السبت، 26 نوفمبر 2011

وعد بلفور ... قراءة في الصهيونية المسيحية

بقلم / د. سليم محمد الزعنون

       د. معمر فيصل الخولي

يصادف الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني 2011 الذكرى السنوية الرابعة والتسعين لـ 'وعد بلفور 1917'، وما تضمنه من وضع الأسس لقيام وطن قومي لليهود في فلسطين؛ وشكل مدخلاً إلى النكبة الفلسطينية في الخامس عشر من مايو 1948 وما نتج عنها من تداعيات كان لها انعكاساتها من حيث مفاعيلها على الشعب الفلسطيني بشكل خاص والمنطقة بشكل عام، غير أن وعد بلفور 1917 لا يشكل البداية لفكرة الوطن القومي لليهود في فلسطين؛ فقد يكون 'آرثر بلفور' مهندس الفكرة ومجسدها السياسي؛ ولكن هذا لايعني أن أفكاره ورؤاه كانت جديدة فقد سبقه الكثيرون الذين وضعوا وطوروا تلك الأفكار قبل ذلك بثلاثة قرون, في هذا السياق فإن فكرة انشائه تضرب بجذورها في القرن السادس عشر الميلادي؛ حيث تبلورت في إطار ما سمي بـ 'الصهيونية المسيحية' التي وضعت المقدمات الحقيقية لظهور الصهيونية بوصفها مجموعة من المعتقدات المنتشرة بين غير اليهود والتي تؤيد قيام دولة قومية يهودية في فلسطين.

أولاً / الصهيونية المسيحية

يطلق مسمى الصهيونية المسيحية على معتقد جماعة من المسيحيين المنحدرين غالباً من الكنائس البروتستانتية الأصولية والتي تؤمن بأن قيام دولة إسرائيل عام 1948 كان ضرورة حتمية بوصفها تتمم نبؤات الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد وتشكل المقدمة لمجيء المسيح  إلى الأرض كملكٍ منتصر، ويَعتقد الصهاينة المسيحيون أن من واجبهم الدفاع عن الشعب اليهودي بشكل عام وعن الدولة العبرية بشكل خاص، ويعارضون أي نقد أو معارضة لدولة إسرائيل.

ثانياً / السياق التاريخي للصهيونية المسيحية.

لا يمكن عزل مفهوم الصهيونية المسيحية عن التحولات الاجتماعية والاقتصادية والتطورات السياسية التي حصلت في أوروبا في القرنين السادس والسابع عشر, عصر التجارة والإكتشافات الجغرافية وعصر الاستعمار التجاري ' المركنتلي'؛ ووصلت إلى ذروتها في نهاية القرن التاسع عشر.

قام الفكر الكنسي الكاثوليكي في القرون الوسطى على الفصل بين العبرانيين القدامى و بين اليهود المعاصرين, وكانت فلسطين بنظر الكنيسة الكاثوليكية تعتبر أساس الوطن المقدس  للمسيحيين، نظراً لذلك لم تنظر لليهود على أنهم الشعب المختار الذي قدر له أن يعود إلى الأرض المقدسة, ووفقاً للعقيدة الكاثوليكية لا يوجد لليهود مستقبل جماعي؛ من منطلق أنهم ارتكبوا إثماً فطردهم الله إلى منفاهم في بابل وعندما أنكروا أن عيسى هو المسيح المنتظر نفاهم ثانية وبذلك انتهى وجود ما يسمى ' بالأمة اليهودية' إلى الأبد.

1-      المملكة المتحدة 'بريطانبا'

في القرنين الرابع والخامس عشر بدأت الاحتجاجات ضد الكنيسة الكاثوليكية التي كانت على قمة الهرم الإقطاعي والبابا الديكتاتور المطلق؛ وفي القرن السادس عشر تمكن الشعب الانجليزي من الانفصال عن الكنيسة الكاثوليكية، والانتقال إلى المذهب البروتستانتي، وبمرور الوقت تمكن ساسة انجلترا من نشر المذهب البروتستاني بالقوة في كل من اسكتلندا، والجزء الشمالي من إيرلندا، وبذلك أصبحت بريطانيا المكونة من 'إنكلترا واسكتلندا وشمال إيرلندا' أقوى دولة بروتستانتية في غرب أوربا.

لقد اعتمدت الكنيسة البروتستانتية على إحياء العهد القديم 'التوراه' بوصفه يمثل أساس المسيحية وجعلت الكتاب المقدس هو المرجعية بدلاً من تفسيرات الكنيسة الكاثوليكية؛ وأعادت الاعتبار للغة العبرية من منطلق أنها لغة الكتاب المقدسة؛ واستخدمتها كلغة للصلاة في الكنائس البيوريتانية 'طائفة من البروتستانتية '، وصارت ذكرى قيام المسيح يوم السبت بدلاً من يوم الأحد.

وقد جاءت البيوريتانية في القرن السابع عشر في بريطانيا لتعلن تمسكها بالعهد القديم وحده متجاهلة العهد الجديد؛ وتقديسهم للعهد القديم دفعهم إلى تحسين العلاقة مع اليهود بوصفهم أبناء الرب وشعب الله المختار، نظراً لذلك تبنوا فكرة إعادة أبناء الرب إلى وطنهم 'فلسطين' كمقدمة لعودة المسيح؛ ثم انتشرت هذه الفكرة 'عودة المسيح' في أنحاء أوروبا المسيحية وارتبطت بضرورة إعادة اليهود أولاً إلى أرضهم 'فلسطين'.

لقد أدى إيمان البروتستانتية المطلق بأفكار التوراه إلى وجود فكر يربط بين الديني والسياسي وبين مجيئ المسيح وإقامة دولة يهودية، ففي عام 1615 طالب البرلماني 'السير هنري فينش' حكومة بلاده بدعم اليهود ليرجعوا لأرض الموعد قائلاً ' ليس اليهود قلة مبعثرة، بل أنهم أمة، ستعود أمة اليهود إلى وطنها، وستعمر كل زوايا الأرض وسيعيش اليهود بسلام في وطنهم إلى الأبد'؛ وفي عام 1649م رفع اثنان من علماء الأديان الإنجليز خطاباً إلى حكومتهم جاء فيه : ' ليكن شعب إنجلترا أول من يحمل أبناء إسرائيل على سفنهم إلى الأرض التي وعد بها أجدادهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب لتكون إرثهم الأبدي'.

وقد تجسدت الصهيونية المسيحية في بعدها السياسي الأيديولوجي للمرة الأولى في بريطانيا عام 1655 عندما دعا 'أوليفر كرومويل' رئيس المحفل البوريتاني لعقد مؤتمر يسمح لليهود بالعودة للسكن والإقامة في المملكة 'فلسطين'؛ بعدما تم نفيهم منها بقرار من الملك إدوارد الأول عام 1290.

كما برز في القرن التاسع عشر العديد من الشخصيات تدعو للصهيونية المسيحية مثل 'جون نلسون داربي' و'القس لويس واي' بحيث اصبحت الجمعية التي يترأسها الأخير أهم منبر للتعبير عن أفكار الصهيونية المسيحية بما في ذلك الدعوة لعودة اليهود إلى فلسطين؛ اضافة إلى البرلماني البريطاني 'هنري دارموند' الذي ترك الحياة السياسية بعد زيارته الأراضي المقدسة ليكرس بقية حياته لتعليم المسيحية بنسختها الأصولية وليدعوا لعودة اليهود إلى فلسطين؛ وايضاً 'القس ويليام هشلر' الذي قام بتنظيم عمليات نقل المهاجرين اليهود الروس إلى فلسطين؛ ونشر كتاباً عام 1894 بعنوان 'عودة اليهود إلى فلسطين' اعتبر فيه أن العودة تجسد تحقيقاً لنبوءات وردت في العهد القديم، وأخيراً من أشهر السياسيين البريطانيين اللورد 'آرثر بلفور' مهندس وعد بلفور1917.

2-      الولايات المتحدة الأمريكية

مع بدايات القرن التاسع عشر ولذات الاعتبارات الدينية مثلت الكنيسة البروتستانتية في الولايات المتحدة الداعم الأكبر لمشروع الوطن القومي لليهود في فلسطين، بوصفها تشكل أكبر الطوائف المسيحية 65% مقارنة بالكاثوليك 30%، ولاقت أفكار المذهب البروتستانتي رواجاً في الولايات المتحدة بفضل جهود لاهوتيين بروتستانت مثل 'دوايت مودي'  و'سايروس سكوفيلد' و'ويليام بلاكستون'، حيث روج 'ويليام بلاكستون' في كتابه ' يسوع قادم' عام 1878 لفكرة عودة المسيح والحياة الألفية السعيدة، وذلك يستدعي قيام دولة اليهود الممهدة لذلك؛ وكتب 'سايروس سكوفيلد' حول الحرب الكونية على الأشرار، ولكنه جعلها حرباً نووية مدمرة 'هرمجدون' بين اليهود وأعدائهم من المسلمين والكفار.

أنشأ القس 'جيري فالويل' في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1979 'منظمة الأغلبية الأخلاقية'، التي تضم لجان سياسية لمسيحيين ذوي توجهات محافظة، وينص أحد المبادئ الأربعة التأسيسية للمنظمة على 'دعم إسرائيل والشعب اليهودي في كل مكان'، وقد عبرت تصريحات 'جيري فالويل' عن البعد الديني في العلاقة مع اسرائيل قائلا 'إن من يؤمن بالكتاب المقدس حقاً يرى المسيحية ودولة إسرائيل الحديثة مترابطتين على نحو لا ينفصم، إن إعادة إنشاء دولة إسرائيل عام 1948 لهي في نظر كل مسيحي يؤمن بالكتاب المقدس تحقيق لنبوءات العهدين القديم والجديد'.

أعطى قيام دولة إسرائيل عام 1948 زخماً قوياً لمتبني الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة، كما أن حرب حزيران عام 1967 كانت بالنسبة لهم أشبه بمعجزة إلهية تمكن فيها اليهود من دحر عدة جيوش عربية مجتمعة في آن واحد وأحكمت خلالها الدولة العبرية سيطرتها على بقية أراضي فلسطين التاريخية خصوصاً القدس الشرقية والمواقع الدينية التي تحتضنها؛ ويعتبر البروتستانت أنه باحتلال إسرائيل للقدس والضفة الغربية تحققت نبوءة الكتاب المقدس.

في عام 1989حل 'جيري فالويل' منظمة الأغلبية الأخلاقية لكن المسيحيين المحافظين حافظوا على دورهم كداعمين لإسرائيل رغم افتقارهم لوجود مؤسسة قوية رسمية لدعم الدولة العبرية بقوة؛ ولتأطير هذا الدعم أسس الصهاينة المسيحيين في الولايات المتحدة عدة مؤسسات هدفها المعلن التشجيع على مساندة إسرائيل، أبرزها 'مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل' وصفها القس 'جون هاجي' بالنسخة المسيحية من أيباك، ومؤسسات أخرى مثل 'مؤتمر القيادة المسيحية الوطني من أجل إسرائيل' و'ائتلاف الوحدة من أجل إسرائيل' و'السفارة المسيحية العالمية في أورشليم' وغيرها.

