حفل التراث العربي بالعديد من الصور الساخرة، مع أنها لم تبرز في شكل أدبي قائم بذاته، حيث كانت مرتبطة بالفنون الأخرى خاصة في الشعر، وبوسعنا أن نلحظ الصلة العميقة بين فن السخرية وفن الهجاء، ونعتقد أن فن الهجاء الذي أبدع فيه شعرنا العربي القديم، يجسد ذروة فنية من ذرى السخرية الأدبية الذكية... وإذا كان الفرنسيون يتباهون بأن شاعرهم الكبير فيكتور هوغو قد ترك لهم أربعة آلاف بيت في الهجاء، فإن شاعرنا الكبير بشار بن برد ترك لنا اثني عشر ألف بيت في الهجاء المر والسخرية الضاحكة الحزينة، وقد خلد الناس في ذاكرتهم سخرية بشار ومنها قوله: ربابة ربة البيـت تصب الخل في الزيت
لها عشر دجاجات وديك حسن الصوت
ومن القامات الشعرية التي نذكرها الحطيئة، الذي كان يسخر من نفسه حين لا يجد أحدا يهجوه، وحين يكون الحديث عن فن السخرية بعيدا عن الهجاء تبرز صورة الشاعر الساخر ابن الرومي، الذي تخصص في التقاط المفارقات في وصف الأشخاص والأشكال حتى قيل عنه إنه رسام الكاريكاتير في الشعر القديم. كما نشطت حركة النثر بمختلف أشكالها ولاسيما القصص الفكاهي الذي أصبح السمة الغالبة في العصر العباسي، ويعد أبو العلاء المعري رائدا في هذا المجال، حيث قدم نموذجا أرقى لفن السخرية ببعده الفلسفي، وقد مزج السخرية الضاحكة بالألم العظيم في رسالة 'الغفران'، ولعل من أكثر النصوص الأدبية الساخرة شهرة عالمية نص ' ألف ليلة وليلة' وما أضيف إليه من قصص ساخرة ونوادر مضحكة، كما نجد نصا سياسيا ساخرا بامتياز هو حكايات 'كليلة ودمنة' التي يرويها الفيلسوف بيدبا للملك دبشليم وهي لابن المقفع، الذي وجد في هذه السخرية عن طريق قصص الحيوان وسيلة للتعبير السياسي، وقد عرفت كل آداب العالم هذا النحو من القص الساخر على لسان الحيوان. ونجد في موسوعات الجاحظ نماذج مثلى لفن السخرية في الأدب القديم، وكتاب 'البخلاء' للجاحظ أبرز هذه النماذج، وكذلك نذكر كتبا كثيرة شهيرة في أدبنا العربي القديم مثل كتاب 'الإمتاع والمؤانسة' للتوحيدي وكتاب 'الأمالي' لأبي علي القالي 'والعقد الفريد' لابن عبد ربه الأندلسي، 'والكشكول' للعاملي، 'والمستطرف من كل مستظرف' للأبشيهي، وقد أسست هذه الكتب لنشوء فن الخبر العربي الذي لا يوجد له مثيل في كل آداب العالم. وظهر في التراث العربي كثير من الشخصيات الفكاهية، وقد اشتهر منها 'أشعب'، 'وأبو دلامة'، 'وأبو العبر'، 'وأبو العيناء'، 'وجحا' وغيرهم، وتناثرت أخبارهم ونوادرهم في بطون الكتب العربية القديمة. ولا نريد أن نسرف في تقديم الأمثلة من أدبنا القديم على تألق فن السخرية وعمقه، فحسبنا أن نشير الى أن هذا الفن عريق في أدبنا وثقافتنا، وأن عددا كبيرا من أدبائنا الذين صنعوا نهضتنا الأدبية وجدوا في فن السخرية ميدان تألقهم وإبداعهم.
ظهر فن السخرية السياسية في جميع الآداب القومية، فنجد ملهاة 'ارسطوفانيس' تسخر من المجتمع الإغريقي في القرن الخامس الميلادي. وتعتبر فترة أواخر القرن السابع عشر من أعظم فترات السخرية الأدبية إثراء في الأدب الانكليزي، فقد كتب غالبية كتاب ذلك العصر وأهمهم أشهر أعمال السخرية، مثل الكسندر بوب في كتاب بعنوان'دنسياد'، الذي هاجم فيه الشعراء والكتاب الذين أساءوا استعمال اللغة الانكليزية، والكاتب الفرنسي موباسان، الذي كان يقطن منطقة 'بيكال' وكان كل همه رصد تحركات وتصرفات المرأة الفرنسية في سذاجة تفكيرها وإقدامها على حركات وسلوكيات كانت تدعوه إلى أن يستل قلمه ليكتب نماذجه الإبداعية الرائعة في قصص ساخرة لا تخلو من صبغة الإضحاك.
إن ازدهار الأدب الساخر في الأدب العربي مرتبط ارتباطا وثيقا بأجواء الكتابة المنفتحة على التنوع والاختلاف وحرية الإبداع، وأنه كلما ضاقت هذه المساحة تحول فن السخرية إلى سخرية سوداء، وأصبح هذا النوع من الأدب يمثل للبعض أسلوبا تعبيريا ولغة رفض مختزلة في العقل الباطن للإنسان العربي، فهي بذات الوقت تكشف عن إحباط نفسي كبير ومواجهة سلبية للواقع؛ لكنها تعتبر متنفسا للمقهورين والمقموعين جراء ما تقوم به الأنظمة العربية القمعية بأجهزتها وسجونها من ظلم واستبداد، متكئة على سلطتها الدينية المحسوبة على الحكام، ولعل الشاعر نزار قباني كان صادقا في نقل هذا الواقع بقوله: 'معتقلون داخل النص الذي يكتبه حكامنا... معتقلون داخل الدين كما فسره إمامنا...'، فالكاتب العربي يذوق مر الخيبات والخذلان والانكسار العربي؛ لأن سياسة القهر وتكميم الأفواه والمحسوبية صقلت الكاتب العربي الذي راح يكتب سخريته بألوان حزنه وألمه. وصدق محمد الماغوط حينما سئل ذات مرة عن ماهية السخرية؟ فأجاب: 'إن السخرية هي ذروة الألم'، وقد كان لهذا الوضع المتأزم وقع خاص في نفس المثقف العربي الذي يعيش حياته مهملا، مما دفع العديد من الكتاب إلى هذا النوع من الأدب احتيالا على الرقيب أو السلطة وبما يشكل متنفسا للكاتب والقارئ على حد سواء...
باتت الكتابة الساخرة تحتل مكانة مرموقة في الأدب العربي المعاصر؛ لما لها من خصوصية ومقدرة عالية على جذب المتلقين، لتكون من ضروب الكتابة الأكثر إقبالا عليها من قبل القراء، وإذا كان عدد الكتاب الساخرين قليلا في الوطن العربي كما يرى بعض المهتمين بهذا اللون من الكتابة، فإن هذه القلة استطاعت أن تنهض به لتعطيه بعدا إنسانيا يعكس هموم الإنسان العربي في ما يتعرض له من اضطهاد وتشرذم للوطن الواحد، وإن عددا كبيرا من أدبائنا الذين صنعوا نهضتنا الأدبية في الخمسينيات من القرن الماضي وجدوا في فن السخرية ميدان تألقهم وإبداعهم، بل إن رواد القصص السوري شكلوا ما سموه' عصبة الساخرين'، وكان من أبرز الساخرين حسيب كيالي وصدقي إسماعيل وسليمان العيسى ومحمد الماغوط وزكريا تامر، ولابد من أن نتذكر هنا نمطا من الأدب الساخر لا مثيل له أبدعه هؤلاء الساخرون هو ما حوته مجلة ' الكلب' التي كان يكتبها صدقي إسماعيل بخط يده أول الأمر، يتبارى فيها الساخرون بالنباح الشعري ويتهاوشون مع الحكومات، ويعضون السياسة وتعضهم، ومن بعد ظهرت السخرية السوداء على يد محمد الماغوط الذي كتب مقالات ساخرة مهمة نشرها في مجلة' المستقبل' ثم طبعها في كتاب سماه 'سأخون وطني'. ونشأت في عدد من العواصم العربية حلقات تضم الأدباء يطلقون فيها النكات، ويناقشون السياسة، ويتداولون في أحكام اللغة. ففي بغداد، كان ملتقى النخبة من الأدباء في المقهى السويسري، والمقهى البرازيلي، ومقهى الزهاوي. وكانت حانة 'أنجلو' ملتقى ظرفاء القاهرة من مثل عبد العزيز البشري وعلي إبراهيم وفكري أباظة. وكانت لهم في بيروت ودمشق مقاهي 'عجرم' و'القزاز' و'البرازيل' يجتمعون فيها لأغراض مماثلة. ونعود إلى الأدب العربي المعاصر وكتابه الساخرين، ويعد حسيب كيالي واضع حجر الأساس لفن القصة القصيرة الساخرة على وجه الخصوص ليس في سورية وحسب بل في الوطن العربي، فكيالي يمتلك أكثر من وجه فهو كاتب وقاص، ينتمي في أدبه إلى الواقعية، يجيد التقاط السر في الشخصية الإنسانية، وهو من اكتشف عظمة اللغة العامية، وتحمل مشاق التجديد نحو فن الشعب، فالإحساس بالشعب وأحواله، ولاسيما بؤسه ثم الكتابة عنه لتبديل ما يمكن أن يكون قهرا اجتماعيا أو ظلما، وكتاباته السياسية تنضح بالجرأة والمواجهة ونسيان الرقابة والرقيب، ولم يجد حرجا في توجيه سهام نقده إلى الأحزاب نفسها، ومنها حزب اليسار الذي كان هو نفسه من أعضائه الأوائل، ثم هجره وألف في بعض رجاله المنحرفين قصة طويلة عنوانها 'الإشكال'.
يعد إميل حبيبي رائد السخرية الأدبية في الرواية العربية، حيث يصطدم القارئ بالسخرية الموجعة في رواية 'الوقائع الغريبة'، بل لن أكون مبالغة إذا قلت ان السخرية واضحة من الأسطر الأولى لهذه الرواية، فالموت على الحدود والاختفاء في الزنازين، أمسيا عنوانين مميزين للفلسطيني في هذا الزمن، حيث لا تسمح الأنظمة العربية باجتياز الحدود. وتكاد تمتلئ روايات حبيبي بالسخرية والنقد مثل رواية 'أخطية' و'خرافية سرايا بنت الغول' ولا غرابة في ذلك فحبيبي من أقدر الكتاب على الاختراق الدقيق الموثق بالأحداث والأوصاف والتغييرات في تركيبة المجتمع الذي وقع تحت كابوس الاحتلال الصهيوني، وممارساته الفاشية اللاعنصرية.. واستفاد الراحل غازي القصيبي من تراث احتفى بالسخرية ومن مفارقات عصية على الاستيعاب، السخرية لديه تماس مع الغرائبي والعجائبي في إحالات وتناص بين الواقع والخيال، نشعر بذلك في 'أبو شلاخ البرمائي' و'الجنية' ويتصاعد إبداعه في 'العصفورية' عندما تصبح السخرية رديفة الجنون، فالسخرية عنده ليست ابنة الموقف أو تنتهي عند حدث أو شخصية ما، إنها الخبرة الأهم المثيرة للضحك.
ولابد من الإشارة إلى السخرية في فن الكاريكاتير فن النقد والتعبير، فقد أغضب رسامو الكاريكاتير السياسيين والمسؤولين بانتقاداتهم اللاذعة وتنبيه الناس إلى حالهم ووضعهم عبر رسوماتهم الساخرة، كما لوحق الكثير من رسامي الكاريكاتير، وأجبروا على ترك العمل في الصحف والمجلات التي يعملون بها، ومن منا يستطيع أن ينسى 'حنظلة' في رسومات المبدع ناجي العلي؟ فقد كانت شخصية شاهدة على العصر عزيزة على كل الثوريين الساخرين الساخطين من معيشتهم. كما انتشرت أعمال صلاح جاهين التي انتقدت بعض المظاهر السلبية في المجتمع المصري، وكذلك طوغان والبهجوري.
كان العديد من زعماء العالم العربي يتابعون السخرية السياسية التي يرددها الأدباء، فمنهم من كان يعتبرها استطلاع رأي لسياسته، وآخرون يعتبرونها مؤشر صعود أو هبوط شعبيتهم مثل شارل ديغول الذي كان أكثر ما يزعجه هو أن السخرية السياسية أو الرسم الكاريكاتوري لم يعره اهتماما في الآونة الأخيرة، وكذلك الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، الذي كانت تجمع له السخرية السياسية التي ابتلي بها بعد هزيمة 67، بسيل من اللذعات الناقدة للسياسة المصرية، حتى اضطر في إحدى خطبه المشهورة إلى مناشدة الشعب المصري في أن يتقوا الله في نفسه وأن يرشدوا السخرية السياسية بما لا يؤذي الشعور الوطني. وفي المسرح العربي كان هناك الكثير من النماذج التي قدمت على شكل عروض مسرحية، ولم يحظ معظمها بالتحول إلى كتب، وفي المسرح تحديدا يمكن التمييز بوضوح بين المسرح الساخر والكوميدي، فالمسرح العربي الساخر كان أقرب إلى الكوميديا السوداء، وقد تكون أبرزها مسرحيات محمد الماغوط الساخرة السياسية التي كتبها لدريد لحام مثل ضيعة تشرين، وغربة وكأسك ياوطن، كانت أعماله مرآة عكست آمال وأحلام البسطاء وما يعانون من قهر على امتداد الوطن العربي. ولقد برع الكاتب فخري قعوار في تصوير ما آلت إليه النخب العربية الحاكمة من فساد من خلال حوارات موغلة في السخرية، لعل أكثرها سخرية هذا الحوار الذي ترك فيه حرية استبدال الوظائف للقارئ بحيث يمكن للمدير أن يكون وزيرا أو حتى رئيسا: الحمارة: مستحيل أن يصير واحد مثلك مديرا! قال الحمار باستخفاف وثقة: وما الذي يمنعني أن أصير مديرا؟! أنسيت أنك حمار؟! لا لم أنس أني حمار، ولكن الحمورية ليست سببا لعدم تعييني مديرا!! تنهدت الحمارة وقالت: دنيا!
لم تتوقف السخرية عند حد الفنون النثرية والمسرحية والتشكيلة الكاريكاتورية بل إن الشعر الحديث استعاد أمجاده الهجائية القديمة. ولعل أهم رواد هذا الفن مظفر النواب وأحمد مطر ونزار قباني وأحمد فؤاد نجم ويعد النواب واحدا من فرسان هذا الأدب، فهو ينفعل بالانكسارات العربية والقمع الديكتاتوري، ويترجم ذلك الانفعال بمفردات قد تكون بذيئة، ولكنها تعبير حقيقي عما يشعر به الشاعر، فحينما يصرخ النواب في وجه الحكام العرب في قصيدته: القدس عروس عروبتكم
لن يبقى عربي واحــــــــــد،
لست خجولا حين أصارحكم بحقيقتكم
إن حظيرة خنزير أطهر من أطهركم
.... قمم ... قمم
معزى على غنم
إن الكتابة الساخرة اليوم تؤدي دورا مهما في الأحداث العربية الراهنة، وخلال الثورات التي شهدتها البلاد العربية في الآونة الأخيرة، طفا على السطح كم هائل من الكتابات الساخرة أسهمت في تعرية حقائق طغاة الحكم التي كانت مطمورة عن المواطن العربي، وأدت دورا كبيرا في كسر حاجز الخوف الذي ظل واقفا في وجه هذا المواطن، وقد استطاع أصحاب هذه الكتابات إيصال رسائل سياسية تشي بتنامي الوعي لدى الإنسان العربي الذي قدم ولا يزال يقدم ثمنا غاليا لحريته المسلوبة. وفي ثورة 25 يناير تفجر إبداع السخرية عند المصريين حيث امتلأت صفحات الفيسبوك بالرسومات الطريفة للرئيسين زين العابدين بن علي وحسني مبارك... ما يمكن السؤال عنه اليوم في ظل التحولات الجارية في الوطن العربي هو: هل ستعود الكتابة الساخرة إلى الانتعاش مرة أخرى؟ من البديهي أن تكون القدرة على السخرية وإمكانية تقبلها بصدر رحب مؤشرا ازدهار إلى انتعاش مناخ الحرية، ويبقى الأدب السياسي الساخر حدثا ثقافيا مدهشا في حضارتنا.....