منذ ثمانينات القرن الماضي سيطر اليمين المسيحي المحافظ على الحزب الجمهوري منذ 'جيمي كارتر' و'رونالد ريغن' و'جورج بوش الأب' وصولاً إلى 'جورج بوش الإبن'،  بما تشكل التحالف الجمهوري الجديد بين ' الصهيونية المسيحية '

ثالثاً / الانتاج الفكري والأدبي في خدمة الصهيونية المسيحية

منذ القرن السادس عشر بدت سيطرة البعد الديني واضحة في انتاج الغرب الفكري والأدبي والفلسفي؛ والقى بكل قيم الصهيونية المسيحية في معادلة فلسطين اليهودية؛ فكتب 'ميلتون' قصيدته الشهيرة ' الفردوس السعيدة ' التي تُظهر إيمانه بالعصر الألفي السعيد عن طريق اعادة اليهود إلى فلسطين بتدخل قوة إلهية خارقة؛ ونشر 'هنري فنش' عام 1621 كتابه حول 'البعث العالمي الكبير- أو عودة اليهود ومعهم كل ممالك الأرض إلى دين المسيح'، وجدد 'الكسندر بوب' فكرة المملكة اليهودية في قصيدته ' المسيح'؛ ونشر 'توماس برايتمان' كتابه الذي يدعو إلى إعادة 'الشعب اليهودي' إلى أرض 'آبائه وأجداده' لتحقيق نبوءة الكتاب المقدس؛ وصور 'جاك بوسيه' عام1681 قي كتابه ' دراسة التاريخ العالمي' إسرائيل على إنها الأمة التي تعلو كل الأمم؛ فهي حجر الأساس في تاريخ العالم.

وفي ألمانيا تناول 'هانس ساش' في كتابيه عام 1552 موضوعات عن التاريخ اليهودي؛ وأكدت 'كريستان وايز' نفس الأفكار في كتابها عام 1683؛ وكتب الشاعر 'جوتهلد ابهريم لستنغ' روايته ناتان الحكيم عام 1779 التي تنتقل إلى موطن البطل اليهودي ناتان وتصور الرواية الحملة الصليبية الثالثة وتصور صلاح الدين الأيوبي كمحتل للقدس.

في ذات السياق نلاحظ مناصرة لقضية عودة اليهود إلى فلسطين على أسس دينية في كتابات الفلاسفة 'جوزيف بريستلي'؛ 'جون لوك', 'إسحق نيوتن', 'جوهان جوتغريد وهودر'، 'جان جاك روسو'؛ 'بليز باسكال'؛ 'ايمانويل كانت'؛ 'فخته'، فقد كان جوزيف بريستلي هو أول من تصور بأن فلسطين أرضا ًغير مأهولة بالسكان وتمنى لليهود ' أن يجمعهم و يعيد توظيفهم في وطنهم أرض كنعان و يجعلهم أكثر الأمم شهرة'؛ وقام إسحاق نيوتن بوضع جدول زمني للأحداث التي سوف تؤدي إلى عودة اليهود إلى فلسطين انطلاقاً من نبوءات العهد القديم؛ أما الفيلسوف 'جان جاك رسو' صاحب نظرية 'العقد الاجتماعي'  قال 'لن نعرف الدوافع الداخلية لليهود أبداً حتى تكون لهم دولتهم الحرة ومدارسهم وجماعاتهم'، وكتب 'بليز باسكال' ' إن بقاء اليهود 4000 سنة سبب كاف للإ قتناع بأن الله موجود'، ووصف الفيلسوف 'إيمانويل كانت' اليهود بأنهم «الفلسطينيون الذين يعيشون بيننا». وأوجد بعض الفلاسفة الأوروبيين ذرائع لاحتلال فلسطين، إذ يرى الفيلسوف الألماني 'فخته' بأن لا مكان لليهود في أوروبا، وحل مشكلاتهم لا يتم إلا 'باحتلال أرضهم المقدسة ثانية وإعادتهم جميعاً إليها'.

رغم تراجع هذا النوع من الكتابات بداية القرن الثامن عشر الا أنه شهد تصاعداً مع نهاية القرن وبدايات القرن التاسع عشر مع كتاب جيمس بشينو' عودة اليهود – أزمة جميع الأمم' عام 1800.

رابعاً / تزاوج الفكر الديني والمصلحة السياسية

في البداية كان يُنظر لعودة اليهود إلى فلسطين من منطلق ديني بحت من حيث تحقيق النبوءة؛ بما أوجد علاقة بين اليهود وتحقيق الوعد القائم على عودة المسيح المخلص وحلول العصر الألفي السعيد.

وفي القرن السابع عشر بدأت المصلحة السياسية تلقي بثقلها إلى جانب الدين، فتم ربط الأفكار الدينية مع السياسة الواقعية القائمة على الحصول على نفوذ في الشرق الأدنى وتقوية هذا النفوذ تحت شعار الدين، وأصبحت أفكار عودة اليهود تُستغل كستار للمصالح الإستعمارية البريطانية في فلسطين التي ارتبط موقعها بالمتطلبات الأساسية للإمبراطورية، تجسد ذلك فعلياً في مقررات مؤتمر 'وايت هول' الذي دعا اليه 'أوليفر كرومويل' عام 1655 لبحث شرعية عودة اليهود, وتمخض عنه نص القرار' بالسماح لليهود بدخول دولة بروتستانتينية ينبغي ألا يكون قانونياً فحسب بل وأمراً نفعياً '؛ بما يؤشر لبداية توظيف البعد الديني لخدمة البعد السياسي بالإستفادة من اليهود وتوظيفهم في خدمة المصالح البريطانية، وتلخص 'بربارة تخمان' المؤرخة الصهيونية دراستها عن الإرتباط الإنجليزي المبكر بالصهيونية فتقول ' الدين وحده لم يكن كافيا, إذ أن شعور البيورتانيين الغامض والتآخي الروحي مع أبناء إسرائيل وآرائهم المثالية في التسامح وأمالهم الصوفية بالتعجيل بالعصر الألفي السعيد ما كانت لتؤدي إلى نتائج عملية لو لم تتدخل المنفعة السياسية'، ومنذ عهد 'كرومويل' أصبح أي اهتمام بريطاني بفلسطين يعتمد على دافعين متلازمين : دافع الربح تجارياً أو استعمارياً وعسكرياً والدافع الديني.

وفي ذات السياق يمكن تفسير دعوة 'نابليون بونابرت' في آخر القرن الثامن عشر 1799 لعودة اليهود إلى فلسطين وإقامة دولتهم التي منحهم الله إياها؛ فقد أراد بذلك استثمار فكرة إعادة اليهود إلى وطنهم ليستفيد من أموالهم ومن جعل فلسطين دولة يهودية ترعى وتحمي مصالح فرنسا، وفي عام 1860 ظهر كتاب 'أرنست لاهاران' السكرتير الخاص لنابليون بَيَنَ فيه أهمية وجود دولة يهودية في فلسطين وما ستعكسه على المصالح الأوروبية؛ ودعا إلى مساعدة اليهود على إقامة دولة لهم في فلسطين، ورفع شأن اليهود إلى أعلى الدرجات.

لقد مثل القرن التاسع عشر ذروة المطالبة بعودة اليهود إلى وطنهم، حيث كانت المصالح المحرك الأساسي لعصر الإمبرياليات ولكنها بقيت مغلفة بالدين؛ أثراً لذلك سعي 'بالمرستون' وزير الخارجية البريطاني منذ ثلاثينات القرن الماضي من أجل تنفيذ الفكرة، وبذل 'تشارلز تشرشل' مجهوداً كبيراً في أربعينات القرن الماضي لحث شخصيات يهودية لتبني فكرة الوطن القومي في فلسطين، وأجرت شخصيات بريطانية العديد من الاتصالات مع الشخصيات اليهودية لإقناعها بمشروع الدولة اليهودية وطرد العرب منها أمثال 'كلورنس أوليفنت' 1829-1888، و'وليم هشلر' 1845-1931، وصاغ اللورد الانجليزي 'شافتسبيري' في مقاله عام 1839 عبارة 'شعبٌ بلا أرض؛ لأرضٍ بلا شعب'؛ تلك المواقف أسهمت في تجسيد فكرة الصهيونية اليهودية السياسية الرسمية في أواخر القرن التاسع عشر، من خلال المؤتمر الصهيوني اليهودي الأول الذي عقد في بال في سويسرا عام 1897م برئاسة 'تيودور هرتزل'، وفي إطاره تم خلق صلة ما بين أفكار الصهيونية المسيحية والمصالح الإستراتيجية لبريطانيا، وتتابعت مواقف الصهيونية المسيحية لتصل إلى 'آرثر جيمس بلفور' الذي خط اللمسات الأخيرة على المشروع بإستصدار وعد بلفور 1917 الذي يضع الأسس لعودة اليهود لفلسطين كتمهيد لعودة المسيح، وخدمة المصالح البريطانية في المنطقة.

في ذات الإطارت وظفت الولايات المتحدة البعد الديني لخدمة البعد السياسي، بدا ذلك واضحاً في تصريحات السياسين والمفكرين ورجال الدين، في هذا السياق تحدث ' جيري فالويل' بأن 'الله بارك أمريكا لأن أمريكا باركت اليهود. فإذا أرادت هذه الأمة أن ترى حقولها محافظةً على بهائها وإنجازاتها العلمية محافظة على ريادتها وحريتها محمية، فعلى أمريكا أن تبقى واقفة إلى جانب إسرائيل'، وكذلك القس المسيحي 'مايك إيفانز' بقوله 'إن إسرائيل تلعب دوراً حاسماً في المصير الروحي والسياسي لأمريكا‏'.

التقيم والخلاصة

يؤشر ما سبق إلى أن وعد بلفور 1917 لا يشكل البداية لفكرة الوطن القومي لليهود في فلسطين، وانما تضرب الفكرة بجذورها في القرن السادس عشر حيث تبلورت في إطار ما سمي بـ 'الصهيونية المسيحية' التي وضعت المقدمات الحقيقية لظهور الصهيونية بوصفها مجموعة من المعتقدات المنتشرة بين غير اليهود والتي تؤيد قيام دولة قومية يهودية في فلسطين من منطلقات دينية.

وفي القرن السابع عشر بدأت المصلحة السياسية تلقي بثقلها إلى جانب الدين، فتم ربط الأفكار الدينية مع السياسة، وأصبحت أفكار عودة اليهود تُستغل كستار للمصالح الإستعمارية البريطانية في فلسطين التي ارتبط موقعها بالمتطلبات الأساسية للإمبراطورية.

المحصلة أن ما حدث ولا زال يحدث مرتبط بالبعد العقدي للغرب الذي يؤمن بأن عودة المسيح لا يمكن أن تتحق إلا بعودة اليهود إلى فلسطين، لذلك ليس هناك أي احتمال يبدو في الأفق بموجبه يتراجع الغرب عن مساعدة اليهود إلا إذا حدث تغيُّر عقائدي جديد على غرار ما حدث في القرن السادس عشر.

الأحد، 20 نوفمبر 2011

معسكرات الشياطين وفراديس الملائكة

معسكرات الشياطين وفراديس الملائكة
نصر شمالي
2011-07-29
حسب التصنيفات والتوصيفات الأطلسية/الصهيونية للعالم تدخل الشعوب العربية/الإسلامية جميعها في نطاق محور الأشرار الدولي، وتدخل بلدانها جميعها في نطاق معسكرات الشياطين. والقاعدة الأطلسية (الفقهيّة) هنا هي أنّ الأشرار الشياطين لا يمكنهم أن يكونوا أخياراً ملائكة حتى لو ظهر بينهم (كاستثناء) من لديه مثل هذه الرغبة، ولذلك لا توبة ولا مغفرة، وما ينبغي فعله هو إرغامهم على الانصياع التام، وإلاّ فليس لهم سوى الموت الزؤام أمّا الشعوب الأطلسية (الأنكلوسكسونية/الفرنكوفونية/اليهودية) فتدخل جميعها في نطاق الأخيار، وتدخل بلدانها جميعها في نطاق فراديس الملائكة، ولا يغيّر في القاعدة وقوع جريمة قتل جمعي عشوائي رهيبة كالتي شاهدناها قبل أيام في النرويج، فمرتكبها (المدعو أندرس بيرينغ برييفك) ملاك أطلسي، شنّ هجوماً استباقياً ضدّ الشياطين المسلمين والماركسيين، ترتّبت عليه بعض الأضرار الهامشية.
' ' 'لقد رأينا كيف عومل برييفك من قبل أجهزة السلطة، بعد استسلامه، بمنتهى اللطف والاحترام. وقد اعترف صراحة بجريمته وبدوافعها وأهدافها كأنّما هو يلقي موعظة. وطوال الوقت لم يوجّه إليه عناصر الأمن كلمة جارحة، ولا نظرة قاسية، ولم يتلقّ صفعة، بالطبع. كان أنيقاً هادئاً، مستقرّاً براحته التامة عند النافذة في المقعد الخلفي من سيارة البوليس الفارهة، كأنّما هو في طريقه إلى حفل ساهر (في بلادنا يشتدّ التنكيل بجرحى المظاهرات العزّل). وسرعان ما انتهى التحقيق الأوّلي مع برييفك من قبل هيئة محكمة نظامية، وأعلن هو شخصياً ببساطة أنّه يقبل الحكم عليه بالسجن المؤبّد، كما هو متوقّع، علماً أنّ 'المؤبّد' في بلاد الملائكة، في سجونهم الملائكية، هو في حدود العشرين عاماً، أمّا في بلاد الشياطين( ونحن نستخدم المصطلحات الأطلسية) فقد سجن أكثر من عشرين عاماً بكثير أشخاص لم تثبت عليهم تهمة، ولم يمثلوا أمام محكمة، بينهم صبيان لم يبلغوا سنّ الرشد عند اعتقالهم.
' ' 'والآن ينبغي أن نسارع إلى القول أنّ برييفك المواطن الأطلسي هو ذاته برييفك الحاكم (وأحياناً المعارض) في البلاد العربية، يرتدي الزيّ العربي وينطق باللغة العربية، ويدمّر ويعذّب ويسجن ويقتل كما يشاء وأين يشاء ومتى يشاء، منطلقاً بدافع أخلاقي، فهو يفتك بالشياطين الأشرار ويدمّر معسكراتهم. ولتلمّس خلفيات هذا 'الفقه' نذكر أنّ أحد القادة الأوروبيين أفتى قبل عدّة قرون بأنّ الفعل الذي يعتبر جريمة في أوروبا هو فعل طبيعي مشروع وليس جريمة في آسيا وأفريقيا. وقبل حوالي نصف قرن صرّحت رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير أنّها لن تغفر للفلسطينيين إكراههم إياها على قتلهم. وكذلك فإنّ الحاكم العربي عموماً (وأحياناً المعارض العربي) كثيراً ما يحقد على المواطن 'الحقير' الذي يريد أن يبرهن أنّه ليس شيطاناً، والذي يرغمه على قتله قتلاً مباشراً معلناً، ولا يدعه يميته موتاً ذاتياً بطيئاً غير مرئي.
ويجب أن لا تفوتنا الإشارة إلى أنّ الإلحاح الأطلسي على امتداح وتقدير 'الواحة الديمقراطية الإسرائيلية' يأتي في معرض تكريس الحدود الأبدية بين الملائكة والشياطين، فهذه الواحة دولة حدود أطلسية وخطّ قتال أمامي أطلسي ضدّ معسكرات الشياطين العربية. لكنّ هذا التصنيف والتمييز يمكن أن يشمل اليهود أيضاً. فقد صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ليفي أشكول ذات مرة قائلاً: اليهود متساوون، ولكن هناك يهوداً متساوون أكثر. لقد كانت تلك إشارة إلى اليهود 'الوضيعين' من أصول عربية وآسيوية وأفريقية. وكان الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان قد قال مخاطباً يهود نيويورك: إنّ 'إسرائيل' هي الديمقراطية الوحيدة 'التي يمكننا الاعتماد عليها في بقعة من العالم قد تشهد مأساة هرمجدون. إنّ جميع القادة الأطلسيين كما أشرنا - يمتدحون ويقدّرون 'الواحة الديمقراطية الإسرائيلية'، لكنّ تصريح ريغان يتميّز ببعده التلمودي الذي يفصل سرمدياً بين الملائكة والشياطين في الدنيا وفي الآخرة. إنّ 'هرمجدون' التلمودية هي قرية 'مجدو' الفلسطينية الواقعة على طريق جنين حيفا، والتي تقول الأساطير الصهيونية أنها سوف تشهد حتماً معركة فاصلة تقع بين قوى الخير وقوى الشرّ، وسوف تعمّ أهوالها الأسطورية 'الشرق الأوسط' بمجمله.
إنّ الأطلسيين، من الرئيس الأميركي ريغان إلى المواطن النرويجي برييفك، يتهمون المسلمين بالتعصّب الديني، سواء في ما بينهم كمسلمين أو تجاه أمم الحلف الأطلسي الأنكلوسكسونية/الفرنكوفونية غير المسلمة. لكنّ الوقائع التاريخية القديمة والحديثة تقول غير ذلك، وتظهر أنّ أوروبا والولايات المتحدة هما من ينتج ويستهلك ويصدّر ويسوّق التعصّب والتمييز الديني والعرقي والطبقي. ففي اعتراف برييفك تضمين للثلاثة: الديني والعرقي والطبقي. لقد قال صراحة أنّ عمليته تستهدف الإسلام والمسلمين (في آسيا وأفريقيا) والماركسية والماركسيين (في أوروبا وأميركا). أمّا رونالد ريغان فقد تحدّث إلى اليهودي الصهيوني توماس دين مدير لجنة العلاقات العامة الأميركية الإسرائيلية (بتاريخ 18/10/1983) شاكراً إياه على مساعيه في إقناع الكونغرس بالسماح للرئيس بإبقاء قوات المارينز في لبنان مدّة ثمانية عشر شهراً أخرى. وقد أضاف قائلاً له: إنني أعود إلى أنبيائكم في العهد القديم، وإلى النذر التي وردت، والتي تسبق معركة هرمجدون، وأسائل نفسي عمّا إذا كان جيلنا سيرى هذه الواقعة. ولا أدري إذا أنت لاحظت مؤخّراً تحقّق هذه النبؤات. صدّقني إنّ النبؤات تصف بوضوح أيامنا التي نعيشها الآن. (صحيفة 'جيروزاليم بوست').
لقد احتلّت الولايات المتحدة مكانتها الدولية الفريدة، وحققت سويّة ثرائها ورفاهتها وبذخها المذهلة، بفضل العلوم المادية الحديثة. ويفترض أنّ الإيمان بهذه العلوم لا يتناقض دائماً وبالضرورة مع الإيمان الديني عموماً، عندما توضع منجزات العلوم المادية الحديثة في خدمة الإنسان والحياة عموماً. غير أنّ الاحتكارات اللئيمة مصمّمة على الاستئثار بهذه العلوم وبمنجزاتها الرائعة، ومصمّمة على حجبها عن الآخرين الذين تريد استعبادهم، فكان أن استعانت بالخرافات والأساطير الدينية في بلادها وفي بلاد الآخرين لإنهاك البشرية، وفي الوقت نفسه استبعدت وحاربت الإيمان الديني النزيه عموماً، الموسوي والمسيحي والإسلامي. وهكذا فإنّ معسكرات الشياطين لا تقتصر على المسلمين وحدهم، أمّا فراديس الملائكة فتقتصر فقط على أصحاب المذاهب المتصهينة، من أمثال ريغان ودين وبرييفك، الأمر الذي يعطيهم الحقّ في تدمير أوطان الآخرين وقتلهم عند الضرورة بأعصاب باردة وجنان ثابت.