' كاتبة من الاردن

الطريق إلى الدولة الإسلامية عند حزب التحرير

الطريق إلى الدولة الإسلامية عند حزب التحرير
عرض/ عوض الرجوب


تكمن أهمية كتاب "الطريق إلى الدولة الإسلامية عند حزب التحرير" لمؤلفه جواد بحر النتشة في كونه يجري مراجعة موسعة للطريق التي ينتهجها حزب التحرير الإسلامي للوصول إلى الدولة الإسلامية، ويناقش المراحل الثلاث التي يرى الحزب أنها ستقوده لاستلام الحكم، ونفي الحزب لدور الآخرين في العمل لإقامة الدولة.
الكتاب عبارة عن قراءة في مباحث الطريقة وطلب النصرة عند الحزب، وفيه يتساءل المؤلف: هل يتجه الحزب فعلا نحو الدولة الإسلامية؟
-الكتاب: الطريق إلى الدولة الإسلامية عند حزب التحرير
-المؤلف: جواد بحر النتشة
-عدد الصفحات: 261
-
الناشر: مركز دراسات المستقبل, الخليل, فلسطين
-
الطبعة: الأولى/2009
تعرض الدراسة لرؤية الحزب من خلال عرض الحزب لها في كتبه وفي كثير من نشراته الرسمية ومواقعه على الإنترنت. وتتطرق إلى الخلط بين الحزب والدولة لدى كثير من شبابه "حتى إن غالبيتهم يعتقدون أن الحديث عن الدولة هو حديث عن الحزب والعكس" حسب المؤلف.
استهل المؤلف كتابه بتمهيد تحت عنوان: عجز حزب التحرير عن التعامل مع منتقديه، وفيه قال إن الحزب يسرع إلى اتهام منتقديه، لمجرد أنهم انتقدوه.
يلي التهميد أربعة فصول، يعالج أولها مفهوم الطريقة عند حزب التحرير، وعند علماء الأمة من أهل الفقه والأصول وأهل اللغة. ويتناول في الفصل الثاني إنكار الحزب لمقام الآخرين، ونفي الحزب لوجود من يعمل لإقامة الدولة الإسلامية سواه.
أما الفصل الثالث فيناقش بإسهاب طريق حزب التحرير إلى الدولة الإسلامية، مستعرضا رؤية الحزب، ومستعرضا كذلك الرد عليها. ثم يتطرق المؤلف في الفصل الرابع الأخير إلى أثر رؤية الحزب لطريق الدولة على مسلكه الدعوي.
اعتبارات الحزبيقول المؤلف إن حزب التحرير يعرض نفسه باعتباره حزبا يسعى إلى إقامة الدولة الإسلامية، ويرى أن الخلافة لم يكن لها ذكر قبله لدى الأمة ولدى العاملين للإسلام، حتى جاء هو وبدأ يذيع بين شبابه أنه وحده من يسعى فعلا إلى إقامة الدولة، وأنه لا أحد سواه يحمل هذا الهم!
ويتابع في مقدمة كتابه أن الحزب يقرر أن الطريق الموصلة إلى الدولة الإسلامية محدودة بما دار في فهمه هو، وأن أي طريق آخر لا يوصل إلى الدولة "بل أوصل الحزب سلوك الطريق التي يراها موصلة دون غيرها إلى الدولة الإسلامية إلى مستوى الفريضة، كفريضة إقامة الدول ذاتها".
ويشير إلى أن الحزب يستند فيما يراه من انحصار الطريق إلى الدولة الإسلامية بما فهمه على بعض أحداث السيرة النبوية، وبناء على فهمه ذاك فإن شبابه يرون أنهم ملتزمون دون غيرهم بشرع الله تعالى في سلوك هذا الطريق بذلك الفهم.
ويسرد المؤلف جملة من الاعتبارات قال إنها تجمعت لدى الحزب فيما يتعلق بالعمل لإقامة الدولة الإسلامية، وهي:
1- أن فكرة الخلافة لم يكن لها ذكر قبل حزب التحرير، لا عند الأمة ولا عند العاملين للإسلام.
2- أنه حصر الطريق إليها برؤية محددة ولا طريق يوصل سواه، وجعل طلب النصرة جزءا من أحكام تلك الطريقة، التي لا يبلغ الحزب غايته إلا بها، رغم إقراره بما يجعل طلب النصرة غير ممكن.
"
يعرض حزب التحرير نفسه باعتباره حزبا يسعى إلى إقامة الدولة الإسلامية، ويرى أن الخلافة لم يكن لها ذكر قبله لدى الأمة ولدى العاملين للإسلام، حتى جاء هو وبدأ يذيع بين شبابه أنه وحده من يسعى فعلا إلى إقامة الدولة، وأنه لا أحد سواه يحمل هذا الهم!
"
3- أنه اعتبر هذا الطريق فرضا شرعيا يحمل ذات الحكم الذي يحمله العمل لإقامة الدولة الإسلامية.
4- أنه عزا فهمه للطريق إلى المسلك النبوي الشريف، رغم إقراره أحيانا بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يطلب النصرة لأجل استلام الحكم.
5- أنشأ هذا عنده اعتدادا بفهمه للطريق الموصل إلى الدولة الإسلامية، وبانحصار الفهم الصحيح لها فيما دار في رأسه.
6- انبثق عن فهمه للطريق فهم آخر في العقود الثلاثة الأولى من حياته، وهو أن النجاح في بلوغه الغاية مرتبط ببعد زمني، وهو ثلاثة عقود على الأكثر، لا يمكن أن تمضي دون أن يتحقق النجاح في إقامة الدولة.
بعد هذه المقدمة ينتقل المؤلف إلى الفصل الأول من الكتاب ليتناول مفهوم الطريقة عند الحزب وعند العلماء، لغويين وأصوليين وفقهاء. ويقول إن الذي يمكن أن يفهم من إصدارات الحزب في معنى الطريقة هو نفسه ما يمكن فهمه من معنى كلمة المنهج.
ويتابع أن الطريق كانت أحد ثلاثة جوانب تتقاسم المبدأ "فالمبدأ عند الحزب هو ما يجمع بين العقيدة والنظام والطريقة معا".
إنكار الآخرينيخصص المؤلف الفصل الثاني من كتابه للحديث عن إنكار الحزب لمقام الآخرين، موضحا أنه يحسب أن مبرر إنشائه يقتضي إسدال ستار كثيف على العاملين للإسلام، بإغفال دورهم، أو بوصفهم تارة بعدم الفهم الصحيح للإسلام، وتارة بالإخفاق في الوصول إلى غايتهم، وتارة بأنهم لم يكونوا يذكرون ما يتحدث به الحزب من العمل للدولة.
ويتابع المؤلف أن الحزب يوهم شبابه بهذه الأوهام ليوقع في نفوسهم أنه وحده دون غيره الذي فهم الإسلام، وعرف طريقة عودة الخلافة. وأنه أول من ذكرها من المسلمين المعاصرين، وكأنه يقصد بذلك أن يؤسس في نفوس أبنائه مبررات إنشائه، رغم أن غيره سبقه في ذلك، وقد ذكر المؤلف نماذج سبقت الحزب، جعلت العمل للدولة الإسلامية محور تفكيرها.
وتطرق المؤلف في هذا الفصل إلى موقف الحزب بوجوب أن يكون الخليفة تحريريا، أي من حزب التحرير، وكذلك المعاونون وأمير الجهاد من الحزب، مستشهدا باقتباسات من نشرات ومراجع عديدة للحزب.
طريق الحزبيعد الفصل الثالث لب الكتاب لتناوله طريق الحزب للوصول إلى الدولة الإسلامية. وهنا لا يرى المؤلف أن الحزب سالك مسلكا يوصله للدولة. بل يذهب إلى أن "حزب التحرير يعلن إعلانات أكبر منه بكثير، لكن بوسائل قاصرة، وهو ينتظر بفارغ الصبر من يمكنه من ذوي القوة والشأن بتسليمه الحكم أو إيصاله إليه، عبر طريقته الواجبة حسب وهمه، والتي جعل طلب النصرة جزءا من أحكامها.
يعرض الباحث في هذا الفصل لرؤية الحزب للوصول للدولة، وما يصفها بالأوهام في تصور الحزب للطريقة، وطلب النصرة لاستلام الحكم.
ويسوق الطريق الموصل إلى الدولة الإسلامية أو إلى استلام الحكم عند الحزب، ويبدأ بمرحلتين، تنتهيان إلى استلام الحكم لتكون المراحل الثلاث طريقا للوصول إلى تطبيق المبدأ، وسبق ذكره.
"
في تصور الحزب أن الوصول إلى الدولة الإسلامية يمر بثلاث مراحل: أولا الدراسة والتعلم لإيجاد الثقافة الحزبية، وثانيا التفاعل مع المجتمع الذي يعيش فيه حتى يصبح المبدأ عرفا عاما, أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة تسلم زمام الحكم عن طريق الأمة
"
أما المراحل الثلاث فيقتبسها المؤلف من كتاب التكتل الحزبي، لمؤسس الحزب الشيخ تقي الدين النبهاني، وهي: أولا مرحلة الدراسة والتعلم لإيجاد الثقافة الحزبية، وثانيا مرحلة التفاعل مع المجتمع الذي يعيش فيه حتى يصبح المبدأ عرفا عاما ناتجا عن وعي، وتعده الجماعة كلها مبدأها حتى تدافع عنه جماعيا. وفي هذه المرحلة يبدأ الكفاح بين الأمة ومن يقفون حائلا دون تطبيق المبدأ، من الاستعمار وممن يضعهم أمامه من الفئات الحاكمة والظلاميين والمضبوعين بالثقافة الأجنبية.
والمرحلة الثالثة هي مرحلة تسلم زمام الحكم عن طريق الأمة تسلما كاملا، حتى يتخذ الحكم طريقة لتطبيق المبدأ على الأمة. ومن هذه المرحلة تبدأ الناحية العملية في الحزب في معترك الحياة، وتظل ناحية الدعوة للمبدأ العمل الأصلي للدولة والحزب، لأن المبدأ هو الرسالة التي تحملها الأمة.
ورغم تمسك الحزب بهذه الطريقة باعتبارها ذاتها طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم، يرى الكاتب أن الواقع هو الذي يملي نفسه في تحديد طريق دون طريق، فإذا سمح الواقع بسبيل ما، وكان هذا السبيل مما يسمح به الشرع نفسه، فهو إذن سبيل الوصول إلى الدولة الإسلامية.
ويرى المؤلف أن الإصرار على أن يكون الإلزام بطريق ما غير ما يمكن واقعا، ليس أكثر من غفلة مخجلة عن الحقيقة، وربما كانت من باب سد الطريق نحو الدولة الإسلامية. وإن كان سدا غير مقصود!
ويشير إلى أن طلب النصرة عند الحزب جزء من الطريقة الواجبة الاتباع في رأي الحزب، عندما يتجمد المجتمع أمام حملة الدعوة، ويشتد الأذى على الدعاة، ويقتبس من أحد إصدارات الحزب نصا يؤكد ذلك.
وفي أكثر من موقع من الكتاب ينتقد المؤلف التزام الحزب بطريق دون غيره، "لأن في ذلك إغلاقا لباب العقل والتفكير، وإغلاقا لباب الأمل في الوصول للدولة، وإصرارا على العبث بعواطف الناس".
ويتابع أن الوصول إلى الدولة الإسلامية "ليس بالسهولة التي يتوهّمها الحزب"، لأن أعين العالم ستكون متربصة لإزهاق أي محاولة في هذا الباب في مهدها، ولأن أصحاب المصالح سيكونون على أهبة الاستعداد للتعامل مع الأعداء لأجل إزهاق أي محاولة، بل إن أعداء الإسلام سيحاولون اختراق أي محاولة ناجحة، لعلهم يحرفونها عن مسارها.
وتعزيزا لرأيه بعدم الاقتصار على طريق واحد للدولة، يقول المؤلف إن من يخططون قد يرون أن طريق الانتخابات في مجتمع ما هو ما سيوصلهم إلى مبتغاهم، فيكون هذا المسلك ضروريا لأجل الوصول إلى المبتغى. وقد يكون طلب النصرة هو الممكن المقرّب للأمر، فيقررونه حين الحاجة إليه إن سمح الواقع به. وقد يرون أن دعوة الناس إلى استفتاء يُلزم الحاكم بما يرون أنه ممكن في وقت من الأوقات، فيلجؤون إلى اعتباره وهكذا.
طريق مسدود
"
يرى المؤلف أن الحزب يحصر المدخل الموصل إلى استلام الحكم في ديار المسلمين في طلب النصرة دون غيره، وهو أمر مستحيل في عصرنا، ما يعني أن "الطريق الوحيد الموصل إلى الدولة مغلق
"
في الفصل الرابع الأخير، يتناول المؤلف النتشة أثر رؤية حزب التحرير لطريق الدولة على مسلكه الدعوي.
وهنا يؤكد أنه لا يمكن ألا يتأثر سلوك الإنسان برؤيته لجوانب الحياة. ويرى أن عمل حزب التحرير صار محصورا في شيئين الأول الاستقطاب، وما يكون في خدمته من وسائل كالمؤتمرات وما يتبعه من توعية للمستقطبين، وربما تنفيرهم من غير حزب التحرير، والثاني طلب النصرة.
ويتساءل: ماذا بعد الاستقطاب؟ ماذا يفعل المستقطَبون؟ الجواب: لا شيء سوى مزيد من الاستقطاب، مع انتظار النصرة.
ويقول إن لرؤية الحزب أثرا في مسيره، ومنها الإخفاق في الوصول إلى المطلوب، وساق اعترافا له في عدم ظهور أي تأثير له بين الناس في مجاله، وأنه تحت الصفر منذ بضع سنوات، كما نصت على ذلك نشرة للحزب، تعود في تاريخها إلى العام 1967 أو بعده بقليل.
ويرى أن الحزب يحصر بوابة الدولة في ديار المسلمين اليوم في طلب النصرة، التي تبين من بعض كلام الحزب نفسه أنها غير ممكنة، وهو ما يعني في نهاية المطاف أن الحزب يحصر المدخل الموصل إلى استلام الحكم في ديار المسلمين في طلب النصرة دون غيره، مدعيا الاقتداء في هذا بالرسول صلى الله عليه وسلم.
ويذكر من تداعيات حصر بوابة الدولة في طلب النصرة أن طلب النصرة يكون من أصحاب القوى في مجتمع ما، ولا يكون هؤلاء من الحزب، موضحا أن أصحاب القوة في أي مجتمع واقعون تحت سيطرة الحاكم، ولا يجير على الحاكم أحد على حسب تعبير الحزب في نشرة له أصدرها عام 1985 بعنوان: إعادة النظر، على ما ذكر المؤلف النتشة.
ويتابع أن الحاكم يرى الحزب عدوا له ولذلك لا أمل في الحاكم، وبالتالي فإن "طريق طلب النصرة مسدود، لأن القادرين عليها تحت سيطرة الحاكم" ومع ذلك يقرر الحزب أن "لا بد من طلب النصرة لاستلام الحكم في ديار المسلمين، ولا يصلح غير طلب النصرة، وهذا عنده يرجع إلى أن طلب النصرة هو طريق الرسول صلى الله عليه وسلم.
خلاصة
"
يدعو المؤلف حزب التحرير إذا كان جادا في العمل لإقامة الدولة الإسلامية الراشدة، أن يراجع فهمه لطريق الوصول إليها، وأن يكون شجاعا في مراجعة نفسه وفهمه للطريق
"
يستنتج المؤلف أن حصر الحزب للطريق إلى الدولة الإسلامية في طلب النصرة، وهو مستحيل في عصرنا، يعني أن "الطريق الوحيد الموصل إلى الدولة مغلق، وحينما يصر الحزب على الطريق المغلق، وأنه وحده الطريق دون غيره، فكأنما يقول في النهاية: "لا أمل في الدولة".
وأن تجعل الطريق لا بد أن يمر في باب مغلق بهذا الإحكام –يضيف النتشة- ثم تقول لا طريق سواه، ثم تصر على أن تسلكه دون غيره، رغم اعترافك بإغلاقه، فكأن هذا يعني أنك لا تريد الوصول إلى الدولة الإسلامية".
وينتهي المؤلف في كتابه إلى أن حزب التحرير ضخّم نفسه فيما يتعلق بالعمل للدولة الإسلامية القادمة، ويحسب نفسه أنه يعمل وحده لإقامتها، فإذا بغيره قد سبقه.
ويرى أن على الحزب إذا كان جادا في العمل لإقامة الدولة الإسلامية الراشدة أن يراجع فهمه لطريق الوصول إليها، وأن يكون شجاعا في مراجعة نفسه وفهمه للطريق.






المصدر: http://www.aljazeera.net/NR/exeres/5E009A73-CF7E-48AB-AE4E-423EFDFEC044.htm

السياق السلفي والفقه السياسي

تحولات السلفيين.. والإخوان أيضا
ياسر الزعاترة


فاجأت مذيعة في إحدى الفضائيات المصرية مرشحا سلفيا من قيادات حزب النور بعد نهاية الانتخابات التي صعد من خلالها للدورة الثانية ثم خسر أمام مرشح آخر، فاجأته بعرض شريط "فيديو" له يقول فيه إن الديمقراطية كفر، فارتبك الرجل بعض الشيء وراح يبرر موقفه القديم مقابل موقفه الجديد.
 
ولعل مشكلة التيار السلفي في مقارباته السياسية تتمثل في أنه -خلافا للإخوان- كان يعالج سائر القضايا السياسية من باب الحرام والحلال الحاسم في كثير من الأحيان، وليس على قاعدة درء المفاسد وجلب المصالح التي تشكل العنوان الأبرز لكل ما يتعلق بإدارة الشأن العام كما ذهب العلامة (ابن القيم) باستثناءات محدودة.
 
"
مشكلة التيار السلفي في مقارباته السياسية تتمثل في أنه -خلافا للإخوان- كان يعالج سائر القضايا السياسية من باب الحرام والحلال الحاسم في كثير من الأحيان، وليس على قاعدة درء المفاسد وجلب المصالح
"
هناك بالتأكيد مجموعات سلفية توصف بأنها إصلاحية كانت لها مقاربات سياسية جريئة، كما هو حال حزب الأمة في الكويت، وخالفت ما تعارفت عليه التيارات السلفية التقليدية التي تعد الأكثر انتشارا إذا أخذنا العالم العربي كمثال جامع.
 
في السياق السلفي العام رأينا عجبا عجابا فيما يتصل بالفقه السياسي، فقد رأينا كيف ذهبت مجموعات تنتمي إليه نحو تبرير قتال الأنظمة وكل المنضوين في سلكها خلال الثمانينيات، ثم أجرى مراجعات جذرية بعد ذلك، وفي الحالتين استنادا إلى الكتاب والسنة.
 
ومن قرأ كتابات الدكتور فضل أو سيد إمام الشريف التي كانت مرجع الجهاديين خلال الثمانينيات (أبرزها العمدة في إعداد العدة والجامع في طلب العلم الشريف)، ومن ثم مراجعاته بعد ذلك (وثيقة ترشيد العمل الجهادي) سيرى الروحية التي يتصرف بها جزء من هذا التيار!!
 
عندما قال شيخ (حزب النور) الذي أشرنا إليه في مطلع المقال ما قال في مقاربته الأولى التي عرضتها عليه المذيعة، وهو للمفارقة مهندس وليس شيخا تقليديا، لم يكن يخطر بباله أنه سيقف هذا الموقف في يوم من الأيام، فقد كان يعيش ظروفا مختلفة، وعموما يمكن القول إن الربيع العربي -بطبعته التي نعيش- قد فاجأ الكثيرين، بمن فيهم قيادات في الظاهرة الإسلامية.
 
كان بعضهم في التيار الإخواني قد تعايشوا مع مقولة الإصلاح التدريجي لأنظمة يستحيل إصلاح معظمها في واقع الحال، فيما تعايش السلفيون (معظمهم للدقة) مع الواقع القائم وفق نظرية "حاكم الغلب" الذي لا يجوز الخروج عليه ما أذن بالصلاة وليس ما أقام الصلاة، مع أن نتنياهو يأذن بالصلاة، بل بوجود حركة إسلامية أيضا. كما حرَّموا الأحزاب والانتخابات، فضلا عن المظاهرات وصولا إلى تحريم نقد الحاكم في العلن.
 
بالطبع ثمة فقه سلفي لا يزال مقيما على هذه المقولات، بما في ذلك في الساحة المصرية بعد الثورة، لكنه لن يلبث أن يغيرها (غالبا إذا رغب ولاة الأمر في ذلك!!)، تماما كما غير موقفه من جواز المشاركة في الانتخابات (تصويتا) وليس ترشيحا في الأردن مثلا، بل كما غير موقفه من قضايا فقهية تقليدية مثل الظهور على الفضائيات، فضلا عن إنشائها (كانوا يقولون بحرمة التصوير!!).
 
في الحالة المصرية شهدت الحالة السلفية تغيرات يمكن وصفها بأنها جذرية، فيما ستذهب تيارات سلفية أخرى في العالم العربي نحو ذات الوجهة، وأتذكر أن التيار السلفي السعودي (تيار الصحوة كما يعرف هناك) كان له ذات الموقف من الانتخابات، وعندما أجريت الانتخابات البلدية قبل سنوات تردد في الجولة الأولى ثم انخرط فيها خلال الجولة التالية، بينما بات الكثيرون من رموزه يدعون إلى إصلاحات بروحية ديمقراطية (ملكية دستورية في بعض الأحيان).
 