' كاتب سوري

انها الحرب زاحفة وبسرعة _ عبد الباري عطوان

انها الحرب زاحفة وبسرعة
عبد الباري عطوان
2011-11-13


نحن نعيش هذه الايام الظروف نفسها التي عشناها قبل عشرين عاما عندما اجتمع القادة العرب في القاهرة تحت قبة الجامعة العربية وقرروا بالأغلبية اتخاذ قرار بدعوة القوات الاجنبية لشن حرب لاخراج القوات العراقية من الكويت. بل لا نبالغ اذا قلنا ان الملاسنات التي حدثت في اروقة الجامعة العربية اثناء انعقاد مؤتمر وزراء الخارجية العرب بعد صدور قرار بتعليق عضوية سورية، هي نفسها التي حدثت في آب (اغسطس) عام 1990، مع فارق اساسي وهو ان الاولى كانت بين الوفد العراقي (كان رئيسه طه ياسين رمضان، ووزير خارجية الكويت في حينها الشيخ صباح الاحمد)، وهذه المرة حدثت بين سفير سورية يوسف الاحمد، ورئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني.
النظام السوري كان في المرة الاولى يقف في خندق دول الخليج نفسها في مواجهة النظام العراقي، او ما يسمى بمعسكر دول 'الضد'، والاكثر من ذلك ارسل قوات الى الجزيرة العربية للمشاركة في 'تحرير' الكويت، او قوات عاصفة الصحراء، وها هو التاريخ يعيد نفسه ولكن بشكل آخر، حيث يجد النظام السوري نفسه في مواجهة حلفائه، وربما عاصفة صحراء اخرى. السؤال هو: هل ستواجه سورية مصير العراق، وهل سينتهي الرئيس بشار الاسد واركان نظامه النهاية نفسها التي انتهى اليها الرئيس الراحل صدام حسين واركان نظامه، مع الفارق في المقارنة؟
قرار وزراء الخارجية العرب الذي اتخذ على عجل في جلسة طارئة يوم امس الاول يفتح الباب على مصراعيه امام تدخل عسكري خارجي في سورية تحت عنوان حماية الشعب السوري. فالجامعة العربية، وفي السنوات العشرين الماضية بات دورها محصورا في توفير الغطاء العربي، بغض النظر عن شرعيته من عدمه، لمثل هذا التدخل، هذا الدور بدأ في العراق، وبعد ذلك في ليبيا، وبات من المرجح، وفي القريب العاجل ان تكون سورية المحطة الثالثة، والله وحده، ومن ثم امريكا، يعلم من هي الدولة الرابعة.
الرئيس العراقي صدام حسين كان له بعض الاصدقاء، وان كان هؤلاء من دول ضعيفة او هامشية (في نظر البعض) مثل اليمن والسودان وليبيا وتونس وموريتانيا، الى جانب منظمة التحرير، ولكن المفاجئ ان الرئيس السوري، ومثلما تبين من التصويت على قرار تعليق العضوية، لم يجد صديقا يصوت ضد القرار غير لبنان واليمن ، مع امتناع العراق، فحتى السودان المحاصر المفكك المستهدف لم يجرؤ على معارضة القرار، وكذلك هو حال الجزائر. ان هذا ابلغ درس يجب ان يستوعبه النظام السوري، ويستفيد منه، ويطور سياساته في المرحلة المقبلة، بل عفوا الايام المقبلة، على اساس العبر المستخلصة منه.
' ' '
من المؤكد ان هناك 'سيناريو ما' لهذا التدخل العسكري جرى وضعه منذ اشهر، وربما سنوات، فهذا التسرع في اصدار القرار بنزع الشرعية عن النظام السوري لا يمكن ان يأتي بمحض الصدفة، فكل شيء يتم الآن في عجالة، ابتداء من التوظيف الاعلامي الشرس، ومروراً بالتوليف المفاجئ للمجلس الوطني السوري، وانتهاء بالاجتماعات المفتوحة والمتواصلة لوزراء الخارجية العرب، وما تتسم به من حسم جريء، والدقة المحبوكة في اتخاذ القرارات.
السيد نبيل العربي امين عام الجامعة العربية قال ان جامعته بصدد اعداد آلية لتوفير الحماية للشعب السوري، ولكنه لم يكشف عن طبيعة وهوية هذه الآلية، هل هي عربية (هذا مستبعد) ام هي امريكية غربية (وهذا مشكوك فيه لحدوث تغيير في الاستراتيجيات التدخلية الامريكية)، ام هي اسلامية (وهذا مرجح بعد تزايد الحديث عن دور تركي عسكري في سورية)؟.
النظام السوري، وبسبب قراءته الخاطئة للوقائع على الارض منذ ان ايّد التدخل العسكري الدولي في العراق، يسهل تطبيق هذه السيناريوهات، فقد رفض كل النداءات والنصائح التي طالبته وتطالبه بوقف الاستخدام المفرط للحلول العسكرية والامنية الدموية، للتعاطي مع مطالب شعبه المشروعة في الاصلاح، وها هو الآن، وبسبب ذلك، او توظيفا له، يواجه تدويل الأزمة السورية.
من الصعب التكهن بطبيعة التحرك العسكري المقبل ضد سورية وان كنا نستطيع ان نقول، ومن خلال تصريحات بعض رموز المعارضة السورية الذين لا ينطقون عن هوى، ان اقامة مناطق عازلة على الحدود مع تركيا والاردن، ربما تكون الفصل الاول في مسلسل التدويل، فمن الواضح ان هناك هرولة لمنع تحول الأزمة في سورية الى حرب طائفية اهلية تمتد الى دول الخليج خاصة، وضرورة حسم الموقف بسرعة.
الادارة الامريكية تعلمت كثيراً من درسي افغانستان والعراق، وأبرز دروسها المستخلصة ان تترك العرب يحاربون العرب، والمسلمين يحاربون المسلمين، وان يقتصر دورها والدول الغربية الاخرى على الدعم من الخلف او من السماء. وجرى تطبيق هذه الخلاصة بنجاح كبير في ليبيا.
' ' '
سورية ليست ليبيا، وما ينطبق على الثانية قد لا ينطبق على الأولى، فالنظام السوري مازال يتمتع ببعض الدعم والمساندة داخلياً، حيث قطاع من الشعب يسانده لاسباب طائفية، او اقتصادية، وخارجياً من قبل ايران وحزب الله، وبعد ذلك الصين وروسيا. ولعل اهم دروس ليبيا بالنسبة الى النظام السوري، هو ادراكه، اي النظام، ان التدخل العسكري لو بدأ ضده لن ينتهي الا بسقوطه وربما كل رموزه، الأمر الذي قد يدفعه للقتال حتى الموت.
نحن امام حرب اقليمية هي الأشرس من نوعها، قد تغير خريطة المنطقة الديموغرافية قبل السياسية، والهدفان الرئيسيان من هذه الحرب تغيير نظامين هما اللذان بقيا في منظومة ما يسمى الممانعة، او 'الشرق الاوسط القديم' اي سورية وايران. والسؤال هو أين ستكون الضربة الاولى، فهل ستوجه الى ايران ام الى سورية، ام الى الاثنتين في آن واحد، اي تهاجم اسرائيل ايران، وتهاجم تركيا عضو حلف الناتو سورية بدعم عربي؟
من السابق لأوانه الاجابة على اي من هذه الاسئلة، ولكن الشخص الوحيد الذي يمكن ان يوقف هذه الحرب، او الشق السوري منها، هو الرئيس بشار الاسد، اذا ما اتخذ قراراً شجاعاً، واقدم على تطبيق الخطة العربية بحذافيرها، وتجرع كأس السم الذي تجرعه السيد الامام الخميني رحمه الله، عندما وافق مكرها على وقف الحرب مع العراق وانقذ بلاده، وجعلها هذا القرار قوة اقليمية عظمى بعد ذلك.
نتمنى ان يتخذ الرئيس الأسد هذا القرار الشجاع وان لا يعول كثيراً على المظاهرات المليونية، وان يتخذه في اليومن القادمين وبسرعة.

السبت، 19 نوفمبر 2011

الأزهر في حقبة ما بعد الثورة

دراسة  كتبت بالإنقليزية والعربية وأعدها مركز كارنيغي للسلام الدولي بقلم ناثان ج براون، وهو أستاذ في العلوم السياسية والشؤون الدولية بجامعة جورج تاون في إطار البحث عن دور الأزهر في حقبة ما بعد الثورة.

" يستنتج الكاتب أن مؤسسة الأزهر وحركات الإسلام السياسي والجماعات الدينية سيكون لها وجود أكثر كثافة وتأثيرا بعد الثورة وأن الآليات الديمقراطية لن تساهم كثيرا في علمنة البلاد كما حدث في الغرب، فالمؤسسة الدينية الرسمية لا تحتكر الدين بل هناك تعددية في التأويل وتسلسلا هرميا أقل كما أن القوى العلمانية واليسارية ضعيفة مقارنة بالقوى الدينية والمحافظة فالقياس على الكنيسة الغربية والأحزاب المسيحية يستوجب كثيرا من التحفظ."

الاثنين، 14 نوفمبر 2011

أ. عدنان المنصر: حول السلفية

الأستاذ عدنان المنصر: حول السلفية (مقتطف من حوار مع جريدة الشروق التونسية بتاريخ 14 نوفمبر 2011


1- يعتقد كثيرون أن حركة النهضة في ارتباط وثيق مع الحركة السلفية التونسية حيث رفع السلفيون (بما فيهم من أجنحة متشدّدة وتكفيرية) في مناسبات كثيرة شعارات ولافتات النهضة رغم نفي قادتها لهذا الأمر، فهل ترى أن هذا التملّص من السلفيين يدخل ضمن أسلوب النهضة في اعتماد ازدواجية الخطاب؟

الذي يقول هذا الكلام لا يقوله عن معرفة بل عن شكوك، وإذا دخلنا عالم الشكوك فإن الكلام لا يمكن إلا أن يلقى على عواهنه. عندما نقول "سلفية" يجب أن نعرف ما نعنيه بدقة، وأن نوضحه أيضا، لأن ما يبنى على خطأ في المفاهيم لا يمكن أن يقودنا إلا إلى خطأ في التحليل. السلفية بما هي ذلك التوق إلى الاستلهام من تجربة وقيم السلف الصالح أمر يتجاوز السياسة ليدخل في باب الثقافة، وهو يتجاوز الساحة الإسلامية ليعم على كل الساحة الفكرية في فضائنا العربي الإسلامي. لا أعتقد أن أحدا اليوم، مهما كانت مشاربه السياسية يمكن أن يرى في عدل عمر مثالا لا يحتذي، وفي إيثار أبي بكر خطيئة، وفي تواضع الرسول سلوكا سيئا. أما السلفية الأخرى، بما هي تيار بدأت معالمه تتضح في بلادنا، فهذه قضية أخرى، ويجب أن تكون معالجتها إحدى الأولويات، على الأقل في الساحة الثقافية والدينية. السلفية تنقسم هي الأخرى إلى تيارين أساسيين، العلمية والجهادية، وداخل كل منهما هناك مشارب تختلف أحيانا إلى حد التناقض. فالسلفية، مثل كل حساسية فكرية تريد أن تكون لها مواقف سياسية، أمر أكثر تعقيدا مما يبدو. أما ما تفضلت بذكره من رفع السلفية لشعارات ولافتات النهضة، فهو أمر أسمع به للمرة الأولى، وربما كان ذلك ناتجا عن نقص متابعة، أو أنه غير موجود. ما أعلمه يقينا هو أن جزءا كبيرا من السلفية يعتبر النهضة من أكبر الأخطار على الإسلام، في حين أن الجزء الآخر يعتبرها أهون الشرين، اعتمادا على مقولة "ثمة في الهم ما تختار". ما أعلمه يقينا أيضا أن السلفية في تونس، بتياراتها المختلفة، رافضة مبدئيا للديمقراطية ولشكلها التقني، وهو الانتخاب. لذلك فإنهم لم يترشحوا في هذه الانتخابات ولم يصوتوا أيضا. المشكل بالنسبة للتيار السلفي هو من نوعين حسب رأيي: هو أنهم لا شكل رسمي لهم، وبالتالي فإنك لا تعرف إلى من تتحدث إذا ما رغبت في ذلك. المشكل الثاني أعمق بكثير، وهو أن هؤلاء لا يؤمنون بالديمقراطية، بل ويعتبرونها كفرا. في الوقت نفسه، فإن أي تعامل عنيف ومتسرع معهم قد يؤدي إلى دخولنا في نفق لا يعرف أحد كيف سيتسنى الخروج منه. هناك عمل على المدى المتوسط يجب أن يتم، وهذا العمل ينبغي أن يتم بتحييد المساجد مطلقا عن الخطاب السياسي مهما كان مأتاه ولونه، وبفتح الساحة الثقافية لمناقشة هذه المسائل في العمق، وتقديم الدرس الأهم للجميع ودون أي استثناء: الديمقراطية، عبر الانتخاب، هي الحل الوحيد الممكن لكل اختلافاتنا. يجب إقناعهم بذلك ولو تطلب وقتا طويلا، فالطريق الذي لا تبدأه، لا يوصلك أبدا إلى مبتغاك.