في الحالة الإخوانية رفض الإمام حسن البنا تأسيس حزب، لكن تنظيمات الإخوان في الدول العربية لم تلتزم تاليا بهذا الرأي، حيث بادرت إلى تأسيس أحزاب. وعموما يمكن القول إن الفقه الإخواني كان واضحا في انحيازه إلى نظرية المصالح والمفاسد في العمل السياسي، فكان أن تعددت اجتهادات فروع الجماعة في التعاطي مع الشأن السياسي، حتى تجاوز بعضها الخطوط الحمر في علاقاته وتحالفاته، كما هو حال العمل السياسي من خلال منظومة أنشأها الاحتلال كما فعل فرع الجماعة في العراق (رفضت ما فعله سائرُ فروع الجماعة الأخرى، وإن لم تتخذ موقفا صارما منه)، أو التحالف مع العسكر ضد فريق إسلامي آخر (جبهة الإنقاذ) كما هو حال حركة مجتمع السلم في الجزائر.
 
واقع الحال من الناحية الشرعية والتاريخية هو أن الإسلام (في رؤية أهل السنة) قد أعلى من شأن الأمة، واعتبر أن الحاكم موظف عند المسلمين يقوم على شأنهم ويتلقى أجرا مقابل ذلك، وهو ما كان خلال فترة الخلافة الراشدة عبر ما عُرف بالبيعة التي كانت الطريقة المتيسرة في ذلك الحين في ظل واقع الحياة البسيط المعروف (بخاصة وسائل النقل والاتصال). وقد كان ذلك تميزا عن الواقع السياسي المحيط في العالم الذي لم يعرف في تلك الأثناء سوى الإمبراطوريات الوراثية.
 
"
شهدت الحالة السلفية في مصر تغيرات يمكن وصفها بأنها جذرية، وفي الحالة الإخوانية رفض الإمام حسن البنا تأسيس حزب، لكن تنظيمات الإخوان في الدول العربية لم تلتزم تاليا بهذا الرأي
"
مع معاوية بن أبي سفيان بدأ الحكم العضوض، وذهب الفقه الإسلامي في بعض تجلياته نحو تبرير الواقع الجديد الذي انسجم عمليا مع السائد عالميا وابتعد عن روح الشريعة، لا سيما أن القرآن واضح كل الوضوح في جعل الأمر شورى بين المسلمين.
 
اليوم يستعيد الإسلاميون مقولة الولاية العامة للأمة عبر أطر ديمقراطية حديثة، وهي بالمناسبة ليست أطرا نهائية ويمكن تغييرها بحسب ظروف الزمان والمكان، بما فيها القيم الاجتماعية والدينية (مثال ذلك الاشتراطات المتعلقة بالدعاية واستخدام المال فيها، إلى غير ذلك من شروط تجعل الاختيار أقرب ما يكون إلى الحرية بعيدا عن التأثيرات المرفوضة)، ومعلوم أن قوانين الانتخابات وشروط الترشيح والدعاية تختلف بين بلد وآخر، إذ لم يتوصل العالم بعد إلى قانون عادل تماما، كما لم يتوصل إلى صيغة تفرض التصويت على جميع الناس، وسيأتي اليوم الذي يتحول فيه التصويت إلى مهمة تتعلق بكل شخص في ظل ثورة الاتصالات، من دون الحاجة إلى صناديق اقتراع لا يتجاوز فيها المشاركون حدود النصف في أكثر الأحيان.
 
من هنا، فإن ولاية الأمة هي العنوان الأبرز لحراك الإسلاميين السياسي، ومن العبث التشكيك في ذلك، لا سيما أن الوضع الجديد جاء نتاج ثورات شعبية وليس انقلابات عسكرية يمكن لأصحابها أن يتصرفوا بعدها كيف يشاؤون. وعموما سيكونون -كما غيرهم- أمام اختبار الجماهير التي لا تمنح أحدا شيكا على بياض، بل تنحاز إليه بقدر انحيازه إلى همومها في القضايا الداخلية والخارجية.
 
اليوم يركز طموح الإسلاميين -بل يجب أن يكون كذلك- على أن يتحقق الإجماع بشكل تدريجي على المرجعية الإسلامية للدولة المدنية، ويكون التنافس بين القوى بعد ذلك على هذا الأساس. وقد كان طموح الدكتور حسن الترابي في مسيرة الإنقاذ أن يكون التداول على السلطة ضمن إطار المرجعية الإسلامية، لكن شركاءه رفضوا ذلك وانقلبوا عليه هو أيضا، لا سيما أن المرجعية الإسلامية في السودان لا خلاف عليها عمليا بين سائر القوى الأساسية في الساحة.
 
من حق القوى الإسلامية أن تحشد الناس خلف برنامجها عبر الأطر الشعبية المستندة إلى التعددية، وليس من حق أحد أن يملي عليها شيئا بعد ذلك، وعلى سائر القوى أن تقبل بما تفرزه الصناديق. هذا هو المسار المتاح لتحقيق طموحات الأمة في العدالة والمساواة والوحدة ومواجهة المخططات الأجنبية.
 
المصدر: http://www.aljazeera.net/NR/exeres/1763789B-B6E7-444C-8AE8-9C52CDDE137C.htm

الخميس، 15 ديسمبر 2011

ماليزيا.. تجربة.

في ظل ربيع الثورات العربية، صعد الإسلاميون إلى سطح الأحداث في الكثير من الأقطار العربية، ففي مصر تم تشكيل ما يقرب من أربعة عشر حزبا على خلفيات إسلامية، ويستعد الإسلاميون لخوض انتخابات برلمانية يتوقع أن يحصلوا فيها على أكثر من ثلث المقاعد، كما أن هناك عدة مرشحين للرئاسة ذوي اتجاهات إسلامية، وفي تونس تحصل النهضة على ما يقرب من نصف مقاعد البرلمان، وفي ليبيا بعد مقتل القذافي صعد الإسلاميون على الصدارة لمشاركتهم في قتال القذافي، كما أنهم يتصدرون ساحات التغيير في اليمن لإقصاء الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، ويسجل الإسلاميون صعودا في العديد من الأقطار الأخرى.



وأمام هذه الحالة لوحظ أن الكثير من الإسلاميين يركزون على خطاب الهوية في حضورهم السياسي، في حين أن البعض حتى من ذوي الاتجاهات الإسلامية يرى أن مسألة الهوية حسمت في غالبية الأقطار العربية لصالح الهوية الإسلامية، وأن على الإسلاميين أن يطرحوا خطابا حياتيا يساهم في حل مشكلات الناس، ويستطيع هذا الخطاب تجديد بناء الهوية على أسس من العدل والحرية والديمقراطية، باعتبارها عناصر كفيلة ببناء هوية ناهضة وليس بناء هوية جامدة.



ويطرح هذا الموضوع تجربة ماليزية تنمي للأمة الإسلامية في مجموعها في كيفية بناء هوية ترتكز على العدل والتنمية في ظل مجتمع متنوع، وهي تجربة تحتاج إلى قراءة عميقة حتى نتجنب خوض المعارك "الغلط".



البداية



حصلت ماليزيا على استقلالها عام 1957م وسط توقعات أن تنهار هذه الدولة وتشهد صراعات عرقية عنيفة نظرا للتحالف الهش بين العناصر المكونة لها من المالاي والهنود والصينيين، وترسخ هذا الظن بعد أحداث الشغب الطائفي التي شهدها شهر مايو 1969م.



ومحاضير محمد هو رابع رئيس وزراء لماليزيا من استقلالها، تولى منصبه عام 1981 وتجددت ولايته خمس مرات في انتخابات ديمقراطية نزيهة، واختار أن يترك السلطة عام 2003 بعد 22 عاما وهو في أوج تألقه ويجلس على قمة هرم من الانجازات؛ حيث نقل دولته نقلة نوعية من دولة زراعية متخلفة اقتصاديا إلى دولة متقدمة وصناعية، وذلك في إطار نظام سياسي احتفظ بالموروث الماليزي التقليدي الإسلامي، محققا التوليفة الصحيحة بين التنمية الاقتصادية والسياسية والمجتمعية.



نجح محاضير في جمع شمل الماليزيين من مختلف الأعراق والديانات حول برامجه السياسية والاقتصادية محققا اندماجا نادرا بين الماليزيين، "فلم تعرف البلاد في عهده نزاعا عرقيا أو طائفيا علي الرغم من انتقادات البعض له بالسعي لهيمنة المالاي الذين يشكلون نحو60% من إجمالي السكان علي مؤسسات الحكم والثروة في ماليزيا ولكن فعل ذلك دون أن يجحف فئات المجتمع الأخرى حقوقها أو أن يسلبها أموالها تحت ذريعة التأميم والمصادرة بحجة أنها أموال الشعب".[1]



وكان يقول:" لا يمكن وجود ماليزيا موحدة قبل بناء أمة ماليزيا موحدة تشعر بوحدة المصير، هذه الأمة يجب أن تعيش في سلام مع نفسها من خلال مشاركة عادلة وكاملة بين عرقياتها".



مشكلة التهميش





"كان المالاي لا يحوزون غداة الاستقلال سوى 2.4% من ثروة البلاد، أما الصينيون الذين لم يكن يزيد تعدادهم عن ربع السكان فكانوا يحوزون ثلث الثروة، وكان ذلك وراء تفجر الأوضاع في ماليزيا في مايو 1969. التي اندلعت شرارتها بسبب الصدم بين الصينيين والمالاي، وكشفت تلك الأحداث عن هشاشة الوضع العرقي في ماليزيا، إذ لم تفلح حكومة "تنكو عبد الرحمن" والملقب بـ"أبو الاستقلال" في إرضاء طرفي المعادلة الماليزية الإثنية (المالاي والصينيين)، فقد ظن تنكو أن ما يرضي الصينيون هو تحقيق أكبر قدر من الربح المادي، وأن ما يحقق رضا المالاي هو الحصول على وظائف حكومية والسيطرة على تنظيم آمنو (الحزب القائد في الائتلاف الحاكم) .



وكان هذا الإدراك المبسط لحاجات ومطالب العرقيتين من جانب تنكو وراء اندلاع شرارة العنف العرقي الذي أعقب إعلان نتائج العامة التي حصلت فيها أحزاب المعارضة على 40 مقعدا من إجمالي عدد المقاعد (104) إضافة إلى حصول المعارضة على الأغلبية في برلمانات 4 ولايات ماليزية، وهو الأمر الذي هدد تفرد المالاي بالقرار السياسي، وولد لديهم شعورا بإمكانية التهميش السياسي إلى جانب التهميش الاقتصادي الذين تعرضوا له على يد الأقلية الصينية"[2].



"وفي ظل تلك الأحداث الدموية لمع نجم محاضير في سماء الحياة السياسية الماليزية، وزادت شعبيته لدى أبناء عرقيته من المالاي، وكان من أسباب ذلك انتقاده الحاد لتنكو، إبان أحداث مايو 1969، وكان تنكو انقاد وراء مطالب الجماعة الصينية الخاصة بتعظيم المكاسب الاقتصادية لأكبر حد ممكن، انطلاقا من نظره للصينيين على أنهم قاطرة التنمية في ماليزيا، وهو الأمر الذي عارضه محاضير بقوة، حتى إن محاضير وزع رسالة سرية تنتقد تنكو وشاع أمر هذه الرسالة مما أدى إلى فصل محاضير من الحزب، وتعرضه للفصل من تنظيم الأمنو، وتم منع تداول كتابه "معضلة المالاي في ماليزيا" الذي نشره عام 1970م، والذي حاول فيه أن يشرح أسباب الاضطرابات العرقية التي حدثت عام 1969، وأسباب تخلف المالاي عن باقي العرقيات في بلادهم."[3].



العدالة العرقية



"كان محاضير يرى أن تاريخ الهجرات البشرية الكبرى يشهد باندماج المهاجرين الأوائل في التركيبة الاجتماعية والثقافية للأوطان التي اختاروها مستقرا لهم، ويشهد أيضا بأن سكان البلاد الأصليين هم أصحاب الثقافة الرئيسية، كما أنهم الأقدر على وضع الثوابت العقائدية والفكرية لمجتمعاتهم..فالمهاجرون الصينيون الأوائل استوعبوا الثقافة المالاوية وهو ما أدى إلى إحداث سلام اجتماعي مستقر"[4]، فنشا نوع من التفاهم العرقي في إطار ما يشبه الهوية الجامعة.



كان محاضير يرى أن عامل المصلحة وليس عامل العلاقات الاجتماعية والإنسانية هو العامل الحاكم في تحديد شكل العلاقات العرقية في ماليزيا، وأن انتهاج سياسة اقتصادية جديدة هو السبيل لتحقيق التجانس العرقي والسلام الاجتماعي وبناء هوية توافقية في ماليزيا، وأن وجود تمييز ضد المالاي العرقية الأكبر في ماليزيا يعني حتما عدم إمكانية قيام ماليزيا موحدة وعدم إمكانية بناء إطار جامع للهوية في البلاد، ولذا رفع شعار العدالة العرقية.