الجمعة، 11 نوفمبر 2011

ملف السلفيون.. من هم؟.. من يحركهم؟.. وكيف نحاورهم؟


الدكتور أعليّة العلاني
حقيقة حجم السلفية الجهادية.. وأي مستقبل للتيار السلفي ؟
بات من المؤكّد أن التيارالسلفي في تونس لم يعد بمعزل عن الحراك الاجتماعي الشعبي وبات يعلن عن نفسه «كشريك» مجتمعي قد يثيرالارتياب كعنصر دخيل على نواميس اجتماعية ويدفع لتنامي هاجس الخوف على المكتسبات الحضارية والتي تمثّل الهوية الإسلامية أحد روافده التقليدية ؛

لكن عندما نتحدّث عن السلفية فان الخوف يتأتّى ممّا يسمّى بالسلفية الجهادية ومستقبلها الاجتماعي والسياسي ؛ وللغرض اتصلت الأسبوعي بالدكتور أعليّة العلاني الباحث بقسم التاريخ بكلية الأداب بمنوبة الذي نشرفي جانفي 2011 بحثا في كتاب جماعي بعنوان: «السلفيون في دول المغرب العربي .» وهوأول بحث أكاديمي عن التيارالسلفي في تونس موثق بخريطة..
وقد وافانا الدكتور إعليّة العلاني بشرح مستفيض لمستقبل التيار السلفي في تونس.. 
السلفية الجهادية و1208 سجينا
في مستهلّ حديثه يقول الدكتور أعلية العلاني : «إذا كانت المعطيات الدقيقة لا تسعفنا لتقديرحجم السّلفية العلميّة وتوزيعها الجغرافي والعمري والمهني في تونس، فإنّ دراسة السّلفيّة الجهاديّة تتوفّرعلى بعض المعطيات الأوليّة، التي يمكن سحبها على الظّاهرة السلفيّة عموما مع بعض التنسيب، وذلك لتقارب الفضاء النظري والبشري الذي يتحرك فيه كلاهما. وتسعفنا في ذلك دراسة أعدّتها منظّمة حقوقيّة تونسيّة غيرمعترف بها حول من أطلقت عليهم : «ضحايا قانون 10 ديسمبر 2003 لـ «مكافحة الإرهاب»، حيث انتقدت الجمعيّة هذا القانون. تعرض هذه الدّراسة معطيات أولية - ولكنها مهمّة في ظل غياب المعلومات - حالة 1208 سجينا ممّن يفترض أنّهم من السلفيّة الجهاديّة الذين شملهم هذا القانون في فترة 2007 - 2009
مستقبل التيار السلفي في تونس
وحول مستقبل التيارفي تونس يقول د.العلاني: «إن مستقبل التيارالسلفي في تونس يرتبط بجملة من العوامل من بينها طبيعة التعامل الرسمي في المستقبل مع ملف التيارات الدينية بمختلف تشكيلاتها؛ وطبيعة تأثرالمغادرين للسجون من أتباع التيار السلفي وطبيعة خياراتهم في مرحلة ما بعد السجن؛ وتطورالملف الجزائري ومستقبل التيارالسلفي هناك ومستقبل الجماعة الإسلامية المقاتلة في ليبيا، والتي دخلت قياداتها مؤخرا في مفاوضات سرية مع السلطة بغية إعادة إدماجها في المجتمع إثر تخلي العديد من رموزها عن توجهاتهم الراديكالية؛ وتطورات الأحداث في العراق والتطورات التي سيشهدها المشهد الفلسطيني والملفين السوري والإيراني ؛وطبيعة الوضع الاجتماعي في المستقبل وتأثيرات الأزمتين العالميتين المالية والاقتصادية على تونس . ومهما تكن التطورات وتأثيرات الأسباب المذكورة فان التيارالسلفي يصعب أن يتحول إلى تيارجارف في الساحة التونسية لطبيعة الفرد في المجتمع التونسي وملامح الجغرافيا والتاريخ ، لكنه في نفس الوقت سيبقى موجودا ومتشكلا لطبيعة تلك التأثيرات الإقليمية خاصة ولضعف في التأطير للأحزاب السياسية الراهنة في تونس . إنه في غياب فضاءات الحوا والجدل التي تمكّن الشّباب التّونسي من تمثّل إشكاليّات هويّته تمثّلا نقديّا بعقل تحليليّ تأليفيّ ... فإننا سنجد مرة أخرى فئات من الشباب التونسي تتبنى أقصى التّصوّرات تشدّدا وحدّيّة وتترجم تصوّراتها تلك على مستوى الواقع من خلال سلوكات تتفاوت بين المفاصلة ومباينة المجتمع وتكفيره في الحدّ الأدنى، والسّلوك العنفي المسلّح في حدّ أقصى . ونؤكد أنّ انخراط مجموعة من الشباب في خيارالعنف الفكري أوالمسلّح ، هو بمثابة اختراق للمنظومة التّربويّة والإعلاميّة والثّقافيّة والسّياسيّة التي لم تتمكّن من مواكبة المستجدّات الدوليّة والإقليمية ولم تستعدّ لرفع التحدّيات الرّاهنة

الثلاثاء، 8 نوفمبر 2011

نظرية ابن خلدون حول الخلافة

نظرية ابن خلدون حول الخلافة: نهاية السياسة غائية
 بقلم: ماسّيمو كامبانيني

لعلّ أكثر سمات تاريخ الفكر السياسي الإسلامي إرباكا عدم قيام نظرية متكاملة وواضحة المعالم عن الخلافة حتـّى بداية أفول مؤسسة الخلافة التاريخية. فقد كان الماوردي في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر ميلادي) أوّل منظـّر منهاجي لهذا المبحث. والخلافة لم تكن دولة إسلامية، بل نموذجا للدولة الإسلامية. ثمّ إنّ فكرة الدولة الإسلامية قضيّة خلافية إلى حدّ كبير وقد يصحّ لنا أن نقول إنّ الدولة التي أقامها الرسول في المدينة هي الوحيدة التي تعدّ حقـّا دولة إسلامية. وربّما سلّمنا بأنّ الدولة التي أقامها الخلفاء الراشدون دولة إسلامية، لكن بالنسبة إلى السنـّة فقط. وعلى أيّة حال، فبعد الخلفاء الراشدين لم تعد الشروط اللازمة لاعتبار الدولة دولة إسلامية قائمة. وفي الواقع، فإنّ تطور الإسلام التاريخي شهد الفصل بين السلطات تزامنا مع تفكك إمبراطورية الخلافة في عديد البلدان المستقلّة.

ولعلّ من المفيد مزيد التعمّق في دراسة هذا الموضوع.[1] فلنبدأ إذن بالسؤال الأخطر: هل وجدت الدولة الإسلامية أصلا؟ وبديهي قبل الإجابة عن هذا السؤال أن نتساءل عن السمات السياسية التي تجعلنا نقول عن دولة ما إنـّها دولة إسلامية. هل أنّ هذه السمات قد بلورتها بالفعل النظرية السياسية الإسلامية؟ أم هل أنّ النظرية السياسية الإسلامية قد وضعت نماذج دولة إسلامية في ظلّ غياب دولة إسلامية؟ ومن المعلوم أنّه لم يرد في القرآن إشارات صريحة حول ماهية الدولة الإسلامية وطريقة عملها. وربّما كانت الإجابة الأنسب عن السؤال الأوّل أنّ الدولة الإسلامية هي الدولة التي تنفـّذ فيها المبادئ الإسلامية على نحو تامّ، أي التي تنفـّذ فيها الشريعة التي ينبغي اعتبارها شرطا مسبقا من شروط الدولة الإسلامية. لكنّ هذا يوقعنا في ورطة. هل نحن فعلا قادرون على أن نضبط بشكل صحيح المبادئ الإسلامية من وجهة نظر سياسية (كما تهيّأ لنا أن نعرّف المبادئ الإسلامية من وجهة نظر دينية أو فلسفية)؟ فضلا عن أنّه من الصعب الإقرار بأنّ دولة تطبّق هذه المبادئ قد وجدت أصلا. أمّا من الناحية النظرية فإنّ هذه الدولة ينبغي أن تكون الخلافة، على الأقلّ حسب النظرية التقليدية السنية التي وضعها الماوردي (المتوفـّى سنة 1085).[2] وحسب الماوردي، فإنّ الخلافة مؤسسة خاضعة للسلطة الدينية، ومقوّماتها ليست طبيعية المنشأ، بل أنّ الخلافة قد أمر بها الله لتدبير شؤون المجموعة الإسلامية على نحو سليم. وكما قال ابن خلدون، ولنا عوْد إلى قوله لاحقا، فالمقصود بالخلافة "حمل الكافـّة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها".[3]

والآن، إلى أيّ مدى يمكن اعتبار الخلافة دولة إسلامية تنفـّذ أحكام الشريعة؟ لقد كان ذلك بالتأكيد شأن حكم محمّد في المدينة، وربّما أيضا، بالنسبة إلى السنّة على الأقلّ، شأن الخلفاء الراشدين الأربعة الأوائل، وكلّ ذلك في المدينة. لكن كيف أجمع كافة المنظرين السياسيين على أنّ الخلفاء الأمويين والخلفاء العبّاسيين كانوا فعلا يطبّقون الشريعة؟ هذا غير صحيح، بطبيعة الحال. ألا يكون ما يطبّقونه بالأحرى هو القانون؟ و أيّا كان الأمر، فأنا أعتقد أنّ أغلب الآراء تتفق على أنّ الخلافة، منذ القرن الرابع (العاشر ميلادي)، كانت مؤسسة خلوا من أيّ سلطة سياسية، وبالتالي فهي لم تعد قادرة على تنفيذ أيّ قانون، فما بالك بقانون ديني. لقد كان الخلفاء قد فقدوا السلطة للسلاطين بل وكادوا يفقدون حتـّى إشعاعهم الديني. وكان المفكّر الغزالي مثلا قد أدرك ذلك تماما. وكما يقول جول جانسنس (Jules Janssens): "لقد كان من الواضح أنّ الإمامة أمر على غاية الأهميّة في نظر الغزالي، لكنّ ذلك يعود إلى أنـّه يرى الخليفة الشرعي لازما لسلامة القانون في مجمله، ليس لأنّه يرى الخليفة حاكما مثاليا، بل وحتـّى حاكما أصلا. فالسياسة الحقيقة قد غدت مجال السلاطين."[4] كان الغزالي واقعيا جدّا، فالسلطان في رأيه لا يعدو أن يكون شارة الشرعية في حين أنّ السلطان هو الذي يتولّى السلطة الحقيقية. ويوجد عديد المفكرين الآخرين أمثالهم الذين اقتنعوا أنّه لم يعد بالإمكان إحياء الخلافة وبالتالي فإنّ إعادة بناء الدولة الإسلامية لم تعد قائمة.