ومادام المالاي هم السكان الأصليين فإنهم أحق العرقيات بأن تكون لغة البلاد الرسمية هي لغتهم، وأنهم أحق العرقيات بوضع شروط وأسس المواطنة الماليزية، بالشكل والطريقة التي تضمن اندماج الأقليات العرقية المختلفة في النسيج الاجتماعي والثقافي لماليزيا، وبالتالي لم تقم رؤيته على تفضيل المالاي، ولكن قامت على الإبقاء على ثقافة وتراث وحضارة الوطن ممثلا في سكانه الأصليين، أي أن الأغلبية هي التي تشكل الهوية، وأن وجود تنوع عرقي ولغوي على أرض ماليزيا لا يعني الافتئات على السكان الأصليين في فرض لغتهم وثقافتهم على بقية المواطنين.



أين تكمن أزمة الهوية؟



وكان محاضير يرى أن أزمة الهوية تنبع من اعتبار المالاي لغيرهم بأنهم ضيوف يجب حسن ضيافتهم، ولكن لابد من اعتبارهم مواطنين وشركاء في الوطن، وبالتالي فبناء هوية جامعة في ماليزيا وتحقيق الوحدة الوطنية في مجتمع متعدد الأعرق يعتمد على قدرة ماليزيا على بناء رموز لها يلتف حولها الشعب بمختلف مكوناته، وكان أن أهم العوائق التي تقف وتحول دون بناء الوحدة في ماليزيا تتمثل في الفجوة الاقتصادية بين العرقيات.



والملاحظ في تجارب النهوض في أي بلد أو قومية أنها تسعى للإجابة على تساؤلين كبيرين، الأول: لماذا التخلف، والثاني كيف النهوض؟.



ففي " كتابه "معضلة المالاي في ماليزيا" انطلق من حقيقة أن الحكومة الماليزية لا يمكن أن تنجح في حل مشكلة المالاي ما لم يقتنع هؤلاء بأنهم في معضلة حقيقية، ومن هنا فالمالاي أمام خيار مصيري:إما أن يكونوا الأغلبية الفقيرة في دولة تسعى للنمو، وإما أن يعملوا ويجتهدوا للمشاركة في ثروة البلاد.



ورأى محاضير أن انتهاج السياسة الاقتصادية الجديدة هي الخطوة الأولى في طريق تحقيق السلام والتجانس العرقي في البلاد، وان دور الحكومة الماليزية في تحسين أوضاع المالاي لا يجب أن ينتهي إلا إذا وصل المالاي إلى نفس المستوى الاقتصادي والثقافي والتعليمي لغير المالاي في ماليزيا، ولذا فإن واجب الحكومة يكون في إقحام المالاي في الأنشطة الاقتصادية"[5].



بعيدا عن الأيدولوجيا



"ويعد أهم ما يلفت النظر في فكر محاضير هو أنه انطلق من قاعدة محلية قومية، وهي تشخيص طبيعة المشكلة التي يواجهها شعب المالاي في دولة متعددة الأعراق يشكل المالاي 53%، من السكان، والصينيون 35%، و الهنود 9%، ويتمتع المالاي بالسلطة السياسية، ولكن السلطة الاقتصادية في يد الصينيين.



انطلق محاضير من إثارة السؤال: ما هو مصدر الخلل ؟ ولم ينطلق من قاعدة أيديولوجية حاول أن يفرضها على مجتمع المالاي، ولم يحاول أن يطوع مجتمعه لتحقيق أهداف أيديولوجية حاول أن يفرضها على مجتمعه. ولكنه انطلق من منظور استقرائي لمجتمعه.



وقال محاضير أن المالاي ليسوا متخلفين بالطبيعة، ولكن لأن عوامل الجغرافيا خلقت فيهم روح الاسترخاء، فالبيئة الجغرافية توفر إنتاجا زراعيا وفيرا في فترة قصيرة من السنة، ومعدلات إنتاج عالية تكفي استهلاك السكان، إضافة إلى عدم قدرة المالاي على التعايش مع المهاجرين الصينيين أو الاستفادة منهم، وخلص محاضير إلى أن تغيير نسق القيم لدى المالاي وإيجاد صيغة للتعايش الإيجابي بين الأعراق الماليزية هو نقطة البدء لتحقيق نهضة ماليزيا"[6].



"كان محاضير يرى أن مواجهة مشكلات ماليزيا لن تتأتى إلا من خلال عملية تنموية تأتي في إطار أوسع وأشمل يتمثل في التنمية الآسيوية، التي عرفها بأنها اقتصادية في الأساس، ترسي دعائم سياسية وثقافية واجتماعية للتنمية. وأن على ماليزيا وفقا لوجهة نظره الموازنة بين البعد الاقتصادي والأبعاد الأخرى، ومنها البعد الاجتماعي، وأن عليهم في الوقت نفسه أن يسعوا إلى تحسين وضعهم الاقتصادي للنهوض بالاقتصاد الماليزي، وأن يحتل الجانب القيمي جانبا مهما ومتقدما في التنمية، حيث يرى أن الحفاظ على الهوية والقيم هو حق للماليزيين.



قيم تنموية



وقد وضع محاضير أربع قيم محورية للتنمية وهي:

* القدرة على العيش بشكل منسجم للعرقيات المختلفة في ماليزيا.

* السعي إلى التفوق.

* أهمية الإيمان بالقدرة على الوصول للنتائج وتحقيق النجاح.

* الحفاظ على القيم الاجتماعية الآسيوية الشائعة، مثل الحفاظ على مؤسسة الأسرة، واحترام كبار السن، مع الاستفادة من القيم الغربية في التمسك بالجودة في كل شيء، والاستفادة من الشرق المتمثل في اليابان من قيم الولاء والإخلاص في العمل"[7].



" وفي فبراير سنة 1991 قدم محاضير "رؤية 2020" وهي التي تضمنت أربع ركائز جوهرية للرؤية الفكرية له، وهي "القومية الماليزية" و "التطور الرأسمالي" و " الدور التنموي للإسلام" و " الدور القومي للدولة" ويمكن القول أن رؤيته 2020 تتكامل مع رؤيته للعلم والتكنولوجيا، والعولمة"[8].



"وتلك السياسة من الممكن أن نطلق عليها "المحاضيرية" التي دمجت بين عدة توجهات وتصورات خاصة بالإسلام والغرب، والديمقراطية والتنمية، والنظام الاقتصادي العالمي والعولمة، بالإضافة إلى بعض المنطلقات والافتراضات الخاصة بالعلاقة بين الدين والدولة، والإسلام والتنمية، والديمقراطية والتنمية، ووفق بعض التعريفات فإن المحاضيرية خليط من القومية والرأسمالية والإسلام والشعبية والسلطوية"[9].



" وفي رؤيته التنموية رأى محاضير ضرورة أن تقترن التنمية الاقتصادية بتحقيق المساواة، حيث رأى استحالة أن يوجد انفصام بين الجانبين خاصة في ماليزيا التي تتسم بتعددية عرقية ودينية، وكان حريصا على تحقيق التنمية في ظل هامش كبير من المساواة، ولم تقم سياسته على أساس انتزاع جزء من ثروة الأغنياء لصالح الفقراء.



ولكن قامت على أساس تخصيص قسط أكبر من الكعكة الاقتصادية لصالح المالاي، أي تحسين أوضاع المالاي الاقتصادية دون الإضرار بالآخرين، وأثمرت هذه الخطة مع عام 1990 عن تحقيق بعض الطموحات في الارتقاء بوضعية المالاي من الثروة بالفعل، بحيث شغل هؤلاء أكثر من نصف عدد الوظائف الحكومية، كما تضاعف نصيب العرقيات الأخرى، فقد راعت رؤيته التنموية الأعراق الأخرى، وهو ما حال دون وقوع أية توترات" [10].



القيم حاضرة



و"تشير مراجعة الإطار الفكري لمحاضير محمد على محورية دور القيم في نسقه الفكري، وتستلزم القيم عنده وجود عاملين أساسيين، الأول: وجود نظام للقيم بغض النظر عن كونها جيدة أم سيئة، وثانيها: أن يحظى نظام القيم بالقبول من جانب قطاع كبير من المجتمع لكي يبقى ويستمر.



وقد تكون الإطار القيمي لمحاضير من خلال تفاعل مجموعة من العناصر، أبرزها عنصرين أساسيين هما: الإسلام، والقيم الأسيوية"[11].



" وتشكل الكونفوشيوسية أحد الروافد الأساسية في النسيج الفكري للمجتمعات الأسيوية، وتؤكد على مجموعة من القيم منها: تجنب الصراع، والتأكيد على ثقافة الاتفاق، وضرورة التزام الحاكم بإطار أخلاقي، فضلا عن الطاعة التي تتمثل في طاعة المحكوم للحاكم، والصغير للكبير، والابن للأب، والزوجة لزوجها.



وتلك القيم في مجملها عمل محاضير على تبنيها في إطار البناء السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي لماليزيا مفضلا إياها على قيم الثقافة الغربية التي لم يدع إلى معاداتها بل إلى ضرورة التعامل معها بحذر لعدم الوقوع في براثنها.



كما دعا مسلمي ماليزيا إلى تعلم الكفاءة الصينية، واعتبر تلك الكفاءة بمثابة النموذج الأمثل للمالاي وكانت هذه أفكاره عندما أصبح رئيسا للوزراء، وهو ما دعا القيادات الإسلامية في ماليزيا إلى اتهامه بأنه لا يسعى إلى بناء توازن بين المالاي والصينيين، ولكنه يريد تحول المالاي إلى صينيين، لكنه اعتبر هذا الاتهام تنبيها مهما له دفعه لتعزيز تواصله مع العناصر الإسلامية بتوازن يحفظ زخم التجربة، وهو توازن يدرك طبيعة التركيبة الماليزية.

وبالنسبة للمالاي فإن الإسلام ليس مجرد ديانة ، ولكنه دائما مكون محوري من مكونات أسلوب المالاي في الحياة، كما أن نظام القيم في المالاي مرتبط بالإسلام"[12].



ونلاحظ هنا " أنه عندما زاد نفوذ حركة دار الأرقم" الإسلامية في بناء قرى إسلامية مستقلة لأبنائها يتم فيها تطبيق مبادئ الدولة الإسلامية بالشكل الانعزالي الذي تتصوره الحركة، ويخلق فُرقة وتنافر بين أطراف المجتمع؛ بل انعزالا عدائيا ضد بقية عناصر الأمة، قامت حكومة محاضير بالحصول على فتوى شرعية حظرت من خلالها أنشطة الحركة"[13].





--------------------------------------------------------------------------------


1 - جريدة الأهرام 23/1/2004


[2] - محمد السيد سليم وآخرون –الفكر السياسي لمحاضير محمد – برنامج الدراسات الآسيوية- جامعة القاهرة- الطبعة الأولى 2006 ص 187، 179.


[3] - محمد السيد سليم وآخرون –الفكر السياسي لمحاضير محمد – برنامج الدراسات الآسيوية- جامعة القاهرة- الطبعة الأولى 2006 ص181.


[4]) جابر عوض- محاضير محمد وقضية التعددية العرقية في المجتمع الماليزي-بحث ضمن كتاب الفكر السياسي لمحاضير محمد-القاهرة- ص 175


[5] ) محمد السيد سليم- محاضير محمد آخر عظماء آسيا والمسلمين في القرن العشرين –مجلة الهلال- القاهرة ديسمبر 2003ص 102.


[6] - محمد السيد سليم وآخرون –الفكر السياسي لمحاضير محمد – برنامج الدراسات الآسيوية- جامعة القاهرة- الطبعة الأولى 2006 ص5،181.


[7] - نيلي كمال الأمير – دور البرلمان في السياسات الاجتماعية :دراسة حالة ماليزيا- بحث مقدم إلى مؤتمر البرلمان والسياسات الاجتماعية بنقابة الصحفيين المصرية –أكتوبر 2004.


[8] - محمد السيد سليم- محاضير محمد آخر عظماء آسيا والمسلمين في القرن العشرين –مجلة الهلال- القاهرة ديسمبر 2003ص 102.


[9] - محمد فايز فرحات- ماهي المهاتيرية؟ ملف الاهرام الاستراتيجي- يناير 2001.


[10] - هدى ميتكيس – رؤية محاضير محمد للتنمية- بحث ضمن كتاب "الفكر السياسي لمحاضير محمد- مرجع سابق :ص71


[11] - ماجدة صالح: محاضير محمد والقيم الأسيوية- بحث ضمن كتاب الفكر السياسي لمحاضير محمد- مرجع سابق- ص 149.


[12] - سليمان العسكري- ماليزيا-مهاتير ..إجابة عن سؤال محوري- مجلة العربي الكويتية- عدد 552 نوفمبر 2004.


[13] - سليمان العسكري- ماليزيا-مهاتير ..إجابة عن سؤال محوري- مجلة العربي الكويتية- عدد 552 نوفمبر 2004.