ولعلّ سمة هذا التحوّل تتجلّى في التطوّر الداخلي لمفهوم الخلافة ذاته. وقد سعت باتريسيا كرون (Patricia Crone) مؤخّرا إلى إثبات أنّ "أصحاب الحديث" عندما وضعوا عدد الخلفاء الراشدين وتراتبهم، حوالي قرنين بعد وفاة محمّد (ويجدر التذكير هنا لما كان لابن حنبل من دور في ذلك)، فإنّ "عموم المسلمين أقرّوا أنّه لا ينبغي أن تبقى الريادة الدينية منحصرة في صاحب الدولة".[5] ذلك أنّ "المجتمع المتعدّد المقاصد [أي الأمّة]"، كما تشير إليه باتريسيا كرون في كتابها، كان يمضي سريعا في اتجاه الفصل بين السلطات. لقد ولـّى وانتهى ذاك الوضع المثالي الذي تهيّأ لمدينة محمّد عندما التحمت، طبقا لإرادة الله، السلطة السياسية والريادة الدينية، التحاما شديدا. وفي ظلّ حكم الخلفاء الأمويين والعباسيين على وجه التحديد، ذهبت وحدتهم ولم تعد الوظائف السياسية والدينية مجتمعة في يد صاحب الدولة.[6] وإذا ما اعتمدنا الأنساق التي ذكرنا، أمكن لنا القول إنّ الخلافة لم تعد قطعا دولة إسلامية. وفي الواقع، ففي نظر باتريسيا كرون، راح الفكر السياسي الإسلامي ينحو تدريجيا إلى فصل صريح للوظائف. وكان ذلك نتيجة فقدان تدريجي لمركزية الخلافة (من الناحية الجغرافية، بل ومن الناحيتين السياسية والاستراتيجية) وكذا سلطتها. لكنّ الأمر يعود أيضــا إلــى الهزيمة التي مني بــها الخلفــاء علــى أيدي العلمـاء الذين نجحــوا (على حــدّ قول باتريسيا كرون (Patricia Crone) ومارتن هندز (Martin Hinds)) في تحويل الخلافة من "خلافة الله" إلى "خلافة رسول الله". وإذن، لئن ظلّ الخلفاء يتولّون السلطة السياسية، فقد كان عليهم أن يتخلّوا عن السلطة الدينية، في حين أصبح العلماء المؤتمنين على القانون الإسلامي والمجتمع.[7]     

وسأناقش بمزيد التفصيل هذا التحليل (الذي لا أتفق معه بشكل تامّ لأنـّني أنحو إلى اعتبار أنّ الخلفاء الأوائل لم يديروا السلطة الدينية حقـّا). والرأي عندي، على الأقلّ من مقاربة نظرية، أنّ دولة الخلفاء كانت دولة إسلامية ما بقي الخلفاء خلفاء الله. وبالقابل، فعندما تخلّى الخلفاء على السلطة الدينية، أصبحت دولتهم نموذجا للدولة الإسلامية فحسب، خاصّة عندما سعى عالم من مثل الماوردي إلى استبعاث مؤسسة الخلافة الخاضعة لسلطة السلاطين المستحكمة. وعندما أدار محمّد الدولة القائمة في المدينة، كان يتصرّف بصفته خليفة الله، فكانت دولة المدينة دولة إسلامية. وعندما تصرّف الخلفاء بصفتهم خلفاء الله، إن كانوا قاموا بذلك فعلا، كانت الخلافة دولة إسلامية. لكن عندما انحصرت سلطة الخلفاء في الأمور الدنيوية ولم يعد لهم تأثير على ترتيبات المجتمع الدينية، لم تعد دولتهم دولة إسلامية بل مجرّد نموذج للدولة الإسلامية.

والآن، وقد فرغنا من هذه المقدّمات (التي تحتاج ربّما إلى مزيد التمحيص وهو ما لا يتـّسع له المجال هنا)، فإنـّنا سنسعى إلى إثبات أنّ ابن خلدون قد نظـّر للخلافة بصفتها نموذج الدولة الإسلامية الأمثل، بالرّغم من أنّها قد تعطلت تماما ولم يعد هناك مجال لإحيائها. ولئن وجب دراسة واقع العالم الإسلامي على عهد ابن خلدون باعتبارها مسألة تمهيدية، فإنّني سأكتفي ببعض الإشارات القليلة. كانت الخلافة العبّاسية (أي الدولة الإسلامية الكامنة وليست الفعلية) قد دمّرها المنغول سنة 1258. وبالرغم من أنّ المماليك قد استضافوا في قفص ذهبي بالقاهرة البقية الباقية من العباسيين وبالرغم من أنّ سلطان المماليك قد امتدّ في العالم الإسلامي في القرن الرابع عشر (أي القرن الذي عاش فيه ابن خلدون)، فلم يعد هناك من يغالط نفسه بأمل استعادة وحدة الأمّة الإسلامية عن طريق الخلافة. كانت الخلافة قد ولّت وانقرضت. ثمّ إنّ المغرب كان يشهد أزمة سياسية عميقة. ففي الجزء الأوّل من القرن الرابع عشر فحسب، حاول بنو مُريْن عبثا استعادة أمجاد الموحّدين الغابرة، لكن إثر فشلهم أضحى المغرب جسدا تمزّقه الصراعات الداخلية بين عدد من الملوك الصغار المتنازعين في مناخ يسوده الغدر والعنف.

وفي رأيي، فإنّ محنة العالم الإسلامي التاريخية في عصر ابن خلدون قد دفعته إلى القول بأنّ ارتقاء من الطوباوية السياسية والأخلاقية إلى شكل من الحكم متوارث واستبدادي (خليفة ==< مُلك) قد طرأ على الممارسة السياسية الإسلامية، متزامنا مع علمنة الحكم وتجزّئه. وهكذا فقد شعر أنّ ثمّة حاجة إلى أمرين: أوّلهما إحياء طوباوية الحكم الراشد من حيث هو نهاية السياسة الغائية، وإنشاء السياسة على نحو منهجي بالاستناد إلى الفلسفة (الحكمة). وسأكتفي هنا بتمحيص الأمر الأوّل، تاركا الأمر الثاني لمداخلة أخرى.

يستعيد ابن خلدون في مستهلّ "المقدّمة" مفهوما شائعا في الفكر الفلسفي اليوناني قد أورده كلّ من أفلاطون وأرسطو، مفاده أنّ الإنسان حيوان سياسي وأنّ الاجتماع الإنسانيّ ضروري. وقد كان هذا الرأي شائعا في التقليد الفلسفي الإسلامي المتصل بالسياسة، وفي كلام الفارابي ما يفي بالغرض. أمّا ابن خلدون فيقول:

إنّ الاجتماع الإنساني ضروري ويعبّر الحكماء عن هذا بقولهم: الإنسان مدنيّ بالطبع، أي لا بدّ له من الاجتماع الذي هو المدنيّة في اصطلاحهم، وهو معنى العمران. وبيانه أنّ الله سبحانه خلق الإنسان وركّبه على صورة لا يصحّ حياتها وبقاؤها إلاّ بالغذاء وهداه إلى التماسه بفطرته وبما ركّب فيه من القدرة على تحصيله. [ . . . ] فيحصل بالتعاون قدر الكفاية من الحاجة لأكثر منهم بأضعاف. [8]       

لكنّ العدوان طبيعيّ في الكائنات الحيّة،

ثمّ إنّ هذا الاجتماع إذا حصل للبشر كما قرّرناه وتمّ عمران العالم بهم، فلا بدّ من وازع يدفع بعضهم عن بعض لما في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم. وليست آلة السلاح التي جعلت دافعة لعدوان الحيوانات العُجم عنهم كافية في دفع العدوان عنهم، لأنـّها موجودة لجميعهم. فلا بدّ من شيء آخر يدفع عدوان بعضهم عن بعض، و لا يكون من غيرهم لقصور جميع الحيوانات عن مداركهم وإلهاماتهم، فيكون ذلك الوازع واحدا منهم يكون له عليهم الغلبة والسلطان واليد القاهرة حتى لا يصل أحد إلى غيره بعدوان، وهذا هو معنى المُلك.[9]

ولا تختلف مسلّمات ابن خلدون حول نشأة الاجتماع الإنساني وتطوّره عن مسلّمات توماس هبّز (Thomas Hobbes) ومفادها أنّ البشرية تعيش في حالة طبيعية من العدوانية والتعارض المتبادل، وأنّها في حاجة إلى وازع، وأنّ الذي يقوم بهذه الوظيفة يصبح صاحب الدولة مستندا في حكمه إلى العصبيّة.

ونجد اختزالا لاحتجاج ابن خلدون في هذا الشأن في هذا المقطع الذي يحسن بنا إيراده كاملا:

المُلك منصب طبيعي للإنسان لأنـّا قد بيّنـّا أنّ البشر لا يمكن حياتهم ووجودهم إلاّ باجتماعهم وتعاونهم على تحصيل قوتهم وضرورياتهم. وإذا اجتمعوا دعت الضرورة إلى المعاملة واقتضاء الحاجات ومدّ كلّ واحد منهم يده إلى حاجته يأخذها من صاحبه لما في الطبيعة الحيوانية من الظلم والعدوان بعضهم على بعض، ويمانعه الآخر عنها بمقتضى الغضب والأنفة، ومقتضى القوة البشرية في ذلك. فيقع التنازل المفضي إلى المقاتلة وهي تؤدّي إلى الهرج وسفك الدماء وإذهاب النفوس المفضي ذلك إلى انقطاع النوع. وهو ممّا خصّه الباري سبحانه بالمحافظة.

فاستحال بقاؤهم فوضى دون حاكم يزع بعضهم عن بعض. واحتاجوا من أجل ذلك إلى الوازع وهو الحاكم عليهم، وهو بمقتضى الطبيعة البشرية الملك القاهر المتحكّم. ولابدّ في ذلك من العصبية لما قدّمناه من أنّ المطالبات كلّها والمدافعات لا تتمّ إلاّ بالعصبية. وهذا المُلك كما تراه منصب شريف تتوجّه نحوه المطالبات ويحتاج إلى المدافعات ولا يتمّ شيء من ذلك إلاّ بالعصبيات كما مرّ.[10]

وإذن فإنّ المُلك نتاج طبيعي للإكراهات البشرية ولآلية العصبية الاجتماعية والسياسية. ونحن نتبيّن ثلاثة أصناف من المُلك، هي المُلك الطبيعي، أي الاستبداد الصرف، والمُلك السياسي أو الراشد، الموافق للدولة العلمانية والدنيوية، المحكومة بالاستناد إلى مبادئ عقلانية، وأخيرا الخلافة، التي هي مُلك عقلاني وسياسي تبقى شريعته ذات مصدر إلهي ومنزل، شريعة يتعيّن على خليفة الشارع الرسول الالتزام التام بالدفاع عنها وتنفيذها. وفي هذا يقول ابن خلدون:

فقد تبيّن لك من ذلك معنى الخلافة وأنّ المُلك الطبيعي هو حمْل الكافـّة على مقتضى الغرض والشهوة، والسياسيّ هو حمل الكافـّة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضارّ. والخلافة هي حمْل الكافـّة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها.[11]

فالخلافة هي شكل المُلك الأمثل، إلاّ أنّه بالنظر إلى طبيعة المجتمع الراهن فإنّ المُلك الطبيعي هو الأفضل، وفي أسوأ الحالات يطغى الاستبداد. وأساس المُلك لم يعد العقل والأخلاق، بل القوّة، فالمُلك يقتضي القهر والتغلّب اللذان يعبّران عن سطوةِ عدوانية الطبيعة البشرية.[12] لكنّ التغلّب قد يحيل المُلك العادل إلى استبداد، في حين أنّ السلطان لا يمكن أن يقاوم ويبقى دون عدل. وبالفعل، فإنّ العدل أساس العمران. ولتفسير مذهبه الأساسي هذا يلجأ ابن خلدون إلى "مرايا الأمراء" التقليدية (وهي مرجعية إيرانية في الفكر السياسي الإسلامي) وإلى فلسفة أرسطو:

ولا قِوام للشريعة إلاّ بالمُلك، ولا عزّ للمُلك إلاّ بالرجال، ولا قوام للرجال إلاّ بالمال، ولا سبيل للمال إلاّ بالعمارة، ولا سبيل للعمارة إلاّّ بالعدل والعدل الميزان المنصوب بين الخليقة، نصبه الربّ وجعل له قيّما وهو المَلك.

ومن كلام أنوشروان في هذا المعنى بعينه: "المُلك بالجند، والجند بالمال، والمال بالخراج، والخراج بالعمارة، والعمارة بالعدل، والعدل بإصلاح العمّال، وإصلاح العمّال باستقامة الوزراء، ورأس الكلّ بافتقاد المَلك حال رعيّته بنفسه واقتداره على تأديبها حتـّى يملكها ولا تملكه".

وفي الكتاب المنسوب لأرسطو في السياسة المتداول بين الناس جزء صالح منه إلاّ أنّه غير مستوف و مُعطى حقـّه من البراهين ومختلط بغيره، وقد أشار في ذلك الكتاب إلى هذه الكلمات التي نقلناها عن المَوبَذان وأنوشروان وجعلهما في الدائرة القريبة التي أعظمُ القول فيها هو قوله: "العالم بستان سياجه الدولة، الدّولة سلطان تحيا به السنـّة، السنـّة سياسة يسوسها المَلك، المَلك نظام يعضده الجند، الجند أعوان يكفلهم المال، المال رزق تجمعه الرعيّة، الرعيّة عبيد يكنفهم العدل، العدل مألوف وبه قوام العالم".[13] 

وفي فقرة لاحقة بعنوان "في أنّ الظلم مؤذن بخراب العمران"، يذكّر بالتقليد الإيراني ويفسّر منتقدا مقوّمات العدل:

ولا تحسبنّ الظلم إنـّما هو أخذ المال أو المُلك من يد مالكه من غير عوض ولا سبب كما هو المشهور، بل الظلم أعمّ من ذلك. وكلّ من أخذ مُلك أحد أو غصبه في عمله أو طالبه بغير حقّ أو فرض عليه حقّا لم يفرضه الشرع فقد ظلمه، فجُباة الأموال بغير حقها ظلـَمة، والمنتهبون لها ظلـَمة، والمانعون لحقوق الناس ظلـَمة، وغـُصّاب الأملاك على العموم ظلـَمة. ووبال ذلك كلّه عائد على الدولة بخراب العمران الذي هو مادّتها لإذهابه الآمال من أهله.[14]

وحسب فلسفة التاريخ عند ابن خلدون فإنّ مآل الدول الهرم الطبيعي والانقراض. ويعتري الدولَ الهرمُ نتيجة تلاشي العصبيّة ولأنّ الملوك لم يعودوا يألفون التصرّف بالعدل فيؤول بهم الأمر إلى الاستبداد. وابن خلدون واع تمام الوعي أنّ المغرب على عهده قد اجتمعت فيه هاتان الظاهرتان، وهو ما يفسّر تصدّع عالمه. كما نجد تفسيرا لذلك في كون هذا المفكّر العربي ينظر إلى الخلافة نظرة حنين. فالمُلك يمثـّل السلطان السياسي الطبيعي، في حين تدّعي الخلافة إقرارا إلهيا وكرامة. والعصبية ضرورية لبناء الدولة، فحتـّى الرسول محمّد قد احتاج إلى العصبيّة لينشر الدين وينصر الإسلام. ولئن كانت الدولة في حدّ ذاتها لا يحتاج وجودها إلى الدين، فإنّ الدولة إن لجأت إلى المبادئ الدينية أضحت أكثر قوّة وأقدر على مقاومة هزات الأحداث التاريخية. وابن خلدون يرى أنّ الخلافة أكثر من المُلك، بل هي نموذج الدولة الإسلامية التي تلتحم فيها العصبية والدين أيّما التحام.

أمّا عن خصائص الخلافة وسماتها، فإنّ رأي ابن خلدون فيها يبقى تقليديّا ولا طائل من الحديث عنه في هذا الموضع. إنّما علينا بالأحرى أن ندرس تطوّر الخلافة لاستكناه مسار تحوّلها. وفي محاولة ابن خلدون إعادة بناء تاريخ الخلافة دلالة بالغة لمن رام تبيّن موقفه الإيديولوجي:

فلمّا استـُحضِر رسول الله (صلعم) استخلف أبا بكر على الصلاة إذا هي أهمّ أمور الدنيا وارتضاه الناس للخلافة، وهي حمل الكافـّة على أحكام الشريعة، ولم يَجْر للمُلك ذكْر لما أنـّه مظنـّة للباطل ونِحلة يومئذ لأهل الكفر وأعداء الدين. [. . .] ثمّ صارت إلى عثمان بن عفـّان ثمّ إلى علي (رضي الله عنهما)، والكلّ متبرّئون من المُلك منـَكّبون عن طرقه. وأكّد ذلك لديهم ما كانوا عليه من غضاضة الإسلام وبداوة العرب.[15]

وتبدو نظرية ابن خلدون هنا متماهية مع النظرة السنيّة التقليدية من حيث اعتبار عليّ ومعاوية شخصين جديرين وخليفتين مناسبين. فكلاهما حريص على الدين والامبراطورية الإسلامية. يقول ابن خلدون:

ثمّ جاء خلـَف الأمويّين واستعملوا طبيعة المُلك في أغراضهم الدنيوية ومقاصدهم ونسوا ما كان عليه سلفهم من تحرّي القصد فيها واعتماد الحق في مذاهبها، فكان ذلك ممّا دعا الناس أن نعَوا عليهم أفعالهم و أدالوا بالدعوة العبّاسية منهم، ووُلّي رجالهم الأمر فكانوا من العدالة بمكان وصرّفوا المُلك في وجوه الحقّ ومذاهبه ما استطاعوا حتـّى جاء بنو الرشيد من بعده، فكان منهم الصالح والطالح، ثمّ أفضى الأمر إلى بنيهم فأعطوا المُلك والترف حقـّه وانغمسوا في الدنيا وباطلها، ونبذوا الدين وراءهم ظهريا. [. . .] فقد رأيتَ كيف صار الأمر إلى المُلك وبقيت معاني الخلافة من تحرّي الدين ومذاهبه والجري على منهاج الحق، ولم يظهر التغيّر إلاّ في الوازع الذي كان دينا ثمّ انقلب عصبيّة وسيفا.  وهكذا كان الأمر لعهد معاوية ومروان وابنه عبد الملك والصدر الأوّل من خلفاء بني العبّاس إلى الرشيد وبعض وُلده. ثمّ ذهبت معاني الخلافة ولم يبق إلاّ اسمها وصار الأمر مُلكا بحتا. وجرت طبيعة التغلب إلى غايتها واستـُعملت في أغراضها من القهر والتقلّب في الشهوات والملاذ.[16] 

يتجلّى عند قراءة هذا المقتطف الطويل طوران واضحا المعالم في تاريخ الخلافة. أوّلهما طور الخلافة الأصلية التي تمثـّل النظام السياسي الصحيح والأمثل. فالنظام ديدنه الدين وصاحب الدولة منصرف إلى رفاه شعبه وغير منشغل البتـّة بالأغراض الدنيويّة، وعلى وجه التحديد تصريف السلطان وإقامة السيادة. وثانيهما ذاك الطور الذي انقلبت فيه الخلافة إلى سلطة وراثية، أو مُلك، يسود فيه الظلم والقهر والتقلّب في الشهوات. وها أنّ الوضع الراهن (أي وضع العالم الإسلامي على عهد ابن خلدون) يشهد أزمة عميقة، فلم يعد بإمكان السلطة الطبيعية، ولا حتـّى السلطة العقلانية، أن تتحوّل إلى حكم صحيح وعادل بحق. ولم يعد بالإمكان استعادة الخلافة، للأسف، إلاّ أنـّها تبقى فكرة غائية (أو حاجيّة). فالخلافة قد ولّت إلى ماض سحيق، إلى عصر كانت فيه كلمة الله وإرادته نافذتين في الأرض، وكان الدين والعصبيّة والدولة ملتبسة بعضها ببعض على نحو إيجابي ممّا حقـّق النظام الأمثل، أو المدينة الفاضلة إن جاز التعبير. ووجهة النظر هنا ضرب من الطوباوية المُكتشفة في الماضي، أو هي إلى حدّ ما طوباوية مضادّة، بل لعلّها طوباوية ارتدادية. فالكمال قد تحقـّق في الماضي، وكم سيكون رائعا أن نعيد ظروف الماضي إلى الحاضر، لكنّ الأمر مستحيل للأسف. وهكذا نكتشف أنّ في مفهوم الخلافة، أو نموذج الدولة الإسلامية المستحيلة التحقيق، نموذج الدولة المثلى المعنوي والأخلاقي لا غير. وابن خلدون يقرّ بأنّ الدولة التي أقامها محمّد في المدينة كانت دولة إسلامية، لكن الإقرار باستحالة إحياء الدولة الإسلامية يدفع إلى اللجوء إلى نموذج الدولة الإسلامية. وهي الخلافة التي لا يعدو تنفيذها أن يكون غائيّا. وتبدو عودة ابن خلدون إلى الماضي عودة روحية وفلسفية، وليست عمليّة.