الأحد، 11 ديسمبر 2011

طموحات قطر: ضيق المكان

أسعد أبو خليل

ماذا يحدث أمام ناظرينا؟ الشيخ محمد بن راشد ينظّر في أمور الثورات العربيّة، وأبواق أمراء آل سعود تعظ الشعب المصري في أصول الحكم الديموقراطي. والشيخ حمد بن جاسم يعدّ نفسه الراعي الرسمي للانتفاضات العربيّة، مع أنّ قطر دعت تسيفي ليفني ذات مرّة للوعظ في مؤتمر عن الديموقراطيّة. ليس من يسأل في عصر طغيان المال السعودي والقطري في الإعلام العربي: كيف تأهّلت قطر لقيادة مسيرة الديموقراطيّة (المزعومة) في العالم العربي؟ هل بالوسيلة نفسها التي أهّلت قطر لاستضافة الـ«فيفا»؟ وماذا حصل كي تنتقل الحكومة الأميركيّة من تجريم «الجزيرة» وتحريمها، إلى دعوة المحطات الأميركيّة لاقتفاء آثارها في التغطية؟ سنة واحدة قلبت الموازين وعكست المعايير. كيف لا تُصاب بالدوار وأنت تتابع الأحداث؟

كان مشهد المُراسِلة القديرة والشجاعة منى عشماوي وهي تسأل ـــــ لا بل تسائل ـــــ وزير الخارجيّة القطري، حمد بن جاسم، مشهداً للتاريخ. لم يعتد مندوبو دول الطغيان العربيّة أن يُسائلهم صحافي عربي. هؤلاء تعوّدوا أن يسمحوا فقط للمراسلين الأجانب بمساءلتهم: للرجل الأبيض في بلاطات حكّام العرب (ملكيّين وجمهوريّين على السواء) حظوة ما بعدها حظوة. أما الصحافيّون العرب، فهم عادة جزء من الحاشية التي يصطحبها الزعيم أو وزير الخارجيّة معه للزينة ولجلب المشروبات في بعض الأحيان. منى عشماوي (التي لم تهب حكم مبارك في عزّه) كثّفت في ثلاثة أسئلة كلّ التناقضات التي تستعر في السياسة الخارجيّة القطريّة وفي ما يصدر عن الجامعة العربيّة من فتاوى مُرتبكة وغير نهائيّة (وذات نفس مُستورَد ومُترجَم عن الإنكليزيّة). ما استطاع حمد بن جاسم أن يجيب إلا من خلال التعريض بالمحطة، ناسياً أنّها موالية لسياسة قطر. لمّح حمد بن جاسم إلى السياسات والصراعات اللبنانيّة، وكأنّ سؤال منى عشماوي لا يخطر ببال العرب.

ماذا يستطيع أن يقول في مسألة التجاهل التاريخي للجامعة العربية إزاء جرائم إسرائيل، وخصوصاً أنّه مرّة دعا العرب إلى التوسّل لأميركا لعلّها تعطف على الحق العربي؟ ماذا تستطيع أن تقول، يا حمد بن جاسم، وأنت الذي أدى دور عرّاب التطبيع في قطر؟ ولماذا لم تكترث قطر لمعاناة الشعب السوري عندما أقامت حلفاً وثيقاً مع النظام السوري؟ ألم يكن القمع جارياً قبل الانتفاضة؟
لا شك في أنّ لقطر طموحات تفوق حجمها وتاريخها وموقعها. ولا شكّ في أنّ قطر تؤدي دوراً محوريّاً في السياسة العربيّة حاليّاً، وأنّها باتت المندوب الرسمي لمجلس التعاون الخليجي الذي راح بلا وجل، يختزل جامعة الطغاة العرب. ولا شك في أنّ محطة «الجزيرة» هي العماد الأساسي للسياسة الخارجيّة للحكم القطري. لكنّ هناك تحوّلاً حصل في السياسة القطريّة منذ اندلاع الانتفاضات العربيّة، أو قبلها بقليل. باتت السياسة القطريّة ملتصقة بسياسة تلك السلالة (السعوديّة) التي ناصبتها العداء (المتبادل) لسنوات. التساؤلات عن الدور القطري تشغل الكثيرين من متتبّعي السياسة الخارجيّة لدولة قطر ودورها في قيادة الثورة العربيّة المضادة.
تستطيع أن تعترف بأنّ قطر نجحت في تخطّي حدود ضيق المكان لترسم لنفسها دوراً إقليميّاً يمتدّ في كلّ العالم العربي. وتستطيع أن تعترف بأنّ الحكم القطري بات المُنفّذ الأساسي للسياسة الأميركيّة في المنطقة العربيّة، وخصوصاً أنّ الإعياء أصاب عدداً من وكلاء أميركا الإقليميّين. وعدوّ قطر الشرس، حسني مبارك (الذي رفض حتى آخر أيّامه أي حديث في المصالحة مع قطر)، مُستلقٍ على حمّالة ينتظر وفاته؛ لأنّ محاكمته ممنوعة بأمر سعودي. مثّلت محطة «الجزيرة» القوّة الضاربة للحكم القطري، ونافست محطة «العربيّة» السيّئة الذكر في إهمال المعايير المهنيّة وفي تسييس التغطية، على حساب جرائم إسرائيل المُستمرّة، من دون التقليل من أهميّة تغطية جرائم النظام السوري، وجرائم كلّ الأنظمة العربيّة بلا استثناء. لكن الأساس المُقرِّر في السياسة القطريّة هو العداء المُستحكم بين الأمير الحاكم والحكم السعودي. وسم العداء بين الحكومتيْن العلاقة الخارجيّة لقطر منذ وصول الأمير إلى السلطة في 1995. والأمير يحلّل ويعزو معظم قراراته في السياسة الخارجيّة إلى ما يراه من مؤامرات (حقيقيّة) من السعوديّة على حكمه (حتى من خلال النفاذ إلى داخل العائلة الحاكمة في قطر). لم يوافق آل سعود على تغيير الحكم في قطر لأنّه يتناقض مع المسلّمات السياسيّة التقليديّة (القبليّة ـــــ الجاهليّة) للسعوديّة، التي لا تقبل أي مساس بحكم السلالات وباحترام الأبناء للآباء وطاعة النساء للرجال و... بقطع الرؤوس. قرر الحاكم القطري الجديد أن يختطّ لدولته الصغيرة سياسة خارجيّة مميّزة ومتميّزة. البند الأوّل في سياسته كان في ربط قطر عضويّاً بالولايات المتحدة عبر تقديم خدمات عسكريّة كبيرة تدمج قطر بالاستراتيجيا الأميركيّة على المدى الطويل. سألتُ الأمير في أوّل لقاء لي معه في 2004 (دعاني مرتيْن للقائه، الأولى في 2004 والثانية في 2010، وفي المرتيْن كنت في الدوحة بدعوة من محطة «الجزيرة» للظهور على برامجها الحواريّة) عن سبب بناء قاعدة جويّة عملاقة للولايات المتحدة في قطر. أجابني بأنّها لم تكن للولايات المتحدة، بل هي لخدمة قطر. عاجلتُه بالقول إنّ قطر لم تكن تملك سلاحاً جويّاً عندما بنت القاعدة، وإن سارعتْ بعدها لشراء طائرات مُقاتلة. لكن الأمير عاد واستفاض في الحديث عن مخاوفه من الدور السعودي ومن مؤامرات سعوديّة على حكمه. قال لي إنّه مع احترامه لاختلافي مع خياراته السياسيّة، عليه تقرير مصلحة بلده. وتقديم الخدمات للحكومة الأميركيّة ليس بجديد على دول المحميّات الخليجيّة، وحتى على باقي ـــــ كلّ ـــــ الدول العربيّة، بما فيها تلك التي تتسربل برداء الممانعة؛ إذ إنّ الحكم السوري قدّم معونات استخباريّة و«تعذيبيّة» للولايات المتحدة، عبر العقود.
لكن قطر لم تكتفِ ببناء سياستها الخارجيّة بتقديم قواعد عسكريّة للولايات المتحدة. كانت أذكى من سائر الدول المُحيطة التي تنعمّت، ولم تمانع، في انتهاج صفة الخادم المُطيع لأميركا. قد يعود ذلك إلى توجّهات قوميّة عربيّة يُقال إنّها أثّرت على نشأة حمد بن خليفة، وقد يعود ذلك لذكاء في الترويج لقطر في الرأي العام العربي، وقد يعود إلى حرص شديد على تمييز سياسات قطر عن سياسات عدوّها السعودي اللدود. انطلقت «الجزيرة»، وكانت تتمتّع بحريّة شبه مطلقة في التغطية مع محاذير وممنوعات واضحة: عدم التطرّق للشأن الداخلي القطري، والابتعاد عن مواضيع الاقتصاد السياسي للطاقة في دول الخليج. كانت المحطة تستضيف معارضين ومعارضات من كلّ الدول العربيّة ـــــ إلّا من قطر طبعاً. وبرنامج «الاتجاه المعاكس» كان في السنوات الأولى نقطة جذب؛ لأنّه لم يترك دولة عربيّة إلا تطرّق إليها بجرأة لم تعهدها الصحافة العربيّة من قبل (خصوصاً بعد تدجينها في الحقبة الشخبوطيّة من التاريخ العربي المعاصر). لكن «الجزيرة» كانت لها أهداف سياسيّة واضحة لا لبس فيها (تكذب الوسيلة الإعلاميّة ـــــ العربيّة أو الغربيّة ـــــ التي تدّعي الحياديّة أو الموضوعيّة. هذه الكلمات تحاول أن تخفي الأغراض والنيات السياسيّة للوسيلة، ليس إلّا): كانت تركّز على السعوديّة وعلى نظام الحكم فيها. كان أوّل ظهور لي على المحطة من كاليفورنيا للحديث عن السعوديّة. وينسى البعض أنّ التحريض المباشر (ولا عيب في التحريض إذا كان من منطلق زعزعة الأنظمة القمعيّة كلّها على أن تكون الزعزعة غير مُنتقاة من أميركا وفقاً لمصالح إسرائيل) تبّنته المحطة قبل نحو عقد من انطلاق الانتفاضات العربيّة. كانت تستضيف المعارض السعودي، سعد الفقيه ـــــ وهو يزعج جدّاً الأمير نايف الذي شكّل لوبياً داخل العائلة المالكة لتحسين العلاقات مع قطر ـــــ وكان الفقيه يدعو إلى اعتصامات وتظاهرات واحتجاجات ـــــ وكانت دعواته تلقى بعض التجاوب. كذلك كانت المحطة تزيد من «تغطيتها» لهذه الدولة أو تلك، إذا ما عادت قطر، لسبب من الأسباب. كانت تغطية النظام الأردني، مثلاً، تصعد وتنخفض بناءً على مسار العلاقات. وكانت الدول العربيّة صريحة في مراميها من مفاوضاتها مع قطر، من حيث الطلب إلى حمد بن خليفة أو حمد بن جاسم للتقليل من هجمة «الجزيرة» (أخبرني أمير قطر أنّ الملك السعودي طلب منه منعي من الظهور في المحطة، مثلاً). وكان الصلح بين دولة ما وقطر يؤثّر على التغطية. لاحظتُ مثلاً، أنّ الصلح بين السعوديّة وقطر في الأعوام الماضية قلّل كثيراً من هامش التعبير في المحطة، وأكثر مَن عانى ذلك هو فيصل القاسم.
أضافت قطر جانباً آخر في علاقتها مع أميركا. تقرّبت من إسرائيل وأقامت علاقات سريّة وعلنيّة معها. سألتُ أمير قطر في لقائي الأوّل معه عن سبب هذه العلاقة مع إسرائيل وعمّا إذا كان الكونغرس يضغط عليه للتقرّب من تل أبيب. اعترفَ بأنّ هناك ضغطاً وأنّه لن يرضخ له بالضرورة، وقلّل من شأن هذه العلاقة. وعندما دخل حمد بن جاسم أثناء الحديث في 2004، قال له الأمير: الدكتور أسعد غير راضٍ عن سياستك التطبيعيّة مع إسرائيل، ولم يقل الأوّل كلمة واحدة جواباً. العلاقة القطريّة مع إسرائيل تُفهم من منطلق الصراط السائد بين الدول العربيّة (وشارك فيه ياسر عرفات مُبكّراً): أن المفتاح لقلب واشنطن لا يمكن إلا أن يمرّ بتل أبيب. والعلاقة مع إسرائيل تُفهم أيضاً، شأنها شأن الكثير من سياسات قطر الخارجيّة، من باب العداء السعودي ـــــ القطري. كانت قطر ترسل إشارات إلى واشنطن بأنّها مُستعدّة لأن تذهب أبعد من آل سعود في خدمة المصالح الأميركيّة في المنطقة، وأنّها أكثر جرأة في تحدّي الرأي العام العربي. لكن السياسة القطريّة مُعقّدة: لم تُهمل الرأي العام العربي (الذي لا يكترث آل سعود له إلا من باب التحريض الطائفي والمذهبي)، بل زاوجت بين سياستها التطبيعيّة ومساندتها لحركة حماس. كذلك استعانت قطر بيوسف القرضاوي لإنشاء إسلام إخواني موال لقطر، ومنافس لإسلام السلفيّة الوهّابيّة السعوديّة. ومحطة «الجزيرة» عكست هذا التناقض الذي تضمّنته؛ فهي من ناحية عبّرت عن نبض الشارع العربي والإسلامي، إلاّ أنّها فرضت على المشاهد (والمُشاهدة) في العالم العربي صورة الناطق الدعائي الإسرائيلي وصوته. صحيح أنّ ذاك الناطق لم يحظ بالترحاب على المحطة (خلافاً لمحطة «العربيّة»)، إلا أنّ فرض وجهة النظر الإسرائيليّة الدعائيّة من خلال مسؤولين إسرائيليّين ناقض مبدأ رفض التطبيع مع إسرائيل. خرقت «الجزيرة» الحاجز السياسي (سماه أنور السادات «الحاجز النفسي»، وكأنّ صراعنا مع إسرائيل هو نتاج حالة مرضيّة عند العرب)، وعمّمت نموذج التخاطب المُباشر مع الإسرائيلي. وهذا التطبيع الإعلامي أقام علاقة مباشرة بين الإعلامي العربي والحكومة الإسرائيليّة. لم تتورّع تسيفي ليفني، مثلاً، عن محاولة استدعاء مدير «الجزيرة»، وضّاح خنفر، أثناء زيارة لها في قطر للتعبير عن عدم رضائها عن تغطية «الجزيرة» لإسرائيل. (أخبرني خنفر في 2010 أنّه رفض الاستدعاء، لكنّه قبل أن يجتمع معها بحضور مسؤولين في «الجزيرة»، إلا أنّ الاجتماع كان غير ودّي، كما قال لي؛ لأنّ ليفني كانت فظّة في نقد «الجزيرة»، وأضافت أنّ محمود عبّاس يوافقها في نقدها). وكلّما كانت «الجزيرة» تعبّر عن نبض الرأي العام العربي، وخصوصاً في موضوع فلسطين الغالية، كانت أسهم قطر ترتفع. واستطاعت قطر أن تسرّب تحالفها الوثيق مع أميركا وتطبيعها مع العدوّ. السياسة كانت معقّدة وحقّقت مكاسب للحكومة القطريّة.
لكن الحرب الأميركيّة على العراق أثّرت في سياسة قطر وسلوكها السياسي. ضغطت إدارة بوش بقوّة على حكومة قطر، كذلك إنّ مدير الاستخبارات الأميركيّة في عهد بوش، جورج تينيت، نقل مرّة شبه تهديد إلى أمير قطر ولمّح إلى إمكان ضرب المحطة. انتهى اللقاء بمشادة، كما روى لي الأمير. كذلك إنّ نائب الرئيس الأميركي أنهى لقاءً رسميّاً مع الأمير، بعدما رفض الأخير بحث موضوع تغطية «الجزيرة»؛ لأنّ الموضوع لم يكن مُدرجاً على جدول الأعمال (كما روى لي الأمير، أيضاً). وكانت تلك الحقبة صعبة بالنسبة إلى الحكومة القطريّة، وقد تعاملت فيها «الجزيرة» مع أميركا بحذر شديد، وكان وضّاح خنفر يتباحث بتفصيل مع السفير الأميركي وغيره في أسلوب تغطية المحطة لمواضيع تهم أميركا، وتهم إسرائيل (أخبرني خنفر أنّ التقرير الدوري الأميركي عن تغطية «الجزيرة» كان يتضمّن نقداً لتغطية القناة مواضيع تهم إسرائيل، لا أميركا فقط). وبلغ الضغط على قطر بسبب «الجزيرة» حدّ الضغط على الأمير نفسه لخصخصة المحطّة. سألتُ الأمير عن إشاعة حصول مفاوضات لبيع المحطة من الإسرائيلي حاييم صابان (يتوافد عدد من ساسة لبنان «للمحاضرة» أمام مركزه في واشنطن)، فلم ينفِها. قال إنّه دخل في مفاوضات مع صابان، لكنّه لم يكن جديّاً فيها، ولم يكن في وارد بيع المحطة، لكنّه أراد تخفيف الضغط عن حكومته.
لكن الأمير ارتأى أنّ مصالحه تقتضي المصالحة مع السعوديّة، وكان هذا بداية لتغيير وجهة المحطة ووجهة السياسة الخارجيّة لقطر. وفي لقائي في 2010 مع الأمير (بحضور وضّاح خنفر)، عاجلتُه بالقول إنّني بتّ مطلوباً اليوم في «الجزيرة» للتعليق فقط على أحداث بعيدة كلّ البعد عن العالم العربي، وقلت له: أنا مُستعدّ لأن أساهم بحماسة في إثارة الخلاف والعداء من جديد بين السعوديّة وقطر. ضحك الأمير ونفى أن أكون ممنوعاً من الحديث عن الموضوع السعودي، وفهمتُ من جوابه أنّ الصلح بين السلالتيْن لم يكن عميقاً. تغيّرت «الجزيرة» مذّاك. التطبيع مع إسرائيل لم ينته. سألتُه عن الموضوع بالتفصيل في اللقاء الأخير، فقال إنّه لا تطبيع مع إسرائيل ولا عودة إلى العلاقة مع الكيان الغاصب. سألتُه إن كانت إصلاحاته التي كان يحدّثني عنها تسمح بتأليف لجنة أو حركة لمقاومة التطبيع مع إسرائيل في داخل قطر، فأجاب: لا، لأنّه ليس هناك تطبيع (يبدو أنّ الأمير لا يعلم أنّ هناك لجنة قطريّة سريّة لمقاومة التطبيع).
لكن اندلاع الانتفاضات العربيّة هو الذي قرّب بين قطر والسعوديّة إلى درجة غير مسبوقة. بعد انتفاضة البحرين (التي لم تقلق خاطر حمد بن جاسم؛ لأنّ عدد القتلى لم يكن كبيراً كما قال ردّاً على سؤال منى عشماوي)، رصّت دول مجلس التعاون صفوفها، وبدا كأنّ قطر سلّمت تماماً بالشروط السعوديّة لتشكيل المنطقة. سألتُ في 2010 أمير قطر عن سبب عدم السماح للأحزاب بالتشكّل في قطر، وعدم إتاحة المجال أمام التعبير عن معارضة الحكم، فقال لي إنّه لا يستطيع أن يسمح بذلك. سألته مُلحّاً، لماذا؟ قال: إنّ التطوّر السياسي في دولة ما في الخليج لا يمكن أن يتفوّق على التطوّر السياسي في دولة أخرى فيها. مجلس التعاون الخليجي أقرّ على عجل بعد اندلاع انتفاضة البحرين مبدأ تكافل بناء الطغيان الخليجي، وضرورة التعاون في فرض الطغيان في المنطقة برمّتها، على أن تتدخّل دول المجلس للتأثير على نتائج الانتخابات إذا كان فرض النظام بات مُستحيلاً. أقرّ المجلس مبدأ حق السعوديّة وباقي الدول في حماية طغاة الخليج. عندها فقط، ترسّخ الاتفاق السعودي ـــــ القطري. عندها فقط، زالت الفوارق بين «العربيّة» و«الجزيرة». بات المشاهد العربي في أزمة: يحار في أمره (وأمرها) كيف أنّ المحطة التي اختلفت نوعيّاً عن «العربيّة» باتت تبزّها في الدعائيّة وفي احتقار المعايير المهنيّة.
وقطر تنطّحت لأداء دور (مرسوم بالنيابة عن أميركا وحلفائها) متصدّر: هي التي قادت حملة دفع الجامعة العربيّة لإقرار مبدأ جعل حلف الناتو عضواً مرموقاً في الجامعة، وقوّتها الضاربة. والدور القطري في ليبيا كان مزدوجاً: لستر تدخّل الناتو قصفه وجعله عربيّاً وعروبيّاً، ولدعم القوى الأصوليّة المتطرّفة بين الثوّار في ليبيا كي لا تخرج ليبيا الجديدة عن السيطرة. السعوديّة لم تمانع في إتاحة المجال أمام الدور القطري، وخصوصاً أنّ بينها وبين القذّافي ثأراً طويلاً. لكن الصراع على السلطة في السعوديّة (ولنا عودة إليه قريباً) ترك فراغاً كبيراً في ساحة القرار العربيّة (في الجامعة وخارجها)، وقد زاد حجم هذا الفراغ بعد رحيل حسني مبارك. قطر تبوّأت مركز الصدارة، وتحوّل الأمين العام للجامعة العربيّة (وهو متخرج من المدرسة الساداتيّة للدبلوماسيّة) إلى مجرّد أداة في يد حمد بن جاسم.
لكن هذا التساهل السعودي مع الدور القطري القيادي لن يعمّر: إنّه مُتاح ما لم تتبلور معالم نتائج الصراع على السلطة بين مختلف أجنحة آل سعود. الحكم السعودي اليوم ضالع في مؤامرات إسرائيليّة عدة في المنطقة، لكن هناك غياب لسياسة موحّدة: إنّ صحف أمراء آل سعود تنطق بالخلافات بين الأمراء. كل أمير يغرّد على ليلاه، وكلّ أمير يتنافس مع أخيه لبناء علاقة مع إسرائيل. جريدة الأمير سلمان وأولاده، «الشرق الأوسط»، مثلاً، ترى أنّ العقيدة الليكوديّة هي أقصر طريق لتتويج الأمير سلمان. (هذا لا يعني أنّ نظريّات جماعة 8 آذار حول براءة الملك السعودي من السياسات والمؤامرات السعوديّة هي صحيحة ـــــ على العكس، إنّها تعكس الغباء السائد في تحليلات قنوات النظام السوري في العلاقات الدوليّة).
تنتشي الحكومة القطريّة بهذا الدور المُتعاظم. تأخذ راحتها فيما يتصارع أمراء آل سعود في السرّ، والخناجر مرفوعة تحت الأثواب الفخمة. لكن قطر لم تنعم بـ«عبقريّة المكان» وعدد السكّان بالكاد يتساوى مع سكّان حيّ من أحياء القاهرة. لكن حمد بن جاسم سيتواضع عمّا قريب بالتأكيد. أميركا تستنفد أغراضها وتغيّر وكلاءها كما يغّير المرء جواربه بعد يوم طويل. وأمراء آل سعود سيستيقظون من سباتهم عمّا قريب: وقد تصبح المنافسة بين الإخوان والسلفيّين في مصر (أو غيرها من الدول) تعبيراً عن الخلاف السعودي ـــــ القطري الذي لم يمت. ولا يستطيع حمد بن جاسم الحكم في أمور الديموقراطيّة: الرضيع من آل ثاني لديه من الحقوق والحظوة أكثر من كل القطريّين (والقطريّات) مجتمعين (ومجتمعات).
أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا (موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)

الاثنين، 5 ديسمبر 2011

الجامعة بين براثن التطرف _ سالم لبيض



هل أصبحت الجامعة بين براثن التطرف؟
ما حدث منذ أسابيع في بعض الأجزاء الجامعية وما تعيشه كلية منوبة يوحي بذلك خاصة أن الاعتصام متواصل  ومدعم من بعض الأطراف التي بلغ بها الأمر  الى حد منع طلبة -لا ناقة ولا جمل لهم في ما يحدث-  من الدراسة..