ثمّ إنّ طوباوية ابن خلدون الارتدادية تقوم على رؤية للتاريخ غاية في الواقعية وموضوعية إلى أبعد الحدود.[17] فدراسة المجتمع من خلال التاريخ ودراسة السياسة أمران متداخلان، ذلك لأنّ السياسة من صميم المجتمع والمجتمع هو موضوع البحث التاريخي الرئيس. ولهذا السبب جرت المقارنة غالبا بين ابن خلدون وماكيافال. لكن توجد سمة جوهرية تميّز هذين المفكّرين. ففي حين يلتزم ابن خلدون نظرة دينية بارزة، نجد ماكيافال مقتنعا بأنّ الدين يعوق إدارة السلطة. [18] ومع ذلك، فبالإمكان تبيّن قاعدة منهجية مشتركة بينهما، وهذا مفيد جدّا فيما يتـّصل بمنظور الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، لأنّ النظر في العلاقة بين ابن خلدون وماكيافال يفضي إلى إزالة الوهم عن البحث في مسألة الإسلام والحداثة. فهذا عبد الله العروي يقول:

إنّ الخطوة الحاسمة التي خطاها ابن خلدون وماكيافال، كلّ في إطار تقليده الثقافي الخاصّ، هو رفض الطوباوية رفضا باتـّا قاطعا. فقد كان الفكر الأفلاطوني الذي يخلط بين الكائن وما يجب أن يكون، والحدث والفكرة، والعقل والفضيلة، سائدا في مجتمعيْهما. ولئن كان مفكّرانا ملمّيْن بذاك الفكر بل ويقتبسان منه البعض من متطلباته، إلاّ أنـّهما ما كانا لينجحا في تحديد مجال يجعل الشؤون الإنسانية موضوع دراسة عقلانية لو لم يبادرا برفض مسلّماته المثالية بشكل تامّ. فابن خلدون يؤكّد في الواقع: "عندما يتحدّث الفلاسفة عن مدينة فاضلة وسياسة مدنية، فإنـّما هم يضعون الشروط التي تجعل أيّ حكومة نافلة". أمّا مقولته هو فهي تتمثـّل، على خلاف ذلك، في تحليل الشروط التي تجعل الحكومة لازمة لبقاء النوع الإنساني. وماكيافال يعبّر عن الموقف ذاته، وإن صاغه على نحو مختلف: "لقد تصوّر العديد جمهوريات وإمارات لم يشاهدوها قطّ ولا علموا أنـّها وجدت حقــّا. ذلك لأنّ الذي يتحدّث عن عيش البشر كيف يكون لا كما هو حادث فعلا، والذي يستعيض عمّا يقع بما يجب أن يقع، يتعلّم بالأحرى اندثاره عوضا عن الحفاظ على نفسه". (Principe, cap. 15) وما كان لكليهما، لو لم يتخذ هذا القرار المضادّ للطوباوية، أن يكتشف مجالا إبستيمولوجيا جديدا.[19]    

وقد حدت هذه الواقعية الشديدة بمفكّرنا العربي إلى وضع التاريخ في صميم نظرته إلى العالم. وابن خلدون متشائم تماما إزاء واقعه السياسي المعاصر، وإن كان يحاول إضفاء صبغة عقلانية على الوقائع السياسية والتاريخية. وفي رأي عبد الله العروي، فإنّ هذا الموقف الفكري يجعل مفكّرنا (أي العلاّمة ابن خلدون) مرّة أخرى قريبا من ماكيافال:

لعلّ ميزة ابن خلدون وماكيافال تكمن في قدرتهما، كلّ في إطار ثقافته، على تجاوز هذه الثنائية المنهجية بين التحليل المثالي والتوصيف الوقائعي. ولنا أن نتساءل: ما هي الأداة التي وفـّراها للعلم الجديد الذي أرسيا، بتجاوزهما الواقع التجريبي، سواء سمّيناها التاريخ الانعكاسي، أو علم الاجتماع، أو الفلسفة التاريخية؟ ولعلّ ما وفـّراه هو موقف يتميّز باستناده إلى القاعدة التالية: ليست الأفعال الإنسانية نتيجة العقل، لكنـّها قابلة للمعالجة العقلانية. وهي ليست عقلانية بالأساس، إنـّما يمكن عقلنتها فحسب. أو بعبارة أخرى، فالعقل ليس محرّك التاريخ الذي يمنحه قوّة وحركة، فذاك لا يتأتى إلاّ من الحياة، من الحيوانية، فهي لباسه القشيب الذي يضفي عليها حلّة جميلة وهي في نهاية الأمر قيمته المميّزة الوحيدة.[20] 

لقد خذل الواقع التاريخي طوباوية ابن خلدون، فنموذج الدولية الإسلامية لم يعد قابلا للتحقيق من الناحية العملية. وقد أدّى التحليل الموضوعي غير المتوهّم للمجتمعات الإنسانية عبر التاريخ إلى عقلنة السياسة، كما هيّأ لوعي ثاقب بأنّ المدينة الفاضلة، التي يسود فيها العدل ويحكم فيها الملِك منفـّذا الشريعة الإلهية، إنّما هي مجرّد حلم. ومع ذلك، فإنّ نظام الحكم الأمثل هو الخلافة، وإن كانت في الحاضر قد أفلت ولم يعد ثمّة أمل في إعادة بنائها من جديد.

ولا بدّ هنا من ملاحظة أخيرة، وهي أنّ نهج ابن خلدون مبتكر ومفيد ويمكن مقارنته بمقاربة أنتونيو غرامشي (Antonio Gramsci). وليس الغرض وصف ابن خلدون بأنّه متقدّم على غرامشي، بل القول بأنّ ابن خلدون يرى السياسة، تماما مثل غرامشي،[21] بمثابة علم قائم على الفلسفة (الحكمة). ذلك أنّ السياسة تعدّ الأداة التفسيرية الأهمّ لفهم التاريخ. أمّا التاريخ فيكشف لنا عن "حقيقة" أحوال البشر ويعلّمنا كيف نسيّر العمل السياسي دون هنات أو أخطاء قصد تحقيق رفاه الإنسانية. وبالتالي، فإنّ التاريخ يبقى أصيلا في الفلسفة نظرا إلى أنّ الفلسفة وحدها هي القادرة على أن تمنح التاريخ منهجية تحقيق متينة. وكما يقول ابن خلدون في موضع حاسم من "المقدّمة":

والتاريخ في باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمــة عريق، وجديــر بأن يعــدّ فــي علومــها وخليق.[22]

والتاريخ علم فلسفي ما دام اختصاصا علميا قائما على مقدّمات إبيستيمولوجية متينة، مؤصّلا احتجاجه في الواقع، مستندا إلى تعليل وتحليل واضحين.[23] وإنّ من شأن الصبغة العلمية للتاريخ أن تدفع دارسيه إلى تملّك السياسة والوعي السياسي من جديد. وكما كان الشأن بالنسبة إلى غرامشي، فإنّ ابن خلدون قد درس التاريخ لغرض سياسي. فإن كان التاريخ الأداة التفسيرية الأهمّ لفهم التاريخ، أمكن القول إنّ قراءة التاريخ من منظور السياسة من شأنها أن تهيّئ للفكر العربي والإسلامي تملّك تراثه من جديد بالاعتماد على طرائقه وأدواته الخاصة،[24] وهذا مكمن حداثة ابن خلدون الحقيقية.    



 
[1]  يمكن لمن أراد مزيد التعمّق في هذا الموضوع مراجعة أعمالي التالية: "الإسلام والسياسة" (2003) و "الإسلام والسياسة: مسألة الدولة الإسلامية" (2004) و "النظرية السياسية الإسلامية" و "الدولة الإسلامية: النظرية والتطبيق في عالمنا المعاصر" (2005). (ملاحظة المترجم: كلّ هذه الأعمال باللغة الإيطالية، وقد اكتفينا بتعريب العناوين وإدراج تاريخ نشرها.)

[2]  الماوردي، "الأحكام السلطانية" (لندن، 1996). انظر أيضا:
H. Gibb, Studies in the Civilisation of Islam (Princeton: Princeton University Press, 1982), pp. 151-165; H. Laoust, Pluralismes dans l'Islam (Paris: Geuthner, 1983), pp. 177-258; H. Mikhail, Politics and Revelation: Mawardi and After (Edinburgh: Edinburgh University Press, 1995).  

[3]  ابن خلدون، "المقدّمة" (بيروت: دار الكتب العلمية، 1993)، ص ص. 150-151.

[4] J. Janssens, Al-Ghazali's Political Thought, in the special issue of the "Mélanges de l'Université S. Joseph", LVII (2004), devoted to The Greek Strand in Islamic Political Thought, pp. 393-410; p. 403.

[5]  P. Crone, Medieval Islamic Political Thought (Edinburgh: Edinburgh University Press, 2004), p. 31.

[6]  المرجع السابق، ص ص. 31-32. 

[7]  انظر P. Crone and M. Hinds, God's Caliph: Religious Authority in the First Centuries of Islam (Cambridge: Cambridge University Press, 1986).
 انظر أيضا I. Lapidus, "The Separation of State and Religion in the Development of Early Islamic Society", in International Journal of Middle Eastern Studies, VI (1975), pp. 363-385. 

[8]  "المقدّمة"، ص. 33، الباب الأوّل، "التمهيد". (ملاحظة المترجم: يورد كاتب المقال النص باللغة الإنجليزية، ترجمة: Monteil. الجزء الأوّل، ص ص. 85-86، ويعتمد هذه الترجمة في المتن كاملا سوى في موضع واحد بينـّاه في حينه.)
 [9]  المرجع السابق، ص. 34.

[10]  المرجع السابق، ص. 148، الباب الثالث، "في الدّول العامّة والمُلك والخلافة والمراتب السلطانية وما يعرض في ذلك".
  [11]  المرجع السابق، ص ص. 150-151، الباب الثالث، "في الدّول العامّة والمُلك والخلافة والمراتب السلطانية وما يعرض في ذلك".
 [12]  المرجع السابق، ص. 150.

[13][13]  المرجع السابق، ص. 30، "التمهيد".

[14]  المرجع السابق، ص. 225، الباب الثالث، "في الدّول العامّة والمُلك والخلافة والمراتب السلطانية وما يعرض في ذلك".
 [15]  المرجع السابق، ص. 144. (لم يورد كاتب النصّ هذه الإحالة، وقد أوردناها تيسيرا للمراجعة (المترجم).)
 [16]  المرجع السابق، ص ص. 160-164، الباب الثالث، "في الدّول العامّة والمُلك والخلافة والمراتب السلطانية وما يعرض في ذلك".

[17]  N. Nassar, La Pensée réaliste d'Ibn Khaldoun (Paris: PUF, 1967). G. Turrroni, Il mondo della storia in Ibn Khaldun (Roma: Jouvence 2001).

[18]  انظر A. Black, A History of the Islamic Political Thought (Edinburgh: Edinburgh University Press, 2001), p. 177.

[19]  A. Laroui, Islam et Modernité (Paris: La Découverte, 1987), p. 118
(ملاحظة المترجم: أورد مؤلّف الأصل شاهدا باللغة الإيطالية (عن ماكيافال) ضمن هذا الشاهد الوارد بالفرنسية (عن عبد الله العروي)، وقد ترجمنا الشاهدين تيسيرا للفهم.)

[20]   المرجع السابق، ص ص. 118-119.

[21]  انظر S. Frosini, Gramsci e la filosofia (Roma: Carocci, 2003).

[22]  "المقدّمة"، ص. 3 (ملاحظة المترجم: يذكر كاتب الأصل أنّ الشاهد الذي أورد هنا باللغة الإنجليزية من ترجمته.)

[23]  أودّ أن أذكر هنا أنني أتـّفق مع نقد عبدالسلام شدّادي مقاربة محسن مهدي لابن خلدون. فلئن كانت الشروط التي يستخدمها ابن خلدون للبرهنة على صبغة التاريخ العلمية ذات منحى فلسفي (أي مستندة إلى الحكمة)، فإنّه لا يمكن الاحتجاج بشكل باتّ إلى كونه فيلسوفا مثل أرسطو أو ابن رشد. انظر Le monde d'Ibn Khaldoun (Paris: Gallimard, 2005)

[24]  انظر أيضا A. Laroui, Islam et Histoire (Paris: Albin Michel, 1999)