 لكن حتى لا يكون المشهد سوداويا أكثر من اللازم بات من الضروري  التعرف على موقف  الاتحاد العام لطلبة تونس باعتباره المعني الابرز بما يحدث وأيضا رأي علم الاجتماع خاصة أن احتجاج  بعض الطلبة السلفيين والذين كانوا في عونهم  رغم أنه لا علاقة  له بالحرم الجامعي خلّف عديد ردود الافعال التي طالت العميد الكزدغلي والاساتذة.. وصراع بين النقابة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي ونقابة الفرع الجامعي بصفاقس.
من جهته بيّن منير خير الدين عضو المكتب التنفيذي للاتحاد العام لطلبة تونس أن الاتحاد ساند إضراب الاساتذة  الجامعيين كما ندد بالاعتداء على المدرسين والطلبة وبالنقاب ايضا حيث يقول «عدة ظواهر غريبة أصبحت تتهدد الحرم الجامعي والخوف كل الخوف من عودة مظاهر التطرف والعنف وارباك  اطار التدريس فالسلفية  اقلية لكن المشكل هو عودة الحواجز البشرية التي تفرض على جميع الطلبة  عدم الالتحاق بمقاعد الدراسة..
كما يقول  منير خير الدين أيضا: "لان المنقبات هن أقلية  الاقلية فقد استعان السلفيون بأطراف خارج الجامعة منهم تجار وباعة خضر تكفلوا بنقل الأغطية والحشايا وأدوات الطبخ  في سيارات «ايسوزو»  للمعتصمين.. أليس من المفترض أن تحافظ  الجامعة على حرمتها أم نفتحها لهؤلاء؟"
ممارسات متطرفة  داخل الجامعة
هذا الكلام يؤكده  ويدعمه أمين عام الاتحاد عز الدين زعتور الذي يقول: "لابد أن يمر الاتحاد العام لطلبة تونس نحو عقد المؤتمر لتحمل مسؤولياته لان المخاطر التي تتهدد الجامعة  ومن خلالها المجتمع  عديدة.. ومسؤولية الاتحاد كبرى وجسيمة وتتطلب  الانفتاح  على الطلبة وطرح البدائل  الحقيقية من أجل تطوير منظومة التعليم بصفة عامة ويتصدى لكل محاولة اقصائية تستهدف  اي طالب فالممارسات التي استهدفت طالبات وأساتذة  وبعض العمداء  ومنع طلبة من الدرس أو الامتحان يؤكد أنها ممارسات متطرفة.. فالجامعة  مسؤولية وطنية وعلى المجتمع المدني أن يضطلع بدور متقدم تأطيري حتى يتسنى لنا جميعا  صيانة  الجامعة من هذه الاخطار"..
الاسلام وسلطة الكلمة
الامر  يختلف بالنسبة الى  الاستاذ الجامعي والمختص في علم الاجتماع  سالم لبيض  عندما قال: "أولا ظاهرة  السلفيين والمنقبات التي ظهرت في الجامعة التونسية  يمكن أن نختلف معها  وننعتها بشتى النعوت كأن نصفها  بأنها رجعية  او ماضوية أو في جل الأحوال  ليست من الاسلام  لان الاسلام لم يقر النقاب والاسلام يرفض التقوقع  ويطلب  الاندماج  في الناس والتعامل معهم بالكلمة الحسنة وبسلطة الكلمة وصل الى أطراف الدنيا في جنوب شرق آسيا  وافريقيا، وهي أماكن لم يصل لها بقوة  السلاح  ومع ذلك لابد أن نعرف أن هذه الظاهرة  مثلها مثل كافة الظواهر  المحدثة  بعد 14 جانفي  من افرازات الثورة ومن تداعياتها  ولا مجال لمعالجتها  بطريقة  الاقتلاع من الجذور مثلما كان يفعل بن علي  سابقا والسبيل الوحيد لمعالجتها  هو الحوار لأن الارض  خصبة بعد الثورة"..
سوء حظ السلفيين؟!!
كما يقول الاستاذ الجامعي سالم لبيض عند تشخصيه لما يحدث في كلية منوبة "من سوء حظ السلفيين الذين جاؤوا الى مطالبهم بمنوبة بمطالبهم كحرية المنقبات قد جاؤوا الى كلية العميد فيها لا يستطيع ادارة مثل هذه الازمات لان وراءه ماضيا ولوما ومواقف  سياسية لا تسعفه في القيام بدور المحايد وهو ما أشعل النار خاصة بعد أن تحركت النقابة لدعمه في سلسلة  من الاضرابات وصلت الى حد الاعتصام ولا أرى في هذه التحركات غيرة على  الجامعة بقدر ما أرى فيها اللون السياسي والخلفية الفكرية للسيد العميد  خاصة وأن الجامعة لم تتحرك  هذه السنة الا عندما تبرز ظاهرة  سلفية  في كلية  من كلياتها  أو معهد  من معاهدها ناهيك أن الجامعات في الدواخل  والتي  لا يوجد فيها تمثيل  نقابي  قوي أو ضعيف لم تلتحق بسلسلة  التحركات وبناء على ذلك أرى أنه من الضروري الاعتراف بحق جميع مكونات المجتمع السياسي من النشاط الفكري والسياسي بشرط عدم ممارسة العنف أو الاكراه  من أي طرف كان".
        
كاتب عام النقابة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي:
المعالج  نفذ أوامر قيادته السياسية وتخلى عن صفته النقابية!
 5 نقابات في صفاقس مشكوك  في تكوينها... والمعالج  اقترف خروقات تنظيمية
 ملف الإضراب أمام الهيئة الادارية.. واتحاد الشغل مطالب بموقف  واضح
" عدم مشاركة الاستاذ عارف معالج في الاضراب العام لأساتذة التعليم العالي الخميس المنقضي له عديد المعاني خاصة أنه رفض الادلاء بموقفه الحقيقي  من الرفض ومما يحدث في الجامعة التونسية فقد بان بالكاشف أنه يمتثل  لأوامر  قيادته السياسية لا لقوانين الاتحاد العام التونسي للشغل"
 هذا الكلام للاستاذ حسين بوجرّة كاتب عام الجامعة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي الذي انتقد بشدة عدم مشاركة كاتب عام النقابة الاساسية لكلية المهندسين بصفاقس الاستاذ عارف معالج وبعض الاساتذة في الاضراب العام لاساتذة التعليم العالي  الخميس المنقضي على خلفية أحداث كلية منوبة.
موقف النهضة من السلفيين
ولاحظ كاتب عام الجامعة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي أن الاستاذ  عارف معالج  نقابي لكنه  في الوقت ذاته  قيادي في مكتب حركة النهضة بصفاقس وقد تخلى عن صفته النقابية وحكم انتماءه السياسي وبالتالي  لم يشارك  في الاضراب.
وحول ما إذا كانت عدم مشاركة الاستاذ معالج في الاضراب صحبة مجموعة اخرى من الاساتذة  بصفاقس  يعكس  موقف حركة  النهضة من أحداث كلية منوبة  وتحديدا من السلفيين الذين يقفون وراءها رغم تعرض الاساتذة  للعنف المادي  واللفظي وكذلك عديد الطلبة قال الاستاذ حسين بوجرّة "عارف معالج  يرفض الاصداع بموقفه الحقيقي خاصة امام الرأي العام لكن الثابت انه لم يحترم قرار الاتحاد العام التونسي للشغل الذي ندد بالتعدي على حرمة الجامعة واطارها  وامتثل  لاوامر قيادته السياسية وهذا يعكس كل المواقف".
الاتحاد مطالب  بتوضيح موقفه
وحول ما اذا كان عدم احترام نقابي مسيس لقرارات الاتحاد خرقا قانونيا قال كاتب عام الجامعة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي "طلبت من الاتحاد طرح الاشكال في الهيئة الادارية الوطنية المبرمجة ليوم 8 ديسمبر الجاري وسأعرض ملف عارف معالج  على الهيئة لان ما حدث مقلق ويبعث على الخوف والريبة  كما أنه على الاتحاد ان يرد على هذه الظاهرة  التي بدأت تكتسح  الجامعة  وبعض النقابيين المسيسين أو المنتمين لحزب معين وسيحال ملف عارف معالج على  قسم النظام الداخلي لانه ليس من حقنا كنقابيين خرق  الحركات الاضرابية، فضلا عن معالج الذي يعتبر نفسه  كاتبا عاما للفرع الجامعي  بصفاقس قد أتى  مجموعة من الخروقات التنظيمية وساهم في ظهور 5 نقابات جديدة بمعاهد  ومؤسسات تعليم عال بصفاقس مشكوك فيها".
ويفسر الاستاذ حسين بوجرة  ما قاله مضيفا: "عارف معالج ساهم في بروز 5 نقابات دون أن يتم التنسيق  بين الاتحاد الجهوي بصفاقس والجامعة  العامة  للتعليم العالي.. من المفترض أن ننسق  بيننا  لتنظيم الانتخابات.. وقد فوجئت بامضاءات غير قانونية تصل لمكتبنا".
السؤال المطروح  هل تم تكوين  5 نقابات جديدة  دون اعلام  الاتحاد الجهوي للشغل  بصفاقس؟ هنا يقول حسين بوجرة :"أعتقد أن الاتحاد الجهوي للشغل  بصفاقس على علم بذلك  وموافق لكن الجامعة العامة لم يقع التنسيق معها  رغم أنها المعني الرئيسي بذلك"
ردود أفعال
وبينما  ترى بعض الاطراف في الساحة السياسية أن بعض نقابيي صفاقس حاولوا  تهميش  اجتماعات بعض الاحزاب  في صفاقس  وحدث ما حدث فإن الكاتب العام للاتحاد الجهوي بصفاقس كان حضر شخصيا وباسم الاتحاد احد اجتماعات حركة النهضة وهو ما أثار انتقادات عديدة  للمنظمة الشغيلة.. في المقابل يعتبر الكاتب العام للفرع  الجامعي لأساتذة التعليم العالي  بصفاقس عارف معالج  أن الاضراب العام الجامعي تقرر دون استشارة القواعد والقيادات النقابية ولم يحظ بمصادقة  المكتب التنفيذي.. كما استغرب اقحام انتمائه السياسي  في ما حدث  يوم الاضراب خاصة أن الفرع الجامعي  بصفاقس أقر في بلاغ داخلي عدم مشاركته في الاضراب الذي دعا اليه حسين بوجرّة الكاتب العام لنقابة التعليم العالي..
واذ يرى  حسين  بوجرّة أن الشعب المهنية التي قضى عليها الاتحاد بعد الثورة والتي كانت تعيق الاضراب في العهد البائد قد عادت في شكل جديد مبرزا أنه من جملة 5 نقابات اسسها الاستاذ عارف المعالج  أضربت نقابتان منها فقط أما البقية فقد شاركت في الاضراب وقد اجتمع الاساتذة  المنتمون اليها منددين بمعارضة فكرة الاضراب.. والقضية للمتابعة..

 عبد الوهاب الحاج علي

الخميس، 1 ديسمبر 2011

معاملة السفهاء في مأثور الحكمة والشعر

معاملة السفهاء في مأثور الحكمة والشعر:

السفيه هو الإنسان الناقص العقل، الذي يتجرأ على الآخرين بالسب والشتم ويتهجم بلا سبب ويطلق الكلام القبيح بسهولة فهو إنسان غير ناضج ولا مسؤول.. وهو يختلف عن (السخيف) فالأخير لا يعتدي بساقط القول، ولكنه يتحدث بكلام لا فائدة منه ولا لون له ولا طعم، فضد السخيف هو الرصين، وضد السفيه هو العاقل الحكيم، السفيه قليل العقل فاقد للحكمة، والسخيف فارغ من الداخل تافه الاهتمام والكلام والعمل، قال العلامة ابن حزم في تعريف السُّخف:
"السخيف لا يضر ولا ينفع ولكنه سمج، أما السفيه فهو يضر مخالطيه بطول لسانه وسوء كلامه وقبح جوابه، وغالباً ما يكون السفيه صغيراً في السن لم يتلق تربية حسنة ولم تنضجه الليالي والأيام ولم يعرف أقدار الرجال وأصول الاجتماع، ومع ذلك فقد توجد السفاهة في بعض كبار السن فتكون كارثة.."

ومن مأثور الشعر في معاملة السفهاء قول الشاعر:

إذا نطق السفيه فلا تجبه فخير من إجابته السكوت
يخاطبني السفيه بكل قبح فأكره أن أكون له مجيباً
يزيد سفاهة فأزيد حلمـاً كعودٍ زاده الإحراق طيباً

إذا نطق السفيهُ فلا تُجبْهُ ** فخيرٌ من إجابته السكوتُ (الإمام  الشافعي)

"سكتُّ عن السفيه فَظَنَّ أنِّي
عييتُ عن الجواب وما عييتُ
فإنْ كلَّمتُهُ فرَّجتُ عنهُ
وإن خليتُه كمداً يموتُ!"

وهذا صحيح فإن السفيه كالنار وقوده الرد عليه فيزداد سفاهة واندفاعاً، أما الصمت عنه ترفعاً فيقتله..

والمثل العربي يقول: "سفيهٌ لم يجدْ مسافهاً"
فالذي يتجاوب مع السفيه في فاحش القول يصبح مثله تقريباً ويعطيه الفرصة الذهبية لاستعراض قاموس سفاهته أما الذي يسكت عنه ترفعاً فإنه يخرسه ويلقمه حجراً..

ويقول أبو الأسود الدؤلي:
"وإذا جريتَ مع السفيه كما جرى
فكلاكما في جريه مذمومُ
وإذا عتبتَ على السفيه ولُمْتَهُ
في مثل ما يأتي فأنتَ ظلومُ "

وللإمام الشافعي:
"متاركةُ السفيه بلا جواب
أشدُّ على السفيه منَ الجواب!"

قال المؤمل المحاربي:
"وكم من لئيم وَدّ أنِّي شَتَمْتُهُ
وإن كان شتمي فيه صابٌ وعَلْقَمُ
وَلَلكَفُّ عن شَتْم اللئيم تكرُّماً
أَضَرُّ لهُ من شَتْمه حين يُشْتَمُ"

فالسفيه يهاجم ويسب بلا سبب:
"يسطو بلا سبب وتل
لك طبيعةُ الكلب العقور"!

يقول المتنبي:
"ومكائد السفهاء واقعةٌ بهم
وعداوةُ الشعراء بئسَ المُقْتَنى"

وله أيضاً وفيه دلالة على خطورة السفهاء:
"وجُرْم جَرَّهُ سفهاءُ قوم
فَحَلَّ بغير جارمه العقابُ"